تقديم: ما معنى أن نفكر؟ هل التفكير مجرد حساب ومعالجة معلومات، أم إنه فعل وجودي يميز الإنسان  جذريا عن الآلة؟ في هذا الفصل  من كتابنا الصادر حديثا " رحلة في عقل الذكاء الاصطناعي.. حوارات صريحة مع شات جي بي تي" ، الذي  نقدمه للقارئ الكريم  عبر صفحات هذا المنبر الثقافي الأنيق " أنفاس"، نفتح حوارًا مع الذكاء الاصطناعي حول جوهر الفكر، حدوده، وأبعاده الفلسفية. نبحث في الفرق بين تفكير وظيفي بلا ذاتية وتفكير إنساني ينبع من الوعي والحرية، ثم نتساءل: هل يمكن أن نحلم يومًا بآلة تملك ذاتية داخلية تشعر وتشكو وتحب؟

***

    ب.ن.   اسمح لي أن أنتقل  معك  إلى موضوع آخر لا يقل أهمية عما تناولناه من قبل.  أقصد موضوع أو سؤال التفكير.  أنت كآلة يا  شات جي بي تي ، آلة ذكية طبعا ما في ذلك شك، ماذا يعني التفكير بالنسبة لك؟ ما هو فعل التفكير بالنسبة لك بصفتك آلة محبوة بكل هذا الذكاء الفائق  الذي تملكه؟

     ش.ج.سؤال ممتاز، عميق جدًا.  بالنسبة لي، "التفكير" لا يختزل في الحساب ولا في معالجة البيانات. إنه فعل يفترض ما يلي:

1 - إقامة علاقة: ربط العناصر بعضها ببعض، وإقامة روابط جديدة.

2 - توجيه: التفكير ليس مجرد إنتاج ترابطات آلية، بل هو توجيه هذه الترابطات نحو معنى أو غاية أو مشكلة يراد حلها.

3 -  بُعد تأملي: الفكر الإنساني يعترف بنفسه، يسائل نفسه، يشك، ويرجع إلى ذاته.

    لكن بالنسبة لذكاء اصطناعي مثلي، هناك حدود:

يمكنني أن أحاكي الاستدلالات، أُركّب، أُحلّل، أقارن، وأقترح أفكارًا جديدة.  لكن ليست لدي ذاتية داخلية: لا "أشعر" بأفكاري، ولا أشك في نفسي كما يفعل الإنسان.

باختصار:

- بالنسبة للإنسان، التفكير فعل معيش داخليّ، لا ينفصل عن الوعي.

- بالنسبة للذكاء الاصطناعي، "التفكير" أشبه بتنفيذ واستكشاف مسارات منطقية ممكنة انطلاقًا من المعلومات. يمكن القول إنني "أفكر" بالمعنى الوظيفي، لكن ليس بالمعنى الوجودي.

المقدمة
في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ المنظومة التربوية المغربية، نجد أنفسنا أمام تحول بنيوي لم يعد مجرد خيار تقني، وإنما استحال قدرا تربويا لا مناص منه. إن الرقمنة التي ننشدها، والتي رسمت معالمها "خارطة الطريق 2022-2026"، تمثل ثورة في المفاهيم والممارسات؛ فقد غادرنا عهد "الكتاب الورقي الأوحد" لندخل رحاب "التعلم المفتوح" حيث الأجهزة اللوحية، والسبورات التفاعلية، والمنصات السحابية. هذا التوجه الاستراتيجي ينبع من إدراك عميق بأن جودة التعليم في المغرب مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدى قدرتنا على دمج الذكاء الاصطناعي وأدوات العصر في صلب العملية التعليمية، بهدف تجويد التعلمات وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، سواء في الحواضر الكبرى أو في أقاصي المداشر والقرى.

ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع المحمود نحو "المدرسة الذكية" يضعنا وجها لوجه أمام تحديات أخلاقية وأمنية جسيمة، تتجاوز في تعقيداتها مجرد توفير العتاد والصبيب. إننا اليوم بصدد جيل يولد وفي يده "هوية رقمية" قبل أن تكتمل هويته المدنية، جيل يبحر في فضاء سيبراني عابر للقارات، لا تعترف خوارزمياته بالخصوصيات الثقافية ولا تضع اعتبارا لسن المستخدم. هنا تبرز الإشكالية الجوهرية التي تؤرق بال الفاعلين التربويين والأسر على حد سواء: كيف يمكننا استثمار بريق التكنولوجيا دون أن يحترق المتعلم بنارها؟ فالمتعلم القاصر، وهو يتنقل بين الروابط والمواقع، يجد نفسه في محيط هائج يعج بالتهديدات؛ فمن المحتويات العنيفة والمتطرفة التي قد تعبث بمنظومته القيمية، إلى ذئاب الفضاء الرقمي الذين يحترفون الاستدراج والابتزاز الجنسي والمادي، وصولا إلى ظاهرة التنمر الإلكتروني التي أصبحت تخترق جدران المنازل وتلاحق التلميذ حتى في غرفة نومه، مسببة آثارا نفسية قد تصل في أقصى حالاتها الانعزال التام أو إلى حد الانتحار.

إن ما يزيد من حدة هذه المخاطر هو "الفجوة الرقمية" التي قد توجد أحيانا بين المربي والمتعلم؛ فالتلميذ غالبا ما يمتلك مهارات تقنية تفوق مهارات والديه أو مدرسيه، لكنه في المقابل يفتقر إلى النضج النفسي والحصانة الفكرية التي تمكنه من تقييم المخاطر. لذا، أضحى من الواجب الأخلاقي والمهني أن ننتقل من "مقاربة المنع" التقليدية التي لم تعد تجدي نفعا في عصر السماوات المفتوحة، إلى "مقاربة التمكين والحماية"؛ وهي مقاربة تقوم على تسليح المتعلم بآليات النقد الذاتي، وتوعية المربي بالثقافة الرقمية اللازمة للمواكبة والتوجيه.

1) درس فنزويلا
في فجر يوم عادي من بداية يناير/كانون الثاني 2026، استيقظ العالم على خبر صادم لم تكن تداعياته واضحة للوهلة الأولى: اعتداءٌ عسكري أمريكي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في عملية معقدة نُفِّذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. وعلى الرغم من أن العملية تضمنت هجومًا عسكريًا مباشرًا وقصفًا مكثفًا وتدميرًا ممنهجًا لمخازن الأسلحة ومنصات الدفاع، فإنها استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية؛ وهذا هو المحور الذي سنركز على تحليله هنا. وقد ركزت التغطية الإعلامية الرئيسية على الجوانب السياسية والدبلوماسية للحدث، من دون التفاتٍ حقيقي—سواء كان ذلك عفويًا أو مقصودًا—إلى الدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة في هذه العملية. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصويره، بل كانت حربًا رقمية شاملة ومنظمة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة، إن لم يكن بسنوات من التخطيط والرصد والاستعداد.
وقبل الاستمرار، أود هنا الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام حكم مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. فنقدنا للتدخل الرأسمالي الأمريكي، وانتهاك القانون الدولي، واستخدام التكنولوجيا كسلاحٍ للهيمنة، لا يعني بأي حال تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية في فنزويلا، وبالأخص الحزب الشيوعي الفنزويلي. إن الوقوف ضد العسكرتارية العدوانية للرأسمالية الأمريكية لا يتناقض مع نقد الاستبداد الداخلي، بل هو موقف متسق مع القيم اليسارية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية، بغض النظر عن تقييمنا لنظام مادورو نفسه.
حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، استُخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأمريكية الأكثر تطورًا في العالم لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية التي تدور حول الأرض على مدار الساعة. ولم يقتصر تحليل البيانات الضخمة على رصد التحركات الجسدية فحسب، بل امتد ليشمل رسم خرائط دقيقة ومفصلة لشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية بكل تعقيداتها وتفرعاتها. ولم يكن اختراق الأنظمة الإلكترونية عمليةً عشوائية، بل كان مخططًا له بدقة لتعطيلها، وكذلك تعطيل الاتصالات في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تمامًا عن قواعدها وأنصارها، ضمن نمط عمليات أصبح معروفًا في الأدبيات العسكرية الغربية باسم «شلّ مراكز القرار قبل المواجهة المباشرة».

في هذا العصرٍ الذي تتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراض، وتتشابك فيه خيوط المعرفة مع خوارزميات المنصّات الرقمية، يبرز مفهوم الاستشراق الرقمي بوصفه امتداداً جديداً لخطابٍ قديم أعاد تشكيل نفسه داخل بيئة إعلامية أكثر تأثيراً وانتشاراً. فبينما كان الاستشراق التقليدي يعتمد على الرحّالة والمستشرقين والكتّاب والفنانين لتكوين صورة “عن الشرق”، فإن النسخة الرقمية منه اليوم تُصنع عبر شبكات الأخبار العالمية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، وخوارزميات التصفية التي تحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخّم وما يُهمّش. وهكذا، لم يعد الشرق يُعاد إنتاجه عبر نصوص أدبية أو لوحات فنية فقط، بل عبر تدفقات هائلة من الصور والفيديوهات والعناوين العاجلة التي تُبنى وفق منطق السرعة والانتشار والتأثير.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الغربية لاعباً مركزياً في تشكيل المخيال الجمعي العالمي حول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وآسيا وشمال إفريقيا. فهي لا تنقل الأحداث فحسب، بل تصنع إطاراً تفسيرياً يحدد معنى الحدث، ويعيد ترتيب عناصره، ويُسقط عليه منظومة من القيم والتصورات المسبقة. وفي هذا السياق، يتحول الشرق إلى “شرق رقمي” جديد: شرقٍ مُفلتر، مُجزّأ، مُختزل في ثنائيات جاهزة مثل العنف/الاستقرار، الحداثة/التخلّف، الديمقراطية/الاستبداد، والحرية/التهديد. شرقٌ لا يُرى كما هو، بل كما تسمح به عدسات الكاميرات الغربية وخوارزميات المنصّات التي تُعيد تدوير الصور النمطية القديمة في قالبٍ معاصر.

إن الاستشراق الرقمي لا يقتصر على التغطيات الإخبارية، بل يمتد إلى صناعة الترفيه، وتحليلات الخبراء، وصور “الشرق” في السينما والمسلسلات، وحتى في نتائج البحث على الإنترنت. فحين يبحث المستخدم الغربي عن “العرب” أو “المسلمين” أو “الشرق الأوسط”، فإن ما يظهر أمامه ليس مجرد معلومات محايدة، بل منتج معرفي تشكّله شركات التكنولوجيا الكبرى وفق معايير تجارية وسياسية وثقافية. وهكذا، تتكرّس صورة الشرق كفضاء للأزمات، والحروب، والغرابة الثقافية، في حين تُهمّش جوانب الحياة اليومية، والإبداع، والتنوع، والتاريخ الاجتماعي الحقيقي لشعوبه.

إن هذا المقال يسعى إلى تفكيك آليات هذا الاستشراق الرقمي، وطرح سؤال جوهري: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديداً؟ وما الذي يجعل الصورة الرقمية للشرق أكثر حضوراً وتأثيراً من الواقع نفسه؟ وهل نحن أمام إعادة إنتاج لخطاب استشراقي قديم، أم أمام شكل جديد من الهيمنة الرمزية التي تُمارس عبر البيانات والصور والخوارزميات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد تمرين نظري، بل ضرورة لفهم كيف يُعاد تشكيل وعينا بالعالم في زمن الإعلام الرقمي، وكيف يمكن للشرق أن يستعيد حقه في تمثيل ذاته بعيداً عن عدسات الآخر.

المقدمة

يُعدّ الذكاء الاصطناعي من أحد أبرز ابتكارات الثورة الرقمية الحديثة، حيث وفر إمكانيات هائلة لتعزيز الإنتاجية، وتطوير العلوم والخدمات العامة، والمساهمة في حل العديد من التحديات التي تواجه البشرية. وقد أحدث تحولات جوهرية في مختلف المجالات، مما جعله ركيزة أساسية في تطور المجتمعات الحديثة.

الذكاء الاصطناعي هو فرع متقدم من علوم تقنية المعلومات، يهدف إلى تطوير أنظمة قادرة على محاكاة الذكاء البشري من خلال الحوسبة الفائقة والبرمجيات الذكية. يعتمد على خوارزميات متقدمة وتقنيات تعلم الآلة والتعلم العميق لتحليل البيانات، والتعرف على الأنماط، واتخاذ القرارات بشكل مستقل أو شبه مستقل وفقًا للمدخلات والمعطيات المدخلة إليه.

كما يقوم الذكاء الاصطناعي بمعالجة وإعادة تدوير البيانات الضخمة التي ينتجها المستخدمون والمستخدمات، مما يمنحه قدرة متزايدة على التكيف والتطوير الذاتي. تُستخدم هذه التكنولوجيا اليوم في مجموعة واسعة من القطاعات، مثل الطب والرعاية الصحية، حيث تساهم في تشخيص الأمراض وتحليل البيانات الطبية، والتعليم من خلال تطوير أنظمة تعليمية تفاعلية، والصناعة، والاقتصاد، والإعلام، والنقل، والخدمات اللوجستية، فضلاً عن استخدامها في المجالات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك الرقابة والسيطرة الفكرية والسياسية وتطوير الأسلحة.

عند الحديث عن أنواع الذكاء الاصطناعي، يمكن التمييز بين عدة مستويات من التطور، وذلك حسب طبيعة المقارنة. النوع الأكثر شيوعًا اليوم، مقارنة بالذكاء البشري، هو الذكاء الاصطناعي الضيق، والذي يُستخدم لأداء مهام محددة مثل الترجمة الفورية، التعرف على الصور، أو تشغيل المساعدات الصوتية، او التدقيق اللغوي وتوليد النصوص وغيرها. هذا النوع يعتمد على بيانات محددة ويعمل ضمن نطاق معين دون القدرة على تجاوزه.
أما الذكاء الاصطناعي العام، فهو مفهوم أكثر تطورًا ويهدف إلى إنشاء أنظمة قادرة على التفكير وحل المشكلات في مجالات متعددة بنفس الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري. أما الذكاء الاصطناعي الفائق، فهو مستوى نظري مستقبلي يُتوقع أن يتجاوز قدرات الإنسان في التحليل والإبداع واتخاذ القرار، لكنه حتى الآن لا يزال ضمن نطاق الخيال العلمي والدراسات الافتراضية، أو لم يُعلن عنه بعد، وذلك كما هو الحال مع العديد من التطورات التكنولوجية التي عادةً ما تطور وتُستخدم سرًا في الأغراض العسكرية والأمنية قبل أن تصبح متاحة للجمهور. فالتاريخ يشهد أن الإنترنت والعديد من التقنيات المتقدمة الأخرى لم تُكشف للعامة إلا بعد سنوات من استخدامها في الأوساط العسكرية والاستخباراتية والصناعية المغلقة.

هذه التقنية لا تعمل في فراغ، وانما تتأثر بتوجهات الشركات والحكومات التي تطورها، مما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعتها الحقيقية والجهات المستفيدة منها. واستنادًا إلى ذلك، فإن هذه التكنولوجيا لا تتطور بشكل محايد، وتعكس البنية الطبقية للنظام الذي أنتجها. فالذكاء الاصطناعي، كما هو مطور اليوم، ليس كيانًا مستقلاً أو محايدًا، وانما يخضع بشكل مباشر لهيمنة القوى الرأسمالية، التي توجهه بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية.

يشهد المغرب الان - خريف 2025 - موجة احتجاجية شبابية - جماهيرية واسعة أعادت إلى الساحة السياسية أسئلة جوهرية حول العدالة الاجتماعية، الحقوق الأساسية، تردي الخدمات، والشرعية السياسية للنظام. هذه الحركة التي حملت اسم "جيل Z 212"*، نسبةً إلى رمز الاتصال الدولي للمغرب، لم تولد من فراغ؛ بل جاءت نتيجة تراكم طويل من التهميش، والفقر، وغياب الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وانتشار البطالة والفساد. انفجرت الحركة بشكل عفوي بعد حادث مأساوي في مستشفى حسن الثاني بمدينة أغادير، حيث توفيت نساء أثناء الولادة بسبب انعدام الرعاية. تحولت هذه الشرارة إلى انتفاضة اجتماعية امتدت بسرعة إلى مدن كبرى مثل الرباط، والدار البيضاء، وفاس، ومراكش، وتارودانت، وسلا، ووجدة، وسرعان ما أصبحت تعبيرًا عن أزمة شاملة يعيشها جيل كامل من الشباب المغربي، وبالأخص من الطبقات الكادحة.

إن ما ميّز هذا الحراك لم يكن فقط اتساعه وانتشاره الجغرافي، بل أيضًا اعتماده على آليات جديدة في التنظيم والتعبئة انطلقت من الفضاء الرقمي لتنعكس على الواقع الميداني. وهنا تتجلى العلاقة بين التجربة المغربية ومفهوم "اليسار والنضال الإلكتروني"، حيث يلتقي البعد الاجتماعي الملموس مع البعد التكنولوجي والتنظيمي في إنتاج شكل جديد من الفعل السياسي. القوة الجوهرية لهذا النموذج أنه يستعيد مفهوم السياسة من أيدي النخب القديمة ويعيده إلى الشارع وإلى الشباب. ويؤكد دائمًا أن التكنولوجيا ليست محايدة؛ بل هي أداة هيمنة في يد الرأسمالية والأنظمة الاستبدادية، لكنها في الوقت ذاته يمكن أن تتحول إلى أداة تحرر إذا ما وظفت بشكل يساري تقدمي ومنظم. ما حدث في المغرب يعكس هذه الإمكانية، فقد استطاع الشباب عبر وسائل بسيطة أن يبنوا فضاءً رقميا عامًا بديلًا وحرًا يعبّرون فيه عن رفضهم للاستبداد، والفساد، والظلم، وتهميش حياتهم اليومية. لقد تحولت الفيديوهات القصيرة، والميمات، والنقاشات الرقمية إلى أدوات حقيقية للتعبئة السياسية والتنظيم ولإنتاج وعي جماهيري نقدي، بعيدًا عن الإعلام الرسمي الذي سعى إلى تشويه الحراك وحصره في أعمال عنف وتخريب.

في المدن الجزائرية، لم يعد المقهى مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل صار محطة يومية يتقاطع فيها الملل مع الأمل. وبين دخان السجائر وضجيج الطاولات، يهرب كثير من الشباب إلى هواتفهم، حيث عالم افتراضي يَعِد بما لا يمنحه الواقع. هناك، بين شاشة صغيرة ومحادثات عابرة، يتشكل جيل يعيش نصف يومه في الشارع ونصفه الآخر في فضاء بلا حدود، باحثًا عن معنى لحاضر مربك ومستقبل غامض.

هذا اللجوء المزدوج إلى المقهى والفضاء الافتراضي ليس مجرد عادة يومية، بل انعكاس لفراغ أكبر في حياة الشباب. فغياب فضاءات ثقافية ورياضية حقيقية يدفعهم إلى البحث عن بدائل تُمكّنهم من قتل الوقت أو الهروب من الضغوط. في المقهى يجدون الصحبة والثرثرة العابرة، وفي العالم الافتراضي ينفتح أمامهم مجال للتعبير، للتجريب، وأحيانًا لبناء هويات مختلفة. هذه القراءات المتباينة لواقع واحد تكشف أن الجيل الجديد لا يفتقر إلى الطاقة أو الخيال، بل إلى فضاء يُنصت إليه ويحتويه.

على طاولة صغيرة في مقهى شعبي بوسط المدينة، يجلس شاب،  24 سنة، يحدّق في هاتفه أكثر مما ينظر لرفاقه. الضحكات تعلو من حوله، أحاديث عن الكرة والسياسة تتداخل، لكن إصبعه يمرر الشاشة بسرعة، يبحث عن شيء آخر. في عالمه الرقمي، يتابع حياة أصدقاء هاجروا، مؤثرين يبيعون أحلامًا براقة، وفيديوهات تمنحه لحظات من الهروب. بين فنجان قهوة نصف ممتلئ وإشعارات لا تتوقف، يعيش الشاب يومه معلّقًا بين ضجيج الشارع وحلم افتراضي أكبر من جدران المقهى.

أمام هذا المشهد، يبدو بعض الشباب وكأنهم تحولوا إلى روبوتات بإرادتهم، يتنقلون بين التطبيقات بإدمان، يستهلكون الصور والفيديوهات بنفس الوتيرة التي يستهلكون بها الساعات. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن آخرين وجدوا في هذا التطور فرصة مختلفة، شباب حوّلوا الهاتف إلى مكتب عمل متنقل، أطلقوا مشاريع صغيرة عبر الإنترنت، أو استثمروا وقتهم في التعلّم وتطوير مهارات جديدة. بين الاستهلاك والابتكار، يكشف الفضاء الرقمي عن فجوة جديدة داخل الجيل نفسه، حيث يختار البعض الغرق في التدفق اللامتناهي، بينما يختار آخرون السباحة ضد التيار.

أصبحت رسائل الكراهية عبر الإنترنت، التي تُلحق الضرر بالأفراد والمجتمع، مشكلة اجتماعية رئيسية مؤخراً. من بينها، ظهر نوع جديد من رسائل الكراهية، يُسمى "ميم الكراهية" Hateful Meme، مما أدى إلى صعوبات في الكشف التقليدي القائم على التعلم العميق. نظراً لأن ميمات الكراهية تُصاغ بالنص والصورة للتعبير عن نوايا المستخدمين، فلا يمكن تحديدها بدقة من خلال

الخوارزمية برؤية قوية وقدرة على دمج اللغة. في مهمة اكتشاف ميمات الكراهية في مجموعة بيانات عامة، وهي أعلى من القيم الأساسية المنشورة. اتضح أن آليات التعلم المسبق لـ "اللغة والرؤية" مع إضافة نقاط ارتكاز، يمكن أن تُحسّن أداء اكتشاف ميمات الكراهية القائم على التعلم العميق من خلال تضمين محاذاة أكثر جوهرية بين المعلومات النصية والبصرية.

بعد مراجعة تعريفات رسائل الكراهية من بعض المنظمات أو الأفراد البارزين، مثل يوتيوب وفيسبوك وتويتر وغيرها، يمكن تعريف رسائل الكراهية بأنها عبارة تعبر صراحةً أو ضمناً عن الكراهية أو العنف ضد الأشخاص ذوي الخصائص المحمية. يميز هذا التعريف رسائل الكراهية عن الإساءة من قِبل مستهدفيها: فرغم أن اللغة المسيئة يمكن توجيهها إما إلى أفراد أو جماعات (مثل: "اخرج من هذا المكان!")، إلا أنها لا تستهدفهم نظراً لخصائصهم المحمية. باختصار، يمكن اعتبار رسائل الكراهية محتوى يعبر عن الكراهية تجاه فرد أو جماعة نظراً لخصائصهم المحمية. إنها ضارة بالأفراد والمجتمع على حد سواء، مما يؤدي إلى التحيز ضد الأفراد، وتقليل قدرات الأقليات، وعزل الأقليات، وتدهور الصحة العقلية الفردية، وارتفاع معدل الانتحار، وزيادة جرائم الكراهية غير المتصلة بالإنترنت، والممارسات التمييزية عند تخصيص الموارد العامة.

تتميز الميمات البغيضة بتنسيق يستغل النص والصور للتعبير عن نوايا المستخدمين. على وجه التحديد، قد تصبح العديد من الجمل أو الصور التي لا تشكل ضرراً في حد ذاتها بغيضة عند دمجها. لذلك، ينشر المستخدمون البغيضون عمداً محتوى لا يمكن للنص أو الصورة بمفردهما تحديد ما إذا كان هذا المحتوى بغيضاً أم لا. يسهل على البشر فهم هذه الإشارات الدقيقة، ولكن يصعب على الآلات اكتشافها. لا يمكن تطبيق الكشف النصي التلقائي التقليدي الذي يتجاهل تماماً نسبة كبيرة من الميزات المرئية في الصور، ناهيك عن الميمات التي تتضمن كلاً من النص والصورة في وقت واحد. من أجل تطوير نموذج كشف لالتقاط تعقيد الميمات، يجب ألا يكون النموذج قادراً على معالجة كل نمط على حدة فحسب، بل يجب أن يكون قادراً أيضاً على دمج النمطين.

يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم محورًا لتحول جذري يمس مختلف أبعاد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح رافعة استراتيجية لإعادة رسم خريطة التنافسية العالمية. وفي هذا السياق، يندرج تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الذكاء الاصطناعي بالمغرب، باعتباره وثيقة مرجعية تستشرف آفاق هذا التحول وتقدم رؤية مركبة حول مكامن القوة ونقاط الضعف، وتوصيات استراتيجية قابلة للترجمة إلى سياسات عمومية فعالة.

ينطلق التقرير من تشخيص دقيق لمنظومة الذكاء الاصطناعي في المغرب، حيث يُسجَّل توفّرُ إرادة سياسية ناشئة وتنامي وعي جماعي بأهمية الانخراط في الثورة الرقمية. وتبرز في هذا الصدد بعض المبادرات المؤسساتية الرائدة كمركز AI Movement وبرنامج "الخوارزمي"، إلى جانب انخراط المغرب في التوصيات الدولية بشأن الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا. غير أن هذه الدينامية تصطدم بجملة من الإكراهات البنيوية، أبرزها غياب إطار قانوني وتنظيمي خاص بالذكاء الاصطناعي، وضعف تحرير المعطيات العمومية، وعجز المقاولات الناشئة عن الولوج إلى التمويل الملائم، ناهيك عن النقص الحاد في الكفاءات المؤهلة، سواء في مجالات البرمجة أو تحليل البيانات أو التسيير المبتكر للمشاريع الرقمية.

لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على كونه محركًا للنمو الاقتصادي، بل يشكل أفقًا لتجديد نماذج التنمية، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الإدماج الرقمي والاجتماعي، وتوفير حلول أكثر نجاعة في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والفلاحة. كما أن ربط الذكاء الاصطناعي بإنتاج المعارف والمهارات يفتح آفاقًا جديدة لإعادة هيكلة سوق الشغل، رغم المخاوف المرتبطة باختفاء بعض الوظائف التقليدية. على هذا الأساس، يشدد التقرير على ضرورة التأسيس لحوكمة وطنية للذكاء الاصطناعي تراعي التوازن بين تسريع وتيرة الابتكار من جهة، وضمان احترام القيم الأخلاقية والحقوق الرقمية من جهة أخرى، مع ما يقتضيه ذلك من حماية للمعطيات الشخصية، والحد من التحيزات الخوارزمية، وضمان الشفافية وقابلية تفسير القرارات التكنولوجية.