" كل حركة ثقافية تريد أن تستبدل الرأي والتصورات القديمة المتعلقة بالعالم عامة... يجب أن تدأب في رفع المستوى الفكري للطبقات الشعبية أكثر فأكثر وذلك كي تعطي شخصية للعنصر الشعبي الذي لا شكل له."[1]توطئة:
السياسي والثقافي هما توأمان يسيران جنبا إلى جنب ولا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر، فالسياسة الصالحة هي التي تنتج ثقافة مبدعة والثقافة المتفتحة هي التي تساهم في إسناد وترشيد سياسة ديمقراطية. والآن يعاد تشكيل السياسة على الصعيد الكوكبي أخذا بعين الاعتبار الموروثات الثقافية بحيث تندمج الدول التي لها ثقافات متشابهة في كيان واحد على غرار الاتحاد الأوروبي وتتصادم الدول التي لها ثقافات مختلفة وغريبة عن بعضها البعض على غرار الشرق والغرب. وهكذا أعادت العولمة تقسيم المعمورة بعد زوال الحرب الباردة ونهاية الاستقطاب الثنائي إلى شرق اشتراكي وغرب رأسمالي، وأعادت كذلك رسم الحدود السياسية لكي تتوافق مع التنوع الثقافي وتحترم الخصوصيات الحضارية.
من المعلوم أن حضارة اقرأ كانت ولا تزال واحة تترعرع فيها الثقافة المبهرة وينشأ فوق مسطحها الفكر الأصيل وتتفاعل على أرضها الخصوصيات وتترجم إليها ومنها العديد من المعارف والعلوم،بل إنها الأرض التي أنجبت العديد من النظريات والبدائل وكذلك الكثير من الرموز والقادة في مجالات عديدة وتخصصات دقيقة. لكن هذه المكانة اللائقة التي تتبوأها أمتنا وهذه الدرجة الرفيعة التي وصلت إليها ثقافتنا تعاني في الآونة الأخيرة من العديد من النقائص وتكافح ضد جملة من العاهات التي أبعدت عنها رونق الإبداع وجمالية الذوق وتدفق الإنتاج.
"إننا نعيش في مجتمع يسير بمعظمه نحو الحقيقة، أعني في مجتمع ينتج وينشر خطابا همه هو الحقيقة، أو يعتبره الناس كذلك، وله من جراء ذلك سلطة خاصة... "ميشيل فوكو
فلسفة هيجل: مضمونها، أنواعها:
مدخل :
"فما زال التأويل هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد. وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هوميروس أفضل من أي شخص آخر."[1]
"لا تقل علاقة الرسالة النصية بالقارئ عن علاقتها بالمؤلف. فحيث يتوجه الخطاب المنطوق إلى شخص يحدده الموقف الحواري سلفا...يتجه النص إلى قارئ مجهول وضمنا إلى كل من يعرف كيف يقرأ"[1]
"كذب الظن لا إمام سوى العقل مشيرا في صبحه والمساء"
يعتبر مفهوم "الحرية" من بين أبرز مفاهيم الحداثة في فكر عبد الله العروي، حتى أنه أفرد له كتابا باسمه [1] ، بل إنه أول مفهوم يستهل به سلسلة المفاهيم ليختمها بمفهوم العقل، إلا أن لمفهوم الحرية مكانة بارزة في سلسلة المفاهيم، بحيث أنه لا دولة إلا دولة الحرية ولا عقل إلا العقل الحر غير المقيد أو الخاضع للرقابة الذاتية ولا يتجلى المفهوم فقط في الدولة وفي العقل بل قد تتجلى حتى في الاقتصاد فنقول الاقتصاد الحر وفي الدين فنتحدث عن حرية الاعتقاد قبل الاعتقاد… هذا بالإضافة إلى الحريات السياسية والمدنية… إلا أن كل هذه التجليات ترجع إلى الحرية من حيث هي مبدأ. ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: لماذا يخط العروي كتابا عن الحرية؟ ألا يوجد هذا المفهوم في الثقافة العربية الكلاسيكية؟ ألم يعش المجتمع العربي الإسلامي التقليدي تجربة للحرية؟ وإذا كان قد عرفها، فما هو نوعها؟ وهل تطابق المفهوم الغربي للحرية أم أنها تختلف عنه ؟
يسود الرأي لدى مؤرّخي الفلسفة أنّ التفكير الفلسفي و الكلامي لدى الفرق و المدارس اليهودية في السياق العربي الإسلامي في العصور الوسطى منطبع و متأثّر بالفلسفة العربية الإسلامية شديد التأثر، بل و يعدّ جزءا منها و أحد تمظهراتها منذ أواسط القرن الثامن الميلادي \ القرن الثالث هجري وخاصة في
القرون التالية مع ازدهار و انتشار حركة الترجمة و التأليف ، فقد كانت اللغة العربية في مجالات الإلاهيات و الفقه و علم الكلام و الفلسفة و الطب و الفلك و غيرها من العلوم و الفنون ، اللغة المعتمدة في التأليف و الكتابة لدى معظم العلماء و المؤلفين من مختلف الفرق و الديانات من مسلمين و مسيحيين و يهود. أتاح الإسلام هنا، كفضاء حضاري ذو أفق معرفي منفتح، انتشار و سيادة بنية إثنية و ثقافية تعددية متنوعة أفرزت بدورها
نموذج تعايش ثقافي اجتماعي تعدّدي متميز بالثراء و الحيوية، و لعلّ النموذج الأندلسي في العصور الوسيطة يعتبر أحد أهم تجليات هذا التعايش.
إننا، في كثير من الأحيان، نحاكم الانتاجات الفكرية الماضية، انطلاقا من سياقنا التاريخي والفكري الراهن، وكأن المفاهيم التي عبرها يتم التفكير، كيانات ميتافيزيقية ثابتة ومتعالية على الصيرورة التاريخية. وبذلك نجحف في حق التراث الفكري، عندما لا نقرؤه في ضوء سياقه
التاريخي. وإن مفهوم"حالة الطبيعة" أو "الطور الطبيعي" في الفلسفة السياسية لفلاسفة العقد الاجتماعي خير مثال على هكذا سوء فهم، إذ يعتبره الكثير شطحا من الخيال، أو تحريفا للتاريخ البشري، أو فرضية لا تستند إلى أي أساس. فما هي دلالة مفهوم "الطور الطبيعي" في نظرية التعاقد الاجتماعي، في ضوء السياق التاريخي للقرنين السابع عشر والثامن عشر؟