عولمة الهوية : الثقافة بين الوحدة والتمايز - أحمد أبو وصال

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا
anfasse.orgرغم الإهتمام الكبير الذي حظي به مصطلح العولمة ، والكتابات الكثيرة حوله والمقاربات التي حاولت الإحاطة به ،إلا أن الغموض لازال يكتنفه ،مما يجعله جديرا بالمناقشة .
تاريخيا ليست العولمة سوي مرحلة من مراحل تطور النظام الرأسمالي ورغبته في السيطرة على العالم وإزاحة منافسيه ،وبالتالي   فرض قيمه وسلوكاته . فمنذ ظهور الرأسمالية التجارية بعد الإكتشافات الجغرافية الكبرى بدأت رغبة أوربا في السيطرة على العالم تتضح تدريجيا ،وإذا كانت هذه السيطرة قد إتخذت طابعا إقتصاديا في ظاهرها ، إلا أن تشجيع الكنيسة لها جعلها ذات طابع الديني وثقافي  وذلك من خلال نشر قيم   المسيحية ( كسلوك وتصورات ودين ) .إستمر مشروع السيطرة قائما يتمدد أحيانا وينكمش أحيانا أخرى ،وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت الإمبريالية كشكل من أشكال العولمة ، إعتمدت القوة العسكرية لتركيز الهيمنة الإقتتصادية وفي القرن الماضي كان على الرأسمالية أن تواجه أزماتها ومنافسيها ( أزماتها الإقتصادية والسياسية والمعسكر الإشتراكي ).
وقد تمكنت الرأسمالية من الصمود أمام هذه الأزمات والتخلص من منافسها و وضع حد لنظام القطبية الثنائية ،والعودة إلى نظام القطبية الواحدة  (العولمة ). إن منطق الرأسمالية يفرض – منذ وجوده – ضرورة وجود قيادة مركزية على الصعيد العالمي توجه حركيتها وتسعى إلى خلق بيئة إجتماعية وسياسية تسمح لها بالتطور وتجاوز الأزمات .
في هذه المقالة سنحاول التركيز على العولمة في جانبها الثقافي وتأثيرها على الهوية ،لأن هدف العولمة هو القضاء على الخصوصية بينما الهوية تبحث عن التمايز ،ونطرح سؤالا يبدو بسيطا :
هل تحترم العولمة الخصوصية الثقافية للأفراد والجماعات أم تسعى إلى عولمتها كما فعلت في عالم الإقتصاد والمال ؟
إنطلق مفهوم العولمة في البداية من الولايات المتحدة ،وإقتصر على الميدان الإقتصادي ( عولمة الإسواق ، السلع ، روؤس الإموال ،الخدمات ..) ثم إنتقل في مرحلة ثانية إلى عالم الإعلام نتيجة التطور الحاصل في تقنيات الإتصال وأخيرا شمل ميادين أخرى كالثقافة والسياسة ..فالعولمة لم تعد فقط حركة للمال والسلع بل حركة كذلك للمعلومات والقيم والمفاهيم ...و من هذا المنطلق نتساءل هل تسعى العولمة إلى القضاء على الخصوصية الثقافية وبالتالي  الهوية وتوحيد العالم  ضمن  قيم وسلوكات واحدة ؟أم تبحث عن عناصر التشابه بين مختلف الهويات وإقامة قاعدة مشتركة للتقارب و الحوار كما تدعي ؟
لا شك أن الثقافة هي أهم معبر عن  الخصوصية التاريخية ،وكل دولة تسعى للحفاظ على تميزها الثقافي  والتعدد الثقافي مرتبط بالتعدد الديني والعرقي والحضاري ...ويشكل أحد جذور التنمية وأهميته لا تقل عن أهمية التنوع البيولوجي ،والعولمة في مظهرها الثقافي تسعى إلى القضاء على هذا التنوع وتنميط الفرد ( كما يحدث في الصناعة )أي تكوين أفراد يتقاسمون نفس القيم والمواقف والسلوكات...(كالسلع ).
إن هذه الهوية الثقافية الباحثة عن التمايز والتي تصطدم برغبة العولمة في القضاء عليها وتشكيلها حسب تصورها ، تنتظم في ثلاث مستويات متداخلة تتطور نحو الإنتشار إذا كانت منتجة وتتراجع نحو الإنكماش إذا كانت مستهلكة :
- الفرد داخل الجماعة ( الهوية الفردية ) : رغبة الفرد في الحفاظ على قيمه الذاتية التي تحدد مواقفه .  
- الجماعة داخل الأمة ( الهوية الجماعية ) : رغبة الجماعة في صيانة خصوصياتها المشتركة
التي تميزها عن باقي الجماعات الأخرى .
 
 
- الأمة ضمن باقي الأمم ( الهوية الوطنية أوالقومية ) : صيانة التراث الحضاري حيث تندمج الهويات الفردية والهويات الجماعية .
في هذا الإطار تسعى العولمة إلى تنميط الهوية الفردية بإعتبارها المكون الأساسي للهوية  لجماعية معتمدة على عدة أساليب أهمها وسائل الإعلام . فإذا كانت العولمة في مظهرها الثقافي سعت إلى توسيع مساحة الحرية أمام المتلقي بواسطة أحدث الوسائل مخترقة الحدود لم يعد بالإمكان إيقافها ،فإن تنامي الخلل في التدفق الإعلامي يجعل الأضعف ( معظم سكان  لأرض ) في وضعية المستهلك .وتحاول العولمة من خلال هذا التفوق محاربة الذاكرة الوطنية وتفكيك المفاهيم التقليدية وصولا إلى ما يمكن أن نسميه بالوحدانية التاريخية عوض التعددية التاريخية .
إن العولمة في عمقها ليست سوى إعادة إنتاج نظام قديم كان فيه العالم ينقسم إلى طبقة الأسياد القليلة العدد وطبقة الفقراء التي تمثل الأغلبية ،لذلك ليس غريبا أن نجد اليوم أن خمس سكان العالم حتكرون معظم الثروات على حساب فقراء وعبيد العالم ثم تشكيلهم ثقافيا لقبول الواقع ،وبالتالي فرض الإستقرار والسلم العالمي على طريقة السلام الروماني ،إلا أنه حاليا سلاما أمريكيا إستفاد من تراجع قدرة الأنظمة الداخلية على التحكم في سلطة الدولة. لقد أثبتت التطورات التاريخية أن الهيمنة العسكرية والإقتصادية ليست كافية لفرض السيطرة على الشعوب وبالتالي فالثقافة ( من خلال عولمة القيم والسلوك والمبادىء على المدى البعيد )هي الكفيلة بالقضاء على الخصوصيات الثقافية والهويات الفردية والجماعية للشعوب .فالعولمة كنظام قديم إتخذ مظهرا جديدا وإعتمد أساليب حديثة ،لايسعى بالدرجة الأولى إلى تفسير وفهم العالم وتناقضاته ل يهدف إلى تكريسه وتبرير واقعه على حساب الكيانات الضعيفة  .
إن العولمة بشكلها الحالي لن تؤدي إلا إلى تفاقم الفقر والبطالة وسوء التغذية والإحساس بالظلم لدى معظم سكان العالم ،والنتيجة الحتمية هي ظهور ردود أفعال عنيفة .وليس الإرهاب في جزء بير منه سوى إنعكاس لما تحاول العولمة فرضه من تصورات وقيم . يس هناك ثقافة واحدة بل ثقافات متعددة ،والعولمة تحاول تدمير البنيات الثقافية للدول الضعيفة  عزل الثقافة عن الواقع وفرض نموذج معين ،وهي بذلك نوع من القمع والإظطهاد الذي يعيشه العالم الفقير بوعي أو بدونه . إن عولمة الأسواق والخدمات ثم عولمة القيم والمبادىء ما هو في الواقع سوى فرض سلام على طريقة السلام الروماني - كما تقدم – وإذا كان هذا السلام لم يتحقق بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة الصراع الإيديولوجي ،فإنه أصبح سياسة قائمة المعالم بعد إنهيار نظام القطبية الثنائية ،وتمظهر في السلام على الطريقة الأمريكية ( حروب أمريكا في العالم)، الواضح أن العقود المقبلة ستؤدي إلى عولمة أخرى مستقبلية قد تتخذ شكلا مختلفا،ويبدو أنها ستكون سلاما أسيويا .فهل نحن مستعدون لمواجهة العولمة الحالية والمستقبلية ؟
 
 أحمد أبو وصال     : المغرب - الصويرة

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟