تمهيد
نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة السامية) أي التعالي والسمو على التجربة الحسّية والتفوق المتعالي عليها قوله (أنني أسّمي المعرفة سامية متعالية، متى ما كانت لا تعنى كثيرا بالاشياء قدر عنايتها بأفكارنا الفطرية البديهية عن الاشياء)1.
من الجدير الاشارة له أن ديكارت هو مبتدع الافكار الفطرية المستمدة من النزعة الايمانية الميتافيزيقية وليس كمنج فلسفي نسقي يعتمده العقل، علما أن بداية التفكير العقلي العلمي في القرن السابع عشركانت على يدي ديكارت في أعتباره مباحث الميتافيزيقا بالفلسفة أنتهى دورها في وجوب مجاوزتها وترك ما لايدركه العقل علميا، وبذلك أطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة، والافكار الفطرية التي نادى بها ديكارت تقتصر على معطيات الادراك الميتافيزيقي اللاهوتي الديني، ولم يأخذ ديكارت مبدأ الافكار الفطرية على مستوى التفكير النسقي الذي أمتازت به فلسفته في الاشادة بالعقل والعلم على مختلف مستويات المباحث الفلسفية التي تناولها بدءا من الرياضيات وليس أنتهاءا بالتشريح في دراسته وظائف الاعضاء في الجسم.
كانط يرى على العكس من ديكارت الافكار الفطرية المزوّد بها العقل في الاستدلال الفلسفي النسقي وليس الميتافيزيقي المحدود،أنها هي والافكار المكتسبة بالتجربة والخبرة دلالة واحدة في معنى وحقيقة الادراك العقلي للاشياء... ووظيفة العقل الاساسية بحسب كانط معاملته المدركات بدلالة الافكار الفطرية، والتسامي الفكري المتعالي على الاحاسيس أنما يتم بالافكار الفطرية داخل العقل وفي مخزن الذاكرة والذهن، ووسيلة ذلك قالبي المكان والزمان بأعتبارهما معطيين فطريين ثابتين ملازمين العقل سابقين على وجود الاشياء حسب فرضيته.
ويمكننا هنا التساؤل ما مصدر أفكارنا الفطرية التي تحكم بها عقولنا الوجود ومعطيات الادراك؟ وكيف لنا عدم التشكيك أنه لا وجود قبلي لقالبي الادراك العقلي في الزمان والمكان وأنهما ليسا حصيلة التجربة والمعرفة المكتسبة في الذاكرة؟ أذا ما نحّينا جانبا الافكار الفطرية التي يغلب عليها طابع الايمان الديني المثالي والميتافيزيقا وما يتفرع عنها من ملكات فطرية كالعواطف والوجدانات وقيم الخير ومعاني الاخلاق والجمال وغيرها، وليس للافكار الفطرية قدرة منهجية على الاستدلال الفلسفي القائم على المنطق العقلي الذي يستمد معالجاته الادراكية من التجربة الحياتية العملية والخبرة المكتسبة المتراكمة وبغير ذلك لا يمتلك العقل مدركات وأفكار فطرية تمّكنه فهم الوجود وعالم والاشياء وهو خلو من أنواع المعارف....