تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6]
لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]