أن تجعل من الأدب قوة مضادة، وتمنح للحروف سلطة الكشف عن الحقيقة؛ ذاك هو التحدي الذي رفعه جون إدغار وايدمان في روايته" أن تكتب لتنقذ حياة"(*)، حيث تتواشج السيرة الذاتية مع الخيال والحقيقة التاريخية، لإعادة تأسيس عالم لا يكون فيه للون البشرة أية أهمية.
في سنة 1955 تصدّرَ عناوين الصحف الأمريكية خبرُ إعدام صبي أسود في الرابعة عشرة من عمره. كان إيميت تيل يستقل قطار شيكاغو لزيارة عائلته في ولاية مسيسيبي. زعموا أنه أطلق صفيرا في حضور سيدة بيضاء، فتم اختطافه واغتياله ليعيد قطار آخر جثته بعد بضعة أسابيع.

أثناء محاكمة القتلة بتهمة الاختطاف والضرب المؤدي إلى القتل، تتلقى الصحافة معلومات سرية من الملف العسكري لوالد الضحية. كان لويس تيل مجندا في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وتوبع في إيطاليا بتهمة الاغتصاب والقتل، حيث صدر في حقه حكم بالإعدام.

الابن سر أبيه إذن! وبعد ساعة من المداولات تمت تبرئة القتلة.

على امتداد نصف قرن لم تفارق صورة إيميت مخيلة الكاتب، ليقرر إعادة تجميع خيوط القضية، عبر استجواب الأرشيف، وفحص المقالات والمحاضر، وزيارة موقع الحادث. بدت الحقيقة واختفاؤها أغرب من الخيال، وأعمق من أي سرد فني. وفي بحثه عن حزن السود، وأنماط الرعب المتوارثة عبر أجيال، كان وايدمان يعيد تشكيل الروائي كبوصلة أخلاقية، تنكأ جروح العنصرية، واللامبالاة التي تُظهرها أمريكا وجهازها القضائي تجاه آلام السود.

 ما قبل البداية: الوجود القَبلي للألم
هل تبدأ الروايات حقاً من عتباتها الأولى؟ أم أن البدايات شظايا مسبوقة بزلزال حدث في الخفاء، فوصلت إلينا وهي تلهث، متأخرة عن شيء أفلت من القيد وسال على السطور؟

    إن النص، قبل أن يفتح صفحته الأولى، يكون قد بدأ بالفعل في فضاء آخر؛ في جرح غائر، أو خوف عتيق، أو ذاكرة مؤجلة لم تجد حبرها بعد. من هنا، تبدو فاتحة «أغالب مجرى النهر» مربكة على نحو خاص؛ إرباكٌ يدفع القارئ نحو تساؤل جوهري: من أين بدأت الرواية حقاً؟ هل انبثقت من ذاكرتي أم من ذاكرة "عقيلة تومي"؟ وهل كانت "عقيلة" مستوطنة في زنزانتها قبل أن أطأ عتبة النص؟

يستدعي سعيد خطيبي في روايته هذه شكلاً من أشكال الوجود القبلي المزلزلة ليقين الحضور كله، سارداً أسئلة حارقة:

  • مَن كان هناك أولاً؟ الجسد أم الخوف الذي يستأجره؟
  • المكان أم الذاكرة التي تعيد صياغته وتحوّله إلى مسخ؟

   يؤسس النص لهذه الحيرة هادماً فكرة الإجابات الجاهزة، كونه يسعى أساساً لتفكيك "وهم اليقين" وإعادة تشكيل الوعي بالأشياء. في هذا الأفق، يتقدم المكان (الزنزانة) بوصفه فضاءً واسعاً يرسم احتواءه للألم، متجاوزاً وظيفة الحيز أو الإطار الضيق. فالألم لا يحتاج إلى جدران، وإنما يتطلب لحماً وعظماً وقفصاً صدرياً يطبق عليه. لقد جاءت الزنزانة لتختزل الفضاء الخارجي في قطر أضيق، كاشفة عن عري وجودي مرعب يؤكد أن الألم عصي على الاحتواء، فقد كان موجوداً قبل الزنزانة، وسيبقى يتمدد بعدها، ليظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل يسبق الجرحُ الجارحَ؟

تتجاوز الرواية حدود الجرح الواحد، لتقوم على ثنائية صوتية متناوبة:

  • عقيلة: تروي من داخل جسدها المعطوب والمستباح.

الأب عزوز: يدخل الحلبة لاحقاً، حاملاً ذاكرة الحرب، ووزن "السلم" الذي يتكشف باعتباره قناعاً لوجه آخر من الوجوه العنيفة.

    يتعدى هذا التناوب السردي دائرة الحيلة التقنية البريئة، ليستقر كفعل تشكيك جذري في إمكانية السردية الأحادية، معلناً رفضه لمنطق "رواية المركز" التي تنظم الألم من موقع فوقي متعالٍ. لا وجود هنا لراوٍ كلي المعرفة؛ ثمة فقط كدمات، وآثار، وجروح مفتوحة في نصوص لا تملك تقنية إغلاقها.

تتميز قصص " حديث التفاصيل الصغيرة " للقاص المغربي محي الدين الوكيلي بنصوص تنتمي لجنس القصة القصيرة، وتستجيب لشروطها وعناصرها الأساسية ؛ من شخوص كما هو الحال في جل القصص ابتداء من القصة الأولى " مسار الحرية الشائك " حيث يتمحور الحدث حول صاحبة " الحايك "، وشخصية المختار، وفي القصة الثانية " حب قاس " تحضر البتول، وابنها محمد، وزوجها المقاوم الشهيد، والعربي في قصة " شيء بسيط يصنع الفرق "، وسعيد في قصة " مأساة سعيد وشجرة الزيتون "... إلى غيرها من شخصيات ك " زدي أحمد " بائع الإسفنج، والجنرال، ونادل المقهى، وروادها، والسي عبد الله الخياط ،والسيد مارتان وزوجته، والمدني النجار، والسي عبد الله الخياط، وقاسم بائع الصوصيص ومتعدد المهام من حداد وسباك وميكانيكي وكهربائي... والأم حليمة، وعمي الطاهر، وصالح. وأمكنة موزعة بين القرى، والريف، والجبال، وذكر بعض الأماكن في حواضر ك الرباط : " متجولا بين مقهى باليما والمكتبة الوطنية، ثم من سويقة باب الأحد إلى ساحة الحمام. " ص50، ومحطات بعض المدن : " أما مسرح الأحداث فتتساوى فيه محطات سيدي سليمان، القنيطرة، مكناس، الخميسات، سوق الأربعاء، بلقصيري، وسيدي قاسم." ص 78، و زرهون/ الزاوية، ومدينة تطوان، وطنجة، ومدينة شارتر الفرنسية، بالإضافة إلى الحوار الذي يدور بين الشخصيات لبناء الحدث وبلورته وتطويره اعتمادا الاسترجاع والتذكر أحيانا، والوصف كعنصر مرتبط بالشخصيات في مثل وصف النادل : " كان شابا في الثامنة عشرة من عمره، أشقر، متوسط الطول، بدا أكثر أناقة ووسامة بفعل زيه. " ص88، وأحداث مثل ما وقع لصاحبة " الحايك " عندما سقطت بعد أن زلت قدمها على مرأى من رجال القرية إثر عرقلة " الحايك " لخطواتها في محاولة منها لتفادي حجر كبير : " شعرت أنها لم تعد تتحكم في ساقيها، وأن الحايك أصبح معرقلا لخطواتها. فجأة، وبينما تحاول أن تتفادى حجرا كبيرا، انزلقت إحدى قدميها وسقطت أرضا أمام جمع رجال القرية " ص 13، وما صدر عنها من ردة فعل إزاء ذلك، وإزاء رجال القرية الذين تابعوا المشهد، وعاينوا الحدث : " صافي هذا ما تريدون ؟ أليس لكم شغل، فقد ضاقت الأرض من جلوسكم. " ص 13، وبشكل لا يخلو من انفعال وغيظ وتذمر. وحدث نهوض رجال القرية للذود عن حرمة قريتهم ،وحمايتها من تربص العدو بها، والاستعداد لمهاجمتها، بعد أن كانوا منغمسين في جلسة " الكيف "، إلا أن محمد ابن المقاوم الشهيد تخلف عن الالتحاق بهم، ومشاركتهم في الدفاع عن قريتهم مما أثار غضب والدته فعزفت عن منحه حبها وودها حين تأكدت من افتقاره لأي حس أو نزعة تجعله لا يتردد ولا يتوانى في الدفاع عن بلدته والتضحية من أجلها أسوة بوالده وبباقي رجال وشباب القرية الأشاوس مخاطبة إياه بقولها : " الكرامة هي التي لا تملكها ،كيف لي أن أمنحك إياها ؟ / منذ ذلك اليوم، تركت البتول محمدا، وتركت وراءها حبه الذي كان يثقل كاهلها. " ص16. ويبرز كذلك حدث علاقة سعيد بشجرة الزيتون التي غدت تحمل اسمه " شجرة سعيد " لكثرة تردده عليها، وقضاء وقت طويل تحت أغصانها، إلى أن فوجئ بإحاطتها بسياج من الأشواك والأسلاك التي طوق بها الجنرال الشجرة، وما آلت إليه حالة سعيد، حين تسلل إلى الشجرة، من ذعر وهلع من خلال طلقات الرصاص، وكلب الجنرال الذي طارده، إلى اقتلاع الشجرة بمعول المختار حارس الجنرال، ليرخي حادث مصير شجرة الزيتون بظلاله على نفسيته، وكذا على نفوس أهالي القرية : " لم يعد لشجرة الزيتون وجود بعد ذلك... كانت مأساة سعيد وشجرة الزيتون بداية لفصل جديد في حياة القرية، فصل خيمت عليه مشاعر القهر والحسرة..."ص27. وأيضا حدث قتل الكلب " كيكي " على يد صاحبه الحاج، وتعويضه بكلب جديد " ريكس " رغم ما أبداه ودأب عليه " كيكي " من إخلاص ووفاء لسيده في قصة " القانع ". وما كان يحيط بالحصول على جواز السفر الأخضر من صعوبات في مرحلة من مراحل البلاد حسب ما ورد في قصة " الباسبور الأخضر "، وحدث الهجرة غير الشرعية في ظروف محفوفة بالمخاطر تتمثل في الاحتماء بركن خفي من إحدى الشاحنات الدولية، وما آلت إليه المحاولة من فشل بسبب عدم إقلاع الشاحنة لما أصاب سائقها من مغص : " لم يطل الوقت حتى عرفت السبب : أحد السائقين أصابه مغص حاد في تلك الليلة، فتخلف عن الرحلة. " ص130، لنخلص إلى أن لكل قصة حدث وحادث إلا أننا اقتصرنا على نماذج من بعضها.

صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.

شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."

عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.

يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.

البيان الذي نشرته شركة” بالانتير ليس وثيقة تقنية، ولا رؤية اقتصادية. هو وثيقة سياسية صريحة تعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الرأسمالية الرقمية، مرحلة تخلت فيها عن ادعاء الحياد، وقررت أن تنزع قناعها وتظهر بوجهها الأيديولوجي الكامل. و"بالانتير" ليست حالة معزولة في المشهد التقني العالمي، إنها واحدة من شركات تكنولوجية كبرى تبيع تقنياتها لأنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لتورطها في تمكين الترحيل القسري والمراقبة الجماعية وملاحقة المعارضين. والأكثر إدانةً أن تقارير موثقة كشفت عن شراكة مباشرة بين هذه الشركة، إلى جانب شركات تقنية غربية أخرى كغوغل وأمازون ومايكروسوفت، والجيش الإسرائيلي، حيث وفرت منظومات بيانات واستهداف استخدمت في العمليات العسكرية على غزة، مما جعلها شريكاً فعلياً في جرائم الحرب الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. وهي في ذلك لا تختلف في جوهرها عن شركات رأسمالية رقمية احتكارية كبرى أخرى تمارس الأمر ذاته بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة من الصراحة.

إنه إعلان طبقي عن مشروع تحالف فاشي رقمي لا يستند على العنف التقليدي وحده، بل على الرقابة والقمع الرقمي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام وقمع المعارضة بطرق غير محسوسة ولكن بالغة التأثير. تحالف لا تبقى جرائمه في دوائر النخبة ومكاتب الشركات، بل تمتد إلى ميادين الحرب وأجساد المدنيين، وتجسد اليوم بأوضح صوره في الترامبية وتحالفاتها وجرائمها وحروبها العدوانية.

1. من وادي السيليكون إلى البيت الأبيض: التحالف العضوي

لفهم بيان" بالانتير" خارج سياقه المعزول، لا بد من استحضار صورة التحالف الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة بين قطاع من النخب التكنولوجية ومشروع اليمين القومي المتطرف. بيتر ثيل، المؤسس المشارك لـ "بالانتير" والداعم الأكبر لمسيرة ترامب السياسية، حيث ليس مجرد رجل أعمال يدعم مرشحاً سياسياً. هو العقل الأيديولوجي الذي يمنح هذا المشروع منطقه السياسي، ويرى في الديمقراطية التقليدية النسبية الموجودة عائقاً أمام مشروع النخبة التقنية، والذي صرح علناً بأن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية التقليدية غير متوافقتين. هذا التحالف ليس صدفة، أو تقاطعاً عابراً، إنه تلاقٍ موضوعي بين مشروعين يشتركان في هدف واحد: تركيز السلطة في يد طغمة مالية وسياسية تعتقد بامتلاكها "حقاً طبيعياً" في إدارة مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى.

تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.
في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني ( وُلد 1948 )، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه ( 1877_ 1962/ نوبل 1946 ). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.
يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.
تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة " التِّيه" التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم " السِّر " بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

يُعَدُّ الأمل من أعمق القيم الإنسانية وأكثرها قُدرة على مقاومة العدم واليأس، فهو القوة الخفية التي تدفع الإنسانَ إلى التمسك بالحياة رغم قسوتها، وتمنحه القُدرةَ على التغيير والتجاوز.
وقد تجلَّى هذا الأمل في الأدب العربي والعالمي على حَد سَواء، وبرزَ بشكل لافت في تجربة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي ( 1909_ 1934 )،والشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي(1792_ 1822). حيث التقيا _ رغم اختلاف الزمان والمكان_ في رؤية شِعرية تؤمن بأنَّ الظلام لا يُمكن أن يستمر، وأنَّ الفجر آتٍ لا مَحَالة.
عاش الشابي في فترة عصيبة من تاريخ العالَم العربي، حيث كانت تونس ترزح تحت وطأة الاستعمار، وكان الشعورُ العام مُشبعًا بالإحباطِ والانكسار. ومعَ ذلك، لَم يستسلم الشابي لهذا الواقع، بل جعله مُنطلقًا لثورة شِعرية قائمة على الأملِ والإرادة، وأكَّدَ أنَّ الأمل لَيس حالة سَلْبية مِن الانتظار، بل هو فِعْل إرادي واعٍ يفرض التغييرَ. فالأملُ عند الشابي مُرتبط بالإرادة، والإرادةُ مُرتبطة بالفِعل، والفِعْلُ هو الذي يَصنع المُستقبلَ.
أمَّا شيلي، فقد عاش في أوروبا خلال فترة التحولات الكُبرى التي أعقبت الثورة الفرنسية، حيث سادتْ أفكار الحرية والعدالة والمُساواة، لكنها اصطدمتْ بواقع سياسي مضطرب. كان شيلي شاعرًا رومانسيًّا ثائرًا، يؤمن بأن الإنسان قادر على إعادة تشكيل العالَم، ويؤمن كذلك بِدَورة الحياة وتجددها.وشِعْرُه يعكس رؤية فلسفية تَرى أن المُعاناة لَيستْ نهاية، بل مرحلة تَسبق التحوُّل. والأملُ عنده ينبع من الطبيعة، وتعاقبِ الفصول، واليقينِ بأن التغيير قانون كَوني لا يمكن إيقافه.
عِند التأمُّل في التجربتين، نجد أنَّ كِلَيهما ينطلق من معاناة واقعية، لكنه يرفض الاستسلامَ لها. الشابي يرى الأملَ في قوةِ الشعوبِ وقُدرتها على كسر القيود، بَينما يَرى شيلي الأملَ في الطبيعة وقوانينها التي تضمن التجدُّد. ومع ذلك، يلتقيان في نقطة جَوهرية: الأملُ لَيس وهمًا، بل حقيقة يُمكن إدراكها عبر الإيمانِ والعمل.
كما أن اللغة الشعرية لدى الشاعرَيْن تلعب دَورًا مُهِمًّا في ترسيخ هذا الأمل. الشابي يستخدم لغةً حماسية مباشرة تخاطب الجماهير، وتدعو إلى النهوض والثورة، بَينما يميل شيلي إلى الرمزية والصورِ الطبيعية التي تُوحي بالتحوُّلِ والانبعاث. وعلى الرغم من هذا الاختلاف الأسلوبي، فإن الرسالة واحدة: لا دوام لليأس، ولا بقاء للظلام.

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

 لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.