مقدمة
"لا يوجد سوى طريقة واحدة لوجود الوعي، وهي أن يكون واعيًا لوجوده الخاص." - جان بول سارتر
يُشكّل الوعي الإنساني – كما يُعرّفه الفينومينولوجيا – الشرط الأول لكل تجربة، إذ لا يوجد عالم إلا من خلال ظهوره للذات الواعية. لكن هذا الوعي ليس مرآة محايدة، بل حقلًا مليئًا بالأدوات المضللة (اللغة، الثقافة، التكنولوجيا، الأيديولوجيا) والطرق الوعرة (القلق، الغموض، الجسدية، الموت). المشكلة ليست في الوعي نفسه، بل في كيفية توجيهه بين هذين القطبين: الأدوات التي تُبسّط الوجود وتُخفيه، والطرق التي تُعيدنا إلى أصالة التجربة لكن بثمن باهظ. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الثنائية من منظور فينومينولوجي، مستندة إلى أعمال هوسرل، هيدجر، ميرلو-بونتي، وسارتر، مع التركيز على الوعي كعملية ديناميكية تتأرجح بين الإغواء بالتبسيط والمواجهة بالتعقيد. المقاربة ليست تحليلية مجردة، بل وصفية-تأويلية تسعى لكشف كيف يُعاش الوعي في هذا التوتر.
الإطار الفينومينولوجي: الوعي كقصدية وكشف
تبدأ الفينومينولوجيا مع هوسرل بمبدأ القصدية: الوعي دائمًا وعي بشيء. لكن هذه القصدية ليست آلية، بل عملية كشف تُعلّق فيها الأحكام الطبيعية للوصول إلى الظواهر كما تُعطى. المشكلة تبدأ هنا: الأدوات المضللة تُدخل طبقات من التأويل المسبق (اللغة، العادات، العلم) تُحجب الظاهرة الأصلية. أما الطرق الوعرة فهي اللحظات التي يُجبر فيها الوعي على مواجهة الغموض الأنطولوجي (هيدجر) أو الجسدية الحية (ميرلو-بونتي). الوعي، إذن، ليس ملكية، بل حدث مستمر يتأرجح بين الإغلاق (بالأدوات) والانفتاح (بالطرق الوعرة). المشكلة ليست في وجود هذين القطبين، بل في التوازن بينهما.

الادراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا) مقولة فلسفية سفسطائية تتجاهل حقيقة ان الوجود المادي للاشياء هو ادراك لغوي للذات، والانطولوجيا هي معرفة ذاتية وفي انعدام الذات الادراكية واللغوية لا تنعدم الموجودات الانطولوجية لكنها تفقد اهميتها الادراكية والمعرفية في التناول الذي تجاهلته منظومة العقل.

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي في محاولة الاستغناء عن اللغة إدراكيا يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية التمثليّة ب (الادراك ) المباشر الحسي الانطولوجي والاستبطاني المجرد عن لغة التعبير الصورية عنه. وهو محال أن نجد ادراكا عقليا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية.

وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا الوضعية المنطقية وحلقة اكسفورد التحليلية اللغوية الانجليزية أخذا كليهما بهذا الاحتمال في تغليبهم الادراك الحسي على باقي الافصاحات التي يمتلكها الوجود في استقلاليته، والمعنى اللغوي، والوعي، والانطباعات الذهنية وغيرها.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي غير المنطوق هو لغة تصويرية ادراكية بلا صوت ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل صوتية أو مكتوبة كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه العقلي واللغوي عن الاشياء، الادراك لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية في صياغتها الادراك للموجودات. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة يجمعهم تاريخ متعايش مشترك.. والادراك الخارجي الانطولوجي لموجودات الطبيعة غالبا ما يكون لغة صورية استبطانية صامتة للحواس لا تتجلى سوى بتعبير اللغة صوتيا حين يكون المراد التعبير عنها.

وأدراك الحواس ماديا خارجيا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع تتخيله الذاكرة لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا..ميزة الادراك انه تعبير عقلي في لغة صوتية وفي لغة صامتة على السواء، والصوت هو ميزة تعبير اللغة عن محسوسات العقل، والاستبطان هو ذات اللغة العقلية البكماء التي اسكتها الصمت عن التعبيرعن مدركاتها. كل موجود يدركه العقل خارجيا او إستبطانيا داخليا هو لغة ذات معنى.

 تمهيد:
في هذه المقالة أتناول مناقشة القانون الاول من قوانين الديالكتيك الجدلي الماركسي الذي يحكم المادة والتاريخ حسب أدبيات النظرية المادية التاريخية الكلاسيكية. الذي هو قانون وحدة وصراع الاضداد وتعالقه بوحدة المجانسة النوعية التي هي الماهية والصفات الخارجية لموضوعة الجدل، تاركا القانونين الآخرين تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي، والقانون الثالث قانون نفي النفي.

السؤال هل يحصل الديالكتيك بين متضادين لا تحتويهما المجانسة النوعية الواحدة بمعنى مجانسة وحدة الصفات والماهية داخل الظاهرة الواحدة لقطبي التناقض؟ وإذا نحن أسقطنا التساؤل على العلاقة الجدلية التي تربط المادة بالفكر فهل الجدل يبقى قائما حاصلا من ناحية إختلاف المجانسة النوعية بين المادة والفكر بالصفات والماهية في استحالة إنتاج الظاهرة المستحدثة الجديدة أو ما يسمى المرّكب الثالث؟

حسب قانون الديالكتيك وحدة وتناقض الاضداد إنما تتم عملية الجدل حصرا في مجانسة نوعية تحكم التكوينية الترابطية داخل وحدة المادة أو الظاهرة الواحدة التي تحتوي قطبي التناقض. وبهذا يترتب ألا يكون الجدل حاصلا بين الفكر من جهة والمادة من جهة أخرى فلكل منهما صفات وماهية تختلف الواحدة عن الاخرى ولا توجد مجانسة نوعية توحدهما في وحدة تضاد جدلي تناقضي يحتويهما معا.

الجدل دائما يحدث داخل المادة او داخل الظاهرة او الواقعة التاريخية بما لا يستطيع أن يدركه العقل الانساني أو يؤثر فيه، كما أن الجدل قانون طبيعي حسب الافتراض الفلسفي الماركسي يحدث في الاشياء والموضوعات باستقلالية تامة عن رغائب الانسان وبمعزل عنه.

المعني بوحدة تناقض الاضداد يحتوي المقصود ضمنا وحدة المجانسة النوعية بين قطبي التناقض داخل المادة الواحدة أو الموضوع الواحد. ولا تشمل هنا وحدة الاضداد تضاد الفكر مع المادة في تناقض جدلي لا يحصل ولا يتحقق ولا ينتج عنه ظاهرة جديدة مستحدثة أو ما يسمّى المركب الثالث وذلك لعدم ترابط قطبي التناقض المادة والفكر بصفات المجانسة النوعية الواحدة التي تحكم الجدل داخليا. علاقة الفكر بالمادة علاقة إدراكية خارجية معرفية منفصلة عن التموضع جدليا ولا تكوينيا في المادة وليست جدلية تشارك الوحدة التجانسية في تضاد جدلي من نوع مجانسة واحدة.

تمهيد:
من الثابت ان كانط عمد في كتابه الذائع الصيت (نقد العقل المحض) إثبات امكانية الادراك العقلي المنطقي المحض لاشكال موجودات العالم الخارجي الذي يحتوينا بمعزل عن محتوى تلك الاشياء المادي. بالتعبير المباشر المختصر امكانية العقل ادراك شكل الشيء كفراغ مكاني مجردا عن محتواه المادي لدى كانط. كما حاول اثبات ادراك الفراغ المكاني بدلالة الحدس المنطقي وليس بدلالة المادة هي محتوى ملء الفراغ.

ونسب كانط لجهده الفلسفي بالكتاب انه انهى والى الابد كل نظريات الميتافيزيقا الفلسفية بالتفكير. فالى اي حد نجح كانط في تحقيق مسعاه في تحليله ونقده العقل مجردا ماديا كعقل محض من زاوية تناوله بالمنهج المنطقي؟ كتاب كانط (نقد العقل المحض) يقال انه استغرق الفيلسوف بتاليفه عشرين سنة !!. وانا هنا اناقش بعض القضايا بضوء كتاب المفكر صادق جلال العظم (دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة ) في عرضه آراء كانط في كتابه المذكور. والشيء الملاحظ ان المفكر الماركسي جلال العظم لم يقم بنقد الميتافيزيقا التي احتواها كتاب كانط بل اكتفى بعرضها مع تعليق هامشي توضيحي في بعض الاحيان.

شكل المادة والمحتوى

ورد على لسان المفكر صادق العظم ان كانط وجد " اسبقية المكان على الحس هي اسبقية منطقية لا زمنية ونقول انها صورة قبلية بهذا المعنى المنطقي" 1. من المهم التاكيد ان العبارة هي صدى لما جاء به كانط ولا يمثل بالضرورة الاقتباسية قناعة المفكر صادق العظم بها. بدورنا نحاول توضيح العبارة من منطلق غير ميتافيزيقي ولا علمي تجريبي بل من منطلق فلسفي منهجي مادي .

اولا: اسبقية المكان على الحس ليست صيغة منطقية حدسية ادراكية بمستطاعها تجريد المكان في محدوديته كشكل الفراغ الاحتوائي للمادة. كما لا يقر كانط أن الفراغ المكاني يشترط ادراكه بدلالة احتوائه المادة.

ثانيا: اسبقية المكان لازمانية تكرار لنفس الخطا الوارد في الفقرة الاولى.فمثلما الادراك المكاني لا يدرك في شكله التجريدي فراغا منزوعا منه المادة فهو ايضا لا يدرك بغير ملازمة الزمان لذلك المكان المعني المحدود. لا توجد هناك اسبقية مادية ولا اسبقية منطقية حدسية في عزل تواشج الادراك زمكانيا ولا اسبقية لاحدهما على الاخر.كما ومن المحال ان تقودنا تصوراتنا المنطقية الحدسية الى اننا نستطيع ادراك شكل المادة كفراغ منزوعا عن محتواه المادي. المادة متعين انطولوجي بابعاد ثلاثية يدرك بدلالة إشغاله فراغا بمكان. والفراغ حيّز إحتوائي لا يدرك بغير دلالة الاشياء التي يحتويها. الفراغ حيّز مكاني يحتوي المادة صورة ومحتوى.

الوجود لغة - وليفريد سيلارز
يذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف إيرلندي من أصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، إلا عندما يكون الوجود هو الإدراك)1.

ان يكون الادراك موضوعا لادراك العقل بمعنى العقل يدرك نفسه عندها لا يبقى موضوعا يدركه العقل خارج ادراكه لذاته..  وسيلارز الامريكي قال الوجود هو اللغة. وقال آخر الوجود هو الله. والعبارتان صحيحتان لا يمكن إدحاضهما.

عبارة بيركلي هي نوع من الإدراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الإدراك الحسّي العقلي بالفكر. فهو يعتبره إما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا يمر في الذهن، وإما أن يكون الوجود هو الإدراك بذاته بلا ذات إنسانية يحكمها العقل تدرك ذلك الوجود. وهو خطأ فالوجود لا يدرك ذاته بذاته كما يفعل العقل. صحيح ليس كل موجودات الوجود تلزم العقل ادراكها الا انها لا تدرك ذاتها بذاتها. الموجودات لا تمتلك عقولا تدرك بها غيرها ولا تدرك بها ذاتها. إدراك الشيء تعبير لغوي ناتج عن تفكيرعقلي.

أي أن إدراك الوجود لذاتيته هو إدراك الذاتوية الوجودية لنفسها ولا يكون مهما إرتباط الإدراك ألخارجي للموجودات بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الأوهام الميتافيزيقية بفارق جوهري هو أن الوجود المادي لا يمتلك إمكانية إدراك ذاته بذاته ما عدا الانسان الذي يمتلك الخاصيّة العقلية التي تدرك الادراك موضوعا مغايرا لها في العالم الخارجي في نفس الوقت التي تدرك خاصية العقل ذاتها.

جميع الكائنات الارضية في الطبيعة لا تمتلك ذاتا إدراكية تعي نفسها ولا تعي المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الإدراكي للذات والطبيعة ما عدا الانسان الذي يمتلك تلك الخاصيتين.

مقدمة
" الوضع البشري هو المصطلح الوحيد الذي يجب أن ننطلق منه، وإليه يجب أن نعود بكل شيء"
الوضع البشري هو مفهوم فلسفي وعلمي مركزي يُعنى بدراسة طبيعة الوجود البشري، بما يشمل تجاربه، سلوكياته، وتفاعلاته. يتناول كل من علم الاجتماع (السوسيولوجيا) وعلم النفس (البسيكولوجيا) هذا المفهوم من زوايا مختلفة، مما يولد اختلافات دلالية (في المعنى والمفاهيم) وإجرائية (في المنهجيات والتطبيقات). تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الفرق بين التناول السوسيولوجي والتناول البسيكولوجي للوضع البشري من خلال مقارنة دلالية وإجرائية، مع التركيز على الإطار النظري، المنهجيات المستخدمة، والتطبيقات العملية. فماهي احوال الوضع البشري؟ كيف يتم تناول الوضع البشري من جهة السوسيولوجيا والبسيكولوجيا؟ مادا يترتب عن هذا التناول؟ وماهو الفرق الدلالي والاجرائي بينهما؟

الفرق الدلالي

التناول السوسيولوجي

علم الاجتماع يركز على الوضع البشري من منظور جماعي، حيث يُنظر إلى الفرد كجزء من نسيج اجتماعي أوسع. يُعرّف الوضع البشري في هذا السياق من خلال التفاعلات الاجتماعية، الهياكل الاجتماعية (مثل الطبقات، المؤسسات، والثقافات)، والسياقات التاريخية والثقافية التي تشكل سلوك الفرد وهويته. على سبيل المثال: المفاهيم الأساسية: التنشئة الاجتماعية، السلطة، الثقافة، والدور الاجتماعي.
المنظور: يرى السوسيولوجيون أن الوضع البشري مشروط بالبيئة الاجتماعية، حيث تؤثر العوامل الخارجية مثل القوانين، الأعراف، والمؤسسات في تشكيل السلوك البشري.

مقدمة
يسعى مدح الإنسانية التقدمية، كخطاب فلسفي معاصر، إلى الاحتفاء بكرامة الإنسان وحريته وقيمته الكونية، متجاوزًا بذلك الانقسامات التاريخية والثقافية والاجتماعية. في سياق ما بعد الاستعمار، يتخذ هذا المدح بُعدًا خاصًا، إذ يُمثل جزءًا من محاولة لإعادة تقييم الإنسانية في ضوء الإرث الاستعماري، والظلم التاريخي، وديناميكيات القوة التي شكلت العلاقات بين الشعوب. تستكشف المقاربة الفلسفية والايتيقية كيف يُمكن لهذا الخطاب أن يُعيد تأكيد الكرامة الإنسانية، مع الاستجابة لتحديات ما بعد الاستعمار، كالاعتراف بالهويات المهمشة، وتفكيك التسلسلات الهرمية المفروضة، وتعزيز العدالة العالمية. تُحلل هذه الدراسة الأكاديمية المتعمقة مدح الإنسانية من منظور خطاب ما بعد الاستعمار، مستندةً إلى الأطر الفلسفية (بما في ذلك أطر إيمانويل ليفيناس، وفرانز فانون، وإدوارد سعيد) والأطر الأخلاقية (المستوحاة من كانط وفلسفة الاعتراف). يتناول هذا الكتاب الأسس النظرية والسياقات التاريخية والتداعيات المعاصرة، مع تسليط الضوء على توترات هذا الخطاب وإمكانياته في ظل العولمة. فكيف ساهمت الإنسانية التقدمية في كسر الحصار ورفع العدوان عن غزة ودعم صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بارضه ومقاومة الهجمة الصهيوامبرايالية؟
تعريفات المفاهيم الرئيسية
مدح الإنسانية:
مدح الإنسانية خطاب فلسفي يحتفي بالقيمة الجوهرية للبشر، مشددًا على عقلانيتهم وحريتهم وقدرتهم على خلق المعنى. يعارض هذا الخطاب جميع أشكال نزع الصفة الإنسانية، سواءً أكانت نابعة من القمع أم الاستغلال أم التهميش.
خطاب ما بعد الاستعمار:
يُحلل خطاب ما بعد الاستعمار، كما طوره مفكرون مثل إدوارد سعيد (الاستشراق، 1978) وهومي بابا، إرث الاستعمار، بما في ذلك التمثيلات الثقافية وعلاقات القوة ومقاومة الشعوب المستعمرة. ويهدف إلى تفكيك السرديات الإمبريالية وتعزيز الأصوات المهمشة.

الملخّص بالعربية
يروم هذا البحثُ تحريرَ موردِ النزاع في فهم الكوجيتو الديكارتي بين القراءةِ القياسية التي يمثلها سعيد فودة، والقراءةِ الوجودية التي يدافع عنها أبو يعرب المرزوقي. ويُظهر التحليل أن ديكارت، في «تأملاته الميتافيزيقية»، لم يُقِم برهانا صوريّا بل كشفا أنطولوجيا للوعي في حضوره لذاته. فعبارة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» ليست استنتاجا بل تجربة تأسيسية تُنقل فيها الحقيقة من ميدان القياس إلى أفق البداهة الوجودية. ويُبرز البحث تلاقي هذه القراءة مع تأويلات غربية كبرى: مع غيلسون في حديثه عن الحدس الذهني، ومع ماريون في مفهوم الكرامة الأنطولوجية، ومع كريشمارينو في بيانه لتحوّل المبدأ الأوّل من مبدأ الكائن إلى مبدأ المعرفة.  وبهذا يؤكد المقال أنّ الكوجيتو يمثل لحظة انتقالٍ من المنطق المدرسي إلى المنطق الوجودي، ومن البرهان إلى الانكشاف.

الكلمات المفتاحية:  ديكارت، الكوجيتو، أبو يعرب المرزوقي، سعيد فودة، ماريون، غيلسون، كريشمارينو، البداهة، الانكشاف، الكرامة.

تقديم
في مقالة سابقة لي كنت ناقشت بعض الأمور والثغرات في منهج ديكارت القائم على الشك المطلق بغية الوصول الى يقينية حقائق الحياة التي تقوم على توليفة تضم حسب ديكارت ((الله، الانسان، الفلسفة) في إيلاء تجارب العقل أن تكون هي ألفيصل في تأكيد كل ما يتعلق بهذه الأقانيم الفلسفية التي يوحدّها المنهج ألإفتعالي التعسّفي الذي أراد ديكارت تحقيقه وفشل به..

منهج ديكارت الفلسفي الذي ضمّنه أفكاره كتابه الذائع الشهرة الفلسفية (مقال في المنهج) حيث إتضّح أن ديكارت لم يتمكن من شرح قضايا المنهج الذي وصفه بالعلمي العقلي القائم على الشك قبل التسليم بصدقية أي شيء يصل إدراكنا العقلي له ، ويكون ذلك الشيء من بديهيات الحدوسات التي يكمن برهانها فيها بما يصّدقه العقل عنها والإجماع على بديهيتها الواضحة ، لتكون إستدلالا عقليا في البرهنة على قضية أو قضايا أخرى يطالها الشك غير المحسومة صدقيتها عن زيفها..

الحقيقة غير العلمية يتضمّنها الكوجيتو أنا افكر إذن أنا موجود المرتكز المثالي الميتافيزيقي الذي عجز ديكارت عن توضيحه بمنطق العلم. حيث يستنبط " الانسان يفّكر وانا موجود من حيث هو مفّكر." 1 ، ويؤكد منهجه العلمي قوله أيضا " أنا أعرف نفسي الآن موجودا لأني أفكر ، ولا أعرف نفسي إلا كذلك ، ووجود الفكر علة وجودي ، والفكر أشد ثبوتا من وجود الجسم ، وطبيعة النفس وماهيتها هي الفكر ، والنفس مستقلة عن الجسم ومعرفتها أيسر " 2

في هذه العبارة الجوهرية في تفكير ديكارت الفلسفي نستنج المتناقضات التالي:

حسب ديكارت الفكر يسبق الوجود لا بل الفكر هو علة الوجود الواقعي وسبب إدراكه الوجود بالفكرعنده حقيقة بديهية لا تحتاج برهانها. بينما الحقيقة الماديّة تشير الى أن الوجود يسبق إدراك الحواس والعقل كما يسبق التفكير به ايضا. الوجود في إستقلاليته المادية هو مبعث ومصدر التفكير بألاشياء..

يذهب ميرلوبونتي الى ان العالم الخارجي ليس حقيقة. وكذلك (الذات) ليست حقيقة.
اعتقد انه من المتفق عليه انه بدلالة العالم الخارجي ندرك ذواتنا بمغايرة ادراكاتنا الموجودات. وليس بهذه الخاصية الادراكية المتفردة نستطيع معرفة حقيقة العالم الخارجي ايضا. الذات جوهرفردي لا وجود له سوى بالمغايرة الادراكية العقلية للاشياء والتفكير بما حولنا.
 مالمقصود بالعالم الخارجي ليس حقيقة؟ هل هو الطبيعة بكل شموليتها البايولوجية المتنوعة الكائنات والمكونات بما لا يمكننا حصره ومعرفته لا تمتلك حقيقتها ؟ أم العالم الخارجي الذي هو الموجودات والعلاقات البينية التي يتوزعها المحيط من حولنا ولا تمتلك حقيقتها؟ نكران حقيقة العالم الخارجي يوجب علينا الايمان بحقيقة ميتافيزيقيا خرافة التسليم بفرضية فلسفية عتيقة في امكانية وجود عالم خارجي حقيقي غير عالمنا هذا لا ندركه هو غير عالمنا الخارجي الزائف الذي يدركه العقل ونتعامل معه ونعيشه. العالم الخارجي كمفهوم اصطلاحي يكون تعاملنا معه بما يحتويه من موجودات لا حصر لها هي مواضيع جاهزة لمعالجتها الادراكية عقليا.

حقيقة العالم الخارجي هو في ماديته الواقعية الموجودة في استقلالية تامة عنا. وحقيقة العالم الخارجي التي ندركها هو ليس في معرفته الكينونية الكاملة كصفات وجوهر.. العالم الخارجي هو في وجوده المادي كينونة مستقلة قائمة بذاتها. عالمنا الخارجي هو الوجود الذي نتعامل مع محتوياته من مواضيع. العالم الخارجي ليس كينونة واحدة يعيها الوعي بشمولية الموضوع الواحد التعجيزي ادراكه للعقل..

اما الظاهراتية الفينومينولوجيا التي تقوم على ابستمولوجيا الادراك فهي قاصرة أن تمنح العالم الخارجي حقيقته لأنه أي العالم الخارجي كمفهوم شمولي تحتويه وتتوزعه موضوعات وظواهر متقافزة بالصيرورة والتغيير المستمرين. كما هو ليس منهجا بذاته. ولا يعي العالم الخارجي ذاته ولا يتعامل مع المدركات الاخرى بعلاقة تواصلية يدركها هو. العالم الخارجي هو مفهوم وليس موضوعا لادراك العقل ولا يمثّل منهجا. اما الظاهراتية فهي منهج مجتزأ من مناهج عديدة حاولت وتحاول تفسير العالم والوجود والكوني..

العلم / الوعي والادراك
الى أي مدى يمكننا قبول مقولة كانط " إكتساب المعرفة ينحصر على نطاق حدسي حسّي وبدون الاحساسات تبقى مقولات العقل الصادرة عن الحواس فارغة " بضوء الأخذ بنظر الإعتبار أن الحواس تضليل للعقل ، والحدس يقبل المراوغة التي تفرضها مخاتلة وقصور ملازمة الفكر واللغة في التعبير عن ما ندركه ، هل هو صورة ذلك الشيء المدرك أم هي حقيقته كاملة؟.. ثمة تعريفات وردت على لسان كبار الفلاسفة الغربيين ربما تكون مشاعل إستدلال لنا منها:

ينكر ديفيد هيوم اية قيمة موضوعية للقوانين العامة والعالم الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتقاد. ليس غريبا هذا على هيوم الذي ينكر ثلاثة ثوابت قارّة بالفلسفة لا يمكن القفز من فوقها بسهولة هي بتعبير هيوم :لا يوجد عالم مادي خارج مدركاتنا الحسيّة وما ندركه موجود وما لا ندركه غير موجود ، ثانيا لا وجود لنظام سببي يحكم ظواهر ووقائع الحياة سبب ونتيجة ، ثالثا لا يوجد ما يعرف بالعقل خارج ماهيته التفكيرية التجريدية فقط العقل هو تصوراتنا عن الاشياء وعالمنا الخارجي.

الحقيقة الفلسفية بحسب لايبنتيز هي ما يمكننا تحديده بالكامل ، ويقصد لايبنتيز بالحقيقة الواقعية المدركة وليس مطلق الحقيقة. كيف نمرر مقولة لايبنتيز بضوء نسبية كل شيء بالعالم الطبيعي والكوني؟ تحديد كامل الحقيقة شيء متعذّر تحققه. أما أن يقصد لايبنتيز الحقيقة الكاملة هي تجربة علمية وليست إدراكا عقليا أخذ تعبير الفكر واللغة عنه فقط فهي وجهة نظر تفرض مقبوليتها قدرات التجربة العلمية وليس قدرات تفكير العقل المجرد.

المذهب الثنائي الديكارتي يقوم على وجود جوهرين فقط هما العقل وماهيته التفكير ، والمادة وماهيتها الإمتداد والحركة. وهذا تعبير يدخل مجال فيزياء العلم وفيزياء المعرفة الفلسفية على السواء. وما يترتب على هذا المعنى أن إحساساتنا الإدراكية ليس بمقدورها الفصل بين حقيقة الشيء في وجوده المادي عن حقيقة الشيء في تصوره التجريدي الذهني.

كل وعي إدراكي بحسب سيلارز شأن بدايته اللغة. هنا يقصد سيلارز بالوعي العقلي للمادة تفكيرا إستبطانيا داخل منظومة العقل الإدراكية ، واللغة تعبير صوتي عن موجودات المادة خارجيا ، وتفكير اللغة وعيا إدراكيا لاصوتيا صامتا داخليا. صحيح جدا الوعي هو تفكير عقلي لكنه في مجال الفلسفة يكون الوعي قريبا من علم النفس السلوكي أكثر منه قربا من تجريد الفلسفة كمنطق لغوي.