الزمان الفيزيائي
الزمان بالمنظور الفلسفي المجرد من الإدراك ماهويا يقاس بدلالة مقدار حركة موجوداته يمكننا تّمثله بمنحيين جوهريين :

  • زمان أرضي كتحقيب وتوقيت زماني معا يشمل الماضي كتاريخ ناجز والحاضر والمستقبل كتحقيبين تصنيعيين بإرادة ذاتية تدرك زمن موجودات الطبيعة بدلالة حركة الاجسام داخله.
  • الزمان كمطلق كوني لامتناهي أزلي لا يمكن إدراك لامتناهيه بمحدودية مستحيلة على الصعيد الفلسفي خارج مدركات العقل له، وتبقى نسبية ومطلق الزمان الكوني من إختصاص قوانين علوم الفيزياء الكوزمولوجية خارج الفهم الفلسفي المجرد.

حين نقول الزمان تحقيبا على صعيد موجودات الطبيعة وحركة كوكب الارض حول نفسها وحول الشمس، هنا يتحول مفهوم الزمان من مطلق لانهائي أزلي غير محدود لا بالصفات المجردة ولا بالجوهر الماهوي له الى تحقيب زمني أرضي ندركه بدلالة الموجودات التي يحتويها، فالزمان الارضي يدرك بدلالة ملازمته إدراكنا المكان ثابتا ومتحركا أوضمن حالة من سيرورة انتقالية دائمة في حركة الاشياء.

الزمان الارضي المنقسم إفتراضيا الى ماض وحاضر ومستقبل يكون على مستوى تحقيب زماني لتاريخ يدرك بمحدودية وقائعه، ويكون الزمان الارضي توقيتا تتوزعه الثانية فالدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة وصولا الى الفصول الاربعة، فهذه القطوعات الزمنية الافتراضية الوهمية من حيث أن الزمن واحد لا يمكن تجزئته فهو وحدة واحدة من المجانسة الماهوية التي يتصف بها الزمن ولا يدركها الانسان كتجريد منفصل عن المكان.، وهذه القطوعات الزمنية نعرفها بدلالة قوانين الفيزياء التي تنّظم حركة الارض حول نفسها وحول الشمس، وعلاقة تلك الحركة بحركة الجاذبية الارضية والجاذبية الكوكبية الكونية حول مركز الشمس والجاذبية المتعالقة بين الكواكب في السديم الكوني.

مقدمة
"قد تكون النزعة الإنسانية مخبأة لنزعة انسانية أخرى."
يعتبر دومينيك ليكور فيلسوفًا فرنسيًا بارزًا في مجال فلسفة العلوم، اشتهر بتحليلاته النقدية لتطور الفكر العلمي وعلاقته بالمجتمع. تأثر ليكور بشدة بفلسفة غاستون باشلار ، خاصة مفهوم "المادية العقلانية"، لكنه طوّر مقاربة خاصة تمزج بين تحليل الخطاب العلمي والسياقات الاجتماعية والسياسية. تتناول هذه الدراسة أفكار ليكور في سياق المادية الباشلارية، مع التركيز على إسهاماته في فلسفة العلوم والمجتمع، من خلال مقاربة معرفية نقدية تستعرض نقاط التقاطع والاختلاف مع باشلار، وتفحص دوره في نقد الايديولوجيات العلمية، فماهي الخلفية الفلسفية التي ينطلق منها دومينيك ليكور في بناء المعرفة العلمية؟

.1. المادية الباشلارية كإطار نظري
مفهوم المادية العقلانية عند باشلار:
قدم غاستون باشلار (1884-1962) مفهوم "المادية العقلانية" كإطار يجمع بين العقلانية العلمية والتجريبية. رأى أن العلم يتقدم عبر "قطائع معرفية" تفصل المعرفة العلمية عن المعرفة العامية أو الخيالية. لقد أكد باشلار على أهمية التاريخية في العلم، حيث يتطور المفهوم العلمي عبر التغلب على "العوائق المعرفية" الناتجة عن الأفكار المسبقة أو التصورات غير العلمية. كما دعا في كتابه التكوين العقلي للعلم (1938) إلى تحليل نفسية العلماء ودور الخيال في دفع الإبداع العلمي.

تأثير باشلار على ليكور:
تبنى ليكور فكرة القطيعة المعرفية، لكنه وسّعها لتشمل السياقات الاجتماعية والسياسية. في كتابه الليسينكوية (1976)، حلل كيف يمكن للايديولوجيا أن تعيق التقدم العلمي، مستلهمًا منهج باشلار النقدي.
على عكس باشلار الذي ركز على البعد المعرفي، اهتم ليكور بتأثير العوامل الخارجية (مثل السلطة السياسية) على تطور العلم.

مقدمة
"يجب أن يكون هناك فوضى بداخلك حتى تتمكن من جلب نجم راقص إلى العالم." فريدريك نيتشه

تشكل أعمال ميشيل فوكو، جيل دولوز، وجاك دريدا أعمدة أساسية في الفلسفة المعاصرة، خصوصًا في سياق ما يُعرف بالفكر ما بعد الحداثي وما بعد البنيوية. على الرغم من اختلاف مناهجهم، فإن هؤلاء الفلاسفة يتقاطعون في نقدهم للميتافيزيقيا التقليدية وتفكيكهم للمفاهيم التقليدية حول المعرفة، الهوية، واللغة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مقارنة تحليلية بين أركيولوجيا المعرفة عند فوكو، فكر الاختلاف عند دولوز، وغراماتولوجيا دريدا، مع التركيز على مقاربة فلسفية معاصرة تبرز نقاط التقاطع والاختلاف بين هذه المناهج. تتمحور المشكلة البحثية حول السؤال التالي: كيف تتشابه وتختلف هذه المناهج في تفكيكها للمفاهيم التقليدية للمعرفة واللغة، وما هي دلالاتها في سياق الفلسفة المعاصرة؟ تستند الدراسة إلى منهج تحليلي مقارن يعتمد على قراءة نقدية لنصوص الفلاسفة الثلاثة، مع الإشارة إلى سياقاتهم التاريخية والفكرية. تسعى الدراسة الى تحقيق الأهداف التالية:

تحليل المفاهيم الأساسية لكل منهج (أركيولوجيا المعرفة، الاختلاف، الغراماتولوجيا).

مقارنة هذه المناهج من حيث نظرتها إلى المعرفة، اللغة، والسلطة.

استكشاف أثر هذه المناهج على الفلسفة المعاصرة وما بعد الكولونيالية.

1. أركيولوجيا المعرفة عند ميشيل فوكو

"لا ممارسة للسلطة دون اقتصادٍ مُعينٍ لخطابات الحقيقة، يعمل في هذه السلطة، ومن خلالها "ميشيل فوكو.

أركيولوجيا المعرفة، كما طُورّت في أعمال فوكو مثل أركيولوجيا المعرفة (1969) ونظام الأشياء (1966)، هي منهج لتحليل الخطابات التاريخية التي تشكل المعرفة في فترات زمنية محددة. يرى فوكو أن المعرفة لا تتطور بشكل خطي أو تقدمي، بل تتشكل ضمن "إبستيمات" (Epistémès)، أي أطر معرفية تحدد ما يمكن قوله أو التفكير فيه في سياق زمني معين[1]. يركز فوكو على العلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث يعتبر الخطابات أدوات للسيطرة الاجتماعية، كما يظهر في تحليله للمؤسسات مثل المستشفيات والسجون في تاريخ الجنون والمراقبة والعقاب

أولًا: التعريف بالفيلسوف الألماني كانط وبفلسفته
يُعدُّ إيمانويل كانط (1724-1804) أحد أعظم فلاسفة العصر الحديث، وشخصيّة محوريّة في عصر التنوير الأوروبي. لقد ترك إرثاً فكريّاً هائلاً لا يزال يؤثر في مسارات الفكر العالمي حتى يومنا هذا، وتتجلّى عبقريّته بشكل خاص في ثلاثيّته النّقديّة الشهيرة: "نقد العقل المحض" (1781)، و"نقد العقل العملي" (1788)، و"نقد ملكة الحكم" (1790). وكما يوضّح مؤلف الكتاب- الدكتور علي أسعد وطفة- فإن كانط قد شيّد مملكته الفكريّة على أربع ركائز فلسفيّة متكاملة هي: المثاليّة، والنّقديّة، والأخلاقيّة، والعقلانيّة، واستطاع أن يمزج بينها في نسيج فلسفي فريد ومتماسك.

يكمن جوهر إسهام كانط في "الثورة الكوبرنيكيّة" التي أحدثها في الفلسفة. فكما أنّ كوبرنيكوس قلب مركزيّة الكون من الأرض إلى الشمس، قلب كانط مركزيّة المعرفة من الموضوع (العالم الخارجي) إلى الذات (العقل الإنساني). فبدلاً من أن يكون العقل مجرد مرآة سلبيّة تعكس الواقع، أصبح مساهماً فعاّلاً في بناء وتنظيم خبراتنا المعرفيّة. لقد تحول محور البحث الفلسفيّ من طبيعة الواقع في ذاته (الميتافيزيقا التقليديّة) إلى البحث في طبيعة العقل وحدوده وإمكانيات الإنسان نفسه.

ولعل الإنجاز التاريخي الأبرز لكانط هو المصالحة التي عقدها بين المذهب العقليّ (الذي يمثّله ديكارت وليبنتز) والمذهب التجريبيّ (الذي يمثله هيوم ولوك). فبعد قرن من الصراع بين من يرون أنّ المعرفة تنبع من العقل وحده، ومن يرون أنها تنبع من الحواس وحدها، جاء كانط ليثبت أنّ المعرفة هي نتاج تفاعل خلّاق بينهما. وتتلخص هذه الرؤيّة التوفيقيّة في مقولته الشهيرة: " الحُدوسُ الحسّيّةُ بدونِ مفاهيمَ تظلّ عمياءَ، والمفاهيمُ بدونِ حُدوسٍ حسّيّةُ تبقى جوفاء". فالحواس تزودنا بالمعطيات الخام، والعقل يمنحها الشكل والنظام والمعنى.

ومع ذلك، يبرز توترٌ أساسي في قلب الفلسفة الكانطيّة، وهو التوتر بين كانط الفيلسوف النظريّ صاحب الأنظمة شديدة التجريد، وكانط المربي الذي يسعى لتقديم إرشادات عمليّة. إنّ الفجوة بين عالم "النومينون" (الشيء في ذاته) وعالم "الفينومينون" (الظواهر)، وبين صرامة "الأمر القطعي" وتعقيدات الواقع الإنساني، تطرح إشكاليّة منهجيّة عميقة أمام أي محاولة لتأسيس "تربية كانطيّة". ويشكل كتاب الدكتور وطفة محاولة جادّة للتوسط في هذا التوتر، واستكشاف كيف يمكن ترجمة هذه الفلسفة المتعاليّة إلى ممارسة تربويّة عمليّة .

ثانيًا: التعريف بمؤلف الكتاب الدكتور علي أسعد وطفة

إن مؤلف هذا العمل، الأستاذ الدكتور علي أسعد وطفة، هو باحث وأكاديمي سوري يشغل منصب أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعتي دمشق والكويت، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من جامعة كان بفرنسا. وتكمن أهميّة خلفيّته الأكاديميّة في أنها تجمع بين تخصصين متكاملين: الفلسفة وعلم الاجتماع. وهذا التكوين المزدوج يمنح تحليلاته عمقاً فلسفياً وقدرة على الربط بالسياق الاجتماعي؛ مما يجعله قادراً على تجاوز الشرح التقليدي للفلسفة الكانطيّة.

الملخص بالعربية:
ينطلق هذا البحث من مساءلة العلاقة بين المفهوم والوجه والمعاناة والقول في الفلسفة المعاصرة، عبر تتبع خطّ تأويلي يبدأ من ليفناس ويمرّ بروزنسفاغ وينتهي بدريدا. ونُبيّن كيف أن مفهوم الوجه عند ليفناس، رغم نزعته الأخلاقية النبيلة، لا يسمح بالمشاركة التأويلية الخلاقة، بل يكرّس استجابة أخلاقية من طرف واحد. بينما يحتفي روزنسفاغ بالتوتر البنّاء بين المعلوم والمجهول ويرفض كليّة النسق، مقدّما بديلًا دراميًا يفتح المجال لصيرورة روحية مفتوحة. أما دريدا، فيُرجئ المعنى ويجعل من «الاختلاج» لحظة عبور نحو الحقيقة دون إمساك بها. وعلى امتداد هذا المسار، نقترح منظور الصيرورة الأصيلة كأفق فلسفي يدمج التوترات دون حسمها، ويُنصت للمعنى بوصفه نداء يتجلّى في المعاناة والوجه، لا في البنى المغلقة. ونقترح فلسفة الصيرورة الأصيلة كأفق يدمج التوترات، ضمن موقف من التجرؤ الوجودي في مواجهة نداء المعنى.

الكلمات المفتاحية:

الوجه، المعاناة، الاختلاج، الغيرية، دريدا، ليفناس، روزنسفاغ، الصيرورة الأصيلة.

Résumé en français :

Face à l’énonciation : du visage à l’oscillation

Cette étude interroge la relation entre concept, visage, souffrance et énonciation dans la philosophie contemporaine, en suivant un fil herméneutique allant de Lévinas à Rosenzweig, pour aboutir à Derrida. Nous montrons que, malgré sa noblesse éthique, le concept de visage chez Lévinas ne permet pas une participation herméneutique créatrice, mais instaure une réponse unilatérale. Rosenzweig, quant à lui, célèbre la tension féconde entre le connu et l’inconnu, refusant toute clôture systémique, et esquissant une alternative dramatique ouverte à une spiritualité en devenir. Derrida, enfin, suspend le sens et fait de «l’oscillation» une traversée vers la vérité sans l’atteindre. À travers ce parcours, nous proposons la «philosophie du devenir authentique» comme horizon intégrateur des tensions, où le sens se manifeste dans la souffrance et le visage, plutôt que dans les structures closes.

Nous proposons la « philosophie du devenir authentique » comme horizon intégrateur des tensions, dans une posture d’audace existentielle face à l’appel du sens.

Mots-clés :

Visage, souffrance, oscillation, altérité, Derrida, Lévinas, Rosenzweig, devenir authentique.

أن يقول عقلنا شيئا خطأ عندما نعتبر العقل مجردا من الحالات الظاهرية والقصدية.  (  ريتشارد رورتي).
بدءا من برينتانو وصولا لهوسرل وهيدجر وسارتر أقطاب الفلسفة الوجودية ممن هاجموا بضراوة النزعة المثالية التي حملها ديكارت في الكوجيتو الذي أعتبروه منطلقا فلسفيا سلبيا في تحقيق الوجود الإنفرادي الانطولوجي بتوسيله الفكر الخالي من قصدية الوعي، وذهبوا الى أن الإدراك العقلي في وعيه الأشياء والموجودات لا يدركها بمجّانية خالية من الهدف القصدي الذي لا يقف بحدود توكيد الذات أنطولوجيا فقط .  بمعنى العقل لا يدرك ما لا معنى له من الموضوعات التي هي غير حقيقية زائفة أن تكون مادة تفكير الوعي بها.  ولا أهمية تستتبع عدم إدراك الوعي تفكيره في موضوع بلا معنى.  الإدراك الحسّي للأشياء يستبق الوعي في متابعة قصدية ما يدركه العقل.

تجريد العقل من وعيه القصدي يعني فرض إستحالة إدراكية حقيقية على تفكير العقل نفسه كان أشار لها جون سيرل الفيلسوف الاميريكي أيضا تأكيده الوعي بلا قصدية ما يدركه هو وعي زائف لا يتحقق إدراكا وظيفيا بالذهن.  وقصورالوعي العقلي الإدراكي التجريدي من قصديته معنى ذلك إنتفاء فعل ألإدراك من خاصيته العقلية لماذا ندرك الاشياء وليس كيف ندركها. ؟

الإدراك العقلي للأشياء لايكتفي ويتوقف وعيه لمدركات  ألاشياء فقط، وإنما يتعدى هذا الإدراك الوعي الى مرحلة التخارج المؤثر والمتأثر الناتج عن عملية الإدراك التخارجية الذي هو القصدية من الإدراك للاشياء وليس كيف يدرك العقل تلك الاشياء.  العقل لا يدرك العالم الخارجي لمجرد تحقيق وجوده فيه، بل يدركه في محاولة تغييره والتداخل المعرفي معه.

رورتي وكينونة الانسان  :

يقسّم رورتي الكينونة الى ثلاثة فعاليات بيولوجية يقوم بها الانسان في وجوده كائنا حيّا نوعيا هي:

  • الوعي ومركزه الدماغ والمشاعر الخام والحركات الجسدية. 1
  • العقل الذي تدور حوله مواضيع المعرفة والذكاء واللغة. 2
  • الشخص في صفاته المنسوبة للحرية والمسؤولية الاخلاقية. 3

يذهب جورج بيركلي أنه يمكننا تحديد المقصود ب"وجود" دون اللجوء الى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما إعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن ارسطو قوله :الانسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وأنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود، فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

تعقيب توضيحي

  • الوجود المادي للاشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على ادراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا. . وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين.
  • كل تفكير يتمثله العقل لغة صورية وتعبر عنه اللغة الصوتية لاحقا.
  • السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود خيالي بالنسبة للفكر واللغة؟ لا يوجد فرق في تعبير اللغة بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو موضوع خيالي تصوّري داخلي. من المهم ادراكنا اللغة تحتفظ بنفس اسلوب التجريد اللغوي في تعبيرها عما هو موجود ماديا، وما هو موجود خياليا. اللغة هي الثابت في تعبيرها عن موضوعاتها مهما تغير حال الموجود.
  • إدراك الموجودات لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل.
  • لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة. ونعبر بهما ايضا لاحقا عن مدركاتنا في لغة صائتة.
  • حتى الحواس لا تنقل الاحساسات عن الاشياء بغير تعالق ما تنقله الحواس في تصوّر وتمثّل لغوي. اعتقد عندما قال الفيلسوف الامريكي سيلارز الوجود لغة فقد افحم الجميع ان يقولوا شيئا يتجاوز مقولته الفلسفية.
  • الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، وعندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة ليست متموضعة في الاشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا. . كل تصوراتنا عما حولنا هو تمثّل صوري لغوي.
  • أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش. وجميع علاقاتنا بالاشياء هو لغة. تفكير العقل هو لغة، الادراكات والاحاسيس هي لغة.

الوجود لغة............... وليفريد سيلارز
يذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف إيرلندي من أصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، إلا عندما يكون الوجود هو الإدراك)1.

ان يكون الادراك موضوعا لادراك العقل بمعنى العقل يدرك نفسه عندها لا يبقى موضوعا يدركه العقل خارج ادراكه لذاته. هذا معنى عبارة بيركلي باختصار. وسيلارز الامريكي قال الوجود هو اللغة. وقال هيجل الوجود هو الله. والعبارتان صحيحتان لا يمكن إدحاضهما. مع فارق بينهما أن عبارة سيلارز هي علمية صحيحة بيولوجيا، اما الثانية فهي غارقة بالميتافيزيقا.

عبارة بيركلي هي نوع من الإدراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الإدراك الحسّي العقلي بالفكر. فهو يعتبره إما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا يمر في الذهن، وإما أن يكون الوجود هو الإدراك بذاته بلا ذات إنسانية يحكمها العقل في ادراكها ذلك الوجود. وهو خطأ فالوجود لا يدرك ذاته بذاته كما يفعل العقل مع ادراكه لذاته. صحيح ليس كل موجودات الوجود تلزم العقل ادراكها الا انها لا تدرك ذاتها بذاتها. الموجودات من الاشياء لا تمتلك عقولا تدرك بها غيرها ولا تدرك بها ذاتها. ادراك الشيء تعبير لغوي ناتج  تفكيرعقلي.

أي أن إدراك الوجود لذاتيته هو إدراك الذاتوية الوجودية لنفسها ولا يكون مهما إرتباط الإدراك ألخارجي للموجودات بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الأوهام الميتافيزيقية بفارق جوهري هو أن الوجود المادي لا يمتلك إمكانية إدراك ذاته بذاته ما عدا الانسان الذي يمتلك الخاصيّة العقلية التي تدرك الادراك موضوعا مغايرا لها في العالم الخارجي في نفس الوقت التي تدرك خاصية العقل ذاتها. اي العقل يعي ذاته.

جميع الكائنات الارضية في الطبيعة لا تمتلك ذاتا إدراكية تعي نفسها ولا تعي المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الإدراكي للذات والطبيعة ما عدا الانسان الذي يمتلك تلك الخاصيتين. الوجود مفهوم تجريدي عام ميتافيزيقي مطلق يستمد ماديته المعرفية من إدراكات المنظومة العقلية لموجوداته الداخلية فيه كمحتويات مستقلة بذاتها. الوجود كمفهوم هو ميتافيزيقا لا يدركه العقل الا مطلقا تجريديا ولا مضمون يمتلكه. الوجود هو بمحتوياته التي يدركها العقل فقط. ان تقول وجود كمثل قولك ضوء ، هواء، ماء، فضاء، صوت وهكذا جميعها مطلقات لا نهائية ازلية لا تدرك كموضوعات مستقلة بذاتها. بل تدرك بعلاقتها بمشروطية نوع العلاقة التي ترتبط بغيرها.

الادراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا).
خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية (بالادراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا من لغته. فالادراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صورتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تمّثل تجريدي ايضا لا تختلف عن أية لغة تواصل. الادراك هو لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أوقوم من الاقوام او أمة معينة.. الادراك تمثّل لغوي تجريدي للاشياء لا يتموضع بها ولا يكون جزءا منها.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانا صامتا.. توجد عبارة خالدة للفيلسوف الامريكي العبقري اوليفريد سيلارز قوله (الوجود لغة). سيلارز  بعبارته هذه اختزل مجلدات في مبحث فلسفة اللغة.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت مضموني لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبيرشكل اللغة التواصلية الاعتيادية المنطوقة.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية تعبير اللغة الافصاح عنها كموضوع. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الموجود الانطولوجي بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل. الصمت واللغة هما تعبير واحد لتفكير العقل.  

مقدمة
"الخيال يُقلد، والروح النقدية تُبدع" أوسكار وايلد

يُمثل الفكر النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة، حيث يركز على تحليل الأفكار، المعتقدات، والحجج بشكل منهجي وعقلاني للوصول إلى استنتاجات مدروسة. يتجاوز الفكر النقدي مجرد التفكير التحليلي، إذ يهدف إلى تقييم الحجج، كشف التحيزات، وتعزيز التساؤل المستمر عن الحقيقة والمعرفة. في الحقبة المعاصرة، مع تزايد التضليل الإعلامي، تعقيدات التكنولوجيا، والتحديات الأخلاقية والاجتماعية، أصبح الفكر النقدي أداة حيوية في طموحات الفلسفة لتشكيل وعي جماعي عادل ومستنير. يهدف هذا المبحث إلى استكشاف الفكر النقدي كمنهج فلسفي طامح، من خلال مناقشة أسسه النظرية، تطوره التاريخي، ودوره في مواجهة التحديات المعاصرة، مع التركيز على كيفية إسهامه في تعزيز الفهم والمسؤولية الفكرية.

الأسس الفلسفية للفكر النقدي

يستند الفكر النقدي إلى مبادئ العقلانية، المنطق، والتساؤل المنهجي. أحد المفاهيم الأساسية هو "التحليل المنطقي"، الذي يركز على تقييم الحجج بناءً على قوتها المنطقية وصحة مقدماتها. قدم أرسطو (384-322 ق.م) أسس المنطق الصوري من خلال كتابه الأورجانون، الذي وضع قواعد الاستدلال السليم. في العصر الحديث، طوّر فلاسفة مثل جون ديوي (1859-1952) مفهوم "التفكير التأملي"، الذي يركز على التساؤل المستمر وحل المشكلات بناءً على التحليل والتجربة.

مفهوم آخر مهم هو "النقد الذاتي"، الذي يدعو إلى التشكيك في المعتقدات الشخصية والافتراضات. يرى عمانويل كانط (1724-1804) أن الفكر النقدي يتطلب "الجرأة على المعرفة"، أي استخدام العقل بشكل مستقل لتحدي الأفكار المسبقة. كذلك، يركز الفكر النقدي على كشف التحيزات المعرفية، مثل التحيز التأكيدي، الذي يدفع الأفراد إلى قبول المعلومات التي تتماشى مع معتقداتهم السابقة فقط.

التطور التاريخي للفكر النقدي

تجذر الفكر النقدي في التقاليد الفلسفية القديمة. في اليونان القديمة، استخدم سقراط (470-399 ق.م) منهج التساؤل النقدي، حيث كان يحث المتحاورين على فحص معتقداتهم من خلال أسئلة متسلسلة تهدف إلى كشف التناقضات. في العصور الوسطى، ركز فلاسفة مثل توما الأكويني (1225-1274) على التوفيق بين العقل والإيمان، مما أسهم في تطوير التفكير النقدي في سياقات دينية. مع عصر التنوير، أصبح الفكر النقدي أداة مركزية لتحدي السلطات التقليدية. قدم كانط في كتابه نقد العقل الخالص إطارًا لفحص حدود المعرفة البشرية، مؤكدًا على أهمية التفكير النقدي في بناء المعرفة. في القرن العشرين، طورت مدرسة فرانكفورت، بقيادة ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، النظرية النقدية التي ركزت على نقد الأيديولوجيا والسلطة، مما وسّع نطاق الفكر النقدي ليشمل الهياكل الاجتماعية. في العقود الأخيرة، أسهمت التطورات في التعليم وعلم النفس في تعميق الفكر النقدي. فلاسفة مثل ريتشار بول وجون ديوي ركزوا على تطبيق الفكر النقدي في التعليم، مشيرين إلى أهميته في تعزيز التفكير المستقل والديمقراطية.

مقدمة
في الحقبة المعاصرة، تتسم العلاقة بين العلم والفلسفة بديناميكية معقدة، حيث تتفاعل التطورات العلمية السريعة مع التأملات الفلسفية العميقة حول طبيعة المعرفة، الأخلاق، والهوية البشرية. يقرأ العلماء أنساق الفلاسفة لفهم الأسس النظرية والأخلاقية لأبحاثهم، بينما يعلق الفلاسفة على النظريات العلمية لاستكشاف دلالاتها الوجودية والاجتماعية. تُبرز هذه العلاقة التوتر بين العلم، بوصفه منهجًا تجريبيًا يركز على القياس والتنبؤ، والفلسفة، بوصفها تأملًا نقديًا يسعى إلى فهم السياقات والمعاني. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا التفاعل في الحقبة المعاصرة من خلال مقاربة مقارنة، تركز على أمثلة محددة من العلوم (مثل الفيزياء، علم الأحياء، والذكاء الاصطناعي) وتعليقات الفلاسفة المعاصرين عليها، مع الإشارة إلى كيفية استلهام العلماء من الأنساق الفلسفية واستلهام الفلاسفة من النظريات العلمية. تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال: كيف يُشكل التفاعل بين العلم والفلسفة في الحقبة المعاصرة فهمنا للمعرفة ومستقبل الإنسان؟

1.قراءة العلماء لأنساق الفلاسفة في الحقبة المعاصرة
السياق التاريخي والمعاصر
في الحقبة المعاصرة، يتزايد اعتماد العلماء على الأنساق الفلسفية لفهم الأسس النظرية والأخلاقية لأبحاثهم، خاصة في مجالات مثل الفيزياء النظرية، علم الأحياء، والذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يستلهم الفيزيائيون النظريون مثل ستيفن هوكينغ وماكس تيغمارك من الفلسفة الوضعية المنطقية وأعمال كارل بوبر لتطوير مناهج التفسير العلمي. كما أن علماء الأحياء، مثل ريتشارد دوكينز، يتفاعلون مع الأنساق الفلسفية المتعلقة بالتطور والأخلاق لفهم دلالات نظرية التطور.