ملخص شامل حول اطروحة "امحمد زكور" : الجغرافيا والتكوين الفكري : مساهمة في بناء نموذج ديداكتيكي وتطبيقاته على مستوى تقييم الطلبة المغاربة المجازين والمقبلين على مهنة التدريس" الجزء الثاني - عبد الرحمان شهبون

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

بعدما تناولنا ضمن ثنايا الحلقة الأولى من هذا الملخص الشامل تقديما عاما لأطروحة الدكتور "امحمد زكور"، بجانب الفصل الأول من القسم الأول من محتوى هذه الرسالة العلمية، سنخصص هذه الحلقة الثانية لخطوات النهج الجغرافي، وهي خطوات الوصف، والتفسير، ثم التعميم. هذه الخطوات المنهجية تمثل الفصول الثلاثة التالية من هذه متن هذه الرسالة الأكاديمية (الفصل الثاني والثالث والرابع من القسم الأول).

 

chahboune21

الفصل الثاني : الوصف الجغرافي/la description géographique  (ص ص : 43- 58)

يعتبر "وصف الأرض" هو أقدم تعريف أعطي للجغرافيا. وقد شهد الوصف الجغرافي منذ القدم تطورا في موضوعه وشكله وأهدافه. وباعتباره وظيفة أساسية للجغرافية، شكل الوصف أحد العناصر الأكثر ثباتا لها.   

إذا كان الوصف قد ظل لمدة ألفي سنة الوظيفة المهيمنة والوحيدة للجغرافيا، فقد عرف مفهومه تطورا من خلال المرور بثلاث مراحل متداخلة : تمثل المرحلة الأولى مرحلة الوصف الخطي، في حين تشكل المرحلة الثانية مرحلة الوصف الموسوعي، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الوصف العقلاني/المنطقي (Cholley 1951).

1- الوصف الخطي (la description linéaire):

اعتبر الإغريق القدامى من أوائل الشعوب الذين عملوا على توسيع وتدقيق اهتمامات الجغرافيا، من خلال التحول التدريجي من دراسة الكواكب نحو دراسة الأرض. وهو ما جعل الجغرافيا تحتفظ بأصولها الكونية. وقد اهتم "الوصف الجغرافي أساسا بالأرض في مجموعها من حيث : الشكل والبعد والحركة... بالارتكاز على إجراءات رياضية".(Dagenais 1971)       

وقد ورث الرومان المعارف الجغرافية الإغريقية وعملوا على توجيهها نحو استخدامات عملية، فقد أصبحت الجغرافيا أساسا في خدمة الدولة، وخاصة في مجال الإدارة وحفظ الأمن ضمن فضاء الإمبراطورية. وقد استجاب الرومان لمفهوم مختزل للوصف الجغرافي والمقتصر على دليل مبسط للمحاور الطرقية...

وخلال العصور الوسطى، ظلت المعلومات العملية (حالة الطرق التجارية، الحواجز الطبيعية، المسافات، المنتجات...) والصور المثيرة هي العناصر الأساسية ضمن الوصف الجغرافي. كما هو الشأن بالنسبة لكتابات ماركوبولو، وكتاب ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، وكتاب المسالك والممالك لابن خردابة (ق 9م)...

كما اهتم هذا المفهوم الخطي للوصف الجغرافي، أيضا بتحديد خطوط السواحل، مجاري الأنهار، مواقع المدن، وخطوط التضاريس. وبالإضافة إلى التعبير اللفظي فقد لعب التعبير الكارطوغرافي دورا مهما ضمن هذا الوصف الخطي. فمن جدول بوتيني (Peutigner) إلى خريطة طرق فرنسا لساسون (Sason)، بدأت ملامح المجال في التدقيق. الهدف العملي لهذا الوصف تم إدراكه بوضوح من طرف التجار والإداريين والعسكريين.

وقد عكس الوصف الخطي دائما مفهوما فقيرا نسبيا للمجال الجغرافي على المستويين الكمي والنوعي. فعلى المستوى الكمي تم اختزل المجال الجغرافي الموصوف في هوامش الأراضي المهيكلة بأشكال الطرق (الطرق، الأنهار، السواحل...). أما على المستوى النوعي فقد حددت خصائص المجال الموصوف في مفاهيم المسافات والمواقع. ولهذا فإن هذا الوصف لم يكن في خدمة التفسير وظل طموحه العلمي محدودا. ومقارنة بالوصف الحالي من حيث الشكل والمضمون، يمكن نعت الوصف الخطي "بشبه الوصف".

2-الوصف الموسوعي (la description encyclopédique):    

الوصف الموسوعي هو نوع من الجرد الدقيق والكامل من حيث التجميع والتصنيف للمعلومات المختلفة والمتنوعة، المتعلقة بالتضاريس والمناخ وتاريخ المجتمعات البشرية، وأنظمة الحكم، والقيم والعادات... الاهتم بهذا النوع من الوصف كان يسير بشكل ثنائي مع الرغبة في التحكم في المجموعات الترابية الواسعة.

بالمقارنة مع الوصف الخطي، فقد تم إغناء المجال الجغرافي كميا ونوعيا مع الوصف الموسوعي. فعلى المستوى الكمي اهتم الوصف بالمجلات الترابية بأحجام مختلفة، انطلاقا من القرية إلى مجال القارة وإلى عموم الكرة الأرضية، مرورا بالوحدات المجالية الوسطى المجزئة بطرق مختلفة. أما على المستوى النوعي فإن خصائص محتوى المجال الموصوف تم إغناؤه بمفاهيم : الشكل، والحركة في المجال، والتطور...    

التعبير الكارتوغرافي الذي سار بشكل مواز لهذا الوصف الموسوعي هي خرائط الجرد. وقد تباين أسلوب هذا النوع من الوصف من  التعداد الجاف الخاص "بالإحصاءات الترابية"، إلى الاهتمام شبه الشاعري بالأحداث أو الملامح المتميزة أو الخلابة.

وقد تعرض الوصف الموسوعي للعديد من الانتقادات أهمها :

*أولا: يؤدي محتواه إلى تشتيت الجهود والإضرار بنوع من الدقة والوضوح في الهدف.

*ثانيا: خطابه شبه العلمي، ولغته ذات "السحنة الأدبية" للظواهر الموصوفة، والتي انساقت إليها الجغرافيا، والتي وجب تحريرها منها.              

*ثالثا: تخطيطه على شكل "أدراج"، بهدف التعداد بالنسبة لكل بلد أو جهة، (التضاريس/المناخ/الأنهار/الغطاء النباتي/السكان/الفلاحة/المدن/الصناعة...)، لا يمكنه من جهة أولى من بلوغ الخطوة التركيبية، ويؤدي من جهة أخرى، ضمنيا إلى نوع من الحتمية ذات التأثير الطبيعي القوي على الإنسان.

*رابعا: طريقته التحليلية والمرتكزة على عرض المعلومة وفق التعبير الشائع : "لا شيء يفهم وكل شيء يحفظ في الذاكرة"، ومن هنا تأتي سمعته البيداغوجية السيئة في الوسط المدرسي.

هذه العيوب تجعل الوصف الموسوعي يرتب ضمن خانة "شبه الوصف"، وبتجاوزنا لثغراته يمكننا الوصول لعتبة الوصف العقلاني.

3-الوصف العقلاني/المنطقي (la description raisonné)  

الوصف الجغرافي في نسخته العقلانية/المنطقية هو عملية فكرية والتي تكشف عبر سيرورة للتحليل والتركيب، بهدف الإدراك والتعبير عبر أدوات أدبية ورقمية وجغرافية المنبهات التي تمكن من تحديد ظاهرة/الكيان الجغرافي من حيث المورفولوجيا والتوطين والحركة.

فهذا التعريف، يحدد طبيعة الوصف، وموضوعه ومنهاجه/مقاربته.

*طبيعة الوصف : هو عملية فكرية من خلالها يتم التعبير عن إحدى خصائص المعرفة الجغرافية.
*موضوع الوصف : يرتبط بإبراز خصائص الكيانات الجغرافية من حيث المورفولوجيا والتوطين والحركة.
*منهج الوصف  : يظهر من خلال عملية مزدوجة حيث يهتم التحليل بموضوعية العناصر المشكلة للموضوع الموصوف، بينما يهتم التركيب بترتيب وتفسير هذه العناصر.

أ- موضوع الوصف :

بماذا يهتم الوصف العقلاني/المنطقي؟ الجواب عن هذا السؤال ليس بسيطا. فعمق الكلمة يوحي بأن الوصف الجغرافي يهم مجموع الكرة الأرضية. وهو ما يجعل من الوصف مشروعا واسعا وخياليا.
فإذا كان الوصف الموسوعي قد ارتكز على مبدأ الانتقائية، فإن الوصف العقلاني عمل على تعديل طموحه على المستويين النظري والعملي.
وهكذا فالمشكل يتغير من خلال الانتقال من المستوى الكمي إلى المستوى النوعي. فالوصف لا يستهدف أن يكون شاملا. ولكن أين عليه أن يقف؟ ماهي العناصر  والمميزات التي يجب الاحتفاظ بها؟ لذلك فإن المشكل يرتبط بالأساس بتحديد كفاءة الملاحظات وبالظواهر الملاحظة.

*المقاربة من خلال دراسة الحالة :

لا يوجد ضمن الإنتاج الجغرافي، نظرة تتعلق باقتراح كموضوع للوصف، نماذج للحالات المتطابقة مع الأوصاف العادية.
"لا يهدف الوصف أن يكون شاملا، فهو يبحث عن استخراج الأحداث النموذجية" (Clozier 1960, p : 105)
تعريف موضوع الوصف الجغرافي من خلال تعداد الحالات أو الوضعيات، يجعل الوصف موضوعا للتساؤل، والذي يتضمن العديد من السلبيات.
أولا : نظريا فعدد الحالات المعتبرة غير محدودة، حيث يطرح عند وضعية الانطلاق مشكل الاختيار. فالاختيار يطرح مشكل المصادقة ضمن سياق العمل في إطار الإشكاليات المتباينة والمحتويات المختلفة. ضمن هذا المستوى، توافق الأخصائيين يظهر من خلال الإنتاجات الجغرافية وخاصة الكتب المدرسية المتخصصة. هذا الإنتاج يتركب حسب المواضيع والمستويات الاكاديمية، وحسب الاهتمامات الآنية، نماذج الحالات أو الوضعيات ومعالجتها من وجهة نظر وصفية.   
ثانيا : لا يصبح الوصف نهائيا من خلال الاختيار على مستوى المحتويات والإجراءات الدراسية.
ثالثا : الانتاجات الجغرافية، من خلال وصف دراسة الحالة، يشير عبر نفس الفرصة بعض الخصائص من أجل انتقاء الحالات المعنية. يتم تحديد هذه الخاصيات من خلال سلسلتين نوعيتين : تضم السلسة الأولى القيم الإيجابية، فالحدث الذي يستحق الحفاظ عليه هو الذي يمكن أن نطبق عليه أحد الخصائص النوعية التالية : نوعي، عادي، كلاسيكي، متوسط، عميق جدا. وتضم المجموعة الثانية القيم السلبية : فالحدث الذي لا يتم الاحتفاظ به إذا كان متميزا، واستثنائيا. فالتمثيلية هو المفهوم الذي يغطي الخصائص الانتقائية المتعلقة بالمعطيات موضوع الوصف.
على مستوى المبدأ خصائص التمثيلية لا تستدعي الموضوعية، رغم أن الوسائل التي تمكن من إدراك هذه الخصائص تتطور نحو دقة متناهية من خلال الارتكاز على معطيات إحصائية وكارتوغرافية.
على المستوى الديداكتيكي، إدراك خصائص التمثيلية يطرح بعض المشاكل. تحديد ظاهرة نوعية أو متميزة يعكس أساسا حكما تنبني مشروعيته الأساس على الاستقصاء. وتتباين العلاقات الديداكتيكية حسب طبيعة الحكم في العالية أو السافلة للاستقصاء الذي يؤطره.
فعند سافلة الاستقصاء، فإن التقييم يظل تكريسا للشرح/البرهنة الذي سبقه (التعريف-المقارنة...).
أما عند عالية الاستقصاء، يظل التقييم فرضيا إذا كانت ملائمته على مستوى الخصائص التمثيلية غير دقيقة، يتعلق الأمر بمعضلة : كيف يمكننا الاستثمار في الوصف قبل التأكد من أن العنصر الموصوف هو نوعي أو قديم... وكيف يمكننا معرفة بأن ظاهرة ما هي تمثيلية قبل وصفها؟  
لذلك، لا يمكننا المغامرة بالوصف انطلاقا من الفراغ الابستمولوجي. في هذه الحالة، ينبني الوصف على الموضوع ومنهجية التخصص العلمي التي ينتمي إليها.
قديما كنا نعتمد على "النظرة المهنية" أو "جودة المعنى" لدى الجغرافي من أجل إثارة وقيادة دراسة ما. أما حاليا فيجب الاعتماد على الأطر المرجعية الدقيقة.
اعتمادا على الكتب المدرسية، اختيار المعطيات الموصوفة يصبح أكثر سهولة، ففي سياق عملية ديداكتيكية، يواجه المدرس وبمعية المتعلم إطارا مرجعيا ضبابيا : يمكننا ضمن هذه الظروف تبني حالات لغرض أو كفاءة مشهودة ضمن المنشورات الجغرافية (كتب، مقالات، خرائط...) واقتراح من أجل وصفها بهدف محاكاتها أو إعادة اكتشافها.
على مستوى البحث النسقي، يمكننا تحسين ظروف اختيار المعطيات الموصوفة، من خلال الاعتماد على الأطر المرجعية، وانتقاء الخاصيات الملائمة بتركيز استراتيجي للوصف. فمقاربة الوصف يتم وفق مرحلتين هما :

*المرحلة الأولى وهي المرحلة التحليلية : وهي مرحلة استكشافية تتعلق بإدراك وتصنيف/ترتيب وتحديد المرجعيات بالنسبة للمعطيات الموصوفة.
*المرحلة الثانية وهي المرحلة التركيبية : تتعلق بالتركيب من أجل إبراز خصائص الظاهرة الموصوفة.
*التقييم : (jugement) الذي يتعلق باختيار المعطيات الموصوفة من خلال ملائمتها وتمثيليتها يضمن الترابط بين المرحلة التحليلية والمرحلة التركيبية من الوصف. فالتقييم لا يتموقع عند عالية أو سافلة الجهاز الوصفي، ولكن عند مكان يمكن استثماره العملي من أجل تحديد محتوى الحالة لمعرفة ما إذا كنا سنحتفظ بها أو نلغيها، ولكن يستمر كأساس مرجعي إذا أخذنا الوصف في شموليته. أما على المستوى البيداغوجي، فإن بيداغوجية الخطأ والاختيارات الكلية يعززان بعض التعلمات. 
من أجل تعريف موضوع الوصف، لا تقترح الإنتاجات الجغرافية سوى جردا للحالات الملائمة للخصائص العادية، كما أنها تستعد لاستخراج المفاهيم التي تظهر لنا مرتبطة بشكل وثيق وثابت لبنية الجغرافيا.

*المقاربة الخاصة بتعريف المفاهيم المهيكلة :
يمكننا تفحص الانتاجات الجغرافية من تعريف ثلاثة مفاهيم وظيفية ومهيكلة لخطوة الوصف الجغرافي : يتعلق الأمر بمفاهيم المورفولوجيا والتوطين والحركة.

*مفهوم المورفولوجيا : يتضمن المعلومات الخاصة بالتركيب البنيوي للظاهرة الموصوفة (الشكل، البنية، الأبعاد/الأحجام...)
*مفهوم التوطين : يتضمن المعلومات الخاصة بالمجال (الموقع، الاتجاه، التوزيع...)
*مفهوم الحركة : يتعلق بتحرك الظواهر وتطورها في الزمان والمكان.

تمثل هذه المفاهيم بنية/هيكلا "لشبكة الملاحظة" التي تتضمن المعلومات المتعلقة بالحالات المعنية. يتعلق الأمر  بالتكامل الذي يأتي لتوضيح ما بين كلمتين ثنائيتين : من جهة الحالات أو الظواهر التي يصبح فيها الوصف ضروريا، ومن جهة أخرى منظومة التحكم التي تمكن من تقنين المعلومة. فالمنظومة المعنية تمتلك رابطا عضويا بالجغرافيا وهو ما يضمن لها نوعا ما من الاستدامة والأبعاد والتي يمكن أن نستفيد منها على مستوى التخطيط البيداغوجي.
والملاحظ أن مفاهيم المورفولوجيا والتوطين والحركة، قادرة على هيكلة مجموع الملاحظات المتعلقة بالجغرافيا، كما أنها تمكن من المعالجة/التحليل ضمن إطار الحقل الديداكتيكي.

ب-منهجية الوصف : 

يرتكز الوصف على مرحلتين هما : المرحلة التحليلية الاستكشافية، والمرحلة التركيبية.

*المرحلة التحليلية الاستكشافية :

هدف المرحلة التحليلية/الاستكشافية يتعلق باستكشاف مجال الاستقصاء من أجل إعداد الميدان للوصف النسقي. هذه المهمة الاستكشافية ترتبط بتعريف، وتصنيف/ترتيب، وتحديد مرجعيات المواد التي ستأخذ وترتب ضمن سياق الوصف. يرتبط الوصف التحليلي بوضع لائحة للعناصر التي سيتم استخدامها ضمن تركيبة الوصف، قصد الانتقال إلى ترتيب/تصنيف العناصر ضمن مجموعات من أجل تسهيل الإدراك الفكري.

ويتباين نمط التصنيف حسب وظيفة الظاهرة الموصوفة، ففي مجال مشكل من عناصر مختلفة جودة هذه العناصر يمكن أن تشكل آلية للتصنيف (عناصر طبيعية، عناصر بشرية...). وعندما يتعلق الأمر بموضوع مشكل من عناصر من نفس النوع يمكننا اعتماد حجم هذه العناصر كمؤشرات للتصنيف (تصنيف المدن حسب حجم ساكنتها). فالجوانب الكمية والنوعية يمكن دمجهما من أجل بناء التصنيفات المركبة (الجهات، الأمم، المجالات أكثر شساعة...).

يركز التحليل في النهاية، على تحديد الموقع الجغرافي للعناصر، بالاعتماد على الإحداثيات الجغرافية أو على مجموعات جغرافية.

"يتبع الجغرافي دائما نفس المسار، فهو يفحص ثم يحاول الإجابة عن التساؤلات التالية : ماذا؟ أين؟" (beaujeu-Garnier,1971, p :25)

عموما، فإن التحليل الاستكشافي يتشكل من ثلاثة عمليات متكاملة وهي : الجرد، التصنيف، والتموقع.

ضمن سياق عملية الوصف، يأخذ التحليل الاستكشافي أهمية استراتيجية. فهو يمكن من موضعية عناصر المجال الموصوف، ومن الفحص السريع لطبيعة ومكونات وموقع هذه العناصر، كما تمنحنا عناصر التقدير المناسبة لقيادة اختيارنا للمجموعات التي يجب أخذها بعين الاعتبار ضمن إطار الوصف النسقي.

*المرحلة التركيبية :

إذا كانت المرحلة التحليلية تهتم بفحص/تمشيط المجال، وتعداد العناصر وترتيبها وتموقعها، فإن المرحلة التركيبية تهتم بإنجاز "الوصف الحقيقي".

"لا يستهدف الوصف الجغرافي إلى تحديد لائحة العناصر التي تدخل في ضمن بنية الموضوع الموصوف. فهي تعبير عن البنية نفسها، أي الحصيلة التركيبية لهذه العناصر. فالوصف هو أكثر من تحليل بسيط، بل إنه تركيب". (Dagenais, 1971, p :70)

فالوصف التركيبي يأخذ شكله من البرهنة، ومن تركيب العناصر بعضها ببعض، ومن اشتغالها بشكل متجانس، من أجل إعطاء تمثيلية خالصة للظاهرة الموصوفة. ويرتبط جودة التركيب بمدى وضوح خصائص الظاهرة الموصوفة.

الوصف التركيبي يتحقق انطلاقا من التقييم المبني على التخطيط.

*التقييم (jugement (Le:

يضمن التقييم الربط بين المرحلة التحليلية والمرحلة التركيبية. ويمكن كل من التعريف والتصنيف وتحديد الموقع، من كشف الخاصيات الأساس التي يجب توضيحها، والجزئيات الهامشية التي يجب إلغاؤها.

التقييم هو الاختيار التابع الذي يعطي للوصف خاصيته الانتقائية، هذه الانتقائية تحدث على ضوء الأهمية الكمية والنوعية للعناصر وللإمكانات التي تختفي في مجال التفسير.

"الوصف ليس هو مجرد تصوير/تشخيص بسيط للظاهرة أو المشهد، فهو تحليل نوعي وكمي للموضوع المبني على أهمية الأحداث" (Dagenais, 1971, p :70) 

القناعات التي تبرهن على اختيار عناصر ما للوصف يجب أن تظهر من خلال جهاز الوصف وبالموازاة عندما يأخذ الوصف شكله. من جهة أخرى، جهاز الوصف العقلاني يجب أن يتمحور حول محور أساسي والذي يمنحه توازنا ملائما، هذا الدور الأساسي  يتطلب تخطيطا/تصميما.

*مخطط الوصف :

يرتبط هذا المخطط أساسا باعتماد طريقة دقيقة/صارمة فيما يخص مكونات ومراحل الوصف. الدقة في تنظيم عناصر الموضوع الموصوف وعنوانه تظل ضرورية. فهو يمكن من التحكم في الاقتصاد العام للمشروع الموصوف : كما يسهل التطور المتجانس والمتناسب لمختلف أجزاء المشروع الموصوف، بالتوافق مع وزنه الخاص، كما أنه يوجه الوصف ضمن منظور متكامل مع التفسير.

لا توجد قواعد محددة من أجل بناء هذا المخطط، رغم أنه يشكل موضوعا للنقاش ما بين المؤطرين التربويين والمدرسين. وتدفع القيم والسيرورة إلى بناء مخطط بدون تقنين نسقي بحجة : أن هذا المخطط يتعرض للتأثير من طرف عوامل غير قابلة للمراقبة، على سبيل المثال طبيعة المعطيات الموصوفة، وزمن وضعها، كيفية تبني قيم المعطيات...

 بالنسبة لطبيعة المعطيات الموصوفة الاقترحات المتعلقة بهذا المخطط تم تقديمها من طرف بعض الباحثين (Cholley, Dagenais, Meynier)، وتظل هذه الاقتراحات غير منسجمة، كما أنها تأخذ بعين الاعتبار اندماج الدراسة الجغرافية أكثر من الاهتمام بوصف الحالات.

"مخطط الوصف الإقليمي يجب بناؤه حسب الخاصيات المميزة لهذا الإقليم، وليس حسب عدد الخانات الثابتة والمعروفة : التضاريس، المناخ، الشبكة المائية، الغطاء النباتي، السكان، الفلاحة، المدن، الصناعة، كما تم استعمالها واستهلاكها في الماضي" (Dagenais, 1971, p :71) 

يمكن قبول هذا المقترح كمبدأ، ولكن تطبيقه العملي يظل صعبا. هذه الضبابية تجعل بناء هذا المخطط أكثر تعقيدا. هذه الضبابية تتظافر مع عوامل أخرى وتؤدي إلى تحديد المرجعية الموضوعية لتأطير بناء هذا المخطط. فالقيم الإديولوجية التي يتأثر بها الباحث على سبيل المثال تؤدي به إلى تطوير أو توضيح خاصية مميزة. كما يؤثر عاملا الزمن والمقياس على مستوى التعميم.

بجانب الصعوبات المطروحة والتي تعرقل بناء تخطيط نسقي للوصف، تنضاف ندرة التفكير النظري الذي بإمكانه إنارة الطريق في هذا المجال. فعلى سبيل المثال ما تقوم به المدرسة، فالمخططات المبنية في إطار الدراسة القطاعية تتشكل ضمن إطار نماذج مقننة. هذه الوضعية تؤزم التفكير حول السؤال وتزيد من صعوبة التعبير عن التكوين الدقيق المبني على الاعتبارات الثابتة.

من أجل المساهمة في حل هذا المشكل، نقترح بعض العلامات العميقة والجماعية ضمن مسار التفكير، في أفق بناء مسطحة منهجية ذات بعد ديداكتيكي لخدمة مفهوم مخطط الوصف. ترتكز هذه العلامات على مفاهيم المورفولوجيا والتوطين والحركة كما هي مثبتة ضمن الانتاجات الجغرافية، حيث تتعلق وظيفيتها بتقنيين وهيكلة المعلومة في مجال الوصف. واعتمادا على هذه المفاهيم تطرح ثلاثة سيناريوهات :

*السيناريو الأول : يتعلق بالوصف بالتتابع من حيث المورفولوجيا، ثم التوطين، وأخيرا الحركة. فالجهاز الوصفي يتكون من ثلاث أجزاء يتحقق تنظيمها عبر انشغال طبيعي من خلال التساؤل حول هوية الظاهرة قبل البحث عن موقعها وحركتها.
على مستوى كل مفهوم نقدم الخصائص المميزة له. تنظيم هذه الخصائص يطرح مشكلا يصعب حله. ضمن هذا السيناريو يوجد تقليد مهيمن على الانتاجات الجغرافية.

على مستوى المورفولوجيا تقديم الخاصيات الخارجية يسبق البنية الداخلية.
على مستوى التوطين تتحدد الإحداثيات الجغرافية قبل تحديد الظاهرة بالمقارنة مع المجموعات الجغرافية.
على مستوى الحركة، نعمل على تحديد اتجاه الظاهرة، ثم سرعتها، وأهميتها.

ينطبق هذا السيناريو على الحالات المرتبطة بالجغرافية العامة. والمثال الأكثر كلاسيكية يتعلق بالكرة الأرضية، حيث نقدم شكل الأرض، موقعها ضمن المجموعة الشمسية، أو بالنسبة للسكان مثلا فالمسار الكلاسيكي يتعلق بوصف الخصائص الديمغرافية للساكنة، وفي المقام الثاني التوزيع المجالي للساكنة، وفي المقام الأخير الحركات الهجرية للسكان.

*السيناريو الثاني : يتعلق بتصور مختلف لمحتوى المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي : المورفولوجيا، التوطين، والحركة. فكل مفهوم يمكن أن يتطور بشكل خاص حسب طبيعة الظاهرة الموصوفة. يظل الحقل الوصفي متمركزا حول مفهوم أو مفهومين من أصل ثلاثة مفاهيم، حيث يصبح شكل المخطط مهللا. ومن أجل التوضيح، فإن الخاصيات الملائمة حسب توجيه الصرح الوصفي. وبالتالي فإن أحد المفاهيم الثلاثة يمكن أن يختزل ضمن تعبير بسيط ولا يمكن البرهنة على استعماله خلال مرحلة من الوصف. ويمكن الاستعانة به حسب المواضيع، أو عند بداية الوصف (حالة المورفولوجيا، والتوطين)، أو عند نهاية الوصف (حالة الحركة)، بهدف تفادي التناقضات ضمن مسار الوصف.

ضمن هذه الوضعية المتخذة، يظل تخطيط استثمار المفاهيم كما هو الحال ضمن السيناريو الأول. وهو ما يجعل الاهتمام بوصف الظاهرة على مستوى المورفولوجيا، متبوعة بالتوطين، ثم أخيرا الحركة.

وضمن كل مفهوم مقدم، وصف الخاصيات المتتالية للظاهرة يصبح عشوائيا، ومن أجل توضيح هذه النقطة نقدم العديد من الوضعيات الممكنة. وفي سبيل الحفاظ على الوحدة المميزة للمقاربة الوصفية، وكما هو الشأن ضمن السيناريو الأول، فإن خصائص الشكل تسبق الخصائص المتعلقة بالبنية بالنسبة لمفهوم المورفولوجيا. بالنسبة للتوطين فالتوطين بالنسبة للمجموعات الجغرافية الكبرى يسبق التوطين بالنسبة للمجموعات الصغرى. وفما يتعلق بالحركة يتم تحديد الاتجاه متبوعا بأهمية التيارات.

على مستوى القيم المميزة للخصائص لا نتوفر على معايير تمكننا من تمييز تخطيط معين على آخر. على مستوى الشكل الطبوغرافي يمكننا تقديم جانبيته (محدب، مقعر...) قبل خاصيته (أفقي، التوائي...)، ومن جهة أخرى فإن أجزاء الجهاز الوصفي غير محدودة داخل المفاهيم المهيمنة. لأن المفاهيم الأخرى لا تتوفر بشكل كاف من أجل تدعيم كل جزء. وسنعمل على تقديم بعض الأمثلة عن المواضيع المتمركزة حول مفهوم معين والتي تنطبق على هذا السيناريو الثاني. 

المثال الأول : يتعلق بوصف "مجرى مائي" معين، في هذا المجال يأخذ مفهوم الحركة أهمية كبرى أكثر من مفهوم التوطين والذي يمكن شرحه بطريقة كافية ببعض الكلمات (تحديد قاعدته الترابية، أو مجاله المناخي). بينما يأخذ مفهوم المورفولوجيا أهمية ثانوية إذا لم نخلط بين المجرى المائي (الهدرولوجيا)، والوادي (الشكل التضاريسي).

المثال الثاني : يتعلق "بالمجاعة في العالم"، ضمن هذا المجال يأخذ مفهوم التوطين أهمية رئيسة، لأن دور الجغرافي يتمحور هنا حول التوزيع المجالي للظاهرة. أما مفاهيم المورفولوجيا والحركة تحتلان أهمية أقل إذا اعتبرنا أن عوامل ومظاهر ظاهرة المجاعة تمثلان مراكز اهتمام أخرى.

المثال الثالث : يتعلق "بتضاريس الكويستا"، حيث يصبح مفهوم المورفولوجيا في الواجهة، أما مفهوم التوطين فيشرح انتشار هذا النوع التضاريسي ضمن الأحواض الرسوبية ذات الطبقات المائلة. أما مفهوم الحركة المجالية فيأخذ مكانة رمزية.

*السيناريو الثالث : يأخذ بعين الاعتبار الوصف ضمن الإطار الجهوي (بينما يأخذ السناريو الأول والثاني صبغة الوصف ضمن الإطار الموضوعاتي).

فالجهة/الإقليم الجغرافية حقل تتعايش وتتفاعل داخلها عناصر أو مجموعات تساهم في تشكيلها كل حسب وزنه الخاص، لا يمكن وصف مكونات الجهة بشكل مواز. ولأغراض ديداكتيكية فوصف المكونات يجب أن يتم بطريقة متعاقبة. تراتبية وصف مكونات الجهة لا يمكن إنجازه هنا بحكم اختلاف الشكل الخاص بالجهة الملاحظة، والمعايير المعتمدة لتحديد الجهة المعنية بالوصف.

وبعد الانتهاء من العمل المتعلق بتعريف وترتيب مكونات الجهة، ننتقل إلى الوصف المتعاقب من المورفولوجيا إلى التوطين إلى الحركة. وضمن هذا الوصف وحسب الحالات اعتماد إما على السيناريو الأول أو الثاني. وعناصر الجهاز الوصفي ستكون غير محدودة حسب طبيعة وأهمية مكونات الجهة الموصوفة.

عموما يتضمن الوصف بجانب أجزائه، مقدمة وخاتمة. فالمقدمة تفتح ورش الوصف وتحديد أهدافه، بينما الخاتمة تختزل الحصيلة الإجمالية بطريقة تسهل الربط بين الوصف والتفسير

السيناريوهات الثلاثة لا تقصي الترابطات البينية، المتعلقة بتحديد خاصية المجال الموصوف عن قرب. كما تمثل هذه السيناريوهات محاور للتفكير قابلة للإغناء، في أفق التأسيس لنقاش يهم مخطط الوصف الجغرافي.

يتحدث الجغرافيون والبيداغوجيون عن المخطط، فهم ينجزونه بصفة عامة، محلقين نحو مستويات عالية (مجموع الجغرافيا أو الفروع الكبرى)، أو بشكل خاص وضمني عبر الحالات المعالجة في الكتب المدرسية. لكن غياب الخطاطة الوسطى والتي تحتل مكانة استراتيجية لكونها تهيكل مجموع المفاهيم التي تدعم الجغرافيا. ويمكن أن تطور هذه الخطاطة نحو "المسطحة" التي من الممكن أن تركز النقاش الذي يقود بدقة متناهية وموضوعية مخطط الوصف، وتظل إيجابياتها قائمة على المستوى البيداغوجي، وعلى مستوى تكوين الأساتذة وتحسين ممارساتهم.

الشكل 1 : خلاصة للسيناريوهات الثلاثة

السيناريو الأول

السيناريو الثاني

السيناريو الثالث

أجزاء غير محدودة من خلال حدود كل مفهوم

أجزاء غير محدودة ضمن نطاق كل مفهوم مهيمن

أجزاء غير محدودة حسب طبيعة وأهمية كل مكون

الخاصية الأولى : المورفولوجيا

الحالة الأولى : التوطين/المورفولوجيا/الحركة

المكون الأول :

المورفولوجيا                  التوطين

التوطين                        المورفولوجيا

الحركة                           الحركة

الخاصية الثانية : التوطين

الحالة الثانية : المورفولوجيا/التوطين/الحركة

المكون الثاني :

المورفولوجيا                 المورفولوجيا

التوطين                           التوطين

الحركة                             الحركة

الخاصية الثالثة : الحركة

الحالة الثالثة : المورفولوجيا/التوطين/الحركة

المكون الثالث :

المورفولوجيا                 المورفولوجيا

التوطين                          التوطين

الحركة                            الحركة

 

اختيار العناصر الموصوفة وتنظيمها ضمن المخطط تسير بشكل ثنائي مع التفكير الذي يجمع مجموع المكون الوصفي. وبموازاة الوصف نسجل أهمية ما نصفه : حيث نوضح العناصر الموصوفة من أجل توضيح دورها في إطار مشروع التفسير .

ويأخذ هذا التفكير أشكالا مختلفة، يمكننا أن ننطلق من وصف العناصر البسيطة من أجل الوصل إلى الوصف التركيبي لمجموع العناصر. ويمكننا تقديم العمل من خلال إبراز الخصائص العامة للمجموعة الموصوفة والتطور التدريجي نحو تحديد الخصائص المميزة للأشكال...

عموما، فالوصف يهدف إلى تقديم الظاهرة الجغرافية بطريقة عملية، وتوضيح المنبهات الخاصة بالظاهرة المعنية في علاقة مع المورفولوجيا والتوطين والحركة.

ويظهر الوصف كميكانيزم يشتغل وفق محورين أساسين هما التحليل والتركيب. من خلال تعريف وتصنيف وتوطين العناصر، فالتحليل يهيئ العناصر المنتقاة من خلال التقديم النسقي للمنبهات بالعلاقة مع المورفولوجيا، التوطين والحركة. بينما التركيب يبني منتوجا نهائيا وتركيبا حسب مخطط مهيكل. ضمن هذا المنظور "فالوصف بعمليته المزدوجتين التحليلية-التركيبية هو عمل فكري، وتمكن موضوعية خصائصه من التأسيس للتكوين الفكري".

الفصل الثالث : التفسير الجغرافي /l’explication géographique(ص ص : 60 – 104)

1-التفسير : نصيب/قدر الأنشطة

ظلت الجغرافيا منذ نشأتها وحتى القرن 19 جغرافية وصفية، جودة الوصف الجغرافي والحالات التي اهتمت بها عرفت تطورا على امتداد القرون، وانطلاقا من اعتبارات فلكية عرف الخطاب الجغرافي توسعا على امتداد منعطفات الوصف وتزايدا لآفاقه المجالية، حيث تمكن من بناء تصور ناضج وعقلاني، بالارتكاز على وسائل التعبير المختلفة. وباستثناء بعض النماذج النادرة ظل الانتاج الجغرافي مقتصرا على وصف الأشياء من حيث "أين" و"كيف".

خلال النصف الثاني من القرن 19 عرفت الجغرافيا تحولا جوهريا في اهتماماتها، فلم تعد تهتم فقط بوصف وتصنيف الظواهر، بل المساهمة في تفسيرها. كما تمت إعادة توجيه الوصف ليكون في خدمة التفسير. وبانخراط الجغرافيا في البحث عن "كيفية" الأشياء أخذت وضعية علمية، من خلال تجديد السياق الفكري والعلمي المناسب لها.

ضمن هذا السياق الفكري، أصبحت الجغرافيا تطمح إلى تفسير الظواهر الجغرافية التي تدخل ضمن اختصاصاتها. وقد عملت العلوم الإنسانية على مواجهة هذه الصعوبات والتحديات من خلال صدى تبني مبادئ "الوضعية" وخاصة مع "أوجست كونت". وفي هذا السياق تأثرت الجغرافيا بالعلوم الطبيعية (البيولوجيا، الجيولوجيا) التي طورت فكرة تكيف أشكال الحياة مع الأوساط الطبيعية للمحيط. وقد منحت النظرية التطورية اللحمة الأساس بالنسبة للجغرافيا من أجل تطوير فكرة السببية.

وقد تم تشكيل المكتسبات العلمية الجديدة وفق مبادئ جديدة والتي أثرت على التفكير الجغرافي، وقد تم اجتياز هذه المرحلة الحاسمة اعتمادا على مجهودات "ألكسندر همبلت" الذي جعل من الجغرافيا علما من خلال مبدأ السببية ومبدأ الجغرافيا العامة. 

وقد وجه هذين المبدأين الأعمال الجغرافية نحو البحث عن الأسباب التي تحدد الظواهر المدروسة، من أجل التدقيق والبحث عن الأسباب التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مجموع الكرة الأرضية. وهو ما جعل التفكير الجغرافي يرتقي نحو ما هو عالمي ويبتعد عن كل ما هو محلي.

وقد عمل "دومارتون" على الاحتفاظ بهذين المبدأين (السببية والعالمية)، واضاف لهما مبدأ التوسع. وقد تم تعريف الجغرافيا بكونها العلم الذي يهتم بالعلاقات المجالية وبالتنظيم العام للمجال. وبالتركيز على تفسير القضايا المجالية، وهو الانشغال الذي تم الترميز له بمبدأ التوسع (التوطين). وباستحضار محطة التفسير اعتبر الجغرافيون أن الجغرافيا أخذت وضعية علمية ثابتة.

وإذا كان الجغرافيون قد منحوا للتفسير مكانة متميزة ضمن الجغرافيا، فهل هم متفقون على مستوى البنيات الابستمولوجية لهذا النشاط؟ ضمن السياق الذي يصبح فيه التفسير نشاطا مركبا. كيف يمكننا التخطيط من أجل تقديم نوعية مكوناته؟ وماهي المقاربة التي يمكننا اعتمادها من أجل تقديم التفسير الجغرافي؟

إذا كانت الانتاجات الجغرافية تركز على الخاصية الأساس للتفسير، لكنها لا تقدم له تعريفا دقيقا. ضمن الكتابات المنهجية، يظهر التفسير كانشغال جعل منه موضوعا للنقاش. ومن أجل الوصول إلى تعريف للتفسير من الضروري اللجوء إلى العديد من الاعتبارات التي تميز الإنتاجات الجغرافية.

ويظهر أن توافقا يحوم حول التفسير باعتباره بحثا عن الأسباب/العوامل.

"الجغرافيا هي علم تفسيري، من خلال البحث عن الأسباب، وترتيبها عند تعددها، كما أنها لا تتوانى عن التعبير عن العوامل الذاتية/الأسباب الشخصية" (Derruau 1961, p :18)

ويعلق "ماكس ديرو" على مبدأ السببية كما صاغه كل "إيمانويل دومارتون"، باستخدام ثلاث تعبيرات لتحديد كلمة السبب لتبسيط ما يسمى بالعلم التفسيري. وكل تعبير يرمز إلى حقل تفسيري خاص. يوضح التعبير الأول موضوع البحث (الأسباب/العوامل)، التعبير الثاني يعترف بتعددية العوامل ويحدد الطريقة لمعالجة وترتيب العوامل، بينما يشمل التعبير الثالث بشكل نسقي وشامل كل الحالات بما فيها الأسباب الذاتية/الفردية.  فعلى امتداد قرن من الزمان، برز مفهوم التفسير بشكل ثابت كدلالة للبحث عن العوامل/الأسباب.

يطرح مفهوم السببية العديد من الإشكالات والتناقضات :

المصدر الأول لهذه التناقضات : هو التناقض الأساسي الذي يكمن في اعتباره كعوامل حقيقية وأخرى خيالية. وقد تم الترويج ضمن الكتب المدرسية، لهذا النوع من التفسير (الحتمي)، والذي لقي استجابة من طرف المدرسين الأقل تكوينا. وقد تم توجيه هذا النوع من التفسير للمتعلمين الصغار، والذي ترتب عنه مقاومة عنيدة عندما نريد تصحيحه فكريا لديهم (بيداغوجيا الخطأ).

المصدر الثاني لهذه التناقضات : يرتبط بذاتية الباحث. فالذاتية تؤدي إلى اقحام التفسير منذ مر حلة الملاحظة، والتي تؤدي إلى تشويه العوامل التفسيرية.

المصدر الثالث لهذه التناقضات : يرتبط بالاعتبارات الإبستمولوجية. فمفهوم السببية الذي يشكل نواة التفسير أصبح موضوعا للعديد من الانتقادات منها : التفسير بمنظور كوني/عام انطلاقا من النظريات العامة التي اقتبست من فلسفة العلوم.

هذه المقاربة/التناقضات ارتبطت بثلاثة أبعاد لمفهوم السببية في تعارض مع خصوصية الجغرافيا.

*البعد الأول : يتضمن الانتقادات الموجهة للجغرافيين امثال "راتزل وهتنير" الذين حاولوا تقنيين العلاقات التي تخص الظواهر الجغرافية متسببين في نشأة تيار الحتمية. وفي أفق تجاوز هفوات هذا التيار نشأت الاحتمالية/الإمكانية (دولابلاش). والملاحظ أن العلاقات السببية هي علاقات متبادلة (تأثير المناخ على التضاريس//تأثير التضاريس على المناخ...). وبحكم تعقد العلاقات ما بين الأسباب والنتائج أصبحت الجغرافيا "علما للعلاقات". كما ان تعدد الأسباب/العوامل المتحكمة في الظواهر الجغرافية يتطلب من الجغرافي العمل على جرد مختلف هذه العوامل، ثم تصنيفها وترتيبها بهدف تحديد طبيعة العلاقات بينها (علاقات مباشرة/غير مباشرة/بسيطة/مركبة...)، وهو ما يدفعنا إلى الحديث عن "سلسلة من العوامل" أو منظومة سببية متعددة" تتفاعل داخلها مختلف المعطيات... على المستوى الديداكتيكي ترتيب العوامل يمر عبر تعريف حدة تأثيرها (العوامل المحركة).

*البعد الثاني : من الانتقادات التي وجهت للجغرافية الحتمية هو إغفالها للعامل الزمني/البعد التاريخي في تشكيل الظواهر الجغرافية. فالعوامل تشهد تطورا وتعديلا عبر الزمان (مثلا تطور المواقع الساحلية الملائمة إلى موانئ ومدن)، كما أن بعض العوامل قد تتطور إلى نتائج وتؤدي إلى تحريك عوامل جديدة تؤثر في اتجاهات معاكسة...

كما أن الأسباب قد تؤدي إلى تغيير وظيفة الظاهرة الجغرافية وتطورها (تطور الكثل الهوائية أثناء مرورها فوق المجلات البحرية والقارية والجبلية (من كثل رطبة إلى رياح الفهن...)، كما تتباين أدوار العوامل حسب الوضعيات والظروف (نسبية العوامل وعدم ثباتها).

*البعد الثالث : يتعلق بالنقاش حول السببية، وبإدماج دور التاريخ/الزمان كأحد العوامل التفسيرية (الاحتمالية الفيدالية)، أصبح تدريس الجغرافيا والتاريخ توأمين كما هو الحال بالمغرب. وباهتمام الجغرافيا الحديثة بالعاملين الطبيعي والبشري تطور مفهوم التفسير الجغرافي. فالمدرسة الحتمية (راتزل) تعتبر أن الطبيعة هي المحدد للسلوك البشري، بينما تعتبر المدرسة الاحتمالية (دولابلاش) أن دور الإنسان/الحركية البشرية عامل حاسم في تفسير الظواهر الجغرافية...

وضمن العوامل البشرية التفسيرية حاول الجغرافيون الفرنسيون ترجيح كفة أحد العوامل، "فدولابلاش" يعطي أهمية للعوامل التاريخية، ويعطي "دومانجون" أهمية للعوامل التقنية، ويمنح "بير جورج" أهمية للعوامل الاقتصادية...

وباستمرار النقاش حول هوية الجغرافيا ودور الانسان كعامل تفسيري تعددت المقاربات المعتمدة (الماركسية/السلوكية)، وفي سبيل البحث عن العوامل التفسيرية المتنوعة والمركبة للظواهر الجغرافية نشأت نظرية "النماذج"...

وكخلاصة : مع نشأة الجغرافيا الحديثة خلال القرن 19 في أحضان التيار الوضعي، تطور التفسير نحو الكونية/العالمية، ممهدا لنشوء المدرسة الحتمية. وبتزايد الانتقادات الموجهة لهذا التيار ظهر تيار الاحتمالية الذي حاول التوفيق بين العوامل الطبيعية والبشرية باعتبارها عوامل نسبية، والاهتمام بتشخيص مختلف العلاقات (الثابتة/المتغيرة/المحلية/الكونية...) وتأثيراتها المختلفة. وهو ما اعطى للتفسير معنى غنيا، وانعكس بأشكال إيجابية ديداكتيكية وإبستمولوجية على عملية التأليف المدرسي...

2 – أنواع التفسير

المقصود بأنواع التفسير العملية التي نلجأ إليها من أجل توضيح العوامل الجغرافية المحدد أو العوامل المسؤولة عن نشأة وتطور الظاهرة الجغرافية المعنية. ولأغراض ديداكتيكية، فتحديد الأنواع التفسيرية هدفه المساهمة في مأسسة عملية التفسير ضمن الاشتغال الجغرافي من خلال الوقوف عند الأشكال الكبرى للتفسير.

وقد اهتمت الجغرافيا الحديثة في بحثها عن العوامل التفسيرية، بالجانبين الطبيعي (الوسط الطبيعي والبيئي) والبشري (في بعده الاجتماعي)...

وفي هذا السياق يعتبر "دومانجون" أن الجغرافيا هي "دراسة العلاقات ما بين الإنسان/المجموعات البشرية والوسط الطبيعي". وأن دور الإنسان يكمن في العمل على تعديل هذا الوسط باستمرار...

وقد عملت الإنتاجات الجغرافية على تحديد البعد الاجتماعي للعامل البشري في شخص "التجمعات البشرية"  أو "المؤسسات البشرية" أو "الأنشطة البشرية" من خلال إدماج مفاهيم المجتمع والتراب، والعوامل الثقافية والسيكولوجية بهدف المساهمة في توضيح تفسير الظواهر الجغرافية...

وفي هذا السياق، فإن المجال هو الدعامة الأساس للعلاقات ما بين المجتمعات البشرية والوسط الطبيعي، لذلك يجب أن نوضح بأن الوسط الطبيعي يتضمن من العديد من المكونات (التضاريس/المناخ...)، وتأثير هذه المكونات يظهر بأشكال مختلفة على المجتمعات البشرية، كما أن المجتمعات البشرية بدورها تؤثر على تنظيم المجال عبر مكوناتها (التنظيم الاجتماعي/الثقل الديمغرافي/المستوى التقني/النظام الاقتصادي...).

يمكننا اعتبار بأن العاملين الثنائيين (الإنسان/الطبيعة)، هما العاملين الأساسين لتفسير الظواهر الجغرافية، وهكذا نستخرج وضعيتين :

*الوضعية الأولى تتعلق بتأثير الطبيعة على الإنسان

*الوضعية الثانية تتعلق بتأثير الإنسان على الطبيعة.

وضمن كل وضعية من الوضعيتين يعتبر الجغرافيون مستوى عام للعلاقات السببية ما بين المكونات، فضمن الوضعية الأولى يمكن للعوامل الطبيعية أن تؤثر على مكونات طبيعية أخرى. كما أنه ضمن الوضعية الثانية يمكن للعوامل البشرية أن تؤثر على مكونات بشرية أخرى. وعلى العموم يمكن تشخيص مجموع العمليات ضمن الأشكال التالية :

chahboune212تحديد هذه الأنواع من التفسير يظل لأغراض ديداكتيكية، فهي تمكن من تشخيص النماذج الأربعة للوضعيات، وتحديد طبيعة العلاقات الأحادية أو المزدوجة، والتي يمكن اختزلها في الوضعية التالية

chahboune213

هذه الأشكال تركز على العلاقات التفاعلية يمكننا ترتيب هذه الخطاطة على الشكل التالي :

chahboune214

أ- تأثير الطبيعة على الإنسان :

سنحاول العمل على تحقيق التوازن ما بين التيار الحتمي (دور العوامل الطبيعية)، وتيار الجغرافيا الاجتماعية الذي طوره "بارو" (H.Barrows) بجامعة شيكاغو سنة 1923.  وباعتبار التأثير القوي الذي تمارسه الجغرافيا الفرنسية داخل الجامعة المغربية وعلى التأليف المدرسي من خلال إعطاء الأهمية للوسط الطبيعي، من خلال تشخيص الاكراهات التي يطرحها الوسط الطبيعي بالمغرب. لذلك سنعمل على إعطاء الأهمية التي يستحقها هذا الوسط الطبيعي دون الانحراف نحو نوع من الحتمية...

المقصود بتأثر الوسط الطبيعي (influence) هو التفاعل المتبادل ما بين الإنسان والوسط الطبيعي...  

على المستوى الديداكتيكي يميز الجغرافيون بين الطريقة التي يؤثر بها الوسط الطبيعي على الإنسان، والطريقة التي يستغل بها الإنسان معطيات هذا الوسط الطبيعي، لذلك سنعمل على تحديد المعنيين المزدوجين لهذه العلاقات السببية ما بين العناصر الطبيعية والتمركزات البشرية.

فتشخيص تأثير الوسط الطبيعي يظهر بشكل مركب ضمن دورات طويلة، ويمكن تحديد مؤشراتها من خلال دلالاتها، ومكوناتها، ومقاييسها.

*على المستوى دلالات الوسط الطبيعي : تتضمن الإيجابيات والسلبيات التي يطرحها هذا الوسط أمام الإنسان، فكل وسط يوفر إمكانات يستغلها الإنسان حسب وسائله التقنية وتنظيماته الاجتماعية... وكمثال على ذلك تأثير المناخ على الحياة الريفية (الزراعة/السكن...)، ويمكن للتطورات التقنية والديمغرافية تعديل هذه العلاقات الظرفية ما بين الطبيعة والإنسان، مثلا تعمير شمال كندا أو سيبيريا، أو النمو الحضري بالشرق الأوسط...

*مكونات الوسط الطبيعي : يتضمن الوسط الطبيعي مجموعة متنوعة من العناصر والتي يمكن ترتيبها حسب مظهرها (الهواء/الماء/التربة)، أو حسب ترابطها (المناخ/التضاريس/التربة/الغطاء النباتي...).

حسب تنوع الوضعيات فهذه المكونات لا تؤثر بنفس الحدة، فعند دراسة الصيد البحري، فتراتبية العوامل الطبيعية يظهر من خلال وفرة أو ندرة المكامن السمكية (التيارات البحرية/درجة حرارة المياه...). وبالنسبة لزراعة القطن نركز على ضرورة وفرة المياه، وارتفاع درجة الحرارة... ومن أجل اختزال هذه العلاقات يمكننا القول بأن بترابط العوامل المناخية والترابية مع الزراعة، والعوامل الطبوغرافية مع شبكات المواصلات...

*على مستوى المقياس :  عندما نريد تقديم دراسة على مستوى نطاق معين (قاري/شبه قاري) يلعب عنصر المناخ دورا محددا، كما هو الشأن بالنسبة للصحراء أو سيبيريا... أما بالنسبة للجبال نركز على عنصر الارتفاع أكثر من المناخ، وبالنسبة للمناطق الجافة يصبح عنصر الماء هو العامل المحدد. رغم أن العديد من الجغرافيين يضعون عنصر الماء في المقام الأول كعامل لتنظيم المجال على جميع المقاييس والأصعدة.

أما على المستوى المحلي، فيجب البحث عن العناصر الطبيعية التفسيرية ضمن وحدة دقيقة، فالمناخ المحلي الملائم وخصوبة التربة هي التي تفسر نجاح منطقة "الولجة" في الزراعات التسويقية... ويمكننا استثمار هذه العوامل بشكل منعزل أو متراكب بمداخلها الممكنة (الدلالة/المكونات/المقياس).

مثلا قساوة الظروف المناخية (الدلالة/الكون) هي التي تفسر ضعف التعمير بسيبيريا (المقياس)، ودون الوقوع في التعميمات الساذجة.

يمكننا تشخيص بطريقة أكثر نسقية تأثيرات الوسط الطبيعي على التجمعات البشرية، من خلال استثمار مفاهيم المورفولوجيا والحركة والتوطين، للتعبير بطريقة منعزلة عن العناصر التي تنتمي للوسط الطبيعي، والعناصر التي تنتمي للمجتمعات البشرية. فكل واجهة من الوسط الطبيعي فهي تحاذي/تجاور للواجهات الأخرى من العلاقات البشرية، والخطاطة التالية تختزل هذه العلاقات :  

chahboune215

*القناة الأولى : الموفولوجيا

ضمن هذا المستوى الأول : يظهر تأثر عناصر المورفولوجيا (المنتمية للوسط الطبيعي)، على المعطيات المورفولوجيا (الوسط البشري) مثلا : مثلا شكل الحقول الطولية/شبكة المواصلات البرية... 

ضمن المستوى الثاني : المورفولوجيا (الوسط الطبيعي) وتأثريها على التوطين المجموعات البشرية مثلا توطين السدود/الموانئ/المطارات...

ضمن المستوى الثالث : المورفولوجيا (الطبيعي)، وعلاقتها بالحركة البشرية مثلا حركات الانتجاع الرعوية بالمغرب بين الجبال والسهول...

*القناة الثانية : التوطين، من خلال إبراز تأثير الظروف الطبيعية على التجمعات البشرية. يتعلق الأمر بكيفية تأثير موقع ظاهرة طبيعة على المجموعات البشرية من حيث المورفولوجيا والتوطين والحركة.

ضمن المستوى الأول : علاقة التوطين بالمورفولوجيا، يظهر من خلال توطين المدن وتحديد وظائفها (المدن الساحلية/مدن اقدام الجبال...).

ضمن المستوى الثاني : تأثير توطين الظواهر الطبيعية على توطين الظواهر البشرية من خلال ملائمة الموقع الطبيعي لنشأة الميناء/المحطة السياحية...

ضمن المستوى الثالث : توطين الظواهر الطبيعية يفسر حركة المجموعات البشرية مثلا استغلال موقع منجمي أو طاقي يؤدي إلى حركة التنقل/التراقص (الدار البيضاء/فاس...).

*القناة الثالثة : الحركة، تتمثل في تأثير الظروف الطبيعية على الانسان من خلال الحركة.

المستوى الاول : تأثير الحركة على المورفولوجيا من خلال فيضان أو انفجار بركاني يؤدي إلى تدمير مدينة/قرية، بناء الحواجز لتقليص سرعة الرياح...

المستوى الثاني : تأثير الحركة على التوطين، مثلا حاجة المؤسسات الصناعية إلى الطاقة الكهرمائية أدى إلى توطين المعامل على طول المجاري المائية...

المستوى الثالث : تأثير الحركة الطبيعية على الحركة البشرية، من خلال دور التيارات الهوائية في تسهيل الملاحة الجوية، أو تزايد التعرية السفوح وامتلاء حقينة السدود بالطمي وتراجع إنتاج الكهرباء المائية...

ب – تأثير الإنسان على الوسط الطبيعي :

يشكل الإنسان عاملا جغرافيا تفسيرا، ولأغراض ديداكتيكية، من الضروري هنا توضيح أشكال تدخل الإنسان ضمن الوسط الطبيعي، بهدف تحديد بعض المعالم في طريق نمذجة التفسير. ويمكن هيكلة العوامل البشرية ضمن ثلاثة محاور أساسية :

المحور الأول يتعلق بالوسائل التي يتوفر عليها الإنسان والتي تحدد مدى وعمق تأثيره على الطبيعة.

المحور الثاني : يتعلق بحاجيات الإنسان والتي تؤدي إلى توجيه حركته.

المحور الثالث : يتعلق بالقطاعات والأنشطة البشرية من أجل تفسير مميزات بعض التدخلات.

*المحور الأول : تتميز الوسائل المستعملة من طرف الإنسان لمواجهة الوسط الطبيعي بتنوعها (ديمغرافية/تكنلوجية/اجتماعية/مالية...). هذه الوسائل تؤثر بشكل متزامن ضمن بعد تاريخي تمكن من إنتاج بعض المكتسبات لتسهيل العمليات اللاحقة. فالنمو الديمغرافي يؤدي إلى تطوير الرأسمال البشري، وتوسيع المساحات المزروعة...

كما أن تطور الوسائل التكنلوجية يؤدي إلى زيادة تأثير الإنسان على الطبيعة (مصادر الطاقة/الأدوات التقنية...)، فالمستوى التكنلوجي للمجتمع يحدد درجة التأثير الممارس على الطبيعة (قلة النشيطين بالقطاع الفلاحي ببريطانيا مثلا لتوفير الغذاء للسكان عامة).

كما تلعب التنظيمات الاجتماعية دورا محددا في التأثير على الوسط الطبيعي (المجتمعات التقليدية/الرأسمالية...)

وباندماج درجة فعالية الآليات الديمغرافية والتكنلوجية والمالية والتنظيمات الاجتماعية، نلاحظ نوعين من الوضعيات : المجالات الأقل إعداد وتجهيزا/المجالات الجيدة الإعداد والتجهيز...

*حاجيات الإنسان ودورها في التأثير على الوسط الطبيعي : تتميز هذه الحاجيات بتنوعها (الاقتصادية/السوسيو ثقافية/الأمنية...)، مثلا دفعت الأزمة البترولية بالعودة إلى استغلال الفحم الحجري، كما أن اجتثاث الغابات بمنطقة الساحل أدى إلى توسع ظاهرة التصحر...

*دور الأنشطة الاقتصادية وتأثيرها على الوسط الطبيعي : توجيه الأنشطة البشرية وتطويرها مثلا أنشطة الصيد البحري...  

فالآليات المستعملة وحاجيات الانسان وطبيعة الانشطة الاقتصادية توضح بشكل كبير طبيعة استغلال الإنسان للوسط الطبيعي، كما أن تطوير الآليات يساهم في زيادة حاجات الانسان وتطوير الأنشطة الاقتصادية.

وباستحضار طريقة تأثير الإنسان على الوسط الطبيعي، وباستثمار المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي (المورفولوجيا/التوطين/الحركة)، نتمكن من بناء الخطاطة التالية :

chahboune216

ومن أجل توضيح مكونات هذه الخطاطة وتأثيراتها المتعددة، يعتمد امحمد زكور على نموذج واحد وهو حالة المدينة الألمانية (إيسن) بإمكانتها المالية والتكنلوجية وكيفية تلبية حاجياتها من الحليب من خلال الأنشطة الاقتصادية (الإنتاج/النقل...)، ويضيف بأنه لأغراض ديداكتيكية يمكن الاكتفاء بنموذج واحد لهذه التأثيرات...

المحور الأول : تأثير المورفولوجيا

المستوى الأول : تأثير المورفولوجيا/المورفولوجيا، مثلا اعتمادا على وسائل تكنلوجية ومالية وتنظيمية قوية تتمكن مدينة كبيرة (المورفولوجيا) من الحليب، من خلال استغلال مجال طبيعي ضيق ومجهز بشكل منظم (المورفولوجيا)

المستوى الثاني : المورفولوجيا/التوطين، تخصيص مدينة كبيرة (المورفولوجيا)، لحيز صغير من مجالها الضاحوي (التوطين) للتربية الكثيفة للأبقار من أجل إنتاج الحليب.

المستوى الثالث : المورفولوجيا/الحركة، تطور مدينة كبيرة (المورفولوجيا)، مع ظهيرها الفلاحي تسويقا سريعا للمواد الحليبية، وهو ما يؤدي إلى تطور سريع لهذا المجال (الحركة في الزمان).

المحور الثاني :تأثير الإنسان على الطبيعة من خلال التوطين

المستوى الأول : التوطين/المورفولوجيا، بتواجدها في بلد متقدم (التوطين)، تتمكن مدينة كبيرة من تلبية حاجياتها من خلال استغلال مجال ضيق (المورفولوجيا).

المستوى الثاني : التوطين/التوطين، في البلدان المتقدمة، توزيع المجالات الطبيعة المكثفة الاستغلال (التوطين) يتوازى مع توزيع المدن الكبرى (التوطين)...

المستوى الثالث : التوطين/الحركة،

المحور الثالث : الحركة كمدخل ، من خلال إبراز تأثير الحركة/المورفولوجيا وتأثير الحركة/التوطين، وتأثير الحركة/الحركة...    

ج- التأثير المتبادل/التفاعل بين الظواهر الطبيعية :

المقصود بالتأثير بين الظواهر الطبيعية، هو التفاعل المتبادل بين الظواهر الطبيعية ضمن سلسلة مركبة ذات تأثيرات متعددة (مباشرة/غير مباشرة...)، مثلا تأثير الرياح التجارية/التيارات البحرية/مناخ المناطق الساحلية/الغطاء النباتي/التربية...

يمكننا التمييز بين نوعين من المقاربات المعتمدة في إبراز تفاعل الظواهر الطبيعية فيما بينها وهي الأكثر رواجا ضمن الانتاجات الجغرافية والتأليف المدرسي :

wالمقاربة التقليدية : المرتكزة على التحليل الجزئي والخطي أو الموضوعاتي لمختلف المكونات الطبيعية (المناخ/التضاريس...)...

wالدراسة النطاقية : من خلال دراسة تفاعل المكونات الطبيعية ضمن نطاق جغرافي واسع...

ويؤكد "امحمد زكور" على ضرورة استحضار "البعد الزمني" أثناء تشخيص وتحليل تفاعل بين هذه المكونات الطبيعية.

وبهدف تعزيز بعد هاتين المقاربتين المعتمدتين لتحديد طبيعة العلاقات التفاعلية بين المكونات الطبيعية، يؤكد "امحمد زكور" على ضرورة استثمار المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي (المورفولوجيا/التوطين/الحركة)، حيث يقدم خطاطة وجدولا تفصيليا لطبيعة العلاقات التفاعلية بين المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي (مثلا المورفولوجيا :--- المورفولوجيا/التوطين/الحركة)...

د- التفاعلات القائمة بين عناصر الوسط البشري :  

ركزت الجغرافيا اهتمامها على البعدين الاجتماعي والفردي للمبادرات البشرية ضمن التفاعلات المتعددة الأبعاد وغير الحتمية، ولأغراض ديداكتيكية، من الضروري العمل على الضبط المنتظم لهذه العلاقات التفاعلية :

wالمقاربة الأولى : وهي المقاربة الأكثر تداولا ضمن المقررات الدراسية، والمهتمة بتقديم العوامل المفسرة وفق منظور عام، من خلال التمييز بين العوامل الاقتصادية والسياسية والديمغرافية... ويتضمن كل عامل معين مستويات متعددة مثلا، ضمن العوامل الاقتصادية يجب التمييز بين الإنتاج والاستهلاك والمبادلات...

wالمقاربة الثانية :  تهدف إلى تحديد العوامل الرئيسة والثانوية، ضمن أحد فروع الجغرافيا البشرية (الجغرافية الاقتصادية/جغرافية السكان...)، ذلك أن بعض العوامل لها دور رئيسي ضمن أحد المجالات الجغرافية مثلا دور البنيات العقارية وأشكال الاستغلال ضمن جغرافية الأرياف... وفي سياق تأطير العمل الجغرافي وتنظيم المقاربات الديداكتيكية المتعلقة بتفسير الظواهر الجغرافية البشرية من طرف ظواهر جغرافية بشرية أخرى، من الضروري العمل على استثمار المفهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي (المورفولوجيا/التوطين/الحركة)، ويقدم "امحمد زكور" خطاطة توضيحية وجدولان (ص : 89-90) يمكن اختزالهما ضمن الشكل التالي[1] :

 chahboune217

وكخلاصة تركيبية لتنوع أشكال التفسير الجغرافي، يمكن التمييز بين 4 أشكال تفسيرية تتمحور حول فاعلين جغرافيين أساسين هما الطبيعة والإنسان :

*الوضعية الأولى : تتعلق بتأثير العوامل الطبيعية على الإنسان.

*الوضعية الثانية : تتعلق باستجابة الإنسان لتأثير الظروف الطبيعية.

*الوضعية الثالثة : تتعلق بتفاعل العناصر الطبيعية فيما بينها.

*الوضعية الرابعة : تتعلق بتفاعل العناصر البشرية فيما بينها.

واختزالا لهذه الوضعيات الأربعة يمكن التمييز بين مسارين اساسين هما :

*المسار الأول : هو المسار الكلاسيكي وهو الأكثر حضورا ضمن الكتب المدرسية...

*المسار الثاني : هو المسار الديداكتيكي، المعتمد على استثمار المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي (المورفولوجيا،التوطين، الحركة) بهدف ضمان الترابط النسقي بين محطتي الوصف والتفسير، وإبراز الترابطات المتعددة الأبعاد...

3- المقاربة المتعلقة بالتفسير :

المقصود بالمقاربة : هو المسار الفكري المعتمد من أجل تفسير الظواهر الجغرافية من خلال الإجابة عن السؤال التالي، كيف يمكننا معرفة أن الظاهرة الجغرافية المعنية هي نتيجة سبب، أو تأثير ما؟ ولأغراض ديداكتيكية يمكننا اختزال الأجوبة عن هذا التساؤل من خلال التمييز بين مستويين :

*المستوى الأول : يتعلق بتحديد الأسباب المحركة للظاهرة الجغرافية.

*المستوى الثاني : يتعلق الأمر بتوضيح للعملية موضوع التساؤل.

أ- الأسباب العملية (الأسباب=les mobiles)

المقصود بالأسباب هي الدوافع المتسببة في حدوث ظاهرة معينة، والتي تؤدي ضمن صيرورة تطورية إلى خلق تأثيرات محددة. فعدد الأسباب المحتملة وراء حدوث ظاهرة جغرافية تبقى غير محدودة.

وبتقديمنا لأشكال التفسير، حددنا الأطر التي من خلالها سنعمل على تصنيف وترتيب الأسباب، وتوضح هذه الأطر بصفة عامة بأن الظواهر الطبيعية أو البشرية، يمكن أن تؤثر على بعضها البعض، من خلال مورفولوجيتها، وتوطينها، وحركيتها. وبهدف تدقيق وتحديد أنواع العوامل التفسيرية يمكننا اعتبار المصدرين الأساسين للتفسير الجغرافي وهما الإنسان والوسط البشري.   

wالأسباب الطبيعية والأسباب البشرية  :

تعريف الأسباب/العوامل يرتبط بتحديد العوامل المرتبطة بالجوانب الطبيعية أو بالجوانب البشرية والتي تؤثر ضمن وضعية ملموسة مثلا تحديد العوامل الطبيعية المفسرة لصبيب نهر معين (منحدر/التساقطات...)، أو تعدد العوامل البشرية المفسرة للنمو الديمغرافي (المواليد/الوفيات/الهجرات...). ولا بد من الإشارة إلى أن العوامل البشرية تظل خفية أكثر من العوامل الطبيعية بحكم تعقد المجال البشري، وهو ما يطرح اهمية التعميم الجغرافي..

wالأسباب الملموسة والأسباب المجردة : /(الأسباب الظاهرة والخفية/المباشرة وغير المباشرة)

ترجع الأسباب المولدة للظواهر الطبيعية أو البشرية، إلى نوعين من سلسلات الملاحظة إحداهما تتعلق بالظواهر الملموسة والأخرى بالعناصر المجردة.

*السلسلة الأولى من الملاحظات : تتعلق بالظواهر الموجودة ضمن المشهد والتي تشكل الجزء الملموس من المجال الجغرافي. يتعلق الأمر هنا بمسائلة كيفية تنظيم المجال وتعديله، مثلا حفر قناة مائية، او اجتثاث غابة، أو نمو مدينة ما، وهي مظاهر تختزل العلاقات المباشرة للتكيف أو التغيير ما بين الإنسان والطبيعة. هذه الظواهر الملموسة تتجلى من خلال مورفولوجيتها، وتوطينها، وحركيتها، ويتم توضيح عناصر هذه الواجهات عبر البعدين المجاليين الأفقي والعمودي...

على المستوى المنهجي، يمكننا التذكير بأن التفسير الجغرافي يختزل في مستويين هما المجال والزمان. وإذا كان عنصر الزمان "غير مرئي"، فهو حاضر من خلال تعاقب الظواهر المادية (نواة المدينة)، أو التأثيرات المتعاقبة (المجال الفلاحي). ويقدم "امحمد زكور" نموذجا من خلال دراسة أشكال القرى (القرى الكبرى/القرى المتجمعة...) اعتمادا على العناصر المفسرة/تصنيف العوامل المفسرة/التفسيرات المحتملة...

واعتمادا على المثال السالف الذكر (أشكال القرى)، نلاحظ بأن مفاهيم المورفولوجيا والتوطين والحركة تتمظهر على مستوى خصائصها المناسبة (الحجم/الشكل/الوظيفة...)

*السلسة الثانية من الملاحظات : الهادفة إلى تعريف الأسباب الخاصة "بالظواهر المجردة"، التي تتميز بغياب هندستها والتي تجعلها إدراكية. وتكتسي هذه الظواهر دورا جغرافيا مهما. مثلا يمكننا تفسير معمل للبيتروكيماويات بالمغرب من خلال قرار شركة أمريكية. وهو القرار الذي يظل "مجردا" ولكن على المستوى الجغرافي يختزل من خلال اختيار المجال/اليد العاملة/السوق الاستهلاكية... وهذه الأسباب المجردة يمكننا الوصول إليها انطلاقا من أبحاث العلوم المساعدة (الاقتصاد/السوسيولوجيا...).

عموما فإن البحث عن الأسباب العملية يظل مركبا، كما أن علاقاتها تظل جد متنوعة من خلال توظيف عناصر منتظمة وأخرى عشوائية، أو عناصر ثابتة وأخرى متغيرة... غنى وحركية الأسباب تفرض اختزالات متعددة والتي ترتكز  على تطبيق مفهوم المقياس/السلم.

الطريقة الأولى : لاختزال البحث عن الأسباب ترتكز على الدراسة الموضوعاتية مثلا المناخ (الحرارة/التساقطات...)

الطريقة الثانية : لاختزال البحث عن الأسباب تتعلق بعزل "منظومة العلاقات"، مثلا المناخ، وبصفة مركبة الوسط الطبيعي كمنظومة لعلاقات.

الطريقة الثالثة : لاختزال البحث عن الأسباب تتعلق بعزل "جزء محدود من المجال" (الدراسة الجهوية/النطاقية) من أجل استخراج خصائصه العامة، وتحديد الأسباب المهيمنة المفسرة لهذه الخصائص...

مستويات/عينات البحث عن الأسباب يمكن أن تكون موضوعاتية أو جهوية، ولها أهداف ديداكتيكية واضحة وهي اختزال الزمان والأدوات...

 

ب- صيرورة توضيح الأسباب العملية

يتعلق الأمر هنا بالإجابة عن التساؤل التالي : كيف يمكننا توضيح الميكانيزمات الخاصة بوضعية جغرافية معينة من أجل تحديد الأسباب المتحكمة فيها؟

*من الوصف إلى التفسير : ترابط المقاربة من أجل تحديد الأسباب

لا يمثل التفسير الجغرافي عملية أحادية ومنعزلة عن بقية العمليات الفكرية الأخرى، فهو يشكل لحمة مترابطة مع الوصف من جهة، ومن جهة أخرى مع التعميم. فالتفسير يمكن التعميم من أن يأخذ شكله، ويستقي منه مصادر للإضاءة بهدف تدقيق الوضعيات. وبجانب ما تم توضيحه خلال الفصل الخاص بالوصف (الفصل2) من علاقة الوصف بالتفسير فمن الضروري التذكير بالعناصر التالية :

*لم يؤدي التفسير إلى إزاحة الوصف، بل على العكس من ذلك ساهم في تعزيزه وإعادة هيكلته... فالبحث عن العوامل التفسيرية فرضت على الوصف معايير دقيقة جعلت الجغرافيا تحمل اسم "الوصف التفسيري".

*يسهل الوصف عملية الانطلاقة نحو التفسير، كما أن طريقة الوصف المعتمدة تقتضي اتخاذ موقع تجاه التفسير.

لقد أشرنا سابقا إلى أن خطوات الوصف تتضمن مرحلتين هما المرحلة الاستكشافية التحليلية (استخراج الخاصيات المشكلة للظاهرة الجغرافية)، والمرحلة المفاهيمية التركيبية (الوصف النسقي للمعطيات الجغرافية). فالوصف ليس غاية في حذ ذاته، وإنما هو محطة لتهييئ المجال للتفسير، من خلال التركيز على بعض الخاصيات، وتوضيح بعض العناصر، وتوجيه المعطيات الموصوفة. وبصفة عامة فنحن أمام إخراج حقيقي تلعب فيه العوامل التفسيرية دورا أساسيا. التوجيه الذي يأخذه العمل الوصفي هو نتاج التأثير القوي للنظريات والقوانين والمبادئ... والتي يرجع إليها الجغرافي حسب طبيعة الموضوع المعالج من أجل بناء العملية التفسيرية، وعموما باستهداف الوصف الجغرافي، تفترض الجغرافيا وجود نوع من العلاقات أو نوع من العوامل المتدخلة في وضعية جغرافية معينة أكثر من غيرها، والموجهة بالفرضيات...

يهيئ الوصف للتفسير سلسلتين/مجموعتين من المعطيات،

wالسلسلة/المجموعة الأولى من المعطيات : تتعلق بخصائص الظاهرة المفسرة، حسب الظاهرة المعالجة والمقياس المعتمد، فالوصف يضيء بالدقة المطلوبة الخاصيات المتعلقة بالمورفولوجيا والتوطين والحركة. ذلك أن التفسير لا يبنى على الفراغ.    

wالسلسلة/المجموعة الثانية من المعطيات : تتعلق بخصائص العامل المفسر، من خلال وصف وتفسير الواجهات والخصائص التي توضح طبيعة العملية. فتقديم العوامل المفسرة لا يعني التفسير، بل هي مقابلة السلسلتين من المعطيات التي تبرز بالتدريج عملية التفسير...

يمكننا التساؤل حول معرفة ما إذا كانت إحدى السلسلتين من المعطيات تسبق الأخرى، فتراتبية السلسلتين من المعطيات مرهونة بطبيعة وأهمية الدراسة المعنية، وبالتالي يمكن اقتراح الوضعيتين/السناريوهان التالين :

*السيناريو الأول : نصف في المقام الأول الظاهرة المفسرة، قبل معالجة المعطيات الخاصة بالتفسير. تقتضي هذه الوضعية، أن التفسير لا يتم دون موضوع، وبالتالي ضرورة تحديد الموضوع قبل تقديم التفسير. هذه الطريقة الاستقرائية تقتضي أن تحديد طبيعة العلاقات، وأنواع التفسير، ومختلف العوامل التفسيرية المحتملة هي مرهونة بالباحث. وباستحضار حالة دقيقة موصوفة، الباحث يستخرج الأسباب العملية. وهذه الوضعية تتلاءم مع المواضيع المحدودة (التساقطات/النظام الفلاحي في منطقة معينة)، لأنه في الحالة المعاكسة يتعرض الذهن للتيهان في منعطفات الأسباب والنتائج.

*السيناريو الثاني : نصف في المقام الأول العوامل المحتملة لخدمة التفسير، قبل وصف الظاهرة المفسرة. وتتلاءم هذه الطريقة مع المواضيع الجغرافية الشاسعة، مثلا الدراسة المناخية، فبعد تعريف العناصر، يتم تحديد العوامل الكونية، قبل تقديم المعطيات المناخية النطاقية. ونفس الطريقة تستعمل لتفسير التضاريس أو التعرية. فدراسة العوامل التفسيرية وفاعليتها تسبق دراسة الحالات. وللإشارة فإن وصف العوامل التفسيرية يقتضي هنا تصنيفا وفق إطار مرجعي نظري. وهكذا ننتقل إلى العوامل المؤثرة، اختزال الأنماط التأثيرية. يتعلق الأمر هنا بأنواع التفسير أكثر من الأسباب العملية والتي تمثل العمليات التي تؤثر بها/تمارسها الظاهرة المحددة على ظاهرة أخرى ملموسة.

وهكذا، فإن السيناريو الثاني يهيئ المجال للسيناريو الأول، ففي مجال المواضيع المحدودة يتم الكشف عن الأسباب العملية، ضمن هذا البعد تستعرض معظم البرامج الدراسية دراسة "الجغرافية العامة" قبل دراسة "الجغرافية الاقليمية". فدراسة جهة ما لا يلغي السيناريو الثاني، فهي تبدأ بوصف عدم ملائمة الظروف الطبيعية، للانتقال إلى وصف الظروف البشرية، قبل وصف "استخدام التربات" كنتيجة للالتقاء السلسلتين من الظروف...

هذا الإخراج ضمن سياق الدراسة الإقليمية يعرف نوعين من التجاوزات :

*التجاوز الأول : يكمن في اللجوء إلى تقنية "الأدراج (tiroirs)" والمتعلق بالوصف التتابعي الدقيق للتضاريس والمناخ والنبات، والساكنة والفلاحة... مع العلم أن الجزئيات الملاحظة لا تفيد عملية التفسير، وتثقل الخطاب الممل. 

*التجاوز الثاني : يتعلق باستخدام "الاستنتاج القبلي"، مثلا القول بأن خصوبة التربة في جهة معينة يرتبط بها ارتفاع الكثافات السكانية، وهو تفكير حتمي متجاوز.

من خلال تقديم هذين النوعين من السيناريوهات يتضح أنهما متكاملين، حيث يؤثر الأول على مستوى الحالات المحدودة ويصف الظواهر المفسرة حسب الأسباب العملية، في حين يهتم السيناريو الثاني بوصف العوامل أو مصادر التفسير المحتملة، بهدف استخراج الوضعيات الملموسة، من خلال وصف الظاهرة ثم الانتقال إلى تفسرها. وتمنح الدراسة الإقليمية نماذج من تعايش النوعين من السيناريوهات، حيث نلاحظ بأن الاستقراء والاكتشاف يلتحمان بشكل عملي وفق مرجعية محددة. حيث يتقاطع الوصف مع التفسير...

ج- ربط العلاقات :

يتموقع ربط العلاقات ضمن مركز/قلب الأنشطة التفسيرية. وهكذا فإن التفكير ينطلق من الوصف بهدف الوصول إلى التفسير، وهذا المسار يمر عبر ثلاثة وضعيات وهي : "الملاحظة التحليلية"، ثم "ربط العلاقات"، وأخيرا "البحث عن العلاقات السببية". (بيير جورج 1970)

تتطابق "الملاحظة التحليلية" مع وصف المعطيات المتعلقة بوضعية ما، والمتميزة بوجود العلاقات بين العناصر، وتعني تحديد العلاقات السببية تحديد الأسباب العملية، ويشكل ربط العلاقات نواة هذه العملية...

لا نتوفر  لحد الآن على "تقنية للتفسير"، أو على "منهجية للتفسير"، ولكن التفكير الجماعي للجغرافيين حول منهجية التفسير والتي يمكنها استخدام تقنية أو تقنيات للتفسير يقدم خدمة جليلة على المستوى الديداكتيكي. ويركز "امحمد زكور" على ضرورة افتحاص الملاحظات الخفية للفكر الجغرافي بهدف مأسسة التفسير. 

الكتابات التي تهتم بالتفسير تركز على "المقارنة" (التشابهات/الاختلافات) انطلاقا من المعطيات الملموسة والعمل على استجلاء المعلومة باللجوء إلى تخصصات علمية أخرى، وعلى الخطاطة المرجعية...

تشكل مجموع "أنواع التفسيرات" الخطاطة المرجعية، التي تحدد نماذج للعلاقات المتداخلة، ضمن هذا الإطار نبحث عن الأسباب العملية والتي نقابلها بطريقة منظمة ومتتابعة بهدف التحقق من المعطيات التي تمثل موضوع التفسير...

تنظيم المعطيات يمكن أن يتم حسب طبيعتها، أو حسب احتشادها بهدف توضيح مجال معين.

wففي الحالة الأولى : يمكننا تقديم الأسباب العملية (الطبغرافية/المناخية/التاريخية...) التي تفسر مجموع الوضعية (الاقتصادية مثلا)،

wفي الحالة الثانية : يمكننا تجميع الأسباب التي تفسر قطاعا معينا (قطاع الفلاحة ضمن الاقتصاد)، الطريق التي من خلالها هيكلة مفاهيم المورفولوجيا والتوطين والحركة ضمن أنواع التفسيرات يمكن أن تشكل إطارا معتمدا على مستوى تنظيم ومقابلة المعطيات...

أما في الوضعيات المعقدة/المركبة هاجس الوضوحية يتطلب تطورا تدريجيا ومنهجيا أثناء مقابلة الأسباب بنتائجها، فكل معطى تفسيري يتم أخذه منفردا من أجل توضيحه حسب الظروف الطبيعية أو البشرية، ومن أجل فحص سلسلة الأسباب المحددة، يمكننا بناء حصيلة مؤقتة أو وسيطية، في أفق بناء حصيلة تركيبية عامة بهدف ترتيب العوامل حسب أهميتها،

ماهي المعطيات التي يجب تفسيرها في المقام الأول؟ هل يجب تفسير معطيات الفلاحة مثلا قبل الصناعة؟، هل يمكننا تفسير المعطيات المتعلقة بالمورفولوجيا قبل خصائص التوطين؟ مخطط التفسير يرتبط بطبيعة الموضوع المعالج.

تنوع المعطيات المتقابلة يؤدي إلى إجراء ثاني والذي يعزز الإجراء الأول (المقارنة) ينطلق من الظواهر الملموسة والمرئية التي تندرج ضمن المشهد الجغرافي. "فانطلاقا مما هو موجود على سطح الأرض مثلا معمل، وبإعادة تشكيل أجزاء السلسلة في العالية والسافلة نصل إلى إعطاء تفسير للظاهرة أو تحديد عواملها" (بوجوكارنيي 1971)

لا يتعلق الأمر هنا بإعطاء الأسبقية المطلقة للاستقراء على الاستنتاج، فالطريقتين تظلان نافعتين، رغم أن الاستقراء هو أكثر انتشارا ضمن الجغرافية الفرنسية.

مقابلة المعطيات الخاصة بالمشهد تتم انطلاقا من الميدان أو عبر استقراء الوثائق الجغرافية وخاصة الكارطوغرافية (الخرائط الموضوعاتية/التركيبية)، كما أن المعطيات "المرئية" لا تختزل في المحيط المباشر، فهي تدمج العلاقات ذات المسافات الكبيرة (تأثير مراكز القيادة)، ويتم توضيح هذه العلاقات عموما حسب حركيتها...

أما تفسير المعطيات "المجردة" الكمية والنوعية التي لا تظهر ضمن تنظيم المجال الجغرافي (حجم الصادرات/نسبية المواليد...)، فيتم اعتمادا على معطيات العلوم المجاورة...

خلاصة :

التفسير كنشاط فكري حديث يرجع إلى القرن 19 ويرتبط بالاتجاهين الوضعي وبالحتمي، من خلال التركيز على مفهوم السببية (تصنيف الأسباب أو العوامل التفسيرية/ترتيبها/ربط العلاقات بين العناصر الطبيعية والبشرية)، مع استثمار المفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي والربط بين محطتي الوصف والتفسير، انطلاقا من التحليل نحو التركيب...

الفصل الرابع : التعميم الجغرافي/la généralisation géographique (ص ص : 106-121 )

التعميم هو عملية فكرية من خلالها يتم بناء النظريات والمبادئ والاقترحات المجردة، فهي مرحلة يتجاوز فيها التفكير الحالات الفردية والأحادية من أجل الوصول نحو "الشمولية/العمومية".

وعندما انحصرت الجغرافيا في الوصف، ناذرا ما كان يتم التعبير عن التعميم حيث اقتصرت بشكل ما على "الاختزال/التبسيط". ففي هذه المرحلة اهتمت الجغرافيا بالإشارة إلى الظواهر المتعلقة بالمعلومات التي يمكنها أن تفيد الرحالة (التجار/العسكريين/الحجاج...)، وتم تقديم هذه الملاحظات في إطار بنية أدبية قادرة على إثارة انتباه القارئ. ومع ذلك استخدم الجغرافيون بشكل ما "تعميما أوليا/تعميما كونيا"، مكنهم من بناء تصور حول شكل الأرض (كروي...). وخلال النصف الثاني من القرن 19 وبهدف منحها وضعية علمية متميزة اتجهت الجغرافيا نحو أنشطة التفسير والتعميم (النظريات/المبادئ)، وهكذا جهزت الجغرافيا بعدة من المفاهيم والمبادئ والقوانين من أجل تأطير موضوع دراستها وهو ما مكنها من بلوغ مرحلة التعميم.

1-التعميم : مدى/حدود الأنشطة الفكرية في الجغرافيا 

 يمكن التعميم من تركيز الملاحظات بشكل مجرد، فالتعميم هو عملية فكرية تميز كل أصناف العلوم...

أ-طموح الأزمنة الأولى :

منذ أن أخذت الجغرافيا طابعها العلمي، أصبح التعميم مبدأ أساسيا لديها وساهم في شرعنة وضعيتها العلمية. ويرجع نشأة مبدأ التعميم إلى مجهودات الجغرافي "همبلت" (الجغرافية الطبيعية)، حيث أضاف بجانب مبدأ السببية مبدأ "الجغرافيا العامة"، من خلال البحث عن القوانين العامة التي تنطبق على الظواهر الجغرافية المتشابهة الطبيعية والبشرية...(الحتمية)

ب- الواقعية الحالية :

لتجاوز النظريات الحتمية عمل الجغرافيون الفرنسيون على ترجيح كفة التيار الاحتمالي (الإمكانية)،واعتبر التعميم هو البحث عن "القوانين" من أجل تحديد الترابطات الدينامية المفسرة للظواهر بهدف تصنيفها/ترتيبها...

2- أنواع التعميم :

يمكننا التمييز بين نوعين من أشكال التعميم، يتعلق الشكل الأول بمعالجة المفاهيم وهو ما يعزز الوظيفة الوصفية، والشكل الثاني يتعلق بالاقتراحات المجردة (المبادئ والنظريات) بهدف خدمة الوظيفة التفسيرية.

أ- التعميم المفاهيمي :

يهتم التعميم المفاهيمي بصقل وتدقيق مفهوم معين باعتباره فئة من المنبهات ذات الخصائص المشتركة. والذي يتم ضمن إطار للتفكير العام من خلال تشخيص خصائصه البارزة. يمكن إبراز التعميم المفاهيمي بطريقتين :

*الطريقة الأولى : تتعلق بتطبيق المعايير الموجودة لتعريف ظاهرة جغرافية والتي يدل عليها هذا المفهوم... وهي الطريقة الأكثر استعمالا ضمن التعميم مثلا هضبة (المعايير : انبساط الشكل/تعمق الاودية...)...

*الطريقة الثانية : تتعلق باقتراح المعايير بهدف تعريف المفاهيم الجديدة ضمن النظريات والمبادئ... وهي مهمة معقدة مثلا نظرية التعرية لدايفس أو نظرية الأمكنة المركزية لكريستالير...

ب- التعميم من أجل التفسير :

المقصود بالتعميم من أجل التفسير  هو بناء أو استثمار العتاد النظري بهدف تجهيز المقاربة التفسيرية. ويتضمن التعميم التفسيري التعميم على مستوى المبادئ والنظريات.

*التعميم على مستوى المبادئ : يستثمر هذا النوع من التعميم النتائج النابعة من الأنشطة التفسيرية والوصفية والمعتمدة على المعطيات النوعية والخاصة. لأنه لا يمكننا أن وصف وتفسير مدينة ما، بدون تشخيص مورفولوجيها وتوطينها وحركتها، وتحديد الأسباب الخاصة التي تفسر واجهاتها. وانطلاقا من هذه الملاحظات والثوابت المستخلصة يتم الانفتاح على التعميم...

يهتم التعميم على مستوى المبادئ بتقنين العوامل التفسيرية الطبيعية والبشرية بشكل شامل وكوني، بهدف استثمار الحد الأقصى من الحالات الخاصة بتصنيف وترتيب العوامل المتدخلة حسب المواضيع والظواهر وتقديمها ضمن أسلوب دقيق وواضح.

يهتم هذا النوع من التعميم بوضع المبادئ وتطبيقها بهدف تنشيط الدراسات المعتمدة والمساهمة في تبيان/توضيح المبادئ المعنية وتعزيزها وأيضا العمل على تطويرها أو تجاوزها.

وسواء تعلق الأمر بالظواهر الطبيعية أو البشرية، يعمل التعميم على بناء أو استثمار المبادئ المرتبطة بالجغرافيا، ولحد الآن لم يتم الاستعانة بالمبادئ الخاصة بالعلوم النسقية (الفيزياء/البيولوجيا...) بهدف وضع الاقتراحات المجردة.

لا وجود لخيط من الاستمرارية  ما بين التفسير وبناء/وضع المبادئ : فالتفسير يستثمر الواقع بحثا عن الأسباب الملموسة، بينما يهتم التعميم الخاص ببناء المبادئ بحفظ الأسباب حسب المواضيع بالاحتفاظ بتردداتها (أهمية العامل المهيمن/المحدد). مثلا المبادئ المعتمدة في تفسير التضاريس الحديثة والمرتفعة هي نوعية الصخور وزمن التعرية... وبالتالي فإن قيمة الأنشطة التفسيرية تكمن في مساهمتها في بناء/وضع المبادئ وتطبيقاتها (المقارنة/المقابلة...)، من خلال الاستثمار الجيد للمفاهيم المهيكلة للخطاب الجغرافي حيث يتم الربط النسقي بين نوعية التضاريس في علاقة بزمن التعرية ومقاومة الصخور بمفاهيم المورفولوجيا (الارتفاع/بنية الصخور)، ومفهوم الحركة في الزمان...

*التعميم على مستوى النظريات : سواء تعلق الأمر باستكشاف النظرية أو تطبيقاتها، فتطبيق النظرية يتطلب الضبط الفكري لكل مكوناتها، مثلا نظرية الأمكنة المركزية يتم تطبيقها ضمن الجغرافيا الحضرية والاقتصادية (مكوناتها : مجالات التأثير/التراتبية الحضرية/الأقطاب... من مبادئها : الخدمات...). بعض الجغرافيين يعتبرون الخريطة كنظرية (ص : 116 )...

يوجد مستوى آخر من "التنظير" يتعلق باقتراح نموذج للتحليل لتوضيح نشأة الظاهرة الخاصة، مثلا اقتراح نموذج تحليلي عام لوصف وتفسير كثلة جبلية لإبراز مختلف المحطات التطورية لهذا النوع التضاريسي...

عموما فإن التعميم الخاص بالمفاهيم يعطي معنا للوصف، ويرتقي بأنشطة التفسير من الخاص إلى العام من خلال استخلاص الثوابت. أما على مستوى التعميم الخاص بالنظريات يمكن من اختزال الخطاب الجغرافي فيما يتعلق بمجال معين. وإذا كانت الأنشطة الوصفية والتفسيرية تشكل جسم الجغرافيا، فإن التعميم يشكل روحها.

3- المقاربة/المنهجية الخاصة بالتعميم :

ديداكتيكيا لا تقدم الجغرافيا الفرنسية أية مقاربة خاصة بالتعميم، أما على المستوى المنهجي والابستمولوجي، نجد بعض الملاحظات العامة والجزئية أو بعض التوجيهات الديداكتيكية الخجولة. ومن أجل استجلاء منهجية التعميم يقترح "زكور" الانطلاق من تساؤل مزدوج : هل يمكننا استخدام عتاد نظري من أجل دراسة حالة خاصة؟ أو على العكس نستهدف من خلال دراسة الحالات الخاصة استخلاص مجموعة من الاقتراحات المجردة؟

أ-تطبيق العتاد النظري :

المقصود بعبارة "العتاد النظري"، عدم حصره في تطبيق نظرية ما، ولكنها تتضمن تطبيق المعطيات الخاصة بالمفاهيم والمبادئ. ويظل هذا التطبيق ضروريا لضبط مستوى التعميم الذي نلجأ إليه، فلا يمكننا تعريف هضبة أو سكن متجمع إذا اغفلنا المعايير الضرورية والكافية للتعريف بالظواهر، كما أنه لا يمكننا تطبيق مبدأ ما أو نظرية ما لا نعرفها. فالغالب أننا نطبق عنصرا خاص بمبدأ أو نظرية بدون أن نتمكن من ضبط مكونات هذه المبادئ والنظريات في شموليتها، بسبب غياب الإطار المرجعي الخاص بها وتركيز الكتابات الجغرافية على الظواهر الجغرافية أكثر من النظريات مثلا دراسة "منطقة التأثير الخاصة بسوق معين"، في غياب نظرية الأمكنة المركزية...

فالمستويات الثلاثة الخاصة بالتعميم تتزاوج تطبيقاتها بشكل مختلف. فالتعميم الخاص بتطبيق المفاهيم يرتبط ارتباطا وثيقا بالوصف، بينما يرتبط التعميم الخاص بالمبادئ بالتفسير، بينما يستهدف التعميم على مستوى النظريات مجموع الدراسة من خلال توجيه الوصف والتفسير. ويمكن الإشارة إلى بعض الخطوات التي من خلالها نعتمد التطبيق لمستوى هذه الأنواع من التعميم.

*الخطوة الأولى :  وهي خطوة استكشافية مشتركة بالنسبة للأنشطة الثلاثة (الوصف/التفسير/التعميم)، تتعلق بتحديد مجال للتطبيق العتاد النظري، وحسب امتداد مجال الدراسة يمكننا اللجوء إلى نوع واحد أو نوعين أو ثلاثة أنواع من مستويات التعميم. مثلا إذا كان الأمر يتعلق بتعريف شكل تضاريسي فالتعميم لا يتجاوز المستوى المفاهيمي، وإذا كان الأمر يتعلق بتفسير هذا الشكل التضاريسي يمكننا اللجوء إلى نظرية تفسيرية...

*الخطوة الثانية : متمركزة حول التعميم المفاهيمي من خلال الانطلاق من الوصف التحليلي لمعايير الظاهرة المدروسة، مثلا "المنخفضات" كأشكال تضاريسية لتحديد نوعيتها (سهل/هضبة/منخفض...)...

*الخطوة الثالثة : متمركزة حول التعميم على مستوى المبادئ، بهدف تفسير الظاهرة المدروسة، من خلال تحديد الكيانات المُفسَرة والكيانات المفسرة، يرتكز التفسير على وصف المعطيين معا لمقابلتهما من أجل توضيح العلاقات السببية الموجودة بينهما. العناصر التي نقابلها تشكل مبادئ دورها الرئيس هو اختزال الكلفة الذهنية للبحث. مثلا توزيع الحرارة بالمغرب تنطلق من وصف الحرارة وتفسيرها، من خلال اللجوء إلى المبدأ الذي تتوزع الحرارة حسبه :  العوامل الكونية (الوقع العرضي...) أو الجغرافية (الارتفاع...)، تطبيق المبدأ يقتضي ملاحظة إذا ما كانت الحرارة تختلف حسب العروض، ومقارنتها مع توزيع الحرارة حسب الارتفاع...

هذه الخطوات الثلاثة تعتمد على التحليل، بهدف اسقاط الخصائص المتعلقة بالنموذج النظري على الواقع/الحقيقة الجغرافي بهدف استخراج أنماط العلاقات وفي كل الحالات فإن المقارنة تسبق التعميم.

*الخطوة الرابعة : وهي مرحلة تركيبية تتعلق بوضع حصيلة العمل المنجز، من خلال معرفة مدى وظيفية النظرية المطبقة وملائمتها أو العكس. مثلا تطبيق نظرية الأمكنة المركزية على مجالات متشابهة (الرور/الميكالوبوليس الأمريكي...)...

ب – بناء العتاد النظري :

يفترض بناء العتاد النظري الجديد أن العتاد النظري القديم قد طبق بكفاءة ولاحظنا نقائصه، ومحتوى "فقرة تطبيق العتاد النظري" تشكل شرطا من أجل بناء العتاد النظري الذي يتضمن النظرية ومفاهيمها ومبادئها. وقبل إلغاء العتاد الموجود توجد هناك حالات وسيطية نقترح من خلالها تعديلات جزئية وتحسينات حسب مستوى معين، حيث يمكننا استخدام المفاهيم والمبادئ من أجل بناء نموذج تحليلي مختلف عن ذلك الذي اقترحه جغرافي معين، وهذا النوع من "الإصلاح" هو الأكثر شيوعا والمقبول في الوسط المدرسي. ويمر بناء العتاد النظري بأربعة مراحل :

*المرحلة الأولى : تهم بتحديد مجال الدراسة الذي طبق فيه العتاد النظري السابق. وتحديد مجال الدراسة يتطلب البرهنة على ملائمة استخدامه...

*المرحلة الثانية : تتعلق بتوضيح بأن العتاد النظري السابق غير قابل جزئيا أو كليا للأجرأة/التطبيق حسب خصوصيات مجال الدراسة المعتمد. وهو ما يتطلب الاضطلاع على مختلف النظريات القابلة للتطبيق ضمن الدراسة الجغرافية المقترحة.

*المرحلة الثالثة : تتعلق بتقديم مكونات العتاد النظري الجديد (التعريف الاجرائي للمفاهيم/تقديم المبادئ/ترابط النظرية)، ويرتكز هذا التقديم على وضوح ودقة اللغة الجغرافية، ووظيفية الدعامات الوثائقية (مبيانات/نماذج...)...

*المرحلة الرابعة : تتعلق بتطبيق هذا العتاد النظري الجديد على عينة تمثيلية من حقل الدراسة. ويتطلب هذا المستوى اعتماد العديد من "المعطيات التحليلية من أجل الوصول إلى قواعد عامة"، وكل تطبيق يمنح الفرصة لتدقيق المفاهيم وصقل المبادئ، وإبراز حدود النظرية...

خلاصة :

التعميم هو روح كل عمل علمي، يركز الاهتمام على الاستخدام/الإنتاج المفاهيم المبادئ والنظريات، ويمكن من تجاوز الحلات الخاصة من أجل الوصول إلى ما هو عام وشامل. أما على مستوى الأنشطة المدرسية فتطبيق العتاد النظري يظل غير واقعي...                 

 

[1] - جماعة من المفتشين التربويين، 2007، الأسس الإبستمولوجية والمنهجية والديداكتيكية لتدريس الاجتماعيات بالسلك الثانوي التأهيلي، الجذع المشترك نموذجا، دراسات تربوية9 ، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ص : 82.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟