آخر مقالات الفلسفة والتربية
المزيد
فلسفـة و تربية
تصدير المترجم:
تُمثّلُ معسكرات الاعتقال والتطهير في أوشفيتز (Auschwitz) أحدَ أكثرِ فصول التطهير العرقي ضد اليهود رعبًا في التاريخِ الإنسانيِّ الحديث، إذ تحوّلت إلى علامةٍ كبرى على الإبادةِ الجماعيةِ والعنفِ المنظمِ الذي مارسته النازيةُ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانية. فقد أُقيمت معسكراتُ أوشفيتز في بولندا المحتلة، وشهدت عملياتِ قتلٍ جماعيٍّ استهدفت ملايينَ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ وأسرى الحربِ والمعارضينَ السياسيين. ولم تعد أوشفيتز، في الفكرِ النقديِّ، مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ معزول، بل أصبحت تعبيرًا عن انهيارِ العقلانيةِ الإنسانيةِ عندما تنفصلُ الحضارةُ والتقنيةُ عن القيمِ الأخلاقية. ولهذا رأى أدورنو أن المهمةَ الأساسيةَ للتربيةِ بعد أوشفيتز تتمثلُ في منعِ تكرارِ مثلِ هذه الكارثة، عبرَ تنميةِ الوعيِ النقديِّ ومقاومةِ الطاعةِ العمياءِ والعنفِ واللامبالاةِ تجاهَ الإنسان.
تُعَدُّ هذه المقالةُ من أكثرِ المقالاتِ التربويةِ أهميةً وخطورةً في مجالِ الفكرِ النقديِّ لثيودور أدورنو، وتنبعُ أهميتُها القصوى اليومَ كما كانت بالأمس من تعاظمِ مظاهرِ العنفِ الدمويِّ والمذابحِ والتصفياتِ العرقيةِ التي تدورُ دوائرُها في مختلفِ أنحاءِ العالمِ اليوم: في فلسطينَ المحتلة، في السودان، في ليبيا، في الصومال، في اليمن، في إيران، في سوريا، وفي أوكرانيا، وفي مختلفِ أصقاعِ هذا العالمِ الموبوءِ بالعنفِ والإجرامِ والدم. تناقشُ هذه المقالةُ ظاهرةَ الإبادةِ الجماعيةِ لليهودِ في أوشفيتز (Auschwitz) التي تتمثلُ في أشهرِ معسكراتِ الاعتقالِ والإبادةِ التي أنشأها النظامُ النازيُّ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ في بولندا المحتلة. وقد تحوّلت هذه المذابحُ إلى رمزٍ عالميٍّ للرعبِ والإبادةِ الجماعيةِ بسببِ عملياتِ القتلِ المنظمِ التي استهدفت ملايينِ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ والمعارضينَ السياسيينَ وأسرى الحربِ وغيرهم. وفي الفكرِ النقديِّ عند أدورنو، لم يَعُدْ أوشفيتز مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ، بل أصبح تعبيرًا عن انهيارِ القيمِ الإنسانيةِ والعقلانيةِ الحديثة، ودليلًا على أن الحضارةَ والتقدمَ التقنيَّ يمكنُ أن يتحولا إلى أدواتٍ للهيمنةِ والعنفِ إذا انفصلا عن الوعيِ الأخلاقيِّ والنقديِّ.
إذا كانت أهداف التربية والتكوين تتمثل في تمكين المتعلم من بناء مساره الدراسي والمهني بصورة واعية ومسؤولة، فإن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم في فراغ مؤسساتي، بل يقتضي وجود إطار تربوي وتنظيمي يتيح ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات تربوية ملموسة داخل المؤسسة التعليمية ، كما يحتاج إلى بيئة مؤسساتية قادرة على تنظيم الفعل التربوي وتنسيق جهود الفاعلين التربويين بما يخدم هذا الهدف.
ومن هذا المنظور، يبرز مشروع المؤسسة باعتباره الآلية التنظيمية التي تسمح بتجسيد المبادئ التربوية داخل الممارسة المدرسية اليومية. فهو الإطار الذي يمكن من خلاله تحويل المبادئ العامة التربوية إلى برامج عمل وأنشطة تربوية مشتركة تستجيب لحاجيات المتعلمين وتساعدهم على تنمية قدراتهم على الاختيار والتخطيط لمستقبلهم الدراسي والمهني.
وبذلك يشكل مشروع المؤسسة حلقة وصل بين التصور النظري وبين التنزيل العملي داخل المدرسة، إذ يتيح تنظيم المبادرات التربوية في إطار رؤية جماعية تشارك في بنائها مختلف مكونات المجتمع المدرسي. ومن خلال هذه الدينامية الجماعية، تتحول المؤسسة التعليمية من مجرد فضاء لتلقين المعارف إلى فضاء تربوي يواكب بناء المشروع الشخصي للمتعلم ويهيئ الشروط الملائمة لنموه المعرفي والشخصي والاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية تناول مشروع المؤسسة بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لتنزيل مقاربة تربوية داخل المنظومة التربوية، باعتباره الأداة التي تسمح بتحويل المبادئ التربوية العامة إلى ممارسات مؤسساتية منظمة وقابلة للتقويم والتطوير. ما المقصود بمشروع المؤسسة؟ وما المنظور الإبستيمولوجي الذي يؤطر هذا المفهوم؟ وما الأهداف التي يتوخى تحقيقها؟ وما المبادئ التي يقوم عليها؟ وكيف تتم عملية إعداده وتنزيله؟ ومن هم الفاعلون أو الأطراف المعنيون بتفعيله داخل المؤسسة التعليمية؟
تمهيد إبستيمولوجي لمفهوم مشروع المؤسسة
يشكّل مشروع المؤسسة أحد المفاهيم المركزية في التحولات العميقة التي عرفتها السياسات التربوية المعاصرة، حيث انتقلت المدرسة تدريجياً من منطق التدبير الإداري المركزي القائم على تنفيذ التعليمات والبرامج المقررة سلفاً، إلى منطق تدبيري جديد يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وعلى إشراك مختلف الفاعلين التربويين في بناء الرؤية التربوية للمؤسسة وتطوير ممارساتها. ويعكس هذا التحول انتقالاً إبستيمولوجياً في النظر إلى المؤسسة التعليمية؛ إذ لم تعد تُفهم باعتبارها مجرد فضاء لتطبيق المناهج والبرامج الرسمية، بل أصبحت تُنظر إليها بوصفها نسقاً تربوياً دينامياً يمتلك قدرة على التشخيص الذاتي، وعلى بلورة مشاريع تطويرية تستجيب لحاجيات المتعلمين ولمتطلبات محيطها الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا الإطار، يستند مفهوم مشروع المؤسسة إلى مجموعة من المرجعيات المعرفية التي تتقاطع فيها مقاربات التدبير الاستراتيجي في التنظيمات الحديثة مع مقاربات علم اجتماع التربية، والتي تؤكد جميعها أهمية الانتقال من منطق التدبير العمودي إلى منطق التدبير التشاركي القائم على تعبئة الفاعلين المحليين داخل المؤسسة التعليمية. فالمؤسسة، وفق هذا التصور، ليست مجرد وحدة إدارية تابعة للمنظومة التربوية، بل فضاء اجتماعي وتنظيمي تتفاعل داخله إرادات الفاعلين وخبراتهم المهنية من أجل إنتاج مبادرات تربوية قادرة على تحسين جودة التعلمات وتطوير الحياة المدرسية.
توثق ذاكرة الأدب لعدد لا يستهان به من الرسائل التي خطّها مشاهير الأدباء والمفكرين. رسائل تخاطب العالم، وتحدثه عن أشواق وآلام، وتجارب ظلت تلسع قلوبهم كإبر النحل، لكنها تُخلف أثرا جليا على شعور القارئ وتفكيره.
رسائل تُلامس في مذكراتهم واقعا شبيها بالذي نعيشه، مع اختلاف واضح في القدرة على التصوير والحُكم. ذلك أن الطفولة المحفوفة بالعوز والحرمان هي ذاتها في كل أرجاء البسيطة، وشغب التلصص على عالم الكبار متعة يتقاسمها كل الصغار. كما أن الشقوق التي تُخلفها متاعب الحياة وأحزانها هي ذاتها، مع فارق في تقريب الصورة برشاقة قلم لا تحظى به كل الأصابع!
ضمن هذا المنحى الذي يُلون النسيج الداخلي للكاتب بألوان الحكمة والجمال، قدم رابندرانات طاغور ذاكرته كمادة أدبية مفعمة بالسحر، لكنها لا تصلح دليلا في المحكمة. وفي كتابه (ذكرياتي) يعرض طاغور مسيرة متألقة جمعت بين الأدب والنشاط السياسي، لتثمر بناء مدرسة تلخص نظرة فريدة للعالم والإنسان.
لم يقنع طاغور بعطائه الأدبي الذي تواصل على امتداد ستة عقود، وقدم خلاله أعمالا رائدة في الشعر والقصة والرواية والمسرح، وإنما أبدى حرصا عجيبا على تفكيك عقدتي التخلف والجهل في بلده البنغلاديش، وطرق أبواب المستقبل عبر إذكاء الشعور الوطني في مجال السياسة، وتصويب الممارسة التربوية بما يحقق تجاوزا صائبا لمادية المنظومة الاستعمارية الغربية.
تلقى طاغور في بداية حياته المدرسية نصيحة مدوية من معلمه، ستفتح بصره على أهمية التعليم رغم قسوته آنذاك، لكسر الطوق الذي يشل أمة الهند بأسرها:
"تبكي الآن للذهاب إلى المدرسة. عليك أن تبكي أكثر في المستقبل لإخراجك منها."
أدخلَ التَّحوُّلُ الرَّقْمِيُّ العميقُ الذي تشهدهُ المجتمعاتُ المعاصِرَةُ مسألةَ التَّربيةِ الجِنْسِيَّةِ في أفقٍ جديدٍ، لم تَعُدْ فيه الأُسْرَةُ والمدرسةُ الفاعلينَ الوحيدينَ في تشكيلِ الوعيِ الجِنْسِيِّ، بل أضحتِ المنصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ، ووسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ، وخوارزميّاتُ العرضِ، أطرافًا مركزيَّةً في إعادةِ إنتاجِ المعرفةِ والتمثّلاتِ والميولِ الجِنْسِيَّةِ. وفي هذا السِّياقِ، لم يَعُدِ السُّؤالُ المطروحُ هو ما إذا كانَ الشَّبابُ يتعرّضونَ لمضامينَ جِنْسِيَّةٍ، بل كيفَ يتعرّضونَ لها، وبأيِّ شروطٍ معرفيَّةٍ ونفسيَّةٍ وقيميَّةٍ.
تتميّزُ التَّربيةُ الجِنْسِيَّةُ في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ بوصفها تربية من نمط جديد بكونِها تتمُّ في فضاءٍ مفتوحٍ، سريعٍ، ومتشظٍّ، إذ تختلطُ المعرفةُ العلميَّةُ بالإشاعةِ، وتتفاعل التَّجربةُ الشَّخصيَّةُ بالتمثيلِ الاستعراضيِّ، ويتداخل الحميميُّ بالعموميِّ. وعليه، يجدُ الشَّبابُ أنفسَهم أمامَ تدفّقٍ مستمرٍّ من الصُّورِ والخطاباتِ التي تقدّمُ الجسدَ والرَّغبةَ في صِيَغٍ مبسَّطةٍ، ومجتزأةٍ، وغالبًا مسلَّعةً، دونَ سياقٍ تربويٍّ يوفّرُ أدواتِ الفهمِ والنَّقدِ. وهنا تكمنُ المفارقةُ الأَساسيَّةُ: وفرةُ المعلوماتِ تقترنُ بندرةِ المعنى.
إنَّ التَّربيةَ الجِنْسِيَّةَ الرَّقْمِيَّةَ، في صورتِها غيرِ المؤطَّرةِ، تُنتجُ وعيًا جِنْسِيًّا قائمًا على المقارنةِ الدَّائمةِ، والبحثِ عن القبولِ الرَّقْمِيِّ، والانخراطِ في معاييرَ جماليَّةٍ وسلوكيَّةٍ تفرضُها المنصّاتُ أكثرَ ممّا تفرضُها الثَّقافةُ أو القيمُ الأَخلاقيَّةُ. ويتحوّلُ الجسدُ، في هذا الإطارِ، إلى مشروعِ عرضٍ دائمٍ، وتغدو الرَّغبةُ مرتبطةً بعددِ المشاهداتِ والإعجاباتِ، لا بالعلاقةِ الإنسانيَّةِ أو النُّضجِ العاطفيِّ. وبذلك، لا يُلغى الضَّبطُ الاجتماعيُّ، بل يُعادُ إنتاجُه في شكلٍ أكثرَ خفاءً، تمارسُه الخوارزميّاتُ بدلَ المؤسّساتِ التَّقليديَّةِ.
وفي مقابلِ هذا الواقعِ، تبرزُ الحاجةُ إلى إعادةِ تعريفِ التَّربيةِ الجِنْسِيَّةِ بوصفِها تربيةً رقميَّةً نقديَّةً، لا تكتفي بتقديمِ معلوماتٍ بيولوجيَّةٍ أو تحذيراتٍ أَخلاقيَّةٍ، بل تسعى إلى تمكينِ الشَّبابِ من فهمِ آليّاتِ التَّأثيرِ الرَّقْمِيِّ، والتمييزِ بينَ المعرفةِ العلميَّةِ والتمثيلِ الإعلاميِّ، وبينَ الحُرِّيَّةِ والتَّسليعِ. فالتَّربيةُ الجِنْسِيَّةُ في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ لا تنفصلُ عن التَّربيةِ الإعلاميَّةِ، لأنَّ الجهلَ بقواعدِ عملِ المنصّاتِ يُحوِّلُ المتلقّيَ إلى موضوعٍ للتَّأثيرِ بدلَ أن يكونَ ذاتًا فاعلةً.
كما تقتضي هذه التَّربيةُ الجديدةُ إعادةَ الاعتبارِ للبُعدِ العاطفيِّ والإنسانيِّ للجِنْسانيَّةِ، في مواجهةِ نزعاتِ الاختزالِ التِّقنيِّ والاستعراضيِّ. فالجنسانِيَّةُ ليست أداءً رقميًّا، ولا صورةً مثاليَّةً، بل تجربةً مركَّبةً تتطلّبُ النُّضجَ، والمسؤوليَّةَ، والقدرةَ على بناءِ علاقةٍ متوازنةٍ معَ الذَّاتِ والآخرِ. ومن هنا، يصبحُ الصَّمتُ الأُسَريُّ أو الخطابُ التَّخويفيُّ أقلَّ جدوى من الحوارِ الواعيِ القائمِ على الثِّقةِ والمعرفةِ.
"نحن مقتنعون تمامًا بأن معرفة تاريخ العلم أمر بالغ الأهمية. بل أعتقد أنّه لا يمكن فهم علمٍ ما فهمًا كاملًا إلا بعد معرفة تاريخه"[1].أوغست كونت
Abstract :
The notion of « vacuum » represents a concept that is at once scientific, philosophical, and experimental, whose understanding has evolved profoundly throughout the history of science. Teaching this concept in physics through its historical development allows educators to move beyond a purely descriptive approach and to introduce students to the dynamic process of scientific knowledge construction. From this perspective, the history and philosophy of science provide a particularly relevant didactic framework: they make visible the conceptual ruptures, controversies, and cognitive obstacles that have marked the elaboration of the idea of vacuum. Drawing on the works of Matthews, Clément, and Gagliardi, this article examines how integrating the historical dimension into physics teaching can foster deeper conceptual understanding among students. It proposes a pedagogical sequence centered on the evolution of the concept of vacuum, combining historical reflection, experimental analysis, and the progressive construction of the notions of pressure and space.
Keywords: history of science, physics education, vacuum, atmospheric pressure, teaching sequence.
ملخّص:
تُعدّ فكرة الفراغ مفهومًا علميًا وفلسفيًا وتجريبيًا في آنٍ واحد، وقد شهدت فهمًا كان يزداد عمقا عبر مختلف مراحل تاريخ العلم. وفي درس الفيزياء، سيتيح تتبّع مسار هذا المفهوم التاريخي تجاوزَ المقاربة الوصفية البحتة، إذ إنّه يحفز المُدرّس على إدخال المتعلمين في صميم العملية الديناميكية لبناء المعرفة العلمية. ومن هذا المنظور، فإنّ تاريخ العلم وفلسفته يُشكّلان إطارًا تعليميًا ذا أهمية خاصة. فهُما يُبرزان الجدل الفكري الذي دار في الماضي تمهيدا لما وصل إليه العلم اليوم في ما يتعلّق بهذا المفهوم، ويكشفان عن العوائق المعرفية التي رافقت تشكّله عبر العصور. وفي هذا السياق، يتناول هذا المقال الكيفية التي يمكن من خلالها لإدماج البُعد التاريخي في تدريس الفيزياء أن يُسهم في تعميق الفهم مسألة الفراغ لدى المتعلمين. ثمّ إنه يقدّم مقترحَ سلسلة تربويّة حول تطوّر مفهوم الفراغ، تجمع بين التأمل التاريخي والتحليل التجريبي والبناء التدريجي لمفاهيم الضغط والفضاء.
الكلمات المفتاحية: تاريخ العلوم، تعليم الفيزياء، الفراغ، الضغط الجوي، التسلسل التعليمي.
التعليم بالدول الإفريقية، تقرير 2025: "طفل واحد من أصل خمسة أطفال ينهي مرحلة التعليم الابتدائي!"
بتعاون ما بين المركز الافريقي حول القيادة المدرسية ومجموعة التقرير الدولي حول تتبع التعليم وشبكة LEARN لتحليل التربية وتحقيق النتائج التابعة لمنظمة الاتحاد الافريقي (تعمل بشراكة مع اليونسكو، تم إصدار تقرير جول التعليم ببلدان إفريقيا (عينة دول شملتها الدراسة ضمنها المغرب)،وهو التقرير الثالث افي الموضوع.
ينطلق التقرير من مجموعة مجالات ومعايير ومؤشرات تتعلق بالتربية والتعليم، ويقدم خلاصات بحث ميداني ومقابلات مع السلطات التربوية المحلية حسب الدول المعنية، ورؤساء المؤسسات التعليمية، ومع ممثلي اولياء التلاميذ في 300 مدرسة (التعليم الابتدائي)
والتحليل في التقرير يشمل عناصر القيادة المدرسية، والسياسة اللغوية (الاختيار اللغوي في التدريس) والتمويل ثم جوانب من الدعم الاجتماعي ذي صلة بفرص التمدرس (الإطعام المدرسي) بالإضافة إلى تحليل المضمون (وثائق تربوية-أطر مرجعية للتقويم-منهاج واختيار كفايات أساس-البنية المادية للمؤسسات(التجهيزات)
ويضع التقرير بعد تقديم تحليله وجداوله التركيبية بخلاصاتها العامة، مجموعة من التوصيات، يمكن تقسيمها إلى :التوصيات العامة وتخاطب الدول الافريقية والمعنيين فيها بقضايا التعليم ثم التوصيات الخاصة وتهم دولا بعينها (عينة الدراسة) من بينها المغرب.
يقول مالك بن نبي: " المجتمع الذي يقرأ ليكدس المعرفة لا ليغير سلوكه هو مجتمع يقرأ ليبقى متخلّفا "
هذه الجملة وحدها تكشف لنا مشكلة عميقة نعيشها اليوم، وهي أن كثيرا من الناس يظنون أن المعرفة وحدها تكفي لتغيير الواقع بينما الحقيقة أن التغيير لا يحدث إلا عندما تتحول المعرفة إلى عمل وسلوك ومعنى يعاش.
مالك بن نبي كان يقصد بـ التكدس الثقافي تلك الحالة التي يصبح فيها الإنسان مثل خزان مملوء بالأفكار والمفاهيم، لكنه لا يستفيد منها في حياته اليومية. يقرأ، يسمع ويحفظ، يناقش... لكن لا يطبق. وهكذا تبقى أفكاره حبيسة رأسه لا تخرج إلى أرض الواقع، ولا تغير شيئا في سلوكه أو في طريقة نظره للحياة.
لنأخذ مثالا بسيطا: شخص قرأ عشرات الكتب في التربية والأخلاق والفلسفة، وحفظ أقوال المفكرين ولكنه في واقعه ما زال يصرخ في وجه أطفاله، ويعامل الناس بقسوة ويحتقر من يختلف معه.
أليس هذا تناقضا؟ كيف لإنسان يعرف الكثير عن التربية والحكمة، لكنه لا يربي نفسه أولا؟
هنا نفهم أن المعرفة لوحدها لا تصنع الإنسان الواعي بل القدرة على ترجمتها إلى فعل وسلوك هي التي تصنع الفرق.
ونفس الشيء نلاحظه في مجالات أخرى:
مقدمة:
لعل الحقيقة التي يجب أن نعترف بها ونحن نتحدث عن التربية، هي الوعي بأن هدف التربية مستخرج من سؤال أحد استصعابا وأكثر استشكالا، على نحو يمكن تشبيه السؤال بمركز دوران رحى الفكر الفلسفي والتربوي. و يتأسس السؤال على ماهية الإنسان وحقيقته أوهذا الكائن الذي نصطلح على تسميته إنسانا. من هنا، نعاين بجلاء أن النموذج التربوي مستخرج من تصور ماهية الإنسان في الأصل. ومن اختلاف هذا التصور الأساسي، توالت اختلافات المرجعيات أو المذاهب التربوية بوصفها عقائد تربوية ناجزة مغلقة الأسس والنهايات.
فالاختلاف في نوعية التربية يبتدأ عاما شاملا لكنه يتمايز بحسب خصوصية النسق المرجعي المحدد لكل ثقافة ومجتمع. فالتربية الأثينية -مثلا- دمقرطت المجتمع، بينما "التربية الإسبارطية عسْكرَتْه لغاية بحيث جعلت من السرقة والأنانية والبخل فضائل مثلى[1]". والأكيد –أيضا- أن التربويات الشرقية على العموم تختلف وتتمايز، فبين التربية الفرعونية، والصينية، والهندية نماذج قياسية متناقضة. لذا نجد برتراند راسل يستشكل مسألة المثل العليا باعتبارها تعبيرا عن مبلغ الكمال المتصور الذي ينشده المربون في فعلهم التربوي لبلوغ المثل الأعلى للأخلاق الإنسانية الممكنة. إلا أن النموذج الأعلى للتربية تتباين معالمه بتباين الإبستيميات أوالصور النموذجية والبراديغمية المحددة لفعل التربية بناء على المرجعيات الفلسفية لكل مجتمع من المجتمعات. ويميز برتراند راسل بين نوعين أساسيين من فلسفات التربية:
أولا: فلاسفة التربية، الذي يتخذون من التربية وسيلة وأداة لتلقين عقائد محددة بالذات. مما يدل على أن الجيل الجديد يكون مجرد حامل ثقافة.
ثانيا: فلاسفة أكثر تسامحا، وهم من يرون أن التربية يجب أن تغرس في المتعلم القدرة على الاستقلال في الحكم والإضافة للثقافة مما يجعله غير حامل فقط، بل مغير ومجدد بصورة إيجابية[2].
وستهدف هذه الورقة الكشف عن التحولات الحاصلة على مستوى مفهوم التربية تبعا للاختلافات النظرية والمنطلقات الفلسفية التي تشكل الأساس القاعدي والجوهري للمرجعيات الإبستيمية المشكلة للأنظمة الثقافية داخل المجتمعات أو ما يُسمى "نظام الخطاب[3]". إذ نفترض أن الإبستيمية المحددة للنظام الثقافي تنطلق من تصورات مخصوصة ترتبط بعلاقة الإنسان بالطبيعة والثقافة بشكل يرسم معالم مبلغ الكمال المتصور الذي ينبغي للفعل التربوي أن يضطلع به.
مقدمة:
نظرا للمكانة البارزة التي تحتلها مادة التاريخ في المناهج الدراسية المغربية وتماشيا مع المقاربات الجديدة المتمثلة في المقاربة بالكفايات، أصبح المغرب يعتمد في تأليف الكتب المدرسية على الدعامات الديداكتيكية كأداة ووسيلة أساسية في التدريس بدل المضمون الذي كان يعتمد عليه أثناء الإشتغال ببداغوجية الأهداف، ولهذا نجد للخرائط حضورا وازنا داخل الكتب المدرسية مع باقي الدعامات الأخرى التي يتم توظيفها في تدريس مادة التاريخ، إلا أنها شبه غائبة في الامتحانات الإشهادية بمختلف الأسلاك.
لذا يجب توظيف الخرائط وخاصة الخريطة التاريخية في الامتحانات الإشهادية لإنها تدخل ضمن ما يسمى بأدوات التعبير الخرائطي، ونظرا لدورها الكبير في توضيح الظواهر والأحداث التاريخية ورصد تمثلات المتعلم(ة) للمجال، وتوجه ذهن المتعلم(ة) وتبعده عن التيه في المجردات والبديهيات، إن مشكل توظيف الخريطة التاريخية في تقويم التعلم التاريخي[1] غاية في الأهمية وذلك لما لها من قيمة معرفية ومهارية حيث تمكن المتعلم(ة) من موقعة الأحداث داخل مجالاتها والربط بين المجال أو المكان والحدث والزمن.
بناء على ما تم ذكره سلفا، يمكن طرح إشكالية جوهرية مفادها: ما أهمية التوظيف الديداكتيكي للخريطة التاريخية في تقويم التعلم التاريخي؟
هذا هو السؤال الأساسي الذي يسعى المقال الإجابة عنه و تتفرع عنه عدة أسئلة وهي: - ما معنى الدعامة الديداكتيكية ؟ - ما مفهوم الخريطة التاريخية وعناصرها؟ - ما هي صعوبات واقتراحات توظيف الخريطة التاريخية في الامتحانات الإشهادية؟
- تعريف الدعامة الديداكتيكية.
أ-تعريف الدعامة: هي كل الوثائق المادية ( خريطة، جدول، رسم بياني، صورة، نص....إلخ ) التي يوظفها المدرس في مختلف وضعيات التعلم من أجل خدمة أهداف التربوية والتعليمية محددة لتسهيل عملية التعلم[2] ويمكن التمييز بين الدعامات الديداكتيكية أصلية ( وثائق مرتبطة بطبيعة ابيسمولوجيا مادة معينة ) وتكون إما مضمنة في الكتاب المدرسي أو مصنعة من قبل المدرس.
إن الدعامات الديداكتيكية، جزء لا يتجزأ من الدرس، فهي تساعد المدرس على توضيح المفاهيم وتشخيص الحقائق، وترسيخ المعلومات في أذهان المتعلمين/ات، بصور وأشكال والمجسمات، فتبقى عالقة بمخيلاتهم، وتسمح لهم بالانتقال من عالم المحسوسات إلى عالم المجردات[3].
وبالإضافة إلى ذلك، تتيح للمدرس اتباع المنهج االعلمي في التدريس. فينطلق بمتعلميه من ملاحظة الأشياء والظواهر، ليصل بهم إلى اكتشاف القوانين العلمية المتحكمة فيها، والوقوف على خصائصها وطبيعتها.
- تعريف الديداكتيك.
- المعنى اللغوي لكلمة الديداكتيك:
تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6]
لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]
مقدمة:
في الفلسفة المعاصرة يبرز سؤال مركب يجمع بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والفلسفة السياسية والاجتماعية: كيف يرتبط الفكر بالوجود، وكيف تتوسط اللغة هذه العلاقة، وكيف يشكل المجتمع – أو يتشكل بها – هذا النسيج كله؟ لم يعد الفكر قدرة فردية محايدة، ولم يعد الوجود مجرد "كينونة" فردية معزولة، ولم تعد اللغة أداة تعبير شخصية. بل أصبحت هذه العناصر متشابكة في ديناميكية اجتماعية تُنتج الذات الجماعية والفردية معاً. المجتمع ليس خلفية محايدة، بل هو الحقل الذي يتحقق فيه الفكر كقوة تشكيلية، والوجود كتجربة مشتركة، واللغة كوسيط يفرض أو يحرر. في الفلسفة الغربية منذ بارمينيدس يقف سؤال أساسي: ما علاقة الفكر بالوجود؟ هل الفكر يسبق الوجود أم ينشأ منه؟ هل هو انعكاس له أم إبداع له؟ أم أنهما وجهان لشيء واحد؟ في عصرنا المعاصر، حيث أصبحت التقنية الرقمية تُنتج «فكراً» بلا جسد، والذكاء الاصطناعي يحاكي الوعي، والأزمات البيئية والسياسية تُعيد طرح سؤال «من نحن وماذا نفعل في هذا العالم؟»، يعود هذا السؤال بقوة أكبر. نيتشه وهيدجر يمثلان خطاً أنطولوجياً يرى الفكر كنتيجة للإرادة أو كدعوة للوجود، بينما يمثل ميرلو-بونتي وريكور خطاً ظاهراتياً-تأويلياً يربط الفكر بالجسد والتاريخ والسرد. هنا لا يتم الاقتصار على المقارنة التاريخية، بل تبني مقاربة فلسفية معاصرة تجعل هذه العلاقة أداة لفهم أزمة الإنسان اليوم: أزمة الذات في عالم ما بعد الحداثة، حيث يُهدَّد الوجود بالتحول إلى بيانات، والفكر إلى خوارزميات. هذه الدراسة تقارن بين تيارين أساسيين في الفكر القاري المعاصر: التيار النيتشوي-هيدجري الذي يرى الفكر واللغة والوجود كأحداث أنطولوجية تتصارع مع المجتمع كـ"قطيع" أو "الآخرون"، والتيار الفينومينولوجي-التأويلي الممثل بميرلو-بونتي وريكور الذي يؤكد على التجسد الاجتماعي والسردي للفكر واللغة كوسيلة لبناء مجتمع إنساني متكافئ. المقاربة معاصرة بمعنى أنها لا تقتصر على استعادة تاريخية، بل تُضيء قضايا عصرنا: أزمة المعنى في المجتمعات الرقمية، سيطرة التقنية على الوجود الاجتماعي، تشظي الهويات الجماعية، وإمكانية إعادة بناء مجتمع يحتفي بالجسد والسرد والحرية. وكيف يمكن إعادة صياغة السؤال الفلسفي في سياقه الاجتماعي؟ وماذا يترتب عن ذلك؟
مقدمة
في الميتافيزيقا، مشكلة الكليات هي مسألة ما إذا كانت الخصائص موجودة، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي؟ الخصائص هي الصفات أو العلاقات التي يشترك فيها كيانان أو أكثر. ويشار إلى هذه الأنواع المختلفة من الخصائص، مثل الصفات والعلاقات، باسم "الكليات". وبينما يتفق الفلاسفة على أن البشر يتحدثون ويفكرون في الخصائص، فإنهم يختلفون حول ما إذا كانت هذه المسلمات موجودة في الواقع أم ببساطة في الفكر والكلام. باعتبارها أحد أعمدة الفكر التنويري، يتم انتقاد فكرة الكونية في الوقت الحاضر باعتبارها تؤدي إلى ظهور النزعة العرقية الأوروبية. تذكير بتنوع العالم الذي لم يجهله فلاسفة عصر التنوير.لكن، أين يجب أن نضع المقياس الصحيح بين الكونية والنسبية؟ وكيف تشهد فكرة الكونية تصدعا؟
ارتياب حول فكرة الكونية
تعتبر الكونية اليوم الجانب الأكثر إثارة للجدل في تراث عصر التنوير. بالنسبة للبعض، فهو يمثل نموذجًا للتحرر من خلال العقل، ووعدًا بالمساواة بين جميع البشر. وبالنسبة للآخرين، على العكس من ذلك، فهو يجسد الإمبريالية الثقافية للغرب ورفض الاختلافات. هل العالمية هي اللغة الحديثة للكوزموبوليتانية والحرية الفردية أم أنها أيديولوجية الاستيعابية والاستعمارية الجديدة؟
وللابتعاد عن الرسوم الكاريكاتورية، علينا العودة إلى القرن الثامن عشر. التنوير لا يحتكر العالمي. في الاستجابة لأزمة العالمية المسيحية الموروثة من العصور الوسطى، سعى فلاسفة عصر التنوير إلى تطوير أخلاق عالمية، لكنهم لم يطوروا عالمية أحادية، بل على العكس تمامًا. أقترح تحديد ثلاث لغات عالمية متنافسة، ومتناقضة أحيانًا، تتوافق مع ثلاث عمليات، نظرية وبلاغية، لعولمة الخطاب الفلسفي. الأول قانوني وعالمي، ويفترض المساواة المجردة بين الأفراد. والثاني تاريخي: فهو يعكس ظروف تطور "الحضارة". والثالث، أخيرا، أمر بالغ الأهمية. فهو يتجذر في حالات الهيمنة ويدافع عن الحرية. ولا تتكشف لغاتها الثلاث في سماء الأفكار الصافية، بل تسعى إلى تفسير التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها المجتمعات الأوروبية خلال القرن الثامن عشر. مع الثورة الفرنسية، أعيد نشر هذه اللغات على مستوى سياسي أكثر صراحة: مستوى المواطنة. ومن ثم تنفتح خطوط عديدة للصراع، لا يمكن فصلها عن الجانب النظري والسياسي. هل يتعين علينا أن نعزز جمهورية عالمية للبشرية، باسم عالمية حقوق الإنسان، أم نسعى قبل كل شيء إلى جعل حقوق المواطن فعالة ضمن إطار وطني؟ وكيف يمكننا حل تناقض الثورة العالمية التي تستبعد الكثير من الأفراد من المواطنة النشطة، وحتى من الحرية؟
مقدمة
تمثل رحلة الفكر الفلسفي من «لاعقلانية العقلانية» إلى «عقلنة اللاعقلانية» تحولاً إبستيمولوجياً جذرياً في فهم طبيعة المعرفة وحدودها ومصادرها. هذا التحول ليس مجرد تطور تاريخي عرضي، بل هو مسار حضاري عميق يعكس أزمة العقل نفسه في مواجهة الواقع الإنساني. بدأت الرحلة في سياق العقلانية الحديثة التي رفعت العقل إلى مرتبة الإله الذي لا يُخطئ، ثم كشفت هذه العقلانية عن وجهها اللاعقلاني عندما تحولت إلى أداة للسيطرة والاستبعاد والتدمير. أما الوجه الثاني من الرحلة فهو عقلنة اللاعقلانية، حيث أصبحت العناصر اللاعقلانية (اللاوعي، الغريزة، اللامتناهي، التناقض، اللامعقول) جزءاً عضوياً من بناء المعرفة، لا عدواً لها. في المقاربة الإبستيمولوجية، يُفهم هذا التحول كتغير في شروط إنتاج المعرفة: من الاعتقاد بأن العقل يملك أدوات موضوعية كاملة للوصول إلى الحقيقة، إلى الإقرار بأن المعرفة تنشأ من تفاعل دائم بين العقل واللاعقلاني، حيث يصبح اللاعقلاني نفسه مصدراً إبستيمولوجياً مشروعاً. هذه الدراسة تُفكك هذه الرحلة بشكل معمق، عبر تحليل مراحلها التاريخية والمفاهيمية، وتستكشف أبعادها الإبستيمولوجية في سياق التحولات الفلسفية من العصر الحديث إلى ما بعد الحداثة، لتبين كيف أن هذا التحول ليس تراجعاً عن العقل، بل إعادة بناء له يجعله أكثر إنسانية وواقعية.
الإبستيمولوجيا كأداة لتفكيك الرحلة
في الإبستيمولوجيا، تُعتبر المعرفة عملية بناء لاكتشاف. العقلانية التقليدية اعتمدت على مبدأ «الوضوح والتمييز» كشرط أساسي للمعرفة الصادقة، بينما أدى تطور الفكر إلى إدراك أن هذا المبدأ نفسه يحمل تناقضاً داخلياً. «لاعقلانية العقلانية» تشير إلى اللحظة التي يتحول فيها العقل من أداة تحرر إلى آلية قمع، حيث يُنتج معرفة تبدو عقلانية لكنها تؤدي إلى نتائج لاعقلانية (كالشمولية، الاستعمار، أو الكوارث البيئية). أما «عقلنة اللاعقلانية» فتعني دمج اللاعقلاني (الحدس، الرغبة، اللاوعي، التناقض) داخل إطار معرفي منظم، مما يجعل المعرفة أكثر شمولاً وأقل ادعاءً بالكمال.
هذا الإطار يعتمد على فكرة أن الإبستيمولوجيا ليست محايدة، بل هي مرتبطة بالسلطة والجسد والتاريخ. الرحلة إذن هي انتقال من إبستيمولوجيا «الأساس المطلق» إلى إبستيمولوجيا «التفاعل الدائم» بين العقل واللاعقلاني.
مقدمة
تمثل علل الحضارة الغربية المعاصرة وأمراض الإنسان الحديث محوراً فلسفياً عميقاً يكشف عن تناقضات التحديث الذي بدأ بثورة كاتيرزيسية جذرية. فمنذ أن أعلن ديكارت في «التأملات» أن «أنا أفكر إذن أنا موجود» ، أصبحت الذات الفردية المفكرة مركز الكون، وتحولت الفلسفة من تأمل في العالم إلى تأكيد مطلق للذات المستقلة. هذه المقاربة الكاتيرزيسية – التي نعتمدها هنا ليس كمدح بل كأداة تشخيصية نقدية – تكشف كيف أن الشك المنهجي الديكارتي، والثنائية بين العقل والجسد، والفردانية المطلقة، أنتجت حضارة تُمجد الذات على حساب الجماعة والمعنى والوجود المشترك. في هذه الدراسة، نركز على ثلاثة أمراض رئيسية أصبحت سمة الإنسان المعاصر في الحضارة الغربية: العزلة (الانفصال عن الآخر والعالم)، والتمركز حول الذات (الذي يجعل الفرد محور كل شيء)، والمديح الذاتي (النرجسية التي تحول الوجود إلى عرض مستمر للذات). هذه الأمراض ليست عرضية، بل هي نتاج منطقي للكاتيرزيسية التي فصلت الذات عن الواقع، وجعلتها مصدراً وحيداً للحقيقة. سنستعرض هذه العلل بتفصيل تاريخي ووجودي واجتماعي، مع التركيز على كيفية تحول المنهج الكاتيرزيسي من أداة تحرر معرفي إلى مصدر للاغتراب الإنساني. إن هذه المقاربة ليست رفضاً للحداثة الغربية برمتها، بل تشخيصاً جذرياً لأمراضها الداخلية التي تهدد الإنسانية جمعاء. فماهي علل الحضارة؟ وكيف يتخلص الانسان المعاصر من أمراضه؟
الجذور الكاتيرزيسية: من الشك المنهجي إلى عزلة الذات
تبدأ علل الحضارة الغربية في اللحظة الكاتيرزيسية الأولى، حين قرر ديكارت أن يشك في كل شيء – الحواس، العالم الخارجي، حتى الله – ليصل إلى يقين واحد: الذات المفكرة. هذا الشك لم يكن بريئاً؛ إنه فصل جذري بين «أنا» و«العالم» ، مما جعل الذات معزولة في برجه العاجي من الوعي. أصبح العالم مجرد امتداد مادي يُقاس ويُسيطر عليه، والآخر مجرد موضوع للشك أو الاستخدام. هذا المنهج أنتج حضارة تُمجد الفرد المستقل، لكنه دفع الإنسان إلى العزلة الوجودية. في عصر التنوير، تحول الكاتيرزيس إلى أساس للعلمانية والرأسمالية: الإنسان «المحرر» من التقاليد أصبح وحيداً أمام السوق والدولة. كانط حاول تعديل هذا المنهج بـ«نقد العقل»، لكنه أبقى الذات مركزاً أخلاقياً مطلقاً. هيغل حاول الجمع بين الذات والتاريخ، لكن النيتشوية والوجودية اللاحقة أعادت التأكيد على «الإنسان الأعلى» الذي يخلق قيمه بنفسه. هكذا، أصبحت الكاتيرزيسية أساساً لأمراض العزلة والتمركز، حيث يرى الإنسان نفسه ككون صغير منفصل عن الكون الكبير.
مقدّمة: في سبيل رشدية مغايرة.. ابن رشد بين النص والتاريخ والراهنية
تمرُّ الأمة الإسلامية والعربية اليوم بالذكرى التسعمائة لميلاد أبي الوليد ابن رشد (1126-1198م)، تلك الشخصية التي غدت علماً من أعلام الفلسفة الإسلامية، وجسراً معرفياً بين الشرق والغرب، ورمزاً للعقلانية في وجه التعصب. غير أن إحياء هذه الذكرى لا يعدو أن يكون طقساً احتفالياً جامداً، أو استعادة نوستالجية لماضٍ ولّى، بل فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل من رشدية مغايرة؟
إن السؤال عن "المغايرة" في الرشدية ليس سؤالاً هامشياً، بل هو مدخل إبستيمولوجي لفكّ الاشتباك بين "ابن رشد الأيقونة" الذي تم تدجينه في الخطابات الرسمية والتقليدية، و"ابن رشد الفيلسوف" الذي هزّ أركان اليقينيات السائدة في عصره. فالرشدية التي نحتفي بها ليست تلك التي تُختزل في شروح أرسطو، أو تلك التي تُستعمل كشهادة حسن سلوك للعقل الإسلامي أمام الغرب، بل هي الرشدية كـ "مشروع تحرري"، وكـ "منهج نقدي"، وكـ "تجربة التزام" واجهت فيها الفلسفةُ واقعَ الدم والسلطة والتكفير.
إن القراءة السائدة لتراث ابن رشد غالباً ما وقعت في فخّ "التقديس" أو "الاستشراق"، فإما حوّلته إلى مجرد ناقل للحكمة اليونانية، أو اختزلت فكره في إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناها السكولاستيكي الضيق. أما "الرشدية المغايرة" التي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافها، فهي تلك التي تنظر إلى ابن رشد كفيلسوف "مقلق"، مفكرٍ لم يرضَ بالوصاية، ورفض أن تكون الفلسفةُ مجردَ زينةٍ للنخبة، بل جعلها واجباً وجودياً وشرعياً لكل ذي عقل. إنها رشدية لا تفصل بين النظر والعمل، ولا بين النص والواقع، ولا بين الحقيقة والحياة.
إن راهنية ابن رشد اليوم لا تكمن في تكرار مقولاته، بل في استلهام "روحه النقدية" لمواجهة تحديات العصر: من صعود الخطابات التكفيرية التي تستبيح الدم باسم المقدس، إلى أزمة العقل العربي الذي يتراوح بين القطيعة مع التراث والغرق فيه، وصولاً إلى الحاجة الماسة لتأسيس فلسفة حياة تدافع عن الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في وجه الاستبداد السياسي والديني. إن ابن رشد، في قراءتنا هذه، ليس فيلسوف الماضي فقط، بل هو فيلسوف المستقبل؛ لأنه علّمنا أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن العقل هو الكون المشترك بين البشر، وأن التكفير هو دائماً غطاء لصراعات السلطة وليس دفاعاً عن العقيدة.
"هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟" (ليوتار)
"إنّ التفلسف هو أولاً فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولاً بدرس فلسفيّ... و لا تعني "عصامي" أننا لا نتعلّم شيئاً من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئاً إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه.... نحن عصاميون، بمعنى أنه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف." (ج. ف. ليوتار)
"يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقاً للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساساً في اقتضاء الصبر." (ليوتار)
لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ "التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان". لا أعرف ما يعنيه "فعل فلسفي". سأسند لكلمة "فعل فلسفي" دلالة محدّدة، تقابل القوّة. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كياناً، قوّة، حصيلة معرفية ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte. وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالاً فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميداناً مقسّماً في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول "درس فلسفي" مثلما نقول "مع مرور الزمن". نحن نعلم أن قسماً كبيراً من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة "تكوين"، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة أن عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب، وأنه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضاً شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى. لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية؟ لكنها المعلّم ذاته. كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين، وإصلاح المُصلحين: نتبع الإحراج (l’aporie) الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: إنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضاً تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولاً فعل عصاميّ.
مقدمة:
في تاريخ الفلسفة، يمثل مفهوم الجدل أحد أبرز الأدوات المنهجية التي استخدمها الفلاسفة لاستكشاف الحقيقة، وتحليل الواقع، وتجاوز التناقضات الظاهرية. الجدل، في جوهره، ليس مجرد نقاش أو مناظرة، بل هو عملية ديناميكية تتضمن التفاعل بين الأفكار المتناقضة للوصول إلى معرفة أعلى أو تركيب جديد. هذا المفهوم تطور عبر العصور، منذ الفلسفة اليونانية القديمة مع أفلاطون وأرسطو، مروراً بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية مع كانط وهيجل. في هذه الدراسة، سنقارب الجدل والجدلية من منظور منهجي، محاولين استكشاف كيف شكل هذا المفهوم المنهج الفلسفي لكل من هؤلاء الفلاسفة، وكيف انعكس في علاقاتهم الفكرية المتبادلة. سنركز على التباينات والتداخلات المنهجية دون الغوص في تفاصيل تاريخية أو شخصية، محافظين على تدفق مسترسل يربط بين الأفكار. بدءاً من اليونانيين، كان الجدل عند أفلاطون أداة للكشف عن الحقيقة من خلال الحوار، بينما طور أرسطو نهجاً أكثر نظامية يجمع بين الجدل والمنطق التحليلي. أما في العصر الحديث، فإن كانط استخدم الجدل لنقد حدود العقل، في حين جعل هيجل من الجدلية محركاً للتاريخ والفكر. هذه المقاربة المنهجية تكشف عن تحولات في فهم الجدل من كونه أداة استكشافية إلى كونه قوة دافعة للتطور الفكري والوجودي. فكيف تم فهم الجدل كمنهج فلسفي؟
الجدل عند أفلاطون: الحوار كطريق إلى المعرفة الأبدية
يُعتبر أفلاطون أحد أوائل الفلاسفة الذين جعلوا من الجدل منهجاً أساسياً في الفلسفة. في حواراته، مثل محاورة "الجمهورية" ، يظهر الجدل كعملية حوارية يقودها سقراط، معلمه، لاستخراج الحقيقة من خلال السؤال والجواب. المنهج الجدلي عند أفلاطون ليس مجرد تبادل آراء، بل هو عملية تصاعدية تبدأ من الآراء الشائعة (الدوكسا) وتصل إلى المعرفة الحقيقية (الإبيستمي). يعتمد هذا المنهج على افتراض أن الحقيقة موجودة في عالم المثل الأبدي، وأن الجدل هو الوسيلة لتذكرها، أي استرجاع المعرفة الفطرية.
من الناحية المنهجية، يتكون الجدل الأفلاطوني من ثلاث مراحل أساسية: الدعوى الأولي، الذي يُقدم كرأي أو افتراض، ثم الاعتراض أو النقيض، الذي يكشف عن التناقضات في الافتراض، وأخيراً التركيب أو الوصول إلى فهم أعلى يتجاوز التناقض. هذا النهج يعكس اعتقاد أفلاطون بأن العقل البشري قادر على تجاوز الحواس والظواهر المتغيرة للوصول إلى الجوهر الثابت. الجدل هنا ليس خطياً، بل دائرياً وتفاعلياً، يعتمد على اللغة والحوار كأدوات للكشف، مما يجعله منهجاً اجتماعياً بقدر ما هو فردياً. في هذا السياق، يرى أفلاطون أن الجدل يحمي من الخطأ الدوغمائي، إذ يفرض على المشاركين في الحوار الاعتراف بجهلهم الأولي، كما في قول سقراط الشهير "أعرف أنني لا أعرف شيئاً". مع ذلك، يحمل المنهج الأفلاطوني بعض التحديات المنهجية، مثل اعتماده على الإلهام أو الرؤية الفلسفية، التي قد تبدو غير موضوعية. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع تلميذه أرسطو، الذي سعى إلى جعل الفلسفة أكثر علمية وتحليلية.
تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر ، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية .
وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران : مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935_ 2010 ) ، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929_ 2026 ) .
وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما ، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري ، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع .
ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي ، وتُراثِه المعرفي ، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية ، ومُحاولة تصحيح مسارها . ومعَ ذلك ، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية ، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة ، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص ، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية .
ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي ، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية ، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب .
يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية :
1_ البيان : وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة .
2_ العِرفان : وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن .
3_ البُرهان : وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة .