آخر مقالات التاريخ والتراث
المزيد
تاريخ وتراث
بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.
و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.
من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب - على ضرورة الاعتناء بالمآلات كقاعدة مستقلة ومنفردة.
إلى هنا يمكن أن نطرح السؤال؛ ماذا يقصد الشاطبي بالمآل؟
لعل الشاطبي لم يقدم لنا تعريفا واضحا للمآل، لكن استقراء كلامه يعطي أنه أراد به كل ما يؤول إليه فعل المكلف من أعمال تكون " مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب"[2]
فالمآل إذا حسب الشاطبي، هو ما يؤول إليه فعل المكلف من نتائج إما أن تكون إيجابية (المصلحة)، أو سلبية (المفسدة)، فيكون بذلك النظر في المآل هو نظر في المقاصد، أي ما يوافق مقصد الشارع من أفعال المكلفين.
مقدمة
تُعتبر الفلسفة العربية الإسلامية إحدى أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث جمعت بين التراث الديني الإسلامي والإرث الفلسفي اليوناني والعقلانية. في هذا السياق، برز علم الكلام وعلم أصول الفقه كتيارين رئيسيين شكلا إطارًا للتفكير الفلسفي في العالم الإسلامي. يركز علم الكلام على الدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام العقل والمنطق، بينما يسعى علم أصول الفقه إلى وضع قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه في إطار الفلسفة العربية الإسلامية، مستخدمة مقاربة تأويلية تركز على تفسير النصوص وفهم السياقات التاريخية والفكرية لكلا العلمين
.1. إطار الدراسة والمنهجية
تعتمد الدراسة على مقاربة تأويلية مستمدة من مناهج التفسير الفلسفي، ولا سيما أفكار هانز-غادامر حول التأويلية (Hermeneutics)، التي تركز على فهم النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية. يتم تحليل النصوص الكلامية (مثل أعمال المعتزلة والأشاعرة) ونصوص أصول الفقه (مثل كتابات الشافعي والغزالي)، مع التركيز على كيفية تشكيل هذين العلمين للفلسفة العربية الإسلامية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام: علم الكلام، علم أصول الفقه، ومقارنة تأويلية بينهما
.2. علم الكلام: الفلسفة العقلية في خدمة العقيدة
علم الكلام هو العلم الذي يهتم بمناقشة قضايا العقيدة الإسلامية باستخدام المنطق والعقل للدفاع عنها وتفسيرها. نشأ هذا العلم في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) كرد فعل على التحديات الفكرية التي واجهت الإسلام، مثل الجدل مع أتباع الأديان الأخرى والفرق الإسلامية المختلفة.
الأسس الفلسفية: استلهم علم الكلام من الفلسفة اليونانية، وخاصة أرسطو وأفلاطون، من خلال ترجمات النصوص الفلسفية إلى العربية. المعتزلة، على سبيل المثال، ركزوا على العقل كأداة لفهم العقيدة، مؤكدين على مبدأ العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية. في المقابل، تبنى الأشاعرة موقفًا وسطيًا يوازن بين العقل والنقل.
القضايا المركزية: تناول علم الكلام قضايا مثل وجود الله، صفاته، القدر والإرادة الحرة، وطبيعة القرآن (مخلوق أم غير مخلوق). على سبيل المثال، ناقش الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة حدود الفلسفة العقلية في تفسير العقيدة.
التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.
لقد عرفت المجتمعات "المسلمة" منذ أن أوكَلَت السلطة السياسية مهمة التشريع فيها للفقهاء، اختلالات تشريعية عميقة، كنتيجة مباشرة وطبيعية لعدم قدرة التشريع الفقهي على الإجابة على مختلف النوازل والمستجدات التي كان يفرزها المجتمع باستمرار، وعجزه على ابتكار الحلول الواقعية والعملية للإجابة عنها. لقد كان هم السلطة السياسية الأول، هو الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، المفضي إلى الاستقرار السياسي، فكانت تلك هي الغاية التي حددت معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله الفقهاء باعتبارهم المشرعين الذين أوكلت لهم السلطة السياسية مهمة التشريع للمجتمع. وهكذا، لم يكن من الغريب أبدا، أن يتبنى فقهاء الإسلام، منهجية تشريعية تستهدف ضمان الثبات والسكون والاستمرارية، بأن نبذت الاجتهاد والخلق والإبداع بما هم وقود عملية التغيير ومحفزها.
لقد حرم الفقهاء التفكير خارج الصندوق الذي وضعه الحاكم إطارا إيديولوجيا للسلطة الحاكمة، وهو الإطار المفروض بمنطق الغلبة وحد السيف، والذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لمقاصد الحاكم المستبد الدنيوية لا لمقاصد الدين. لذلك؛ فلم يكن من الغريب أبدا، أن يلبسه فقهاء السلطة لباس القداسة، فأضحت تبعا لذلك، كل محاولة للتفكير خارجه، تصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، حتى أنهم جاؤوا بحكم الردة كتهمة دينية مرعبة ومفزعة، قدموها هدية ثمينة على طبق من ذهب للحاكم الطاغية، ليتسنى له تصفية كل معارضيه السياسيين، من دون حتى أن يكلف نفسه تبرير فعله الإجرامي ذاك. لقد أضحت كنتيجة لذلك كل محاولة للتفكير خارج ذلك الصندوق، تصنف سياسيا كرغبة في زعزعة الاستقرار الضامن لاستمراريته الحاكم على رأس السلطة السياسية، وتصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، بل وردة وجب دينيا على ولي الأمر، أن يقيم حد القتل على من وجهت له.
إن أخشى ما كان يخشاه الحاكم المستبد، هو قدوم رياح التغيير التي قد يجئ بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والتي من شأنها أن تعصف به وبحكمه، لذلك؛ فقد ظلت رغبته دوما، هي إيقاف عجلة التاريخ في الوضع الذي يضمن بقاءه على رأس السلطة السياسية، وهي الرغبة التي ترجمها فقهاء السلطة دينيا حينما جاءوا بالقاعدة المنهجية القائلة: " كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار"، وهي القاعدة غير العلمية، التي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية، التي عرفتها المجتمعات المسلمة على مر العصور، والتي ترتب عنها اختلالات عميقة على جميع الأصعدة.
ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.
ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.
ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في الماضي، وتتملّى في الراهن، وتتشوّف نحو المستقبل. وأن اختلال التوازن بين هذه العناصر الثلاثة، أو تغليب عنصر على غيره، من شأنه أن يُدخل ارتباكا على عملية الانتفاع بهذا الموروث. فالوعي التاريخي المفترض أن يرافق التراث، هو تلك العملية الذهنية التي تستلهم الماضي، وتتفهّم الحاضر، وتقود السير نحو المستقبل. وهو تلك القدرة على الوعي بالأصول التي يتجذّر فيها واقعنا من أجل خلقِ فعل حضاري، لتضعنا العملية برمّتها أمام تعامل سويّ. وبالتالي فإنّ التراث هو ذاكرة الكيان الجمعي الواعي بحضوره في التاريخ، وأنّ هذا الرصيد كلّما انفصل عن الجماعة وغدا منجزا مستقلا بذاته، أو بات استهلاكا عرضيا يخضع للمناسبات والمواعيد، كلّما غرق في عملية التشييء والمتْحَفَة، وهو أخطر ما يتهدّد التراث.
مقدمة
يُشكل محمد أركون (1928-2010) واحدًا من أبرز المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التراث الإسلامي والفكر الديني من منظور نقدي ومعاصر. يتمحور مشروعه الفكري حول إعادة قراءة التراث الإسلامي بمنهجية نقدية تاريخية، تسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من التقليدية والجمود، وإعادة بنائه في ضوء التحديات المعاصرة. يهدف هذا البحث إلى تحليل منهجية محمد أركون ومشروعه الفكري، مع التركيز على أسسه النظرية، أهدافه، أدواته، وتأثيراته.
العنصر الأول: الإطار النظري لمنهجية محمد أركون
السيرة الفكرية لمحمد أركون
وُلد محمد أركون في الجزائر عام 1928، ونشأ في بيئة ثقافية متنوعة تجمع بين التراث الأمازيغي والإسلامي والاستعماري الفرنسي. درس الفلسفة في جامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون. تأثر أركون بمفكرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ولويس ماسينيون، مما ساعده على صياغة منهجية نقدية تجمع بين التاريخانية والسيميائية والأنثروبولوجيا[1]
أسس منهجية أركون
تعتمد منهجية أركون على ثلاث ركائز أساسية:النقد التاريخي: يدعو أركون إلى دراسة النصوص الدينية والتراث الإسلامي في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم الظروف التي أنتجتها. يرى أن النصوص الدينية ليست ثابتة، بل هي نتاج تفاعل مع الواقع التاريخي[2].
التحليل السيميائي: يركز أركون على تحليل اللغة والرموز في النصوص الدينية، معتبرًا أن المعاني ليست مطلقة، بل متغيرة حسب السياقات الثقافية والاجتماعية.
الأنثروبولوجيا التاريخية: يستخدم أركون الأنثروبولوجيا لفهم العلاقة بين الدين والمجتمع، مع التركيز على كيفية تشكل الوعي الديني في سياقات ثقافية محددة.
مقدمة
يُمثل هشام جعيط (1935-2021) أحد أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التاريخ الإسلامي، متميزًا بمنهجه النقدي الذي يجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي. تتمحور أعماله حول فهم الظواهر التاريخية الإسلامية، لا سيما في سياق نشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، كما يتضح في مؤلفاته مثل الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية وثلاثيته عن السيرة النبوية، وخاصة الجزء الثاني تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. يهدف هذا المقال إلى تحليل فكرة التاريخ عند جعيط من خلال مقارنة رؤيته لنشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، مع التركيز على منهجه النقدي وتأثيره على فهم التاريخ الإسلامي. الإطار النظري: فكرة التاريخ عند هشام جعيط
يرى هشام جعيط أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو عملية استقراء وفهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والثقافية والدينية التي شكلت المجتمعات. في كتابه الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، يقدم جعيط رؤية شاملة لنشأة المدينة الإسلامية كنتاج لتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات السابقة مثل البابلية والفارسية والهلنستية. يعتمد جعيط على منهج تاريخي تفهمي يسعى إلى فهم المناخ الذهني والعقلي للعصر، مع التركيز على القيم والأفكار التي هيمنت على المجتمع . في سياق تاريخية الدعوة المحمدية، يتبنى جعيط منهجًا نقديًا يعتمد على فحص المصادر التاريخية بعين عقلانية، متجنبًا الروايات الأسطورية أو غير المثبتة. في الجزء الثاني من ثلاثيته عن السيرة النبوية، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، يركز على تحليل السياق الاجتماعي والثقافي لمكة قبل وبعد الإسلام، معتبرًا أن الدعوة المحمدية لم تكن مجرد ظاهرة دينية، بل نتاج تفاعل معقد بين الفرد (النبي محمد) والمجتمع . يتميز منهج جعيط بالجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي، حيث يرى أن التاريخ يجب أن يُفهم من خلال البنى الاجتماعية والثقافية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات. هذا المنهج يتضح في مقاربته للمدينة العربية الإسلامية كنموذج حضاري، وللدعوة المحمدية كظاهرة تاريخية متجذرة في سياقها الاجتماعي.
القواعد المنهجية التي تحكمت في تحديد معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله فقهاء الإسلام، كما القاعدة التي قال بها الإمام مالك: " لن يصلح امر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وكذا قاعدة: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وكذا القاعدة القائلة بــ: " لا اجتهاد مع نص "... هي قواعد منهجية، فرضتها طبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، الضامنة للاستقرار المجتمعي، الذي كان يبتغيه الحاكم الطاغية.
لقد اتسمت منهجية الفقهاء بنزعتها النكوصية الماضوية، كنتيجة طبيعية لطبيعة المهمة التي أسندت لهم على مر العصور، في تخريج الأحكام التي كانت تأمر بها السلطة السياسية، ضمانا لاستقرارها واستمراريتها. لقد كان أخشى ما يخشاه الحاكم المستبد، هو التحولات التي قد يجئ به التطور الطبيعي للمجتمع، والتي قد تحمل معها بوادر التغيير التي قد تعصف به وبحكمه، لذلك فقد ظلت غايته القصوى دوما، هي محاولة الحد ما أمكنه ذلك، من وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بأن يجعله منه ساكنا وجامدا، وهي الغاية التي ترجمها فقهاء السلطة أحكاما "شرعية"، من خلال تبنيهم لمنهجية تشريعية تعتبر كل محدثة ضلالة.
لقد كان من الطبيعي بالنظر إلى طبيعة مهمة الفقهاء تلك، أن يتبنوا منهجية في التشريع، تنتج أحكاما شرعية، غايتها التحكم في وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بما يضمن وضعية من السكون والجمود تضمن استمرارية الوضع على ما هو عليه، وذلك من خلال الدعوة إلى السمع الطاعة والخنوع لولي الأمر، والقبول والرضا بالظلم والجور الذي يمارسه في حق " الرعية " على أنه قدر إلهي، وبالتالي؛ فليس من الدين في شيء العمل على تغييره أو انتقاده حتى، وهذا ما لخصه فقيه كبير كابن حنبل حين قوله: "والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين " ليضيف " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق." (انظر دراستنا المعنونة بـ: " الفقه الإسلامي ومقاصد الدين").
مثلت المسائل اللغوية أبرز ما أهتم به الفكر المعاصر لما لها من الأهمية الكبر ى، فقد جسدت وضعية نظرية دقيقة، حيث أصبحت اللغة المركز الذي تدور عليه اهتمامات متعددة في مجالات مختلفة. فانفتاح الثقافات على بعضها البعض ولد الحاجة إلى هذا الاهتمام المتزايد باللغة داخل كل أمة، وداخل كل ثقافة، ذلك أن اللغات لا تختلف باختلاف الشعوب فحسب وإنما تختلف أيضا باختلاف الاهتمامات الفكرية. إذ لا محيد للفكر عن اللغة والخطاب، أو لعل الفكر هو بالأساس لغة. إذا التفكير في بنية خطابات اللغة هو مرتبط بالعالم وبالإنسان. فكم من كلمة أشعلت حروبا وأقامت الدنيا ولم تقعدها. وكم من كلمة تبركنا على أعتابها في أوقات الضيق لتزيل عنا كربنا وغمنا، وقد تأتي هذه الكلمة على لسان علامة أو مفتي، كما قد تأتي على لسان نبي. وكم للكلمات الفواتح من فتح مبين. فوطن كل أمة أو شعب هي لغته التي بها تكلم، ذلك أن اللغة هي الأفق الذي فيه تتحدد علاقتنا بالعالم وبالآخر.
واللغة ، التي نحن بصدد تناولها، لغة ربانية ومعطى سماوي مقدس، إذ نحن بصدد انزياح أو عروج عن وثنية تأصلت في وجدان الأمة العربية الإسلامية. إذ لعلنا اليوم أشد حاجة من أي وقت مضى إلى التفكر في اللغة وباللغة وفي إعادة طرح مسألة الخطاب القرآني، وحل كل رابطات حقوق الله وما تمثله من الرابطات من غطرسة على بنية القول والتفكير.
فباسم المقدس ننسلخ عن آدميتنا، وباسم الدين تتعالى الأصوات لانتهاك ما هو بشري وتطويعه و تركيعه. وصار من الوجوب أن نعيد طرح "جهازنا " المفاهيمي من داخل النص القرآني وفق رؤية تكون مرجعيتها العقل والدين لأنه آن الأوان لرفع كل وصاية على ما هو مقدس، أو لرفع وصاية الأرض عن السماء.
من المعروف أن النص القرآني لا زال يلهم الكثير من القراءات المتعددة، وما تتعرض إليه حضارتنا من هجوم خارجي وداخلي على الإسلام، خارجي وهي نظرة الغرب الصليبية للعرب والإسلام بما هو رمز للإرهاب والتطرف، وداخلي يتمثل في احتكار أو محاولة احتواء النص القرآني من طرف قلة ارتأت لنفسها المشروعية في التكلم باسم الإله، وأنها نخبة الله المختارة على الأرض وما عداها فهو ضلال مبين. فمن الواجب أن يعيد المفكر العربي والمسلم إعادة تفكير الإسلام كمنظومة دينية وفكرية، أي لابد من قراءة جديدة للخطاب الديني بما هو نص شديد الثراء وكثيف المعاني، نص قصصي البنية ورمزي المقاصد، والقطع مع التأويلات الأيديولوجية المسيسة للإسلام. وتجاوز القراءات الدغمائية السطحية للنص القرآني. وفضح كل قراءة تدعي أنها قادرة على معرفة كلام بشكل متطابق مع غاياته النهائية والأخيرة. هذه الضرورة إلى أعادة قراءة النص الأصلي أو الأم سمح بتعدد التفاسير واختلاف الرؤى في تفكيك الخطاب المقدس وهو منهج اشتهر به جاك دريدا1.إذ يطور دريدا منهج التأويل في حواره مع النص الصامت والذي يشكل مصدر لغط وغلو. ولم يبق الخطاب القرآني كوحي أو كحديث للآلهة بل قد ارتبط بالإنسان والنسيان وقد كانت دائما هناك محاولات للهيمنة على هذا الخطاب والسيطرة عليه. وما تميزت بالسطحية في تناولها وتفسيرها للخطاب القرآني والوقوف عند تخوم العبارة وذلك بالتداخل بين المقدس والدنيوي وتظهر الذات الإلهية متجسدة في صورة هي أقرب للبشر منها للآلهة، ويتبدى الخطاب مفعما بروح التضاد والتوتر بين السماء والأرض، خطاب عمودي متعالي أساسه الوعد والوعيد. في هذا التداخل والتشابك بينما هو إلهي فينا وما هو دنيوي بما أننا قد نفخ فينا من روحه.
لا يمكن اختصار منزلة السّؤال في كونه شكلاً وحيداً ومستقلاًّ من أشكال الخطاب الأدبي في مدوّنة التوحيدي، فهو يخترقُ أكثر من شكل فنجده في التّناظر كما في المنافرة وقد يكون أيضاً مُنطلقاً للرّواية والتّذاكر وغيرها. وليس المقصود هنا بالسّؤال مجرّد السّؤال العاديّ ذي البُعد التّواصلي بالأساس وإنّما السّؤال المُولّد للتّفكير ذي البعد التبصّري، فهو آليّة تفكير وأكثر منه مجرّد أداة تواصل وتبليغ، وهو الحامل لمُشكل معرفي قد يتجاوز الاستخبار ولا يتطلّب بالضّرورة إجابة مُحدّدة أو إجابة واحدة. هو تقريباً شبيه بالسّؤال التّوليدي* بالمعنى السّقراطي أي في معنى المُساءلة المستمرّة لتوليد المعارف والوصول إلى نتيجة مفادها أنّه لا توجد إجابة نهائيّة. وفي الكتاب الثامن من "المواضع " لأرسطو والمُخصّص لـ"ممارسة المُحادثة الجدليّة "نجدُ تنظيراً مخصوصاً بمنطق الأسئلة وتمشّياتها باعتبارها آليّة ضروريّة تسبق الفهم وإطلاق الأحكام وسمّاه "علم السّؤال*" وهو علمٌ واصفٌ للطّرق والآليات التي تُطرحُ بها الأسئلة على المُحاور.
ولا يخفى أيضاً أهميّة السّؤال بالنّسبة للمفكّرين والفلاسفة ما بعد أرسطو، فـ"كارل يسبرز" مثلاً اعتبر الأسئلة أهمّ من الأجوبة في عمليّة التّفلسف، دون اعتبار طبعاً أنّ كلّ إجابة مفترضة تتحوّل بدورها إلى سؤالٍ فلسفيّ جديد، ومنه يُستنتج أنّ السّؤال الحامل لمشكل معرفي، بالقدر الذي يبعثُ فينا الدّهشة والتّفكير، يظلّ حاملاً في نفس الوقت لقوّته وحيويّته ومُتأبّياً عن الانغلاق والفناء في الإجابة. "والقُدرة على السّؤال تعني القُدرة على الانتظار ولو كان ذلك مدى الحياة كلّها"([1]) على حدّ عبارة هايدغر، ويقصد بذلك أنّ السّؤال الأصيل يظلّ متجذّراً في الجواب إلى ما لانهاية وهو ما يؤكّده في سياقٍ آخر مشابه قائلاً: "كلّما زاد اقترابنا من الخطر تبدأ الطّرق إلى المُنقذ تلمعُ بجلاء أكبر، ونُصبحُ أكثر تساؤلاً، ذلك أنّ التّساؤل هو قمّة التّفكير"([2]). ويذهبُ "موريس ميرلوبونتي" بعيداً في تناول فلسفة السّؤال بأن يمنحه بُعداً أنطولوجيّاً، أي أنّ الوجودَ الإنساني في حدّ ذاته سؤالٌ ومنذ أوّل سؤال يبدأ الإنسان في تخطّي عتبة الحيوانيّة ففي "المرئي واللاّمرئي" يقول: "إنّ الأسئلة مُحايثة لوجودنا، لتاريخنا، فهي تولد بداخلها، وتموت بداخلها كلّما حصلتْ إجابةٌ ما، وفي غالب الأحيان فإنّها تتحوّل بداخلنا"([3]).فكأنّما الأسئلة لا تموت باعتبارها جوهر الإنسان، وحتّى الإجابات لا تُنهي المساءلة بل تظلّ مستكنّة فيها، فهي في النهاية أسئلة مُقنّعة وإن ظهرتْ بمظهر الإجابات.
تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.
في خضم الجدل المتصاعد حول الهوية والانتماء في الدنمارك، جاء تصريح عالم الوراثة الدنماركي البارز إيسكه فيلرسليف ليقلب الموازين: "مفهوم العِرق انتهى علمياً". هذا الإعلان لا يقتصر على كونه حقيقة بيولوجية، بل يمثل نقطة تحول في النقاش العام، إذ يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: إذا كانت الجينات لا تحدد الهوية، فما الذي يصوغ الانتماء الوطني؟ بين الدم والثقافة، بين الوراثة والتجربة الإنسانية، يتكشف صراع قديم يتجدد اليوم في سياق سياسي واجتماعي معقد، حيث يواجه الدنماركيون – ومعهم العالم – ضرورة إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الأساطير العرقية التي فقدت أساسها العلمي. ويتجدد جدل الانتماء في بلد يواجه تحديات التعددية والاندماج، ويعيد التفكير في معنى أن تكون "دنماركياً".
الهوية تعيد تعريف نفسها
تصاعدت خلال السنوات الأخيرة النقاشات العالمية حول الهوية والانتماء، لتتجاوز حدود السياسة والاجتماع وتدخل عمق العلم الحديث. وفي الدنمارك، أثار تصريح فيلرسليف جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن مفهوم العِرق قد انتهى علمياً، مشدداً على أن الجينات لا تحدد الثقافة أو الهوية الوطنية. هذا الموقف لا يمثل مجرد رأياً فردياً، بل يعكس تحولات جذرية في علم الوراثة والأنثروبولوجيا، حيث باتت الأبحاث الحديثة تكشف أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة، وأن ما يُسمى "العرق" ليس سوى بناء اجتماعي وسياسي فقد أساسه العلمي.
إن هذا الطرح يضع المجتمع أمام تحديات فكرية عميقة: كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن الدم والجينات؟ وكيف يمكن للعلم أن يُسهم في تفكيك الصور النمطية التي غذّت قروناً من التمييز والصراعات؟ فبينما يرى بعض المعلقين أن الانتماء يُحدد بالوراثة، يوضح العلم أن الثقافة، اللغة، التاريخ، والتجارب المشتركة هي العناصر الحقيقية التي تصوغ هوية الشعوب.
من هنا، يصبح النقاش حول "الدم والدنماركية" مثالاً صارخاً على التداخل بين العلم والسياسة، وعلى خطورة إساءة استخدام النتائج العلمية في الخطاب العام. فالعلم، كما يؤكد فيلرسليف، لا يبرر تقسيم البشر إلى أعراق، بل يكشف أن الإنسانية وحدة متصلة، وأن الاختلافات الجينية بين الأفراد أقل بكثير مما يُتصور، ولا تصلح لتحديد الانتماء أو الهوية.
دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) "الأولين" هم "البربر". وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة "البربر" يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى "الأعاجم" (أو "إكناون" بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى "الهمج" و"المتوحشين". فلفظة "البربر" بمعنى "العجم"، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية والرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.
كما أن لفظة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون "اللسان البربري" بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ. وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول "المغرب العربي"، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر "المغرب العربوفوني" قياسا على الدول التي توصف بأنها "فرنكوفونية" أو"أنجلوفونية"...
منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية "العرب" و"البربر" في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء "مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب"، فتشكل لديها نفور من كلمة "البربر" بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة "بربر"، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: "الهمج والمتوحشون". و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار "نزوع قومي" واضح، فاستحبوا اسم "أمازيغ".
ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية "العرب" و"الأمازيغ" فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟
حرص الأمازيغ خلال العقود الأخيرة على النزول إلى الساحات للاحتجاج والترافع من أجل مطالب مشروعة تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة لدى ساكنة المناطق الجبلية، إضافة إلى قضايا الهوية وإعادة قراءة التاريخ. غير أن الاحتفال بـتيفسا (تافسوت) ليس حدث معاصر مرتبط بأحداث 1980، بل يمتد بجذوره في عمق التاريخ الأمازيغي، حيث شكّل دائمًا مناسبة للاحتفاء بتجدد الحياة وارتباط الإنسان بالأرض عبر طقوس وعادات متوارثة. لذلك، فإن من يعتقد في كونه “بدعة” معاصرة يتجاهل هذا الامتداد الثقافي والرمزي العريق. وانطلاقًا من هذا المعطى، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على طقوس الاحتفال بتيفسا كما عايشتها في مسقط رأسي، قرية أفراسكو بمنابع زيز، خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، باعتبارها تجربة محلية تعكس غنى وتنوع الممارسات الأمازيغية المرتبطة بهذا الفصل.
ارتبطت الاحتفالات والمناسبات الأمازيغية بالأرض وتعاقب الفصول؛ فكل المحطات السنوية المحددة بدقة تعني الكثير بالنسبة للأمازيغ، وتحمل رموزًا ودلالات عميقة. وينطلق ذلك من الطقوس المرافقة لها، فمنها ما له ارتباط وثيق بالأمجاد التاريخية، وفي الآن نفسه بالدورة الزمنية المرتبطة بالمناخ ودورة الطبيعة، مثل رأس السنة الأمازيغية؛ ومنها ما يرتبط مباشرة بالطبيعة وتجددها، مثل تيفسا، التي ستكون موضوع هذا المقال المتواضع.
تيفسا تعني فصل الربيع. وانطلاقًا من التداول اليومي للكلمات المشتقة من «تافسوت» ـ التي تحيل في الاستعمال الدارج إلى معاني الشياكة والجمال ـ نجد أن الأمازيغ يقولون أيضًا «إفسا إمندي» أو «فسانت تمزين» عندما تخرج السنبلة. وباختصار، فالفعل «إفسا» يحيل دلاليًا إلى الجمال وروعة الحياة وانبثاقها؛ لذلك أُطلق هذا الاسم على الفصل الذي يلي الشتاء، المعروف بالعربية بالربيع، أي زمن نمو النبات وتفتح البراعم والأزهار. وفي الأمازيغية لا يختلف المعنى كثيرًا عن هذا التصور، بل يتجاوزه إلى حمولة رمزية أعمق تتصل بفكرة الانبعاث وتجدد الوجود.
برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).
فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.
ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.
تُعَدّ رأس السنة الأمازيغية محطةً ومناسبةً سنوية ذات أبعاد تاريخية وأنثروبولوجية، تعكس تصور المجتمعات المغاربية لدورة الزمن وترابطها الوثيق بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال، وليست نتاجًا لبناء إيديولوجي حديث أو «اختراعًا» معاصرًا كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات الاختزالية. فهي تعبير تاريخي عن علاقة عضوية بين الإنسان والأرض، نشأت في سياق مجتمعات فلاحية كان الزمن فيها يُقاس بالإنتاج والدورة الطبيعية، لا بالأنظمة الإدارية المجردة. وهي، وفق تقويم مستمد من منعطف حاسم في تاريخ الأمازيغ بشمال إفريقيا والضفة الشرقية للمتوسط، تُجسّد تصورهم لدورة الزمن وترابطها بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال.
وقبل فرض التقويم الميلادي مع دخول الاستعمار الفرنسي، ظلّ التقويم الفلاحي الإطار الزمني المرجعي الذي ينظم حياة المغاربة اليومية في الجبال والسهول والواحات والصحراء على حد سواء. وقد كان هذا التقويم—المتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يومًا—أداةً عملية لضبط مواسم الحرث والزرع والحصاد، وتدبير تعاقب الفصول، بما يعكس مركزية النشاط الزراعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي. كما أن استمرار العمل به حتى بعد ترسيخ الزمن الإداري الاستعماري يكشف عن شكل من أشكال المقاومة الصامتة التي مارستها الذاكرة المحلية في مواجهة زمنٍ مفروض من خارج بنيتها الثقافية.
وقد ارتبط هذا التقويم ببداية سنة جديدة احتُفل بها في مختلف مناطق المغرب تحت تسميات متعددة من قبيل: «إض ن يناير»، «إخف ن وسگاس»، «يناير»، «النايرة»، أو «حگوزة». ويعكس هذا التعدد وحدةً عميقة في المعنى والممارسة؛ إذ لا يدل على التشتت بقدر ما يؤكد الامتداد الجغرافي والتاريخي لهذا الطقس. كما أن هذه الممارسة لم تكن حكرًا على المناطق الجبلية كما يعتقد البعض، بل شملت المجتمع المغربي بأكمله بحكم طابعه الفلاحي؛ مما يجعل من رأس السنة الأمازيغية، في جوهرها، رأس سنة فلاحية: أي لحظة انتقال رمزية بين دورتين زمنيتين، تتوقف خلالها الجماعة لاستشراف المستقبل واستدعاء قيم الخصب والبركة والاستمرارية.
ولا يمكن فهم هذا الارتباط العميق بالزمن الفلاحي بمعزل عن عمق الوجود البشري بالمجال المغربي، كما تؤكده المعطيات الأركيولوجية والعلمية الحديثة. فقد أظهرت الاكتشافات الأثرية أن المغرب لم يكن هامشًا في تاريخ تطور الإنسان، بل فضاءً مركزيًا في تشكله المبكر. ويعد موقع جبل إيغود من أبرز هذه الاكتشافات، حيث كشفت الدراسات العلمية عن بقايا للإنسان العاقل يعود تاريخها إلى نحو ثلاثمائة ألف سنة، ما يجعل من إنسان إيغود أقدم تمثيل معروف حتى الآن للإنسان العاقل على الصعيد العالمي.
كما كشفت الأبحاث المرتبطة بالمجتمعات النيوليتية—خاصة في حوض وادي بهت ومناطق من المغرب الأوسط والشمال—عن وجود استقرار بشري مبكر قائم على الزراعة وتدجين الحيوانات، وهو ما يدل على انتقال مبكر من نمط العيش القائم على القنص والالتقاط إلى نمط الإنتاج الفلاحي، وما يترتب عنه من تنظيم للزمن وربط مباشر بين الإنسان والدورة الطبيعية. وتؤكد مواقع أخرى، مثل مغارة تافوغالت، استمرارية الاستيطان البشري وتطور التفكير الرمزي والطقوسي، من خلال ممارسات دفن الموتى وتنظيم المجال؛ وهي كلها مؤشرات على تشكل وعي مبكر بالزمن والنظام الكوني.
منذ قرون طويلة، ظلّ الغرب يحتل موقع “المركز” في الخريطة الفكرية للعالم، ليس فقط بوصفه قوة سياسية واقتصادية، بل باعتباره المرجعية العليا للمعرفة، والمعيار الذي تُقاس عليه الحضارات، والنموذج الذي يُفترض أن تتجه نحوه بقية الشعوب. هذا التمركز لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مادي أو علمي، بل كان أيضاً بناءً رمزياً ومعرفياً تشكّل عبر خطاب طويل من التمثيلات، والتأويلات، والكتابات التي رسّخت صورة الغرب باعتباره “العقل” و“الحداثة” و“العالمية”، في مقابل شرق يُقدَّم غالباً كـ“آخر” تابع أو هامشي أو خارج التاريخ. في هذا السياق، ظهر مشروع الاستغراب بوصفه محاولة فكرية جريئة لإعادة النظر في هذه البنية غير المتوازنة، ولتفكيك ما يُسمّى بـ المركزية الغربية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب عبر قرون من الهيمنة الرمزية.
إن الاستغراب، في جوهره، ليس مجرد ردّ فعل على الاستشراق، ولا هو مشروع انتقامي أو خطاب مضاد يسعى إلى قلب المعادلة فحسب، بل هو جهد معرفي يسعى إلى فهم الغرب من خارج ذاته؛ أي من منظور لا يخضع لسلطته الرمزية ولا لهيمنته الثقافية. إنه محاولة لاستعادة القدرة على النظر إلى الغرب بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل، تماماً كما فعل الغرب مع الشرق، ولكن دون الوقوع في فخ التعميم أو التشويه. فالاستغراب لا يهدف إلى إنتاج “غرب متخيّل” جديد، بل إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر بحيث لا يبقى الغرب هو المقياس الوحيد لما هو عقلاني، أو متقدم، أو إنساني.
تنبع أهمية هذا المشروع من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للثقافات غير الغربية أن تفهم الغرب دون أن تقع تحت تأثير خطابه عن نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة نقدية للحداثة الغربية، وللنموذج الليبرالي، وللفكر الفلسفي والسياسي الذي شكّل العالم الحديث. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تجاوز ثنائية “نحن/هم”، وإلى بناء معرفة أكثر توازناً تقوم على الحوار لا على التبعية، وعلى النقد لا على الانبهار، وعلى الفهم لا على الاستلاب.
عرفت الدراسات الشرقية في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة نقلةً بارزةً، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللغة والآداب العربية، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدارسين والمستشرِقين ورجال الدين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدات في صلب المنهج والمقارَبات. وفي ظلّ هذه التحولات باتت تتوزّع انشغالات المعنيين، في الراهن الحالي، على أربعة حقول أساسية: حقل الدراسات الأدبية بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التاريخية، وحقل القضايا السياسية الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميات. تأتّى ذلك في أعقاب مراجَعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامة، لم تدخّر جهدًا في انتقاد المنزع الإيديولوجي، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوُّلٍ جارٍ من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعْراب، بالانكباب حصرًا على قضايا الدراسات العربية، التي باتت تُعرَف في الوسط الأكاديمي الإيطالي بالاستعراب "Arabismo"، ويُطلق على المختص في المجال مستعرِبا "Arabista"، قياسا على لفظتيْ اِستشراق ومستشرِق.
هيمنة النسق الاستشراقيّ
لا يخفى أنَّ الدراسات العربيّة في إيطاليا هي دراسات وليدة تقاليد مزدوَجة كَنَسيّة واستشراقيّة، تعود أصولها إلى عهد البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حرص على تدريس اللغة والآداب العربية. ما وطّدَ الصلة، منذ المنشأ، بين تلك الدراسات والتراث الكتابيّ وأبقاها تحت تأثير القراءة الكاثوليكية. وهو ما حدا بالمستعرِبين، في الفترة المعاصرة، إلى النزوع نحو الاستقلال المنهجيّ بقصد التخلّص من وطأة التوظيف الإيديولوجيّ. روتْ لي إيزابيلا كاميرا دافليتو، أستاذة الأدب العربي في جامعة روما، أنها حين أزمعت الالتحاق بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، محجّ رهبانية الآباء البيض في روما، لدراسة العربية لم تحظَ بالقبول بموجب عدم انتمائها للسلك الكَنَسيّ. فقد بقي تدريسُ العربية وتعليمها في روما حكرًا على المؤسسات الكَنَسية حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.
لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.
فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.
حواضر تدريسِ العربيّة
ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف "تاريخ مسلمي صقلية" (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.