في "التضامن" - اندريه كونت سبونفيل - ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

(...) لقد أفرغ سياسيونا وأصحاب "الأنفس الطّاهرة" مفهوم " التضامن" من كلّ معنى بالحديث عنه في كل وقت وحين، مع ربطه بالتسامح، هذه الفضيلة السياسية بامتياز. ذلك لا يدينه، لكنّه يجعل استخدامه كمفهوم مزعجا. فليس هو مفهوما بل شعارا. وليس فكرة بل مثلا أعلى. ولا أداة بل تعويذة. نريد أن نتركه للاجتماعات العامة أو للصحف. وسنكون على خطأ. إنّ الخلط اللغوي، حتى لو استقام سياسيّا، فهو دائما خطير سياسيّا. من الأجدر الرجوع إلى الدلالة المحدّدة للكلمة، كما يقترحها الاشتقاق. يعود أصل كلمة متضامن ( في الفرنسية ) إلى اللاتينية solidus ( سوليديس). ففي الجسم الصلب solide تكون الأجزاء متضامنة، في معنى كونها لا يمكن أن تُؤَثّر على جزء دون التأثير على غيره من الأجزاء. فكُرَة البيبيليارد مثلا: صدمة بإحدى نقاطها تجعل الكرة كلّها تسير. أو داخل محرّك: تكون القطعتان متضامنتين، حتى لو كانتا منفصلتين، إذا ما لم يقدرا على الحركة إلاّ معا. فليس التضامن أولا شعورا، ولا حتى فضيلة. إنّما هو اتساق داخلي أو اعتماد متبادل، كلاهما موضوعي ومنزوع، على الأقلّ في هذا المعنى الأوّلي، من كلّ غرض معياري. فَستكون كُرَة البيبيليارد بيضاوية بلا شكّ أقلّ ملائمة، لكنّها لن تكون مع ذلك أقلّ صلابة. وما يضفي عليه، أي التضامن، معنى، في اللغة اللاتينية الحقوقية، في عبارة " in solido » "، التي تعني في الجملة أو كُليّة. فالمدينون متضامنون حينما يحمّل أحدهم مسؤولية ( في حال يثبت فيها الآخرون إفلاسهم) مجمل مبلغ الدين. هو بالطبع ضمان، للدائن، وخطر بالنسبة إلى كل من المدينين. وعلى سبيل المثال، يمكن في حالة زوجين حديثي العهد بالزواج، وتحت نظام الاشتراك في الملكية، أن يجد أحد الزوجين نفسه مفلسا، دون إرادته، بموجب ديون الآخر، حتى لو حصلت هذه الديون دون علمه أو ضدّ إرادته. الزوجان إذن متضامنان ماليا: مسؤولان، معًا وفي كلّ شيء، عمّا يمكن أن يحدث لهما، حتى لو كانا منفصلين، أو عمّا يمكن أن يفعله أحدهما.

غير أن الكلمة تذهب في معناها إلى ما بعد هذه الدلالة الحقوقية الخالصة. يكون فردان متضامنين موضوعيا، إذا كان الذي نفعله لأحدهما يؤثّر أيضا بالضرورة في الآخر ( مثلا لأنّ لهما نفس المنافع)، أو إذا كان الذي يفعله أحدهما يلزم أيضا الثاني. هذا ما يؤسس النزعة النقابية: كلّ يدافع عن مصالحه، لكن بالدفاع أيضا منافع الآخرين. وهذا يؤسس النزعة التعاونية، بالخصوص تجاه المخاطر، وبالتالي كل مؤسسات التأمين عندنا ( كلّ منها مؤسس، حتى لو كان رأسمالية خالصة، على التعاون ضد المخاطر). فالسائق الرديء، داخل تعاونية، يسبّب خسارة مالية لكلّ المنخرطين؛ بل حتى الجيّدون منهم مؤمّنون بمساهمات الجميع: تُسرق سيارة أحد المنخرطين، فيدفع الآخرون ثمن ذلك، أو بالأحرى هم قد دفعوا بعدُ حتى يقع تعويضه عن ذلك.
أين يتجلّى الفرق بوضوح أكثر بين الكرم والتضامن؟ أن تقيم الدليل على كرم، هو أن تتصرّف لفائدة شخص لا تشاركه المصلحة: تحسن إليه دون أن تنتظر منه إحسانا، أي شيئا لصالحك؛ وتخدمه دون أن يخدمك ذلك. فعلى سبيل المثال، حينما تهب عشر فرنكات لمتشرّد يمدّ يده متسوّلا ( عشر فرنكات؟ بهذا القدر؟): فقد زدته عشر فرنكات ونقصت منك عشر فرنكات. فليس هذا تضامنا إنما كرما. وستكون مخطئا لو أخجلك ذلك، ولكن قد تكون مخطئا لو اكتفيت بذلك. ذلك أنّ المتشرّد في النهاية سيظلّ مع ذلك متشردا. وسيكون من الكرم أكثر إيواءه أو دفع ثمن كراء مأوى له؟
وفي المقابل، أن تقيم الدليل على التضامن، هو أن تتصرف لصالح شخص تشاركه المصلحة: بالدفاع عن مصالحه، تدافع أنت عن مصالحك. مثلا، حينما يُضْرِبُ الأجراء للمطالبة بزيادة في الأجر: هم يطالبون بذلك للجميع، لكن كل فرد يعرف انّه يكافح من أجل نفسه. والأمر نفسه حينما تنخرط في نقابة، وحينما تشترك في التأمين أو حينما تدفع ضرائبك. فأنت تعلم جيدا أنك ستحصل على منفعة- بالرغم من أنك، فيما يتعلق بالضرائب، تحتاج إلى نظام مراقبة وعقوبة ممكنة ليساعدك على الاقتناع بأنّ دفع الضرائب يعود عليك بالنفع...). ليس هذا كرما بل تضامنا. وتخطأ هنا أيضا، لو أخجلك هذا، لكن بنفس القدر لو اكتفيت به. ذلك أنّك لم تتخلّص في النهاية من الأنانية. فكم من وغد منخرط في النقابة ويتمتع بالتأمين ويدفع ضرائبه بانضباط؟
الكرم، في أصله نزيه. وما من كرم هو كذلك. فأن تكون كريما، هو أن تتخلّى، جزئيا على الأقلّ، على مصالحك. وأن تتضامن، هو أن تدافع عنها رفقة آخرين. أن تكون كريما، هو آن تتحرّر، على الأقلّ جزئيا، من الأنانيّة. أن تكون متضامنا، هو أن تكون أنانيا مَعًا وبذكاء ( لا بغباء، كل لصالحه أو البعض ضدّ الآخرين). إنّ الكرم هو نقيض الأنانية. والتضامن هو بالأحرى جمعنته socialisation الفعّالة. لأجل ذلك يفضّل الكرم أخلاقيا. ولأجل ذلك يكون التضامن أقلّ أهمية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. مَنْ مِنّا لا ينزّل الأب بيير في منزلة أرفع من متوسطّي النقابيين والمضمونين ودافعي الضرائب ؟ ومن لا يعوّل، من أجل الدفاع عن مصالحه، على الدولة والنقابات وشركات التامين، أكثر من التعويل على قداسة أو كرم قريبه ؟
هذا لا يمنع الأب يير، تحديدا، من أن ينخرط في نظام التأمين، وفي النقابة وان يدفع ضرائبه، حتى لو اقتصر على ضريبة القيمة المضافة، التي لا مهرب منها لأحد - دون أن يمنع ذلك دافعا لضرائبه منخرطا في نظام التأمين ونقابيا من أن يقيم الدليل على كرمه... لكن كلا المفهومان، وإن كانا غير متوافقين في شيء، يظلان مختلفين.".
وإذا ما وجب أن نعوّل على كرم البعض والبعض الآخر حتى يمكننا معالجة كلّ المرضى، مات منهم ملايين دون علاج. وبدلا من ذلك، فقد وقع اختراع شيء بسيط جدّا، على الأقلّ أخلاقيا، أكثر تواضعا من الكرم، وأكثر نجاعة: التأمين الاجتماعي، وبشكل مخصوص التأمين على المرض. لسنا مع ذلك أنانيين بهذا القدر. لكننا نُعالج بشكل أفضل.
ما من أحد يساهم في التأمين عن كَرضمِ. إنما يفعل ذلك بدافع المنفعة، يفعل ذلك مرغما، لكن لا يمكنه الدفاع عن منفعته بنجاعة في مجتمع متضامن، إلاّ بالدفاع أيضا عن منافع الآخرين.
لا أحد ينخرط في مؤسسة تأمين عن كرم. ولا أحد يدفع ضرائبه كرما. وأيّ نقابي سيكون، من ينخرط في النقابة عن كرم! ومع ذلك، فإنّ مؤسسة الضمان، ومؤسسات التأمين والنقابات والضرائب قد قامت، من أجل العدالة وحماية الأكثر ضعفا، بأكثر من كرمنا القليل الذي نقدر عليه أحيانا.
أوْلَوِيّة الكرم، أوّليّة التضامن. إنّ الكرم بالنسبة إلى الفرد فضيلة أخلاقية؛ والتضامن بالنسبة إلى الجماعة ضرورة اقتصادية، واجتماعية وسياسية. الأُولى هي الأفضل ذاتيا. لكنها تقريبيا دون جدوى. أما الثانية ( التضامن)، فلا قيمة لها أخلاقيا؛ لكنّها موضوعيا أكثر فعاليّة.
أين يتعارض الأخلاقي مع السياسي. تقول لنا الأخلاق تقريبا أنه، بما أننا جميعا أنانيون، فلنحاول أن نكون أقلّ أنانية. وتقول لنا السياسة بالأحرى: بما أننا جميعا أنانيون، فلنحاول أن نكون مَعًا وعلى نحو ذكيّ؛ فلنحاول تنمية تقارب مصالح موضوعي بيننا، يمكنه أيضا، ذاتيا، أن يجمعنا( الأمر الذي يجعل التضامن، على كونه ضرورة في البداية، يمكن أن يصبح أيضا قيمة مدنية أو سياسية). تدعو الأخلاق إلى الكرم. وتفرض السياسة التضامن وتبرّره. لأجل ذلك نحتاج إلى كليهما، طبعا، ولكن إلى مزيد من السياسة. ما هو الأفضل؟ أن نحيا في مجتمع يكون فيه كلّ الأفراد أنانيين، وإن بشكل متفاوت، أو أن نحيا في مجتمع دون دولة، دون نظام تأمين، ولا نقابات، ولا ضمان اجتماعي؟ كثيرا ما نتساءل إذا ما كانت الحضارة أفضل من حالة الطبيعة، والتقدّم أفضل من البربرية، أو التضامن أفضل من الحرب الأهلية.
أعود إلى مثال المتشردين. كثيرون يبيعون لنا الجرائد في المترو. لكن حينما نشتري منهم واحدة، فهل يعدّ هذا كرما أم تضامنا؟ يتعلّق هذا بدوافعك، التي يمكن أن تختلط. لكن، يمكن أن نقول حتى نبسّط، بان الأمر يتعلق هنا بالتضامن إذا ما وجدنا في هذا الفعل منفعتنا. لماذا تجد فيه منفعة؟ ألانك تضع نفسك مكان المتشرّد؟ سيكون هذا تعاطفا أكثر من كونه تضامنا. ألأنّك تقول بأنّ وجود هذه الجرائد سيسمح لك، إذا ما فقدت عملك، ببيعها بدورك؟ هذا مشكوك فيه، لأنّ هذه الإمكانية لا تتعلق تقريبا بفعل شرائك أوْ لا لهذه الجريدة اليوم. والأقرب إلى التصديق، هو أنك لا تجد في شرائك الجريدة منفعتك إلاّ إذا كانت الجريدة المقصودة هي... ذات أهمّية. فإذا اعتقدت أن هذا هو الحال، مثلا لأنّك تعودّت قراءتها وكنت تجدها ممتازة، فإنك تشتريها لمنفعة: فهو تضامن، لا كرم. وإذا لم يكن الأمر كذلك، وإذا ما كنت على علم مسبقا بأنّك ستتخلّى عن هذه الجريدة، إذا لم تشتريها إلا مجاملة للمتشرّد أو لخدمته، فذلك كرم منك وليس تضامنا. أيهما الأفضل ؟ بالطبع أخلاقيا الكرم. لكن هذا لا يُصلح من أمر الإقصاء أو الخصاصة شيئا. سيكون للمتشرد فرنكات زائدة، وسينقص منك بعض فرنكات؛ ولن ينقص من إقصاء المتشرد شيئا ولن يكون المجتمع أقلّ ظلما. والأفضل أن تصبح هذه الجرائد ممتازة، ليشتريها ملايين من القرّاء عن منفعة، مثلما نشتري حاجاتنا اليومية أو مجلاّتنا المعتادة، وبتعبير آخر عن أنانية. سيكون الأمر أخلاقيا أقلّ جدارة. لكنه اجتماعيا، أكثر نجاعة ولن يكون البائع مَقْصيّا، بل بائعَ جرائد. وأكثر ما يدهشنا لو فكّرنا فيه، هو أنه حينما أشتري جريدتي من المكتبيِّ، فلا هو ولا أنا نتصرّف عن كرم - ولا الصحفيين بالمناسبة أو مالك الجريدة-. جميعنا يبحث في ذلك عن منفعته، غير أنّنا لن نجدها إلاّ من حيث تتلاقى منافعنا، على الأقلّ في جانب، وهذا ما يفعلونه فعلا ( وإلاّ اختفت الجريدة ). من هنا كانت الصحافة أيضا سوقا، وهذا بالذات، دون أن يعني إدانتها، هو ما ينقذها. يشتغل كلّ سوق على أساس المنفعة. لكنّه لن يشتغل بنجاعة ولمدة طويلة إلاّ بشرط خلق أو الحفاظ على التقارب الموضوعي للمنافع( الذي يمكن أن يصبح عند الضرورة ذاتيا). الأنانيّة هي محرّك في كلّ واحد منّا. أما التضامن فهو التنظيم بالنسبة إلى الجميع.
هل هي ليبريالية؟ ولكن لماذا يجب أن نخشى هذه الكلمة. تكون الجرائد دائما، في مجتمع السوق أكثر أهمية منها في مجتمع اشتراكي. ينسحب هذا كما تثبته التجربة، على كلّ سلعة. فالثياب هي أحسن جودة دائما إذا ما وَجَدَ فيها البائع والصانع منفعته. يجب إذن أن يجدوها، وقد أثبت السوق فعاليته أكثر من التخطيط والمراقبة ( التي تصبّ تقريبا وبالضرورة، في السوق السوداء). لكن سنكون على خطأ، بالطبع، بالاعتقاد أنّه يمكن للسوق أن يكون كافيا لكلّ شيء. أوّلا، لأنه لا يصلح إلاّ للسلع ( بيد أن الحريّة ليست كذلك، ولا العدالة ولا الصحّة والكرامة...)؛ ثمّ لأنه أي السوق لا يعرف كيف يستوفي تنظيمه الخاص. ما الذي ستصبح عليه التجارة، دون حقّ في التجارة؟ وكيف سيكون هذا الحقّ ذاته سلعة؟ كيف سيُباع؟ وكيف يمكن له أن يكون كافيا، إذا ما تعلّق الأمر بما لا يُشترى؟ نلمس هذا، هنا أيضا، في الصحافة. إنّ ترك هذا الحقّ خالصا وببساطة لقوانين السوق، هو أن نضع موضع السؤال استقلاليتها ( قبالة سلطة المال)، خاصيتها وتنوّعها وتعددها. من هنا اخترعنا إذن جملة من القيود، بمثل مساعدات للصحافة، لا تلغي ظواهر السوق ( سيكون لصحيفة دون قارئ صعوبة في البقاء، وهذا جيدّ )، لكنها تعدّلها وتخفّف من آثارها. المعلومة هي أيضا سلعة. غير أن حرية الإعلام ليست كذلك. الصحيفة تباع وتشترى. بينما حرية الصحفيين والقرّاء لا. ينسحب هذا على الصحّة والعدالة والتربية، وحتّى على الغذاء في جانب منه على الأقلّ، أو على السكن. ما من ظاهرة من هذه الظواهر تفلت كلية عن السوق. لا أحد، اللهم إلاّ للتخلّي عن حماية الأكثر ضعفا، بإمكانه أن يتخلّى عنه كلّيَةً. يخلق السوق التضامن، لكنه يخلق التفاوت، والفقر، والإقصاء. لأجل ذلك نحتاج إلى دولة، لحقّ في التجارة، لحقّ اجتماعي ولحقّ للصحافة، الخ..، لكن نحتاج أيضا للنقابات والجمعيات والتنظيمات المشتركة للمراقبة والتصرّف... يكون السوق أكثر فعالية من اقتصاد منظّم إداريا. غير أنّ قانون الجميع ( الديمقراطية) هو أفضل من قانون الغاب. لكنه أيضا أكثر عدالة، سياسيا، من مجرّد ضمان شخصي.. هنا يخطا المفرطون في اليبيرالية. أن يخلق السوق التضامن، فذاك لا يعني أنه يكفيه. وهنا أيضا تخطأ النزعة الجماعية. وأن يكون السوق غير كاف للتضامن، فذاك لا يعني بأن التضامن يمكن أن يستغني عنه. لمجد السياسة والنقابات والتأمين."

 

- أندريه كونت سبونفيل - المعجم الفلسفي - نشر بيف , 2001

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟