تمهيد
نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة السامية) أي التعالي والسمو على التجربة الحسّية والتفوق المتعالي عليها قوله (أنني أسّمي المعرفة سامية متعالية، متى ما كانت لا تعنى كثيرا بالاشياء قدر عنايتها بأفكارنا الفطرية البديهية عن الاشياء)1.

من الجدير الاشارة له أن ديكارت هو مبتدع الافكار الفطرية المستمدة من النزعة الايمانية الميتافيزيقية وليس كمنج فلسفي نسقي يعتمده العقل، علما أن بداية التفكير العقلي العلمي في القرن السابع عشركانت على يدي ديكارت في أعتباره مباحث الميتافيزيقا بالفلسفة أنتهى دورها في وجوب مجاوزتها وترك ما لايدركه العقل علميا، وبذلك أطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة، والافكار الفطرية التي نادى بها ديكارت تقتصر على معطيات الادراك الميتافيزيقي اللاهوتي الديني، ولم يأخذ ديكارت مبدأ الافكار الفطرية على مستوى التفكير النسقي الذي أمتازت به فلسفته في الاشادة بالعقل والعلم على مختلف مستويات المباحث الفلسفية التي تناولها بدءا من الرياضيات وليس أنتهاءا بالتشريح في دراسته وظائف الاعضاء في الجسم.

كانط يرى على العكس من ديكارت الافكار الفطرية المزوّد بها العقل في الاستدلال الفلسفي النسقي وليس الميتافيزيقي المحدود،أنها هي والافكار المكتسبة بالتجربة والخبرة دلالة واحدة في معنى وحقيقة الادراك العقلي للاشياء... ووظيفة العقل الاساسية بحسب كانط معاملته المدركات بدلالة الافكار الفطرية، والتسامي الفكري المتعالي على الاحاسيس أنما يتم بالافكار الفطرية داخل العقل وفي مخزن الذاكرة والذهن، ووسيلة ذلك قالبي المكان والزمان بأعتبارهما معطيين فطريين ثابتين ملازمين العقل سابقين على وجود الاشياء حسب فرضيته.

ويمكننا هنا التساؤل ما مصدر أفكارنا الفطرية التي تحكم بها عقولنا الوجود ومعطيات الادراك؟ وكيف لنا عدم التشكيك أنه لا وجود قبلي لقالبي الادراك العقلي في الزمان والمكان وأنهما ليسا حصيلة التجربة والمعرفة المكتسبة في الذاكرة؟ أذا ما نحّينا جانبا الافكار الفطرية التي يغلب عليها طابع الايمان الديني المثالي والميتافيزيقا وما يتفرع عنها من ملكات فطرية كالعواطف والوجدانات وقيم الخير ومعاني الاخلاق والجمال وغيرها، وليس للافكار الفطرية قدرة منهجية على الاستدلال الفلسفي القائم على المنطق العقلي الذي يستمد معالجاته الادراكية من التجربة الحياتية العملية والخبرة المكتسبة المتراكمة وبغير ذلك لا يمتلك العقل مدركات وأفكار فطرية تمّكنه فهم الوجود وعالم والاشياء وهو خلو من أنواع المعارف....

يستعير فلاسفة المنطق عبارة هيجل " الحقيقة هي الكل" بمعنى فهم الحقيقة لا يكون صائبا الا إذا كان ضمن نسق تام من الترابط الحقائقي الذي لا يتقبل التجزئة على حساب تفكيك الهيكل النسقي الكلي الذي يضيع في فك ترابط أجزائه وفصلها عن بعضها البعض.

ويفرق فيلسوف المنطق "بوزانكت" أن الحقيقة لا يفهم معناها ولا تكون صائبة الا ضمن نسق يحتويها. والحقيقة لا يمكن الاستدلال عليها إلا اذا كانت ضمن نسق كلي ترابطي داخليا منّظم يجمعها بغيرها في بنية واحدة. والحقيقة المنطقية هي ليست الحقيقة في المفهوم الفلسفي الذي يقوم على نسبيتها وحمولة الخطأ والصواب معا بداخلها، وحتمية إندثارها حينما تكون (درجة) في سلم مفهوم البحث الدائب عن مطلق الحقيقة الوهمي الزائف الذي لا يمكن بلوغ أزليته. ترافقها حتمية تطورها النسبي على الدوام عندما تكون حقيقة (نوعية) لا تندثر ولا تموت بل تستحدث نفسها باستمرار.

منطق الحقيقة النسقي هو غيره مفهوم معنى الحقيقة الفلسفية، فالمنطق لا يعتبر اكتساب الحقيقة المجردة مصداقيتها كما هي في المفهوم الدارج في تطابق الفكر مع الواقع في معرفة حقيقة المادة، بمعنى آخر تطابق تعبير اللغة مع الموجود الشيئي تطابقا تاما يعطيه حقيقته المادية الصادقة. وتأكيد هذا المنحى لدى فيلسوف منطقي مثالي مثل " بوزانكت" الذي لا ينكر وجود الوقائع الانطولوجية الشيئية منفردة مستقلة في العالم الخارجي تعبر عن نفسها في إدراكها الحسي لكنه لا يعتبرها حقائق معرفية. الحقيقة في الشيء المنفرد هي المادة التي تدرك حسّيا في تطابق وجودها الخارجي مع معنى الفكر المعبّر عنها، والتي لا يحتويها نسق ترابطي من الحقائق داخليا وتكون حقيقة منفردة لوحدها.

الحقيقة التي لا تشكل إنتظاما نسقيا متداخلا بغيرها لا معنى لها. لذا تكون الحقيقة التي تدركها الحواس زائفة كونها تعبر عن موجود خارجي منفصل قائم لوحده. يعتبر فلاسفة المنطق ما أشرنا له في تعبيرنا الدارج الذي يعتبره كلا من برادلي وبوزانكت هو في مطابقة الدال مع المدلول مطابقة تامة لا تحتمل غير التاويل الوحيد المتعيّن بحقيقة الشيء. لذا مطابقة أفكارنا مع وقائع موجودية بعينها لا يمنحها حقيقتها الصادقة حسب المناطقة. كذلك حقيقة الشيء المادي المتعيّن هو ليس منطق حقيقة المفهوم الفلسفي. منطق الحقيقة الذي لا يأخذ بمبدأ الترابط في التطابق خارجيا في معناه مطابقة الفكر لما هو واقع عياني في الوجود وهو مايخص المادة كموجودات متناثرة في عالمنا الخارجي، أي هنا تلعب الحواس دورا مهما مركزيا في خلق التطابق الخارجي بين الفكر والاشياء خارجيا الذي نطلق عليه حقيقة ذلك الشيء انطولوجيا وليس ماهويا. أما إدراك الحقيقة كمفهوم تجريدي إنما يكون في ترابطها الداخلي ضمن نسق كلي موحد مؤلف من مجموعة حقائق. والطعن بمبدأ الترابط الخارجي بين الفكر والمادة في تحقق تطابق المعنى الذي يخص المتعيّن الانطولوجي المادي منطقيا وليس منطق الترابط الداخلي النسقي الذي تختص به الحقيقة كمفهوم تجريدي يعتمده منطق الفلسفة يقوم على أربع ركائزحسب إجتهادنا هي :

فيلسوف عصر النهضة جون لوك 1632- 1704 رغم نزعته العلمية التجريبية، وصرامته ألمنهجية في إعتماده مرجعية العقل، إلا أننا نجده مؤمنا بالله الكفيل بسحب الانسان نحو مراتب الأخلاق الرفيعة السامية التي تحقق له سعادته الارضية وهو ما لا يمكن نكرانه كون عماد الأخلاق تهذيب التدّين لها وليس مصدرها الوحيد..

جون لوك يعتبر الاخلاق ضرورة حياتية لا غنى للانسان عنها، والضامن والمرجع في التزّود بها هو الإيمان اليقيني القطعي بوجود الله كضرورة ماسّة قصوى في تنظيم حياة الانسان على أسس أخلاقية سليمة. "الله الذي يمتلك القوة اللامتناهية، والخيرية، والحكمة. ما يرتّب على البشر ومن مصلحتهم طاعة أوامره، ولما كان الناس لا يمتلكون أفكارا فطرية، ولديهم قلقا فطريا يلازمهم مدى الحياة، فما عليهم سوى أن يخبروا اللذة ويتجنّبوا الألم ." 1 هنا جون لوك في دعوته الإيمانية الأخلاقية هذه يتنازعه تيّاران أحدهما منهج الفلسفة التجريبية القائمة على تفعيل العقل البرهاني والمنطق الصارم، والثاني هو الوازع الأخلاقي الذي لا يناله الانسان سوى بالإيمان اليقيني القطعي بوجود الله والإمتثال لأوامره المنصوص عليها في الكتب المقدسة الدينية بغض النظر عن الفوارق بين الاديان في مسألة الاخلاق.

ويسعى لوك خلق توليفة توفيقية تجمعهما معا منهج الاخلاق في الفلسفة والإيمان التديّني بالله. لذا نجد جون لوك عمد إستنساخ آراء زميله بليز باسكال 1623- 1662 في مذهبه الفلسفي الديني البراجماتي في وجوب الإيمان بوجود الله كضرورة أولى لا يستطيع الانسان العيش بلا قلق يلازمه من دون الإلتزام بالإيمان الديني.

فالإيمان القلبي البراجماتي حسب باسكال بوجود الله لا يخسر به الانسان شيئا يندم عليه في حياته، كما لا يخسر شيئا يندم عليه بعد مماته. فالإيمان الأرضي بالله يمنح الانسان الطمأنينة بالحياة ويزيل عنه القلق والخوف الملازم له. وسوف لن يخسر شيئا في حال لم يتحقق له حلم الخلود في حياة ثانية بعد الممات.

مقدمة
القولة "الأخلاق ليست فرعًا من الفلسفة، بل هي الفلسفة الأولى" تُعدّ إحدى الأطروحات المحورية التي تثير نقاشات عميقة في الفلسفة الغربية والعربية على حد سواء. تُبرز هذه القولة الأهمية القصوى للأخلاق كأساس للفكر الفلسفي، متجاوزة بذلك التصور التقليدي الذي يضع الأخلاق كفرع من فروع الفلسفة إلى جانب الميتافيزيقيا، المنطق، والمعرفة. في هذه الدراسة، سنستكشف معاني هذه القولة، ونحلل دلالاتها الفلسفية، ونناقش سياقها التاريخي والفكري، مع التركيز على أهمية الأخلاق في الفكر الفلسفي، وكيف يمكن اعتبارها "الفلسفة الأولى". سنتناول أيضًا الآراء المؤيدة والمعارضة لهذه القولة، مع استعراض لأبرز الفلاسفة الذين تناولوا هذا الموضوع، بالإضافة إلى تحليل السياقات الثقافية والاجتماعية التي تؤثر على هذا النقاش. متى تتحول الاخلاق من مجرد اختصاص فلسفي مثل بقية الاختصاصات الى فلسفة اولى؟ وما الذي يتغير في مستوى المنهج والمفاهيم والموضوع؟ وفيم تتمثل المقاربة الأكسيولوجية؟

تعريف الأخلاق والفلسفة
للبدء، من الضروري توضيح المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها القولة. الفلسفة، في جوهرها، هي السعي إلى فهم الحقيقة والوجود والمعرفة من خلال التفكير النقدي والتحليلي. أما الأخلاق، فهي الفرع من الفلسفة الذي يهتم بدراسة القيم، والصواب والخطأ، والواجب، والمسؤولية الأخلاقية. تقليديًا، تُعتبر الأخلاق جزءًا من الفلسفة إلى جانب فروع أخرى مثل الميتافيزيقيا (علم الوجود)، والإبستمولوجيا (نظرية المعرفة)، والمنطق، والجماليات. ومع ذلك، تقترح القولة إعادة تصنيف جذرية، حيث تُقدم الأخلاق ليس كفرع من الفلسفة، بل كجوهرها وأساسها. هذا الطرح يستدعي التساؤل: لماذا يُمكن اعتبار الأخلاق "الفلسفة الأولى"؟ وما الذي يجعلها تتجاوز الفروع الأخرى في الأهمية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن ننظر إلى السياقات التاريخية والفلسفية التي أدت إلى هذا التصور.

مقدمة
الخيال الشعري والذاكرة السردية هما مفهومان أساسيان يتخللان أعمال غاستون باشلار وبول ريكور، وهما شخصيتان بارزتان في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين. يقترح باشلار، في استكشافه للصور الشعرية والعناصر المادية، ظاهراتية للخيال تُركّز على الإبداع والقطيعة مع الواقع. أما ريكور، فقد طوّر تأويلات للذاكرة السردية، حيث يصبح السرد أداةً لبناء التجربة الإنسانية وإضفاء معنى على الزمن. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أوجه التقارب والاختلاف بين هذين المفكرين، واستكشاف كيفية تفاعل الخيال الشعري لباشلار مع الذاكرة السردية لريكور من منظور فلسفي. سنبحث كيف يُتيح لنا هذان المفهومان التفكير في الذاتية، والعلاقة بالزمن، وبناء المعنى، مع التساؤل عن آثارهما على فهم أعمق للتجربة الإنسانية. كيف يعرف غاستون باشلار الخيال الشعري؟ وماهي دلالة الذاكرة السردية عند بول ريكور؟ وهل يمكن اجراء مقارنة فلسفية بينهما؟ وبأي معنى يتحدث باشلار عن الذاكرة ويوظف ريكور الخيال؟

أولاً الخيال الشعري عند غاستون باشلار

فينومينولوجيا الخيال

في أعمال مثل "الماء والأحلام" (1942)، و"الهواء والأحلام" (1943)، و"شعرية المكان" (1957)، طوّر غاستون باشلار نهجًا أصيلًا للخيال، ميّزه عن الإدراك أو الفكر العقلاني. يرى باشلار أن الخيال الشعري ليس مجرد زينة أو هروب، بل هو قدرة ديناميكية تُشرك الإنسان في علاقة عميقة مع العالم. ويرى أن الخيال الشعري متجذر في الصور المادية (الماء، النار، الهواء، الأرض) وفي النماذج الأولية التي تُشكّل اللاوعي الجمعي. يقترح باشلار "ظاهرية الصورة الشعرية"، استنادًا إلى فكرة أن الصورة ليست انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل هي إبداع فاعل يتجاوز المعطى. وفي "شعرية المكان"، يكتب: "الصورة الشعرية لا تخضع للديناميكية. إنها ظاهرة أصيلة". تشير هذه الفكرة إلى أن الخيال الشعري قوة مستقلة، قادرة على إنتاج المعنى دون الخضوع للمنطق السببي أو التاريخي.

الخيال والقطيعة مع الزمن

يرى باشلار أن الخيال الشعري يُشغّل شكلاً من أشكال تعليق الزمن. فبتحرره من قيود الواقع الموضوعي، يُتيح للفرد الاستقرار في "لحظة شعرية"، لحظة حضور خالص حيث يُعيد الذات الاتصال بحميمية وجودها. تتناقض هذه الزمانية اللحظية مع المفهوم الخطي للزمن، وتُبرز قدرة الخيال على تجاوز الذاكرة التاريخية أو الواقعية للوصول إلى ذاكرة أعمق، ذاكرة الصور البدائية.

مقدمة
يُعرّف "الأنثروبوسين" (Anthropocene)، كما اقترحه بول كروتزن في عام 2000، عصرًا جيولوجيًا جديدًا يُسيطر فيه النشاط البشري على عمليات الأرض، مما يؤدي إلى تغييرات جذرية في المناخ، التنوع البيولوجي، والدورات الجيوكيميائية. هذا العصر، الذي بدأ ربما مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، يمثل تحولًا من الطبيعة كـ"خارج" للإنسان إلى "داخل" مترابط معه. في هذه الدراسة، نتبنى مقاربة إيكولوجية ، مستلهمة من نظرية النظم الإيكولوجية لألدو ليوبولد في كتابه الأخلاق البرية (1949)، حيث تُعتبر الأرض ككل مترابطة، والإنسان جزءًا منها لا سيد عليها. الهدف هو استكشاف كيفية تفاعل التغيرات المناخية مع الوعي البيئي في سياق الأنثروبوسين، مع التركيز على الديناميكيات غير الخطية: tكيف يُعيد الاحتباس الحراري تشكيل الهويات البشرية؟، وكيف يُولد الوعي البيئي مقاومات إيكولوجية ؟. سنعتمد على بيانات من تقارير صادرة عن منظمات سنوات 2014 و2022 و2023 ودراسات في علم الإيكولوجيا السياسية. فماهو عصر الأنثربوسين؟ ولماذا تأزم؟ وكيف نعالجه؟
التغيرات المناخية في الأنثروبوسين

 ديناميكيات الاضطراب الإيكولوجي
في الأنثروبوسين، أصبحت التغيرات المناخية ليست مجرد "مشكلة بيئية"، بل اضطرابًا نظاميًا يعكس الهيمنة البشرية غير المستدامة. وفقًا لتقرير صادر سنة 2023، ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بـ1.1 درجة مئوية منذ 1850، مما أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 20 سم، وانقراض 1 مليون نوع حيواني ونباتي. هذه التغييرات ليست خطية؛ إنها "نقاط تحول" مثل ذوبان الجليد الدائم في القطب الشمالي، الذي يُطلق غاز الميثان المخزن، مما يعزز الاحتباس الحراري في حلقة تغذية راجعة.
من منظور إيكولوجي، يُفسر برونو لاتور في كتابه وجه الطبيعة (2018) هذه الاضطرابات كـ"عودة الطبيعة"، حيث تُجبر الأرض الإنسان على مواجهة تأثيره. على سبيل المثال، في المناطق الاستوائية مثل أفريقيا جنوب الصحراء، أد الجفاف المتكرر إلى نزوح 20 مليون شخص سنويًا (2022)، مما يكشف عن عدم المساواة: الدول النامية تتحمل 80% من التأثيرات رغم مساهمتها بنسبة 10% فقط في الانبعاثات. هذا يُبرز "الإيكولوجيا السياسية"، حيث تكون التغييرات المناخية تعبيرًا عن علاقات السلطة العالمية. فماهي اسهامات الايكولوجيا السياسية؟

     عِلْمُ المَنْطِقِ هُوَ عِلْمٌ يَبْحَثُ في القواعدِ والأُسُسِ التي تُنظِّم التفكيرَ الصحيح ، وتُميِّز بَيْنَ الاستدلالِ السليمِ والاستدلالِ الخاطئ . وَهَذا العِلْمُ آلةٌ قانونية تَحْمِي الذِّهْنَ مِنَ الخَطأ في الفِكْرِ .

     يُعْتَبَرُ الفَيلسوفُ اليوناني أَرِسْطُو طاليس ( 384 ق. م _ 322 ق.م ) مُؤسِّسَ عِلْمِ المَنْطِقِ . وَهُوَ أوَّلُ فَيلسوف قامَ بتحليل العملية التي بِمُوجِبها يُمْكِن مَنطقيًّا استنتاج أنَّ أيَّة قضية مِنَ المُمْكِن أن تكون صحيحة استنادًا إلى صِحَّة قضايا أُخْرَى ، وقد كان اعتقادُه أنَّ عملية الاستدلال المَنطقي تَقُوم عَلى أساس شكل من أشكال البُرهان سَمَّاه القِياس . وفي حالة القِياس ، يُمْكِن البَرْهَنَة أو الاستدلال مَنطقيًّا على صِحَّةِ قضية مُعيَّنة ، إذا كانت هُناك قَضِيَّتَان أُخْرَيَان صحيحتان .

     والفَيلسوفُ الإيطالي توما الأكويني ( 1225 _ 1274 ) تَمَسَّكَ بِمَنْطِقِ أَرِسْطُو ، واتَّخَذَ مِنَ المَنهجِ الأَرِسْطِيِّ أساسًا لأبحاثِه ، فَبَدَأ أوَّلًا بِتَحديدِ المُشكلة ، ثُمَّ حَصْر أوْجُهِ الخِلاف فِيها ، باستعراض شَتَّى المُشكلات والشُّكوك التي تُثَار حَوْلَها ، والعمل على الإجابة عنها بالأدلة المَنْطِقِيَّة المُقْنِعَة . وكانَ دَوْرُهُ مُهِمًّا مِنْ ناحيةِ الشَّرْحِ والدَّمْجِ بَيْنَ الفلسفةِ الأَرِسْطِيَّةِ والعَقيدةِ المَسِيحِيَّةِ .

     والفَيلسوفُ الألماني جوتلوب فريجه ( 1848_ 1925 ) يُعَدُّ أشهرَ مَن اهْتَمَّ بالفلسفةِ التَّحليليةِ ، وَمَنْطِقِ الرِّياضياتِ الحديثة . وَهُوَ أحَدُ مُؤسِّسي المَنْطِقِ الحديث ، وأحد أكبر فلاسفة المَنْطِقِ بَعْدَ أَرِسْطُو . وقد ابتكرَ فريجه لُغةً اصطناعية بواسطة الرموز المَنْطِقِيَّة ، وساهمَ في تطوير جُزْء كبير من أبحاث المَنْطِقِ الرِّياضي ، وكانَ مِنْ دُعَاةِ مَا يُعْرَف بالمَذهَبِ المَنْطِقِيِّ ، وَهُوَ اتِّجاه يَدْعُو إلى رَدِّ التَّصَوُّراتِ الرِّياضيَّة الأساسيَّة إلى تَصَوُّرَاتٍ مَنْطِقِيَّة خالصة .

     والفَيلسوفُ الألماني إدموند هُوسِّرل ( 1859_ 1938 ) طَوَّرَ عِلْمَ المَنْطِقِ ، وساهمَ في كَشْفِ الجَوانبِ المَعْرفيةِ والفَلسفيةِ للمَنْطِقِ . وَنَفَى أنْ تَكُون العَلاقاتُ المَنْطِقِيَّةُ خاضعةً للتأثيراتِ النَّفْسِيَّة ، واعتبرَ العَلاقاتِ المَنْطِقِيَّة تَنْتمي إلى عَالَمٍ خاص ( المَاهِيَّات ) المُستقلة عَن العَقْلِ البَشَرِيِّ . وهذه المَاهِيَّاتُ بِمَثابةِ حقائق ثابتة تَجْعَل الأفرادَ يَتَّفقون حَوْلَها ، فَيُصْدِرُون أحكامَهم وقَرَاراتهم .

هيجل والجدل
يصنف دارسي فلسفة هيجل انها قامت على ثلاث ركائز هي المنطق، والطبيعة، والروح، معتبرا الطبيعة هي (تخارج) العقل بالمكان، والروح أوالتاريخ هو تخارج العقل في الزمان.

السؤال لماذا استخدم هيجل لفظة (تخارج) بدلا من لفظة (جدل)؟ الاجابة ان هيجل في تنظيراته المثالية الجدلية لا يؤمن بوجود قانون جدلي يحكم الطبيعة والتاريخ وحياة الانسان ونوضح هذا لاحقا. ربما هذا الكلام يصدم بعض القراء الذين يرون ان مخترع الجدل في المادة والتاريخ هو هيجل. وبدورنا نؤكد ان هيجل في اختراعه الجدل مثاليا على صعيد الفكر لم يكن يؤمن بديالكتيك يحكم المادة والتاريخ كما صاغه ماركس في المادية التاريخية. ولا مجال الدخول في توضيح لهذه الاشكالية الهيجلية. تخارج العقل مع الطبيعة هو تخارج تكامل (معرفي) وليس تضادا جدليا ينتفي فيه اطراف الجدل كليهما نوعيا في ميلاد المركب الثالث الجديد. على قدر اعطاء العقل موجودات الطبيعة من ادراك معرفي، تقابله الطبيعة بتبادل متخارج يعمل على تطوير العقل معرفيا فكريا ايضا. التخارج المعرفي لا يقوم على مجانسة نوعية بين العقل والطبيعة بدلا من جدل غير حاصل على صعيد علاقة العقل بالطبيعة كبنية ادراكية شاملة او كموضوعات وجودية منفصلة بصفات وماهيات مختلفة. التخارج المعرفي بين العقل في ادراك تجريد التعبير اللغوي الصادر عنه هو من نوع وعي قصدي معرفي.

اما ان العقل يدرك علاقته بالاشياء جدليا فهذا يلزم العقل تفكيره التجريدي الدخول في جدلية تجمع الفكر بالمادة المدركة في تضاد يجمع نقيضين في مجانسة نوعية واحدة لانتاج مركب ثالث. لا اعتقد جدل الفكر مع الواقع يقوم على تضاد يجمع نقيضين متجانسين بالماهية والصفات، بل يدخلان بعلاقة تخارج معرفي كما سبق وذكرنا. محال ارتباط الفكر بالمادة بعلاقة جدلية بينهما بسبب انعدام وحدة وصراع قطبي اضداد الجدل بعلاقة تجانسية واحدة.

هيجل علاقة الجدل بين المنطق والعقل

 يذهب هيجل الى ان العقل مطبوع بفطرة ان يفكر جدليا. طبعا الفكرة خاطئة اوضحت خطأها في اكثر من مقال. إذ لا توجد خاصية فطرية يمتلكها العقل انه مبرمج جدليا.

عمد فويرباخ أن يجعل من الطبيعة منشأ وأصل الدين، وينصّب الانسان (الها) عليها ومن خلالها، فهو – فيورباخ - جعل الانسان يقدّس ويؤله الطبيعة بتأملاته الخيالية والميتافيزيقية المحدودة أدراكيا عقليا، وأن يعتبر (الانسان ) دون وعي منه، الطبيعة بكل ماتمتلكه من ظواهر وهيئات وتنوعات جغرافية وبيئية وتضاريس وانهار وجبال وحيوانات ما هي الا مصدر (الاله) الذي يحتاجه الانسان روحيا وماديا أيضا في تعليل اسباب وجوده او المساعدة في ايجاد حلول لجميع المشكلات التي تعترضه والظواهر والموجودات الاخرى التي تتعايش معه وتحيط به.

فويرباخ كما معلوم أبرز فيلسوف أنشق مع آخرين من تلامذة هيجل واطلقوا على أنفسهم الشبان اليساريين الهيجليين، منهم ماركس وانجلز وشتيرنر وشتراوس وشيلروغيرهم. وربما يكون أهم انجاز فلسفي تركه فويرباخ هو كتبه الثلاث (اصل الدين)و (جوهر المسيحية) و (جوهر الايمان) في محاولته تثبيت نزعته الالحادية وشرح فلسفته في منشأ الدين عن الطبيعة واغتراب الانسان عن ذاته.

ولقّب فويرباخ بأنه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة أغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار أنكارهم الجدل الهيجلي على ماركس أعتبارهم فويرباخ هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، واقفا على رأسه بدلا من قدميه قبل ماركس، علما أن جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية التصوفية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتي الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليص مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

المهم أن هذا ليس موضوعنا، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد. . الخ. كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ فكري سابق عليهما. واذا سمحنا لانفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ، فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه  المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ، ومن جهة اخرى فأن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص. وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ والدين الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا ( بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة).

مهمة الباحثين بالفلسفة مراجعة ونقد افكار الفلاسفة وليس مهمتهم الحفر عميقا في تفرعات مباحث فلسفة اللغة وتبعاتها المتطرفة واقامة بنى ليست نسقية وانما هي تجريد لغوي منطقي منفصل عن حركة الواقع ومجرى الحياة المتجددة على الدوام.

1. بيركلي وقابلية الوجود

من مقولات جورج بيركلي الفيلسوف المثالي (وجود الشيء هو قابليته ان يكون موضوعا لادراك). ناقشت المقولة في غير هذا المقال سابقا. في البدء المادة موضوع للادراك في وجودها المتعيّن بابعاد اربعة هي الطول والعرض والارتفاع واضاف انشتاين بعدا رابعا هو الزمن، هذه ابعاد المادة لا خلاف عليها ضمن عالم الاشياء والطبيعة. ولا تمتلك المادة في وجودها الانطولوجي المستقل قابلية ادراك ذاتية متموضعة فيها تجلب اليها من يدركها (بالحس وبالعقل).

وجود الشيء كموضوع للادراك الحسي والعقلي ليست لانه يحمل خاصية موجوديته المادية كينونة انطولوجية تمتلك قابلية الادراك ذاتيا كمعطى وجودي. وليس خاصية امتلاك الموجود صفة ليست له متموضعة تكوينيا فيه تسمى (قابلية الادراك) الملازمة له كما يذهب له جورج مورخطأ. قابلية الادراك ليست خاصية المادة ولا خاصية موضوع يدرك بالحس وادراك العقل.

قابلية الادراك علاقة ترابطية تجمع بين السيرورة كموضوع مدرك من جهة والوعي به من جهة اخرى. ولا يمكن ان تتحول الصفة الكيفية التي هي قابلية الادراك الى موضوع لادراك حسّي او عقلي مستقل. كمثل إدراك وجود الشيء المادي في واقعيته الكينونية موجود ضمن عالم. السيرورة الشيئية التي تحكم حركة الاشياء هي علاقة متغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا ثابتا لادراك حسي – عقلي. السيرورة علاقة بين الاشياء لا تحمل خاصية الادراك.

نقطة اخرى خاصية قابلية الادراك هي خاصية الحس والعقل فقط وليست خاصية تلازم المادة كي يتم ادراكها وتصبح موضوعا يثبت موجوديته الانطولوجية. قابلية الادراك ليست خاصية موجودة في المدركات الحسية. وهي خاصية فعالة ايجابية في عملية الادراك العقلي فهمه الاشياء وليس ادراكها فقط. قابلية الادراك ليست موجودة في المادة والاشياء . ، ولو افترضنا خطأ أن خاصّية قابلية الادراك موجودة في تكوينات الموجودات الشيئية المادية بالفطرة الطبيعية والتكوينية الموجودية لها ماديا لكانت صفة ذاتية سلبية تستمد قيمتها من الموجود الشيئي التي هي جزءا منه وليس أهميتها في مرجعية إدراكها لازمة لموضوع مستقل لإدراك افتراضي يكون خارج إدراك الحس والعقل للموجود الشيئي في كينونته التامة المستقلة الذي لا تنتسب له قابلية الادراك التي هي من خصائص الحس والعقل وليست من خصائص المادة. .

النقطة الاخرى من الذي يحدد ان يكون الموجود المادي أو أي شيء موضوعا لادراك؟ هل يحدد قابلية ادراكه مضمونه المادي فيه ام يحدده شكله (الصفات الخارجية) المدركة حسيّا له؟.

الجوهر ضرورة لا تدرك
مثلما لا يمكننا إعتبار ما بعد اللغة هي ليست غير لغة أخرى تحمل مجانسة تواصلية منبثقة عن اللغة الأم، وكما لا يمكننا ايضا إعتبار مابعد الفلسفة هي ليست الا فلسفة أخرى إنبثقت عن الفلسفة الأم بالمجانسة اللغوية ايضا... لذا نجد غريبا من اسبينوزا إدخاله الجوهر في نفق ميتافيزيقا مذهب وحدة الوجود معتبرا الجوهر سابقا الوجود وليس ناتجا عنه، والجوهر لا يدرك ولا يحتاج تصور من أي نوع له. لا نجانب الصواب أبدا أن نصف تعبير اسبينوزا حول الجوهر في مشابهات تعبيرات هيدجر حول العدم، بمعنى الحديث عن مواصفات شيء لا تدركه حسيا ولا تعرفه عقليا على أنه موجود. ولكن بدلالة الجوهر الميتافيزيقية عند اسبينوزا ندرك الوجود كما سيتوضح معنا أكثر لاحقا.

جواهر الأشياء صفات إلهية

يصف اسبينوزا الجوهر بهذه العبارة " الجوهر في الأشياء هو ما يوجد في ذاته، ويتصور بذاته، أي هو ما لا يحتاج تكوين تصور له، الى تصور شيء آخر، ولا يمكن للجوهر أن يكون الا واحدا " 1، كما يعتبر اسبينوزا " الجوهر موجود بالضرورة، أي أن الوجود ينتمي الى طبيعة الجوهر، ومعنى الانتماء الى طبيعة الجوهر أنه ليس شيئا إكتسبه الجوهر من الخارج أي أن الجوهر ليس مخلوقا "2. "ويعتبر اسبينوزا الجوهر لا متناهيا كما أنه ازلي، بمعنى هو الوجود ذاته، ويجعل من الوجود مرادفا للحقيقة الأزلية التي لا يمكن تصورها من خلال الزمان " 3

تعقيب

كيف يكون الجوهر ماثلا في الأشياء ونفتقد كل تصوّر عنه وله؟ كيف يكون الجوهرمرادفا للوجود وهو غير قابل لإدراكه؟ ما هو المعيار التصوري الذي يجعلنا ندرك الجوهر حدسا بمواصفات ميتافيزيقية لا يمكن إدراكها عقليا، كما لا يمكن الإستدلال المعرفي بها على غيرها؟ اسبينوزا أدخل الجوهر نفق ميتافيزيقا وحدة الوجود ولم يخرجه منها، لأنه كما أدخل لاشيء يمكن إدراكه في مجانسة معه ميتافيزيقيا فهو أصبح لا يستطيع إستنباط أي شيء من لاشيء ميتافيزيقي أيضا. فهو أي سبينوزا لم يكتف بتعامله مع تجريد فلسفي وحسب بل تعامل مع تجريد ميتافيزيقي أشمل خارج مدركات العقل للوجود. كانط تجاوز هذا الإشكال العدمي الميتافيزيقي وقفله أمام الفلاسفة بمختصر عبارته، الجوهر هو الشيء بذاته خارج أدراك العقل له وكفى وكل مجهود يصرف من أجل ذلك هو عقيم غير مجد.

الجوهر الكوني بمعنى أزلية الوجود لا ينطبق عليه القول أن ماهية الجوهر هو لا متناه ازلي، بإستثناء إذا كان المقصود بأزلية الجوهر تتضمن أزلية الله كجوهر كامل لا يدرك. الذي هو جوهر تام شامل ليس مخلوقا ولا يحدّه الزمان والمكان الإدراكي. رغم أننا نحدس في كل شيء ندركه بالطبيعة ومن حولنا لمسة جوهر إلهية معجزة فيه.