"وذلك القوس المقلوب الذي تسمِّيه السماء، الذي نعيش ونموت تحته محبوسين زاحفين،
لا ترفع يديك إليه طلبًا للعون – لأنَّه يدور عاجزًا مثلنا تمامًا" (عمر الخيّام) ([1])
1- مقدمة:
تُعَدُّ الأبراج اليوميّة المنشورة في أعمدة التنجيم في الصحف والمجلّات في كلِّ مكان من بين الملذّات التي يتمتّع بها الملايين من البشر على سطح المعمورة. فمعظم الناس يعرفون البرج الذي وُلدوا تحته، سواء كانوا من برج الثور أو العذراء أو الأسد أو العقرب، إلخ. وكثيرٌ منهم لديه فكرة عن الصفات الشخصيّة التي يُفترض أنَّهم يمتلكونها نتيجةً لذلك. وقد أصبح اليوم من المألوف أن يعرف شخصٌ ما نفسه بالمواصفات البرجيّة له، كأن يقول: "أنا من برج الثور، أحبُّ البيت، ويمكن الاعتماد عليَّ مع أنَّني مملٌّ قليلًا" ([2]).
والشخص الذي يسمع مثل هذا التعريف البرجيّ لا يميل عادةً إلى اعتبار المتكلّم خرافيًّا أو غير عقلانيّ. بل قد يبدو هذا القول وكأنَّه يعكس قدرًا من الوعي الذاتيّ الموضوعي؛ فهو لا يحمل طابعًا غرائبيًّا أو مبالغةً غير عقلانية، بل يبدو القول طبيعيًّا من خلال معقوليته اليوميّة. كما أنَّ هذه التصريحات لا تُقال عادةً بحماسة المؤمن المتعصّب. فقرّاء هذه الأعمدة لا يعلنون أنفسهم مؤمنين أو غير مؤمنين. بل إنَّ مسألة الإيمان نفسها تبقى ضبابيّة بسبب عدم رغبة عامة في التحقّق من نظام التنجيم وتبريراته، ولا سيّما فيما يتعلّق بحركات الكواكب وعلاقاتها. وقد تمنح الإشارات "العلمية" الظاهريّة – مثل العلاقة بين المريخ والمشتري – القارئ إحساسًا بوجود منطقٍ ما في البنيّة النجومية، وذلك دون أن يشعر بالحاجة إلى التحقّق. كما أنَّ النصائح تبدو واقعيّة بشكل عام، ومصاغةً بلغة توحي بعلمٍ مبسّط. ومع ذلك، يدّعي كثيرٌ من القرّاء أنَّهم يقرؤون هذه الأعمدة للتسلية فقط دون أخذها على محمل الجد ([3]).
2- أدورنو والتنجيم بوصفه قوّةً استلابية:
ففي مقاله المطوّل "النجوم تهبط إلى الأرض" " (Stars Down to Earth) ([4])، قام أدورنو بتحليل تفكيكيّ لعمود تنجيم يوميّ في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" (Los Angeles Times, 1952–1953)، كاشفًا عن المرض الاجتماعيّ الذي يدعم هذا الشكل من اللاعقلانيّة. فما يراه البعض تسليةً بريئة، يراه هو – شأنه شأن منتجات صناعة الثقافة – شيئًا سامًّا، وفي هذا الأمر يقول: "إنَّ المواقف التي تستدعيها صناعة الثقافة ليست بريئةً على الإطلاق... فإذا نصح المنجِّم قرّاءه بالقيادة بحذر في يومٍ معيّن، فهذا لا يضرُّ أحدًا؛ لكن الضرر الحقيقيّ يكمن في تلك البلادة الذهنيّة التي تجعل الناس يعتقدون أنَّ مثل هذه النصيحة العاديّة تكتسب أهميتها من الهالة الزائفة التي تُعطى لها لمجرّد ربطها بالأبراج والنجوم"([5]). فالخطر الحقيقيّ للنصيحة يكمن في الشكل الذهنيّ والنفسيّ الذي تُعوِّد الناس عليه. فقول المنجِّم: "قُدْ بحذر اليوم" يبدو نصحًا عاديًّا يمكن أن يُقال في أيّ وقت. لكن المشكلة تكمن في أنَّ الإنسان يُدفع إلى الاعتقاد واهمًا بأنَّ أفعاله تخضع لسلطة غامضة وخارجيّة كسلطة النجوم، وذلك بدلًا من التفكير العقلانيّ المستقل. فالنصيحة لا تقوم على أساس عقلانيّ لأنَّها مجرد نصيحة عامة تصلح في كل وقت، ولكنَّها تصبح وهمًا عندما تُقدَّم وكأنَّها معرفة كونيّة دقيقة مستمدّة من النجوم والأبراج.