قصة ودراسات أدبية

نثر أوجاعه وآلامه في حقولي ثم نهض متثاقلا ومضى يعرج. أحسست به يُنزل حملا ثقيلا كان يكابد من أجل حمله. لم يجد أرضا بورا ليطمر في تربتها مأساته سوى أرضي. عبر باب المقهى مغادرا وتركني أتلمظ شوقي إلى لقائه مرة أخرى بالرغم من الأشواك التي نبتت فجأة في كل تفاصيلي. حرمني متعة الجلوس معه طويلا والتنقيب بين ثناياه علِّي أظفر منه بتفاصيل يجاهد ليمحو حروفها ويدبّق حبرها من كتاب حياته. هكذا دأبه منذ عرفته يقطع لقاءاتنا عند ذروة لذتها ويهمس لي "اللقاء شيّق والوقت ضيّق". يمضي إلى لا مكان، فقد صار يدرك أن كل الأمكنة تضيق به وتضجّ من حضوره إلا هذا المقهى الشعبي النائي في أطراف المدينة الذي لا يرتاده سوى الفارين من صخب المدن وضجيجها والباحثين عن هدوء الحياة وسكينتها، وهم قليل، بعد أن هدهم اللهاث المسعور وراء متاع الدنيا العفِن. وعندما أدركوا أن نهاية الحياة لن تكون سوى حفرة وكومة من التراب هدأت نفوسهم وسكنت.

مضى يتلوى وساقاه كقصبتين متوازيتين يلفهما بنطلونه الدجينز الأزرق. مضى بانحناءته الخفيفة مسربلا في معطف من السكاي طويل اهترأت أطرافه جراء ملامسة الأرض الذي يدب عليها. ويحيط برقبته وشاحا بلونه الأبيض والأسود يدّعي أنه هديةُ أسيرة فلسطينية محررة أهدته له التقاها مرة في مسيرة مناصرة لدولة فلسطين ضجت فيها الحناجر حتى كادت تبح مرددة "فلسطين عربية". تلك الأسيرة المحررة التي غادرت وطنها بعد توقيعِ تَعَهُدٍ بعدم العودة إليه، فاختارت أن تخوض النضال من بعيد، بل من بعيد جدّا.

لوثة أصابت عقله وشلّت تفكيره منذ مغادرته السجن الذي دخله لسبب لا يعلمه. وجد نفسه يومها فجأة في قبو مظلم بعد أن اقتادوه إليه إثر اقتحام ليلي لغرفته البائسة الكئيبة. اقتحام فيه كثير من الاستعراض والفنتازيا، لكنه كان ناعما هادئا. لم يسمع أزيز الباب ولا صوت تحطيم النوافذ، ولم تلتقط أذناه وقع أقدام تصعد السلّم مسرعة وواثقة أو تقطع الممر المؤدي إلى غرفته في الطابق الثالث من عمارة يسكنها كثير من البشر المسالمين. كان حينها يقف محاذيا النافذة يتأمل من بعيد ذؤابات الأشجار وهي تستقبل أولى خيوط الفجر لتخلصها من رداء الليل الأسود المظلم المخيف. دأب على الوقوف في هذا المكان من الغرفة كلما جافاه النوم. يضع فنجان القهوة على حافة النافذة ويشعل سيجارة ويمضي مراوحا بين نفث الدخان دوائر تلو دوائر وارتشاف هذا الشراب الذي أبدع الإنسان في جعله بطعم فريد يزيل عن النفس ما يلم بها بين الفينة والأخرى من ضيق وتوتر.

كنتُ أمشي بينهم كقصيدةٍ مؤجلة، كحلمٍ لم يجد بعد لغته الكاملة، بوجهٍ لا يعرف الأقنعة، وقلبٍ يرفض أن يتعلّم فنّ الاختباء. في عالمٍ كانت الوجوه فيه تتبدّل كما تتبدّل الفصول، بقيتُ ثابتًا كنجمةٍ تُقاوم الغيم، أؤمن أن الصدق ليس خيارًا بل هو قدر، وأن النقاء ليس ضعفًا بل طريقةٌ أخرى للوجود. كنتُ أرى الأشياء ببساطتها الأولى، كما تُرى السماء بعين طفل، دون أن أُدرك أن بعض الزرقة مجرّد وهمٍ يختبئ خلفه الفراغ.

لم أعرف كيف أُلوّن مشاعري بما لا أشعر، ولا كيف أقول ما لا ينبع من داخلي. كنتُ أعيش كما أنا، دون حواجز، كنافذةٍ مفتوحةٍ على كل الرياح، أستقبل الوجوه كما لو كانت حقائق، وأصغي للكلمات كما لو كانت اعترافاتٍ صادقة. كان قلبي يسبقني دائمًا، يمدّ يده قبل عقلي، ويمنح قبل أن يسأل، كأنه نهرٌ لا يعرف سوى الجريان، حتى في أرضٍ لا تشرب.

كنتُ أهب ثقتي كما تُهدي السماء مطرها، بلا تمييز، بلا حذر، معتقدًا أن كل أرضٍ ستزهر إن لامستها قطرة صدق. كنتُ أرى في العيون ضوءًا يشبه ضوئي، وأظن أن الكلمات الدافئة جذورٌ تضرب في عمق الإخلاص. لم يخطر ببالي أن بعض الوجوه تُصاغ بعناية، وأن بعض المشاعر تُرتَّب كما تُرتَّب الأدوار على خشبة المسرح. كنتُ أتعامل مع الجميع كما أتعامل مع نفسي، وكأن القلوب نسخةٌ واحدة، وكأن العالم صفحةٌ لا تعرف سوى الحبر الصافي.

فتحتُ روحي كحديقةٍ بلا أسوار، يدخلها العابرون ويقطفون منها ما يشاؤون من طمأنينةٍ وأمل، دون أن أسأل: من يستحق؟ ومن سيمكث؟ كنتُ أؤمن أن العطاء لا يحتاج إلى شروط، وأن الحبّ لا يُوزن بميزان، لكنني لم أكن أرى أن الإفراط في النقاء قد يُشبه أحيانًا السذاجة حين يُمنح لمن لا يعرف قيمته.

كنت أظن... وأظن... وخابت الظنون. كنت أظنه الملاذ الوحيد في عواصف الحياة، كنت أظنه الأمن والأمان، كنت أظنه عوضي في هذه الحياة، وفي الأخير تخون الظنون. رسالة موقعة بحرف السين.
قرأت فقط هذه الأسطر من الرسالة التي تمزقت عند موقف الحافلات، فكان هذا الجزء الذي وجدته أو بالأحرى وجدني. وجدته عند قدمي، كأنه يريد أن يطلب مني الأخذ بالثأر لصاحبة الرسالة. فأخذت الجزء ووضعته في جيبي وصعدت الحافلة، وعند الوصول إلى منزلي وإنهاء جميع أعمالي المنزلية أخذت الجزء وأعدت قراءته بتأن، ثم بدأت في إكمال الرسالة أو بدأتُ بلمّ الشتات الذي صنعه آخرها في موقف الحافلات؛ شتاتٌ وكأنه جروح في القلب عليها أن تُضمّد.
الرسالة الممزقة:
كنت أظن أنك الصدق في هيئة رجل، فوجدت الكذب يمشي في دمك ونبض قلبك.
كنت أظن قولك الحق، فتبين أنه الوهم.
كنت أظنك رجلا، فتبين أنك رضيع لم يفطم من حليب أمه، ومهرج يحب جذب انتباه الآخرين.
كنت أظنك السند في عجزي وضعفي، فتبين أنك كسرتي وقلة حيلتي.
وضعت هذه العبارة في وسط الرسالة؛ لأني فهمت معناها بكل وضوح المعاني وما وراءها.
فهمت معنى مقولة: " لا تحكم على الكتاب من غلافه"

 كانت القرية نائمة في هدوء إلى أن بدأت الأيادي ترسم خريطتها الجديدة في الخفاء، هواؤها، طيبة أهلها، موقعها الرابط بين مدينتين، خيراتها...كل ذلك لفت إليها العيون قبل غيرها من القرى المجاورة التي لم تُحظ بهذه الالتفاتة الكريمة. بلا عيوب كانت قريتنا، حين مُدّت إليها الأيادي طالبة رضاها.
دون ارتباك، وبلا تردد بدأت الأيادي ترفع الجدران، سُيِّجت المساحات وعلا سياجها، فلا يُرى ما يُفعل خلف تلك الأسوار التي سرعان علت، كأن بُنَاتُها كانوا من الجن. في الجانب الخلفي كانت الأشغال لا تهدأ ولا أحد يعلم ما يحدث، كبطن ينشأ في داخله جنين. كُمِّمت الأفواه بلفائف الأوراق النقدية التي أُنفقت بلا هوادة، وكلما نما الجنين اتسع له بطن الأم، وكلما ازدادت حاجته للطعام والهواء مُدَّت الأيادي باللقم وقصبات الهواء من كل الاتجاهات.
هكذا كان حال قريتنا كأُمِّنا الأرض، تتسع لكل من دب وهب ليطأها بقدميه ويرتكب فوقها الفظاعات والموبقات، ثم إذا مات كان جوفها له سكنا.
اشترى المالك الجديد قطعة الأرض بأضعاف ثمنها، ثم تجاسر وغيّر حدودها، ثم استبد واستحوذ على ما جاورها، ثم تجعَّس وزحف أكثر. حدث كل ذلك في الوقت الذي كانت الكؤوس تُدار في الليالي المقمرة بين الندامى، فدُفعت الأثمان، ووُقِّعت العقود، وسُجِّلت في السجلات العقارية، فلا مجال للندم أو التراجع أو لِحَقِّ الشفعة.
حُرِس البناء الجديد من الداخل والخارج ببنادق الصيد وبالكلاب المدربة وبالغول الذي أخاف الجميع ولم يره أحد. كان الغول ساكنا في النفوس لا داخل البناء. لا أحد يعلم أكان فوق الأسوار أم خلفها أم كان يطل من بين الشقوق. تساءل الجميع عمن يكون صاحب هذا البناء، لكنهم لم يجدوا جوابا، فحتى العمال جيء بهم من قرى بعيدة، يزورون القرية لأول مرة. لم يرهم السكان قديما. أصناف من البشر وألوان كثيرة. الفنيون كانت عيونهم ضيقة ومشدودة إلى الوراء، قاماتهم قصيرة، لا يتكلمون إلا مع بعضهم البعض بلغة أضحكت كل من سمعها من أبناء القرية وعجزوا عن حفظها أو فهمها، ولا يلتقون إلا وبين أياديهم رسومات وخرائط وتصاميم ينشرونها أمامهم ثم يشرعون في تحليل علاماتها وتفكيك رموزها.

ذات مساءٍ تتثاءب فيه الأنفاس، جلستُ قرب نافذتي كعصفورٍ أنهكه الحنين، أراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج كأنها دموعُ سماءٍ لا تُقال. كانت كل قطرةٍ رسالةً لم تُسلَّم، وكل ارتطامٍ خافتٍ على الزجاج همسةً ضاعت في الطريق إليّ.

كنت أؤمن أن للحب قانونًا خفيًا، لا يُكتب بالحبر ولا يُعلَّق في الكتب، بل يولد في ارتعاشة القلب، ويُفهم في صمت النظرات… قانونٌ يشبه الضوء، لا يُرى لكنه يكشف كل شيء.

قلت لنفسي، وأنا أضمّ وحدتي كوشاحٍ بارد:
“من اهتمّ بي، فقد أحبّني دون أن ينطق، ومن أهملني… لم يكرهني، بل فقط لم أكن نغمةً في قلبه.”

ثم عاد بي الحنين إليها…
تلك التي كانت تملأ أيامي دفئًا كموقدٍ صغيرٍ في ليل الشتاء الطويل. كان حضورها شمسًا خجولةً تتسلّل إلى روحي دون استئذان، تذيب جليد الوحدة على أطراف أيامي. كانت تسأل عني كأنها تبحث عن ذاتها في تفاصيل اسمي، وتقرأ صمتي كما تُقرأ قصيدةٌ كُتبت بالحزن الجميل.

رن هاتفي الشخصي حوالي السادسة صباحا، اختلط الحلم بالاستيقاظ في تلك اللحظة التي طبعت إحساسا أليما بالذاكرة خصوصا وأن نفس الاحساس ولو أنه أقل حدة لامسني عاما قبل ذلك. زيارات متكررة لمستشفى القرب جعلت من آخر زيارة له ، أدرك  أن ما حل بالجسم الذي تبدو عليه علامات التعب يتجاوز قدرات الطاقم المشتغل في المدينة الصغيرة ويفرض ضرورة التنقل الى مصحة خاصة ... وعند طبيب يفترض أن يكون سؤاله بلسما لغويا قبل التشخيص ، لأتفاجأ بالتهكم في طرحه للسؤال ، تجاوزا انتظرت نتيجة الفحص التي خيبت آمال حياة كنت رسمتها بألوان وردية ،لأعيد ترتيب ما بعثره الزمان بخيبات عديدة ، "عضلة القلب" ضعيفة جدا كان لهذا الكلام وقع ووخز ارتبك خلاله شعوري ، وتراءت لي صور من الماضي القريب والبعيد ، وأفراد عائلتي في غرفة الانتظار ... ماذا ينتظرون؟

أملا في دواء يعيد ترتيب أوراق الليالي المؤرقة ... لكن دون جدوى، فالألم لايزال مناورا...

وتقترح أمي فكرة آخر العلاج الكي والذي كبح أي محاولة أخرى لمدة سبعة أيام ... وقبل اليوم الأخير، اجتمع الأهل لمناسبة في البلدة، خرج والدي بعد تناول وجبة الغذاء وكأنه أراد أن يودع محيطه الوداع الأخير. تناول في بهو المنزل تمرا ورمانا ويجلس قليلا فوق كيس مملوء بالذرة والذي كد من أجله طول المدة التي استلزمها هذا المحصول ...

ليالي الغربة والبعد موحشة وقائظة وطويلة مثل ليالي المذنبين. تتمطى ساعاتها ودقائقها حتى يخيل إليك أنها لن تنتهيَ وأن صبحها لن ينبجس.
كان هذا شعوره الدائم منذ لفظه البحر على تخوم الساحل الشمالي للمتوسط رحلة تأرجح فيها بين الحياة والموت، بدأت من هناك حين ترك وطنا ممتدا بجماله وطيبته وسواحله ورماله. غادر تاركا أُمًّا تذرف دمعها الحارق النازل جمرا على خديها فيؤجج سعير فؤادها. غادر غير عابئ بأب لا يبكي لأن دموع الرجال عنيدة. لكن كمدا يكاد يفتت قلبه.

حلم كثيرا بعبور البحر والوصول إلى الضفة الأخرى منذ حدثه خاله عن متع الحياة هناك. وصار ذلك الحلم الذي زرع خاله بذوره بين جنبيه هاجسا استبد به وظل يفكر فيه مسهدا لا يكحل النوم جفنيه ليال طويلة. بدأ حلمه بمغادرة مقاعد الدراسة ولم تُجْدِ معه محاولات والده ومدرسيه. صدّ الجميع، فتركوه. ويوم أخبر والدته بما أزمع القيام به ارتج فؤادها، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها. فهي تدرك ما في تلك المغامرات من خطر ينتظره. وظلت تذرف الدموع صامتة. وعندما علم والده لم يتكلم. ظل صامتا يخط بعصاه خطوطا متقاطعة فوق التراب كما تفعل ضاربات الرمال. ثم تنهد من أعماقه، ونهض متثاقلا ومشى بعيدا محدقا في الفراغ يتوكأ على عصاه الغليظة التي حزّ عودها كف يده. وعندما اختلى الوالد بنفسه فضّل الغربة الموحشة على برودة الزنازين وأزيز أبواب السجون. هو يدرك أن ابنه لم يُخلق لنافع الأعمال لأنه منذ غادر مقاعد الدراسة صار نصلا مغروزا في خاصرته يزداد إيلامه يوما بعد يوما. وخشي على نفسه وهو يحبو نحو السبعين من العمر أن تلوكه ألسنة الناس بمُشين أفعال ابنه فقرر أن يصدِّر أوجاعه بعيدا. قرر أن يزيل تلك المدية عن خاصرته ويرتق الجرح النازف الذي خلّفته. وعندما حدث زوجته بما فكر فيه هدأت، فلم يُرِد أي منهما أن يرى الندبة على وجه الآخر.

مهرّجًا بضحكته الصاخبة كان ، و متفرّدا بسمرته اللافتة ومزاحه الذي لا يتوقّف و نكته التي لا ينفك يلقي بها وسط رفاقنا ، تستغرب صوته الشامخ الذي يملأ مقهى الحي حين ألعب معه الورق ، كنت دائما رفيقه في اللعب و أستطيع معرفة أوراقه من نظرات عينيه و تقاسيم وجهه ، لقد كنت أكثر أصدقاء حيّنا فهما له ، و دائما أنتظر اللحظة الذي ننتصر فيها على منافسينا ليصرخ كالمجنون بأعلى صوته و ربما يقف على الكرسي أحيانا و يأخذ في الغناء أغنيته المفضلة ليغيض المهزومين بشكل مسرحي مستفزّ : ( نِنِّي نِنِّي جاك النّوم ..أمّك قمرة .... وبوك نجوم .. نِنِّي جاك النّوم...) تلك الأغنية التي دائما يردّدها و سط استغراب كل أصدقائي حتى تعوّدنا عليه و على أغنيته أيضا ، و لكن ما يزيد استغرابي أكثر أنه كان دائما يعود من المقهى إلى بيتهم مبكّرا حتى حين نذهب إلى شاطئ البحر ، يصرّ على العودة عشيّةً و يقول لنا إنه يكره البحر في الليل !! كان منزله في طريق بيتنا على حدود الحي المجاور لذلك دائما نترافق في العودة عند غروب الشمس ، في هذا الوقت بالذات ينتهي النهار عند الطاهر فإذا عاد إلى بيتهم لا يخرج أبدا ، أما نحن و مع أوج المراهقة الذي يعصف بنا نخرج بعد المغرب للسهر خاصة في الصيف و التسكع بين حفلات الأعراس الصاخبة بقريتنا في تلك الأثناء كانت ضحكاته وروحه المرحة تملأ المكان رغم غيابه ، و الأغرب من كل ذلك تصرفات والدتي التي كانت تعامله معاملة خاصة دون كل أصدقائي فدائما تلحّ عليه بالدخول ليشاركني طعامي ،بل إنها في كثير من الأحيان تزيدني في مصروفي قبل الذهاب إلى المدرسة الإعدادية و تقول لي ( اشتر للطاهر سندويشا معك ) وهو أمر يحوّل استغرابي إلى دهشة مكابرة ،لم أكن أعرف أسرته لأنه لم يكن من حينا لكن أمّي تعرف والدته ،فمنزلهم غير بعيد عن بيت جدي وهي من قالت لي إنه يعيش بمفرده مع والدته العجوز ، وهو مسؤول عنها خاصة بعد وفاة والده و زواج أخويْه و انتقال أخته للإقامة مع زوجها في العاصمة ، وقد قالت لي ذلك عندما أحست اندهاشي من تصرفاتها إذ حين يصادف أن يدخل بيتنا فننسى أنفسنا في غرفتي و أنا أغرق في الضحك و هو لا يتوقف عن إطلاق نكاته كعادته فما إن يقترب الظلام حتى تأتي والدتي لتقول له بكل لطف :

ظل يتقلب في فراشه منذ أيقظه صوت المؤذن الصادح مخترقا سكون الهزيع الأخير من الليل حين يحلو النعاس ويرتدي الكون غلالة شفافة من الهدوء والسكينة، فلا تَسمع إلا هسيس الملائكة الطوافون يعرجون بخبر الأرض إلى السماء. ظل يتقلب منذ سمع صوت المؤذن يلعلع منبها النائمين والغافلين إلى أن الصلاة خير من النوم. كان صوتا شجيا عذبا يؤنس النفوس ويرغِّبها. هو لا يحصي عدد المرات التي سمع فيها ذاك النداء ولا يدري كم مرة استجاب أو كم مرة تجاهل، فالإيمان في قلبه لم يكن ثابتا يوما، فقد كانت جذوته تستعر مرة وتخبو أخرى.
صباح ذلك اليوم لم يكن كغيره من الصباحات. كان بحجم الوجع الساكن بين جنبيه. عندما أطلت الشمس من وراء هامة الجبل الجاثم على أطراف القرية، أحسّ أنها متكاسلة متباطئة خجلى كأنها لا ترغب في إسعاد الكون ببهائها وضيائها. آلمه أن يرى تلك الخيوط الفضية تتكسر على الجدران وجذوع الأشجار المتيبسة ولا تلامس وجه غاليته التي لم تستطع مراوغة ملك الموت عندما زارها على غير موعد. هكذا هو الموت يأتي على حين غفلة، يتسلل من الكُوى التي لم نحكم سدّها، يعرف المسالك المؤدية إلى الأرواح، ووحده يعرف كيف يتسرب بين الروح والجسد فيرحل بتلك ويُبقى ذاك بلا حراك...ووحده يعرف كيف يُنشب أظافره الحادة في الأرواح. حدث كل شيء بسرعة رهيبة. اختارت أن ترحل، لم تقْوَ على العذاب وتعففت عن التعذيب. قرعت طبول رحيلها، تسلل إليها الموت من بين شقوق جسدها المتداعي وأنشب أظافره في روحها، لم يرحم ضعفها ولا عجزها، لم يرأف بهشاشتها. ولم يترك لها فرصة النجاة من قبضته. كانت ضعيفة وعاجزة، وكان قويا وقاسيا فاستسلمت، وسرعان ما خارت قواها وأذعنت لقدرها. لم يُسعفها لتكتب وصيتها. هكذا رحلت بلا تلويحة وداع.

صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.

شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."

عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.

يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.

البيان الذي نشرته شركة” بالانتير ليس وثيقة تقنية، ولا رؤية اقتصادية. هو وثيقة سياسية صريحة تعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الرأسمالية الرقمية، مرحلة تخلت فيها عن ادعاء الحياد، وقررت أن تنزع قناعها وتظهر بوجهها الأيديولوجي الكامل. و"بالانتير" ليست حالة معزولة في المشهد التقني العالمي، إنها واحدة من شركات تكنولوجية كبرى تبيع تقنياتها لأنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لتورطها في تمكين الترحيل القسري والمراقبة الجماعية وملاحقة المعارضين. والأكثر إدانةً أن تقارير موثقة كشفت عن شراكة مباشرة بين هذه الشركة، إلى جانب شركات تقنية غربية أخرى كغوغل وأمازون ومايكروسوفت، والجيش الإسرائيلي، حيث وفرت منظومات بيانات واستهداف استخدمت في العمليات العسكرية على غزة، مما جعلها شريكاً فعلياً في جرائم الحرب الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. وهي في ذلك لا تختلف في جوهرها عن شركات رأسمالية رقمية احتكارية كبرى أخرى تمارس الأمر ذاته بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة من الصراحة.

إنه إعلان طبقي عن مشروع تحالف فاشي رقمي لا يستند على العنف التقليدي وحده، بل على الرقابة والقمع الرقمي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام وقمع المعارضة بطرق غير محسوسة ولكن بالغة التأثير. تحالف لا تبقى جرائمه في دوائر النخبة ومكاتب الشركات، بل تمتد إلى ميادين الحرب وأجساد المدنيين، وتجسد اليوم بأوضح صوره في الترامبية وتحالفاتها وجرائمها وحروبها العدوانية.

1. من وادي السيليكون إلى البيت الأبيض: التحالف العضوي

لفهم بيان" بالانتير" خارج سياقه المعزول، لا بد من استحضار صورة التحالف الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة بين قطاع من النخب التكنولوجية ومشروع اليمين القومي المتطرف. بيتر ثيل، المؤسس المشارك لـ "بالانتير" والداعم الأكبر لمسيرة ترامب السياسية، حيث ليس مجرد رجل أعمال يدعم مرشحاً سياسياً. هو العقل الأيديولوجي الذي يمنح هذا المشروع منطقه السياسي، ويرى في الديمقراطية التقليدية النسبية الموجودة عائقاً أمام مشروع النخبة التقنية، والذي صرح علناً بأن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية التقليدية غير متوافقتين. هذا التحالف ليس صدفة، أو تقاطعاً عابراً، إنه تلاقٍ موضوعي بين مشروعين يشتركان في هدف واحد: تركيز السلطة في يد طغمة مالية وسياسية تعتقد بامتلاكها "حقاً طبيعياً" في إدارة مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى.

تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.
في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني ( وُلد 1948 )، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه ( 1877_ 1962/ نوبل 1946 ). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.
يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.
تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة " التِّيه" التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم " السِّر " بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

يُعَدُّ الأمل من أعمق القيم الإنسانية وأكثرها قُدرة على مقاومة العدم واليأس، فهو القوة الخفية التي تدفع الإنسانَ إلى التمسك بالحياة رغم قسوتها، وتمنحه القُدرةَ على التغيير والتجاوز.
وقد تجلَّى هذا الأمل في الأدب العربي والعالمي على حَد سَواء، وبرزَ بشكل لافت في تجربة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي ( 1909_ 1934 )،والشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي(1792_ 1822). حيث التقيا _ رغم اختلاف الزمان والمكان_ في رؤية شِعرية تؤمن بأنَّ الظلام لا يُمكن أن يستمر، وأنَّ الفجر آتٍ لا مَحَالة.
عاش الشابي في فترة عصيبة من تاريخ العالَم العربي، حيث كانت تونس ترزح تحت وطأة الاستعمار، وكان الشعورُ العام مُشبعًا بالإحباطِ والانكسار. ومعَ ذلك، لَم يستسلم الشابي لهذا الواقع، بل جعله مُنطلقًا لثورة شِعرية قائمة على الأملِ والإرادة، وأكَّدَ أنَّ الأمل لَيس حالة سَلْبية مِن الانتظار، بل هو فِعْل إرادي واعٍ يفرض التغييرَ. فالأملُ عند الشابي مُرتبط بالإرادة، والإرادةُ مُرتبطة بالفِعل، والفِعْلُ هو الذي يَصنع المُستقبلَ.
أمَّا شيلي، فقد عاش في أوروبا خلال فترة التحولات الكُبرى التي أعقبت الثورة الفرنسية، حيث سادتْ أفكار الحرية والعدالة والمُساواة، لكنها اصطدمتْ بواقع سياسي مضطرب. كان شيلي شاعرًا رومانسيًّا ثائرًا، يؤمن بأن الإنسان قادر على إعادة تشكيل العالَم، ويؤمن كذلك بِدَورة الحياة وتجددها.وشِعْرُه يعكس رؤية فلسفية تَرى أن المُعاناة لَيستْ نهاية، بل مرحلة تَسبق التحوُّل. والأملُ عنده ينبع من الطبيعة، وتعاقبِ الفصول، واليقينِ بأن التغيير قانون كَوني لا يمكن إيقافه.
عِند التأمُّل في التجربتين، نجد أنَّ كِلَيهما ينطلق من معاناة واقعية، لكنه يرفض الاستسلامَ لها. الشابي يرى الأملَ في قوةِ الشعوبِ وقُدرتها على كسر القيود، بَينما يَرى شيلي الأملَ في الطبيعة وقوانينها التي تضمن التجدُّد. ومع ذلك، يلتقيان في نقطة جَوهرية: الأملُ لَيس وهمًا، بل حقيقة يُمكن إدراكها عبر الإيمانِ والعمل.
كما أن اللغة الشعرية لدى الشاعرَيْن تلعب دَورًا مُهِمًّا في ترسيخ هذا الأمل. الشابي يستخدم لغةً حماسية مباشرة تخاطب الجماهير، وتدعو إلى النهوض والثورة، بَينما يميل شيلي إلى الرمزية والصورِ الطبيعية التي تُوحي بالتحوُّلِ والانبعاث. وعلى الرغم من هذا الاختلاف الأسلوبي، فإن الرسالة واحدة: لا دوام لليأس، ولا بقاء للظلام.

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

 لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.

تنطوي تجربة الروائي المغربي محمد شكري (1935–2003) على مفارقاتٍ عديدة؛ فقد عاش بدايةً صعبة في كنف أبٍ قاسٍ قتل شقيقه أمامه، ما دفعه إلى الهروب من المنزل ليخوض تجربةً موحشة من التشرد والتسكع والعمل في ظروف قاسية. ولا حاجة بنا إلى التوسع في وصف هذه الظروف، فقد دوّن شكري تفاصيلها القاتمة في روايته ذائعة الصيت "الخبز الحافي"، الصادرة في نسختها العربية سنة 1982.

وتتمثل المفارقة الثانية في سيرة شكري في أن قراره بالتعلّم جاء ردّة فعل على وصفه بالجهل، فقرّر أن يتعلم ويطوي صفحة البؤس والأمية من حياته، مسجّلًا في "الشطار" (1992) تفاصيل رحلته في تعلّم القراءة والكتابة بعد أن تجاوز العشرين من عمره.

غير أن شكري، الذي اعتاد مواجهة الصعاب وتحدي العراقيل وخوض غمار كل جديد، لم يكتفِ بمجرد نزع رداء الأمية؛ إذ قرر أن يصبح كاتبًا له شأنه وسمعته. وقد جاء هذا القرار يوم رأى احتفاء روّاد أحد مقاهي طنجة بقاصٍّ مغربي يُدعى محمد الصبّاغ، فاشترى كتب هذا القاص (أربع كتب صغيرة الحجم) وقرأها في ليلة واحدة. وتحقق حلمه حين نشر أولى قصصه "العنف على الشاطئ" في مجلة الآداب البيروتية سنة 1966، ليُعدّ ذلك إنجازًا كبيرًا في مسيرته.

لستُ معنيًا في هذه السطور بالتجربة الروائية لمحمد شكري، بل ما يهمني هنا هو آراؤه النقدية التي دوّنها في كتابه "غواية الشحرور الأبيض"، الصادر في طبعته الأولى عن دار الجمل سنة 1998. ففي هذا الكتاب يمتشق شكري قلمه ليطرح آراءه النقدية ويؤسس لمفهومه للأدب.

وأول ملاحظة ينتبه إليها القارئ كثرة الإشارات والإحالات إلى النصوص الأدبية العربية والغربية؛ إذ كثيرًا ما يقارب شكري بين أعمال وليم فوكنر وشيكسبير وسومرست موم وستندال وكامو غربياً، وبين المنفلوطي ونجيب محفوظ ومحمد زفزاف وجرجي زيدان عربيًا. كما لا نعدم في الكتاب اقتباساتٍ لشخصيات فكرية وتاريخية مثل ماركس وبوذا. ولعل هذا الإسراف في الاقتباس والإشارة إلى هذا الحشد من الأعلام محاولةٌ لدفع تهمة عدم الأهلية النقدية بحكم تعلّمه المتأخر وعدم حيازته شهادةً جامعية. وقد ضمّ الكتاب خمس مقالات نقدية موسّعة، فضلًا عن مقدمة بقلم الكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني.

"أنا لا أعير الكتب أبدا. الكتب المعارة لا تُعاد. الكتب الوحيدة في مكتبتي هي كتب أعيرت لي واحتفظت بها!"
  قارئ شغوف من القرن التاسع عشر

في مسرحية هاملت لشكسبير، يوصي بولونيوس ابنه: "لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!". والأفدح لأي شغوف بالكتب أن يتحمل مخاطرة إعارة كتاب، إذ يتعين عليه قبول احتمال وجوده في مكان آخر، دون أن يتمكن من رؤيته مجددا.

يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه. ثم لا يلبث أن "يفقع" مرَارَتك قبل أن يعيده، طبعا هذا إن كان من أهل الحرص والفضل، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيحكم عليك بأوقات حزن، تتجدد كلما احتجت له أو لاحَ عنوانه بخاطرك!

هذه الظاهرة العالمية التي امتدت عبر قرون، لا تزال حتى اليوم تؤثر على شريحة واسعة من القراء، ويتجدد معها كل مرة سؤال مؤرق: كيف نشارك متعة القراءة مع الآخرين، دون تحمل مرارة ضياع الكتب وفقدانها؟

تتيح إعارة الكتب واستعارتها فرصة متجددة لاكتشاف عناوين وإصدارات دون ضغط شرائها. وهي كذلك مناسبة لتقوية الروابط وتعميق الصداقات. إننا حين نعير كتابا، لا نشارك الآخرين شيئا ماديا فحسب، بل ننقل شعورا وتجربة، أي جزءا حقيقيا من أنفسنا. إننا نساهم دون شك في نشر الثقافة والسعادة، لكن الأمر يتطلب قدرا من الحكمة قبل أن تؤدي الأريحية الزائدة إلى رفض قاطع!

تحقق الإعارة بيئة من التفاعل الحيوي بين المعير والمستعير، إذ يصبح لكل كتاب ذاكرة لا تشمل فقط انطباعاتك كقارئ، وإنما تمتد أيضا لتحتضن الأماكن التي قرأتها فيه، والأشخاص الذين أعرتهم إياه، والحوارات التي دارت حوله. إلا أنها قد تصبح مجازفة حين تتحول إلى تعلق خفي، يُصطلح عليه في علم النفس المعرفي ب "تأثير التملك". يقرأ المستعير الكتاب ثم يتعلق به، لينسى تدريجيا أنه ليس نسخته الخاصة.

صدر مؤخرا للشاعر السورية الأستاذة ميادة سليمان مهنا ديوان شعري موسوم بعنوان " يُخلق من الشبه ياسمين" وهو ديوان اختارت له شاعرته القصيدة التوقيعية أو قصيدة الومضة التي تتميز كما عَرّفها الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة :" بكونها قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافة)، تتناسب مع الاقتصاد، والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوَتُّر. عَصَبُها (المفارقة)، الساخرة، والإيحاء، والانزياح، والترميز. ولها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي أنَّ لها (قفلة) تشبه (النَقْفَة) المتقنة، ملائمة للحالة. تحكُمُها الوحدة العضوية، فهي متمركزة حول ذاتها، (مستقلة)[1]
ولجوء الشّاعرة المُميزة لهذا النَّوع من الكتابة الشعرية يُعتبر إِضافة نوعية إلى حسنات إبداعها إن جاز التعبير، لعدة اعتبارات، لعل أبرزها الإقبالُ الكبير للشعراء على هذا الجنس الأدبي الذي يتقاطع مع الهايكو الياباني الذي يحاول من خلاله الشاعر التعبير عن أحاسيسه الجياشة التي تضطرم داخل وجدانه بألفاظ قليلة.
في كلمة موجهة للقارئ تقول الشاعرة:
هنا مائتا ومضة
وربما
مئتا ياسمينة
أرجو أن يعجبك
فوح حروفي
هي كلمة موجزة تحمل في طيها إشارات واضحة على أن ميادة سليمان تدعو القارئ لدخول بستان ومضاتها بما قلّ ودلّ، اعتبارا لتطور الحياة وسرعة الانسياب الزمني الذي لم يعد يسمح بنصوص طويلة وأحيانا مملة، وهي بهذا تتفق مع يوسف الخال الشاعر اللبناني الكبير وأحد شعراء الحداثة المجددين في الشعر العربي الذي يقول:" نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تجدّدنا، فنجاحنا مؤكد ولا حاجة لنا بأي صراعٍ معَ القديم. القافية التقليدية ماتت على صخَبِ الحياة وضَجيجها والوزنُ الخليلي الرتيب ماتَ بفعلِ تشابك حياتنا وتغير سيرها. وكما أبدعَ الشاعرُ الجاهلي شكله الشعريّ للتعيير عن حياته، علينا نحنُ كذلك أن نبدع شكلنا الشعريّ للتعبير عن حياتنا التي تختلفُ عن حياته»[2] ميادة اختارت شكلها الشعري الخاص المعبر عن انطباع جلي وواضح يمتزج فيه الدفق الشعوري السريع الموازي لإيقاع العصر بلمحات واقعية تحوطها عاطفة عميقة، تنتهي بمفارقة قوية تُحدث عند القارئ تأثيرا ذهنيا ووجدانيا قويّاً.

الكرامة الإنسانية شُعورٌ عميق بالقيمة الذاتية، والحقِّ في الحُريةِ والاعتراف، وهي النبراس الذي يستشرفه الأدبُ في أبهى صُوَره. في هذ الصدد، يُمثِّل كُلٌّ مِن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل/ عرار ( 1899 _ 1949 )، والشاعر الأمريكي والت ويتمان ( 1819 _ 1892 ) نماذج فريدة تتقاطع فيها الرؤى الإنسانية مع الشعور بالحرية الفردية والاجتماعية، لِيُقَدِّما صُورةً متكاملة عن الإنسان الذي يرفض التنازلَ عن ذاته، مهما كانت الظروف.
مصطفى وهبي التل ( عرار ) المعروف بشاعر الأردن، ابن البيئة العربية المُشْبعة بالتحولات الاجتماعية والسياسية في أوائل القرن العشرين، جسَّد في أشعاره نزعة الدفاع عن الكرامة الإنسانية الوطنية والفردية معًا. وقد عانى التل من القيود السياسية والاجتماعية في زمن كان فيه الاستعمار والتسلُّط يطغيان على حياة الإنسان العربي، لكنَّه ظلَّ صامدًا في موقفه الأخلاقي، مُدافعًا عن حق الإنسان في الحرية والعدالة.
في أشعاره، نجد لغةً عاطفية شديدة القوة، تُعبِّر عن الكرامة كحق أصيل لا يمكن التفريط به، وتكشف عن إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الإنسانِ والمجتمع معًا. فهو لَم يكتفِ بالتعبير عن الألم والمُعاناة، بل دعا إلى العمل والتمرُّد على الظُّلْم من أجل استعادة الكرامة الإنسانية.

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…