بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.

و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.

من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب -  على ضرورة الاعتناء بالمآلات كقاعدة مستقلة ومنفردة.

إلى هنا يمكن أن نطرح السؤال؛ ماذا يقصد الشاطبي بالمآل؟

لعل الشاطبي لم يقدم لنا تعريفا واضحا للمآل، لكن استقراء كلامه يعطي أنه أراد به كل ما يؤول إليه فعل المكلف من أعمال تكون " مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب"[2]

فالمآل إذا حسب الشاطبي، هو ما يؤول إليه فعل المكلف من نتائج إما أن تكون إيجابية (المصلحة)، أو سلبية (المفسدة)، فيكون بذلك النظر في المآل هو نظر في المقاصد، أي ما يوافق مقصد الشارع من أفعال المكلفين.

مقدمة
تُعتبر الفلسفة العربية الإسلامية إحدى أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث جمعت بين التراث الديني الإسلامي والإرث الفلسفي اليوناني والعقلانية. في هذا السياق، برز علم الكلام وعلم أصول الفقه كتيارين رئيسيين شكلا إطارًا للتفكير الفلسفي في العالم الإسلامي. يركز علم الكلام على الدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام العقل والمنطق، بينما يسعى علم أصول الفقه إلى وضع قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه في إطار الفلسفة العربية الإسلامية، مستخدمة مقاربة تأويلية تركز على تفسير النصوص وفهم السياقات التاريخية والفكرية لكلا العلمين

.1. إطار الدراسة والمنهجية

تعتمد الدراسة على مقاربة تأويلية مستمدة من مناهج التفسير الفلسفي، ولا سيما أفكار هانز-غادامر حول التأويلية (Hermeneutics)، التي تركز على فهم النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية. يتم تحليل النصوص الكلامية (مثل أعمال المعتزلة والأشاعرة) ونصوص أصول الفقه (مثل كتابات الشافعي والغزالي)، مع التركيز على كيفية تشكيل هذين العلمين للفلسفة العربية الإسلامية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام: علم الكلام، علم أصول الفقه، ومقارنة تأويلية بينهما

.2. علم الكلام: الفلسفة العقلية في خدمة العقيدة

علم الكلام هو العلم الذي يهتم بمناقشة قضايا العقيدة الإسلامية باستخدام المنطق والعقل للدفاع عنها وتفسيرها. نشأ هذا العلم في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) كرد فعل على التحديات الفكرية التي واجهت الإسلام، مثل الجدل مع أتباع الأديان الأخرى والفرق الإسلامية المختلفة.

الأسس الفلسفية: استلهم علم الكلام من الفلسفة اليونانية، وخاصة أرسطو وأفلاطون، من خلال ترجمات النصوص الفلسفية إلى العربية. المعتزلة، على سبيل المثال، ركزوا على العقل كأداة لفهم العقيدة، مؤكدين على مبدأ العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية. في المقابل، تبنى الأشاعرة موقفًا وسطيًا يوازن بين العقل والنقل.

القضايا المركزية: تناول علم الكلام قضايا مثل وجود الله، صفاته، القدر والإرادة الحرة، وطبيعة القرآن (مخلوق أم غير مخلوق). على سبيل المثال، ناقش الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة حدود الفلسفة العقلية في تفسير العقيدة.

    التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.

  لقد عرفت المجتمعات "المسلمة" منذ أن أوكَلَت السلطة السياسية مهمة التشريع فيها للفقهاء، اختلالات تشريعية عميقة، كنتيجة مباشرة وطبيعية لعدم قدرة التشريع الفقهي على الإجابة على مختلف النوازل والمستجدات التي كان يفرزها المجتمع باستمرار، وعجزه على ابتكار الحلول الواقعية والعملية للإجابة عنها. لقد كان هم السلطة السياسية الأول، هو الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، المفضي إلى الاستقرار السياسي، فكانت تلك هي الغاية التي حددت معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله الفقهاء باعتبارهم المشرعين الذين أوكلت لهم السلطة السياسية مهمة التشريع للمجتمع. وهكذا، لم يكن من الغريب أبدا، أن يتبنى فقهاء الإسلام، منهجية تشريعية تستهدف ضمان الثبات والسكون والاستمرارية، بأن نبذت الاجتهاد والخلق والإبداع بما هم وقود عملية التغيير ومحفزها.

  لقد حرم الفقهاء التفكير خارج الصندوق الذي وضعه الحاكم إطارا إيديولوجيا للسلطة الحاكمة، وهو الإطار المفروض بمنطق الغلبة وحد السيف، والذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لمقاصد الحاكم المستبد الدنيوية لا لمقاصد الدين. لذلك؛ فلم يكن من الغريب أبدا، أن يلبسه فقهاء السلطة لباس القداسة، فأضحت تبعا لذلك، كل محاولة للتفكير خارجه، تصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، حتى أنهم جاؤوا بحكم الردة كتهمة دينية مرعبة ومفزعة، قدموها هدية ثمينة على طبق من ذهب للحاكم الطاغية، ليتسنى له تصفية كل معارضيه السياسيين، من دون حتى أن يكلف نفسه تبرير فعله الإجرامي ذاك.  لقد أضحت كنتيجة لذلك كل محاولة للتفكير خارج ذلك الصندوق، تصنف سياسيا كرغبة في زعزعة الاستقرار الضامن لاستمراريته الحاكم على رأس السلطة السياسية، وتصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، بل وردة وجب دينيا على ولي الأمر، أن يقيم حد القتل على من وجهت له.

  إن أخشى ما كان يخشاه الحاكم المستبد، هو قدوم رياح التغيير التي قد يجئ بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والتي من شأنها أن تعصف به وبحكمه، لذلك؛ فقد ظلت رغبته دوما، هي إيقاف عجلة التاريخ في الوضع الذي يضمن بقاءه على رأس السلطة السياسية، وهي الرغبة التي ترجمها فقهاء السلطة دينيا حينما جاءوا بالقاعدة المنهجية القائلة: " كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار"، وهي القاعدة غير العلمية، التي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية، التي عرفتها المجتمعات المسلمة على مر العصور، والتي ترتب عنها اختلالات عميقة على جميع الأصعدة.

ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.

ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.

ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في الماضي، وتتملّى في الراهن، وتتشوّف نحو المستقبل. وأن اختلال التوازن بين هذه العناصر الثلاثة، أو تغليب عنصر على غيره، من شأنه أن يُدخل ارتباكا على عملية الانتفاع بهذا الموروث. فالوعي التاريخي المفترض أن يرافق التراث، هو تلك العملية الذهنية التي تستلهم الماضي، وتتفهّم الحاضر، وتقود السير نحو المستقبل. وهو تلك القدرة على الوعي بالأصول التي يتجذّر فيها واقعنا من أجل خلقِ فعل حضاري، لتضعنا العملية برمّتها أمام تعامل سويّ. وبالتالي فإنّ التراث هو ذاكرة الكيان الجمعي الواعي بحضوره في التاريخ، وأنّ هذا الرصيد كلّما انفصل عن الجماعة وغدا منجزا مستقلا بذاته، أو بات استهلاكا عرضيا يخضع للمناسبات والمواعيد، كلّما غرق في عملية التشييء والمتْحَفَة، وهو أخطر ما يتهدّد التراث.

مقدمة

يُشكل محمد أركون (1928-2010) واحدًا من أبرز المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التراث الإسلامي والفكر الديني من منظور نقدي ومعاصر. يتمحور مشروعه الفكري حول إعادة قراءة التراث الإسلامي بمنهجية نقدية تاريخية، تسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من التقليدية والجمود، وإعادة بنائه في ضوء التحديات المعاصرة. يهدف هذا البحث إلى تحليل منهجية محمد أركون ومشروعه الفكري، مع التركيز على أسسه النظرية، أهدافه، أدواته، وتأثيراته.

العنصر الأول: الإطار النظري لمنهجية محمد أركون

السيرة الفكرية لمحمد أركون

وُلد محمد أركون في الجزائر عام 1928، ونشأ في بيئة ثقافية متنوعة تجمع بين التراث الأمازيغي والإسلامي والاستعماري الفرنسي. درس الفلسفة في جامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون. تأثر أركون بمفكرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ولويس ماسينيون، مما ساعده على صياغة منهجية نقدية تجمع بين التاريخانية والسيميائية والأنثروبولوجيا[1]

 أسس منهجية أركون

تعتمد منهجية أركون على ثلاث ركائز أساسية:النقد التاريخي: يدعو أركون إلى دراسة النصوص الدينية والتراث الإسلامي في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم الظروف التي أنتجتها. يرى أن النصوص الدينية ليست ثابتة، بل هي نتاج تفاعل مع الواقع التاريخي[2].

التحليل السيميائي: يركز أركون على تحليل اللغة والرموز في النصوص الدينية، معتبرًا أن المعاني ليست مطلقة، بل متغيرة حسب السياقات الثقافية والاجتماعية.

الأنثروبولوجيا التاريخية: يستخدم أركون الأنثروبولوجيا لفهم العلاقة بين الدين والمجتمع، مع التركيز على كيفية تشكل الوعي الديني في سياقات ثقافية محددة.

مقدمة
يُمثل هشام جعيط (1935-2021) أحد أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التاريخ الإسلامي، متميزًا بمنهجه النقدي الذي يجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي. تتمحور أعماله حول فهم الظواهر التاريخية الإسلامية، لا سيما في سياق نشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، كما يتضح في مؤلفاته مثل الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية وثلاثيته عن السيرة النبوية، وخاصة الجزء الثاني تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. يهدف هذا المقال إلى تحليل فكرة التاريخ عند جعيط من خلال مقارنة رؤيته لنشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، مع التركيز على منهجه النقدي وتأثيره على فهم التاريخ الإسلامي. الإطار النظري: فكرة التاريخ عند هشام جعيط

يرى هشام جعيط أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو عملية استقراء وفهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والثقافية والدينية التي شكلت المجتمعات. في كتابه الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، يقدم جعيط رؤية شاملة لنشأة المدينة الإسلامية كنتاج لتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات السابقة مثل البابلية والفارسية والهلنستية. يعتمد جعيط على منهج تاريخي تفهمي يسعى إلى فهم المناخ الذهني والعقلي للعصر، مع التركيز على القيم والأفكار التي هيمنت على المجتمع . في سياق تاريخية الدعوة المحمدية، يتبنى جعيط منهجًا نقديًا يعتمد على فحص المصادر التاريخية بعين عقلانية، متجنبًا الروايات الأسطورية أو غير المثبتة. في الجزء الثاني من ثلاثيته عن السيرة النبوية، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، يركز على تحليل السياق الاجتماعي والثقافي لمكة قبل وبعد الإسلام، معتبرًا أن الدعوة المحمدية لم تكن مجرد ظاهرة دينية، بل نتاج تفاعل معقد بين الفرد (النبي محمد) والمجتمع . يتميز منهج جعيط بالجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي، حيث يرى أن التاريخ يجب أن يُفهم من خلال البنى الاجتماعية والثقافية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات. هذا المنهج يتضح في مقاربته للمدينة العربية الإسلامية كنموذج حضاري، وللدعوة المحمدية كظاهرة تاريخية متجذرة في سياقها الاجتماعي.

     القواعد المنهجية التي تحكمت في تحديد معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله فقهاء الإسلام، كما القاعدة التي قال بها الإمام مالك: " لن يصلح امر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وكذا قاعدة: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وكذا القاعدة القائلة بــ: " لا اجتهاد مع نص "... هي قواعد منهجية، فرضتها طبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، الضامنة للاستقرار المجتمعي، الذي كان يبتغيه الحاكم الطاغية.

    لقد اتسمت منهجية الفقهاء بنزعتها النكوصية الماضوية، كنتيجة طبيعية لطبيعة المهمة التي أسندت لهم على مر العصور، في تخريج الأحكام التي كانت تأمر بها السلطة السياسية، ضمانا لاستقرارها واستمراريتها. لقد كان أخشى ما يخشاه الحاكم المستبد، هو التحولات التي قد يجئ به التطور الطبيعي للمجتمع، والتي قد تحمل معها بوادر التغيير التي قد تعصف به وبحكمه، لذلك فقد ظلت غايته القصوى دوما، هي محاولة الحد ما أمكنه ذلك، من وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بأن يجعله منه ساكنا وجامدا، وهي الغاية التي ترجمها فقهاء السلطة أحكاما "شرعية"، من خلال تبنيهم لمنهجية تشريعية تعتبر كل محدثة ضلالة.

   لقد كان من الطبيعي بالنظر إلى طبيعة مهمة الفقهاء تلك، أن يتبنوا منهجية في التشريع، تنتج أحكاما شرعية، غايتها التحكم في وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بما يضمن وضعية من السكون والجمود تضمن استمرارية الوضع على ما هو عليه، وذلك من خلال الدعوة إلى السمع الطاعة والخنوع لولي الأمر، والقبول والرضا بالظلم والجور الذي يمارسه في حق " الرعية " على أنه قدر إلهي، وبالتالي؛ فليس من الدين في شيء العمل على تغييره أو انتقاده حتى، وهذا ما لخصه فقيه كبير كابن حنبل حين قوله: "والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين " ليضيف " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق." (انظر دراستنا المعنونة بـ: " الفقه الإسلامي ومقاصد الدين").

مثلت المسائل اللغوية أبرز ما أهتم به الفكر المعاصر لما لها من الأهمية الكبر ى، فقد جسدت وضعية نظرية دقيقة، حيث أصبحت اللغة المركز الذي تدور عليه اهتمامات متعددة في مجالات مختلفة. فانفتاح الثقافات على بعضها البعض ولد الحاجة إلى هذا الاهتمام المتزايد باللغة داخل كل أمة، وداخل كل ثقافة، ذلك أن اللغات لا تختلف باختلاف الشعوب فحسب وإنما تختلف أيضا باختلاف الاهتمامات الفكرية. إذ لا محيد للفكر عن اللغة والخطاب، أو لعل الفكر هو بالأساس لغة. إذا التفكير في بنية خطابات اللغة هو مرتبط بالعالم وبالإنسان. فكم من كلمة أشعلت حروبا وأقامت الدنيا ولم تقعدها. وكم من كلمة تبركنا على أعتابها في أوقات الضيق لتزيل عنا كربنا وغمنا، وقد تأتي هذه الكلمة على لسان علامة أو مفتي، كما قد تأتي على لسان نبي.  وكم للكلمات الفواتح من فتح مبين. فوطن كل أمة أو شعب هي لغته التي بها تكلم، ذلك أن اللغة هي الأفق الذي فيه تتحدد علاقتنا بالعالم وبالآخر.

 واللغة ، التي نحن بصدد تناولها، لغة ربانية ومعطى سماوي مقدس، إذ نحن بصدد انزياح أو عروج عن وثنية تأصلت في وجدان الأمة العربية الإسلامية. إذ لعلنا اليوم أشد حاجة من أي وقت مضى إلى التفكر في اللغة وباللغة وفي إعادة طرح مسألة الخطاب القرآني، وحل كل رابطات حقوق الله وما تمثله من الرابطات من غطرسة على بنية القول والتفكير. 

فباسم المقدس ننسلخ عن آدميتنا، وباسم الدين تتعالى الأصوات لانتهاك ما هو بشري وتطويعه و تركيعه. وصار من الوجوب أن نعيد طرح "جهازنا " المفاهيمي من داخل النص القرآني وفق رؤية تكون مرجعيتها العقل والدين لأنه آن الأوان لرفع كل وصاية على ما هو مقدس، أو لرفع وصاية الأرض عن السماء. 

من المعروف أن النص القرآني لا زال يلهم الكثير من القراءات المتعددة، وما تتعرض إليه حضارتنا من هجوم خارجي وداخلي على الإسلام، خارجي وهي نظرة الغرب الصليبية للعرب والإسلام بما هو رمز للإرهاب والتطرف، وداخلي يتمثل في احتكار أو محاولة احتواء النص القرآني من طرف قلة ارتأت لنفسها المشروعية في التكلم باسم الإله، وأنها نخبة الله المختارة على الأرض وما عداها فهو ضلال مبين. فمن الواجب أن يعيد المفكر العربي والمسلم إعادة تفكير الإسلام كمنظومة دينية وفكرية، أي لابد من قراءة جديدة للخطاب الديني بما هو نص شديد الثراء وكثيف المعاني، نص قصصي البنية ورمزي المقاصد، والقطع مع التأويلات الأيديولوجية المسيسة للإسلام. وتجاوز القراءات الدغمائية السطحية للنص القرآني. وفضح كل قراءة تدعي أنها قادرة على معرفة كلام بشكل متطابق مع غاياته النهائية والأخيرة. هذه الضرورة إلى أعادة قراءة النص الأصلي أو الأم سمح بتعدد التفاسير واختلاف الرؤى في تفكيك الخطاب المقدس وهو منهج اشتهر به جاك دريدا1.إذ يطور دريدا منهج التأويل في حواره مع النص الصامت والذي يشكل مصدر لغط وغلو. ولم يبق الخطاب القرآني كوحي أو كحديث للآلهة بل قد ارتبط بالإنسان والنسيان وقد كانت دائما هناك محاولات للهيمنة على هذا الخطاب والسيطرة عليه. وما تميزت بالسطحية في تناولها وتفسيرها للخطاب القرآني والوقوف عند تخوم العبارة وذلك بالتداخل بين المقدس والدنيوي وتظهر الذات الإلهية متجسدة في صورة هي أقرب للبشر منها للآلهة، ويتبدى الخطاب مفعما بروح التضاد والتوتر بين السماء والأرض، خطاب عمودي متعالي أساسه الوعد والوعيد. في هذا التداخل والتشابك بينما هو إلهي فينا وما هو دنيوي بما أننا قد نفخ فينا من روحه.