جيل دولوز: الفلسفة والمقاومة(*) ـ عبد العالي نجاح

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

gilles-deleuzeتتمثل وظيفة الفلسفة في إبداع وخلق المفاهيم الفلسفية. ويعد فعل الإبداع والخلق في المجال الفلسفي مقاومة، حيث يقاوم الفنانون والسيناريست والموسيقيون والرياضيون والفلاسفة بإبداعاتهم الفكرية والفنية. لكن مقاومة ماذا بالضبط؟ إنهم يقاومون ميولات ومتمنيات وطموح الرأي العام، والمتمثلة في ذلك المجال من التساؤلات الغبية، وبالتالي قدرتهم على فرض نمط تفكيرهم أمام تصورات ورؤى ثقافة العامة.
يعد الإبداع مقاومة، حيث إنه من العار الانتماء إلى الجنس البشري. وقد عبر الكاتب الإيطالي بريمو ليفي (1) بشكل جيد عن هذه الفكرة، حيث يقول :“حين أطلق سراحي، ما كان سائدا هو من العار الانتماء إلى الإنسانية”. ليس هذا التعبير تجريديا، بل يضرب جذوره في الحياة اليومية للناس. كما لا يعني أن الجميع قتلة أو متهمون، مثلا متهمون في مجازر النازية. ليس الجلاد والضحية سواسية.


إن الأساس الذي ينبني عليه الفن هو الفكرة أو الإحساس القوي بعار الانتماء إلى الإنسانية، حيث إن الفن يتمثل في تحرير الحياة التي سجنها الإنسان. لم يتوان الإنسان في سجن وقتل الحياة. كما أن الفنان هو ذلك الإنسان الذي يحرر الحياة، حياة قوية وغير شخصية.

تعني المقاومة إذن تحرير الحياة من السجون التي أقامها الإنسان. ليس هناك فن لا يعمل على تحرير قوة الحياة. بداية، ليس هناك فن للفناء، كما أن الأحداث الصغيرة التي تقع في الحياة اليومية تنطوي على فكرة الإحساس بعار الانتماء إلى البشرية. إن غياب الإحساس بهذا العار يعني بالضرورة غياب أسباب وجود الفن.

هذا، ويتعرض الإنسان إلى مخاطر عديدة، حيث إن انتفاء الفلسفة يعني وجود الغباء في أعلى مستوياته. إن مهمة الفلسفة هي مقاومة الغباء عوض اعتبارها مفيدة في اللقاءات المسائية. كما أن القول بأن “الإبداع يعني المقاومة” فكرة واقعية.

لقد كثر الحديث عن موت الفلسفة وكذا باقي المجالات الفكرية والإبداعية الأخرى، لكن الأمر لا يتعلق بموت الفلسفة بل فقط باغتيالها. ليست هناك موت طبيعية لسبب بسيط متمثل في غياب مجال فكري بإمكانه خلق وإبداع المفاهيم، وبالتالي القيام بوظيفة الفلسفة. لماذا نريد موت الفلسفة إذا كانت وظيفة هذه الأخيرة تتمثل في إبداع المفاهيم ومقاومة الغباء؟ يسعى البعض إلى محاصرة واغتيال الفلسفة، وذلك قصد القول بأن “الأشياء تتغير”. وتتحدث الإعلاميات والإشهار عن إمكانية خلق المفاهيم، إلا أن المفاهيم التي تخلقها هذه العلوم التكنولوجية لا ترقى إلى مستوى الإبداع الفلسفي للمفاهيم.

وتشكل أبحاثي بالإضافة إلى الأعمال الفكرية لكل من فليكس غتاري وميشيل فوكو شبكات من المفاهيم الفلسفية كشبكات للمقاومة، إنها آلة حربية ضد الفكر المهيمن. إذا لم نقم بخلق المدارس الفكرية ـ مع نوع من التحفظ في ما يخص استعمال مفهوم “المدارس الفكرية”ـ، فإننا نشتغل في إطار نظام الشبكات كما هو الشأن بالنسبة لجميع العصور والحقب. شبكات للمقاومة، حيث إن وظيفة الشبكة تتمثل في المقاومة والإبداع.


الهوامش:

(* )-L’Abécédaire de Gilles Deleuze. R comme Résistance.
http://www.youtube.com/watch?v=mEkeplwsrWg
1- Primo Levi.
2- Félix Guattari et Michel Foucault.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟