في مشروعية خطاب "الكراهية للديمقراطية " - عبد الوهاب البراهمي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

حينما نسمع اليوم أصواتا من هنا وهناك تتحدّث عن " الكارثة الديمقراطيّة" وتسخر من "الحلم الديمقراطي" الذي تحوّل عند بعضهم إلى كابوس، وحجّتهم ما آل إليه الوضع في ما يسمّى بلدان "ثورات الربيع العربي". وحينما نقف على النقد اللاذع للديمقراطية من اليمين إلى اليسار في البلدان التي أضحت راسخة في " التجربة الديمقراطية " أي لدى ما يسمّى بـ"الديمقراطيات العريقة"، حيث يزعم الجميع أنه ديمقراطي، فإننا ندرك حينها بوضوح وجود " حالة كره للديمقراطية"؛ يعبّر عنها تصاعد خطاب مضادّ للديمقراطية ، في " الدول الديمقراطية" وبالطبع في البلدان التي تعيش في ظلّ أنظمة استبدادية، والتي عرف بعضها انتفاضات أو ربّما "ثورات" واجهتها مقاومة "لثورات مضادّة"، وجدت في ما آلت إليه هذه التغيّرات الاجتماعية والسياسية من أوضاع صعبة على الصعيد الاقتصادي خاصّة، فضلا عن تنامي ظاهرة الإرهاب و"العنف المقدّس"، مشروعية لخطاب الكراهية المضاد للديمقراطية. وهذا بالرغم من " شيوع الديمقراطية " على نحو لم نعرف له مثيلا وادعاء الجميع الديمقراطية بعبارة " واندي براون"؛ خاصّة بعد انهيار " المعسكر الاشتراكي" وانهيار جدار برلين الخ، حتّى أضحت لدى "غزاة العالم الجدد"، " ديمقراطية للبيع" بعبارة "كريستيان روس" في إحدى مقالاته... ولعلّ هذا ما يجعل الحديث عن " كره للديمقراطية " أمرا مفارقيا في الظّاهر. إذ من منّا لا يودّ أن يكون "ديمقراطيا" إذا ما كانت الديمقراطية وعدا بالحرية والسعادة والكرامة الإنسانية ؟! من هنا كان السؤال عن دواعي وجود خطاب كراهية للديمقراطية: هل يعود إلى الديمقراطية ذاتها كمبدأ أم إلى ممارسة "الديمقراطيين" لها ؟ وإلى أي حدّ يخوّل لنا نقد الممارسة الديمقراطية تبرير خطاب "كراهيتها " وما يستتبعه سياسيا؟

ألّف " جاك رونسيار" كتابا عنوانه "كره الديمقراطية" سنة 2005، عقب " استفتاء حول دستور الاتحاد الأوروبي"، الذي رفضه الفرنسيون بأغلبية(54.67 بالمائة)، الأمر الذي جعل بعضهم من ذوي النزعة المحافظة، يتحدّث عن "فشل الديمقراطية". وبغض النظر عن علاقة هذا الكتاب بحدث سياسي، فإنّ اهتمام جاك رونسيار قد انصبّ على "التفكير في أسباب ظهور خطاب الكراهية للديمقراطية في فرنسا خاصّة"، أي الاهتمام "بظاهرة سياسية " عرفها المجتمع السياسي في فرنسا، بلد الثورة الفرنسية و" التقاليد الديمقراطية العريقة". انتهي جاك رونسيار في تفكيره النقدي للديمقراطية وللخطاب السياسي في المجتمع الفرنسي ، إلى جواب عن سؤالنا ، وذلك بردّ "خطاب الكره بل والحقد على الديمقراطية " إلى سوء فهم للديمقراطية كمفهوم أو كمبدأ. غير أن سوء الفهم هذا لا يفسّر بتعدّد دلالات" الديمقراطية"، إذ في نظره "من العاديّ أنّ الديمقراطيّة تعني أشياء مختلفة بحسب السّياق"، لأنّ الأصل في المفاهيم ليس أن تكون متعدّدة الدلالات بل أن تكون " موضوع صراع". وأنّه "إذا كان هناك إجماع، منذ أن وجدت الكلمة، فهو حول أنّ فكرة " الديمقراطية" تعني أشياء مختلفة ومتناقضة". من هنا ذهب إلى أن الديمقراطية ليست في نظره "شكلا من الحكم" ولا " نمطا مجتمعيا"، ولا " مثلا أعلى " ننشده، بل هي "مسلمة مساواتية égalitaire" وليست هدفا نروم بلوغه، إنّها أساس مشروعية النظام لديمقراطي بل حتى الأوليغارشي. ويقول جاك رونسيار: " إنّ مجتمع المساواة ليس إلا مجموع علاقات مساواتية ترسم نفسها الآن وهنا عبر أفعال فرديّة وعابرة"و " إنّ المساواة توجد مثل مجموع الممارسات التي ترسم مجالها: فليس هناك من واقع للمساواة إلاّ واقع المساواة" . وهذا يعني أنّ ما يحدّد " ممارسة الديمقراطية " هو واقع المساواة وليس "حكم الأغلبية"، أو" سلطة الشعب"، ذلك أن من يمارس السلطة في الديمقراطية " النيابية"خاصّة، هم " من ليس لهم أيّ صفة مميّزة لممارستها". من هنا فإنّ فهم " الديمقراطية بما هي " سلطة الشعب" في واقع ممارسة " فردناية ديمقراطية" individualisme démocratique، تدمّر واقع المساواة وتفضي إلى " كليانيّة" هو الأصل في " كراهية الديمقراطية" . وهذا يعني أنّ ما يفسّر " كره الديمقراطية " هوالديمقراطيون. "فالديمقراطيات ضدّ الديمقراطية". يقول "رونسيار" :" حينما نقول: الديمقراطيات، فنحن نعرّف الدّول ونضع الديمقراطي عدوّا للديمقراطيات... الديمقراطيات، أي البلدان الغنيّة، هي مهدّدة من الديمقراطيّة، أي النشاط غير المراقب للديمقراطيين، من أيّ كان يبحث عن الاهتمام بشؤون المجموعة". ذلك أن الديمقراطية في حدّ ذاتها كما يقول أرسطو:" " شيء حسن، بشرط منع الديمقراطيين من ممارستها" أو بالعبارة المتداولة لتشرشل عن الديمقراطية، بأنّها "أسوء الأنظمة باستثناء كلّ الأنظمة الأخرى". إنّ واقع الممارسة الديمقراطيّة في البلدان"الديمقراطية " وخاصّة بعد سقوط "جدار برلين"، يشهد بسوء فهم للديمقراطيّة، إذ يكرّس خطابا في "جانب كبير منه، يستخدم، و بأشكال مختلفة، ضدّ الديمقراطيّة"؛ خطابا يتّسم بـ"ضرب من الحذر والسخريّة المقنّعة والظاهرة من الديمقراطيّة". لذا فإنّ الاستدلال بما تعرفه المجتمعات الصناعية،أو "الديمقراطيات" من "شرور حضاريّة" ( من قبيل ذريّة المجتمع وصعود النزعة الفرديّة والشعبويّة..) هو صورة من صور سوء "فهم للديمقراطية"، التي تنسب إليها هذه الشرور، التي هي في حقيقة الأمر " علامات " تشهد بحيوية وديناميكيّة الديمقراطية لا بفشلها أو "أزمتها". ولذا فإنّ إصلاح " حال الديمقراطية" يمرّ عبر تصحيح فهمنا لها ومحاسبة " الديمقراطيين" أي " كلّ أولئك الذين يملكون مفاتيح المستقبل، ولهم أفضل الاستراتيجيات السياسيّة- نحاسبهم على كلّ ما يحدث لنا اليوم"، والتوجّه صوب خلق " مجتمع المساواة". وليس هذا من قبيل الحلم بل هو " مشروع" هذه الأجيال الجديدة في سعيها إلى أن تعطي معنى لبعض الكلمات، لبعض الآمال المتعلّقة بهذه الكلمات"، للديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية...
ولكن هل يمكن مع ذلك، ردّ " كره الديمقراطية" إلى الديمقراطية ذاتها كمبدأ ؟
الواقع أنّ نشأة الديمقراطية الحديثة لم يكن حدثا هيّنا بل كان نتيجة مسار عسير، نتيجة "معاناة " عاشتها البشرية طويلا في ظلّ الاستبداد بكل أشكاله. ولم يكن من السّهل حتّى التفكير في" الديمقراطية"، في أسسها وشروط ممارستها، قبل أن تتوفّر حديثا، الشروط الملائمة لهذا: ثورة دينيّة وفنيّة وتحول اجتماعي واقتصادي وسياسي ..ترجمتها وتوجّتها "الثورة الفرنسية" كحدث كونيّ. لقد بنيت الديمقراطيّة الحديثة وفق تصوّرات "فلسفية" متعارضة( من ج.لوك إلى روسو...) لتؤكّد حقيقة استمرار " التباس" المفهوم منذ نشأته عند الإغريق. ولكن لتؤكّد أيضا أنّ التفكير في الديمقراطية ، تأسيسا ونقدا للممارسة السياسيّة، لا يكون إلا بوجودها على وجه من الوجوه. لقد تزامن وجود التفكير الفلسفي في السياسة أو " فلسفة السياسة" مع " إشباع الحاجات" في مناخ الديمقراطية "الأثينية". و لقد كشفت التجارب الديمقراطية في تعدّدها وتنوّع مشاربها عن " صعوبة " تكاد تبلغ حدّ الاستحالة، هي تجسيد الديمقراطية وفق " النموذج الفلسفي . ومن هنا قام التعارض الجوهري، كما ينبّه إليه ريكور، الذي يشقّ "الفلسفة السياسة" منذ البدء، بين" النموذج الفلسفي " و"النموذج السياسي" أو بين" السياسي" (الذي تجعله الديمقراطية ممكنا على مستوى التفكير) وبين " الأخلاقي" ( الذي يطرحه وجود الدولة كعنف، مشكلا). ومن هنا فلا يمكن التفكير في الديمقراطية دون اعتبار هذا التعارض أي دون طرح السؤال الجوهري عن إمكان وجود الديمقراطية بما هي "مبدأ أعلى للحق " في علاقة بالدولة بما هي " إرغام وقهر " أو بما هي "سلطة المنع المراقبة والاحتجاز" بتعبير فوكو. إذ لا إمكان لوجود الديمقراطية خارج مجال "السياسة" أي دون وجود للدولة، أي دون وجود لسلطة سياسية بنيتها "علاقة القوة". وفضلا عن هذا، تقوم الديمقراطية من جهة " الحق" على مستلزمات أو مقتضيات أو شروط تجعلها رهانا "صعبا"على صعيد الممارسة، فهي محفوفة بخطر الانزلاق في "الديكتاتورية " خاصّة في غياب "آليات مراقبة " صارمة. فإذا كانت الديمقراطية من جهة المبدأ تعني استقلالية القرارالسيادي، وبالتّالي مسؤولية تحمّل تبعاته، فإلى أيّ حدّ يمكن ضمان الالتزام بذلك وتجنّب انزلاق واقع الممارسة إلى "استبداد"، أي إلى ما يناقض جوهريا هذه الاستقلالية؟ يعبّر " مارك لوفاربيه" في كتابه "الرأسمالية أم الديمقراطيّة؟" عن صعوبة هذا الرهان" الديمقراطي من جهة آثاره على الفرد، فيقول:" ليس للدّيمقراطية تأثيرات مريحة و لا تقيم مناخا فردوسيا، إنّها تجعل كلّ شخص مسئولا عن عناصر متعدّدة من حياته مع كلّ القلق المترتّب عن ذلك. وهي لا تجعل من السّهل أبدا اتخاذ القرارات بل على العكس. ويجب القول إنّ جنّة عدن كانت بمثابة دكتاتورية . في بعض الحالات، وفي بعضها فقط، فالوضع المثالي للمواطن هو العيش في ظلّ سلطة دكتاتور عطوف بقدر ما هو عليه الإله الأب. تستدعي الاستقلالية خسارة للبراءة المكلفة والمؤلمة. يبدو أنّ ما بعد الرأسمالية الذي ينتشر أقلّ ظلما، أكثر تحرّرا وأكثر احتراما للكرامة الانسانيّة لكنّه يزيد من مسؤوليات الفرد عوضا عن تقليصها". وبالرغم من أن "لوفاربيه" يضعنا أمام خيار " الديمقراطية أم الرأسمالية" منبّها إلى التقابل بينهما، وإلى " وضع الأزمة " الذي يعيشه الفكر السياسي الراهن وعجزه عن "إستنباط " بديل سياسيّ يضع حدّا لآلام البشرية ، أو تتجاوز به "نقائص الديمقراطية"، فإنّه يؤكّد على ما تفرضه الديمقراطية على الفرد من انضباط و " تنازل عن براءته " وما يمثله ذلك من " صعوبة " حادّة على صعيد الممارسة، الأمر الذي يفسّر في جانب منه ما يعبّر عنه "بكراهية الديمقراطية". والواقع أنّ الديمقراطية كمبدأ "عقلاني" للممارسة السياسية هو في الأصل نقيض " الميل السياسي" الطبيعي للفرد بوصفه " حيوانا سياسيّا" بعبارة أرسطو. ويقتضي وجودها " ضربا من "التعاقد" ( بعبارة فلاسفة العقد الاجتماعي). ذلك أنّ الديمقراطية بما تقتضيه من عقلنة للممارسة السياسية هي بمثل ما يقتضيه كلّ مسار عقلنة للواقع من منظور علم الأمراض العقلية عند فرويد وكثير من علماء الطب العقلي (وفق ما ورد على لسان ادغارموران). "تتمثّل في إرادة سجن الواقع في نظام متناسق. فيٌستبعد كلّ ما يتناقض في الواقع مع هذا النظام المتناسق، ويٌنسى ويحفظ جانبا وينظر إليه كوهم أو ظاهر". وهو ما يعني أن الديمقراطية تنظيم يستبعد الفوضى والاعتباطية والصدفة و يقوم على الاستقلالية والسيادة والمسؤولية التي تعني في ذات الحرية والتبعيّة. تكشف الديمقراطية إن من جهة التصوّر أو من جهة ممارستها التاريخية عن "مبادئ صارمة" تجعلها في ذات الوقت " أرقى أشكال الحكم" وأكثرها ملائمة للإنساني وأعسرها تحقّقا لصرامة شروطها ومستلزماتها. وقد أدرك روسو شيئا من هذا حينما عبر ذلك بأنّ "الديمقراطية تقتضي شعبا من الآلهة". إنّ هذه " الصرامة" في التصوّر و"الانضباط " في السلوك هو ما قد يفسّر من منظور بسيكولوجي إن شئنا، خطاب الكراهية للديمقراطية؛ ولكن لا يمنحه إطلاقا أي مشروعيّة. لأنّ الديمقراطية تظل " شعار المجتمع السياسي" حتى وإن بليت الكلمة من فرط استعمالها، وكشف إدّعاءها عن أبشع الممارسات اللاإنسانيّة ( من قبيل غزو العراق باسم نقل الديمقراطية إليها). وكما يقول آلان باديو:" بغضّ النظر عمّا يقلّل يوما بعد يوم من شأن السلطة، فإنّه من المؤكّد أنّ كلمة " ديمقراطيّة" تظلّ الشعار المهيمن للمجتمع السياسي المعاصر. إنّ الشعار هو ما لا يقبل المساس به في النسق الرمزي. يمكن أن تقول ما شئت عن المجتمع السياسي، وأن تظهر له "عنفا نقديا" غير مسبوق ، وأن تشهّر بـ"الرعب الاقتصادي" ، ما دمت تفعل ذلك باسم الديمقراطية ( على شاكلة:" كيف يمكن لهذا المجتمع الذي يزعم أنّه ديمقراطي أن يفعل كذا وكذا ؟)فسيغفر لك المجتمع ذلك. إذ أنّك تحاول في النهاية تقييم هذا المجتمع باسم شعارها وبالتالي باسمها بالذات. فأنت لم تخرج عنها وظللت مواطنا كما تقول عنك، لست بربريّا وستجدك في موقعك الثابت ديمقراطيا . أولا، ومن دون شكّ في الانتخابات المقبلة". إنّ أي نقد للديمقراطية مهما كان " عنيفا "وجذريا حتّى، سيظلّ ممكنا باسم الديمقراطية، بل إنّ "كراهيتها " ليست ممكنة إلاّ باسمها. فضلا عن أنّ الديمقراطية بوصفها مبدأ عقلانيّا للمساواة، مبدأ للممارسة، هي بمعزل عن "الحب" و"الكراهية"،والحقد في نقد رصين وهادئ للديمقراطية.. فكل هذه انفعالات تحيل إلى الوجدان أو بالأحرى إلى "الايديولوجي" حيث تختلط الفكرة بالانفعال، ونبتعد عن التحليل "العلمي" للممارسة السياسية. وإذا كان لنا مبدئيّا وباسم الديمقراطية حرية أن"نكرهها "، فإنّ ذلك لا يبرّر على أيّ وجه من الوجوه تشريع الديكتاتورية أو الاستبداد. فالديمقراطيّة تظلّ، إلى أن يأتي الأفضل منها، أثمن ما بلغه "العقل البشري" في تفكيره في السياسة، بالرغم من تزايد التباس مفهوم " الديمقراطية" اليوم. إنّ "الديمقراطيّة في معنى سلطة الشعب، هي بالذات أساس ما يجعل السّياسة قابلة أن يفكّر فيها"، وبالذات تفكيرا نقديّا.
المراجع:
- كتاب " كره الديمقراطية" جاك رونسيار.
- حوار مع جاك رونسيار نشر في كتاب " الديمقراطية : في أي حال " مجموعة مقالات نشر écosocieté
- كتاب " الحقيقة والتاريخ " بول ريكور
- " الشعار الديمقراطي ّ مقال لآلان باديو ضمن كتاب " الديمقراطية : في أي حال؟"
- " الديمقراطية أم الرأسمالية " مارك لوفاربيه . ترجمة عاطف المولى
- مدخل إلى الفكر المركّب . ادغار موران .

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟