مقدمة
يُعتبر غاستون باشلار ( 1884 -1962)، الفيلسوف الفرنسي، أحد أبرز المفكرين في مجال فلسفة العلوم والإبستمولوجيا في القرن العشرين. من خلال أعماله مثل تكوين العقل العلمي (1938) والعقلانية التطبيقية (1949)، قدم باشلار رؤية مبتكرة لفهم تطور المعرفة العلمية عبر مفهومي "القطيعة الإبستمولوجية" و"التحليل النفسي للمعرفة العلمية". مقاربته المعرفية التاريخية تجمع بين تحليل التحولات التاريخية في العلم ونقد العوائق النفسية والثقافية التي تعيق تقدمه. يرى باشلار أن العقل العلمي يتطور عبر قطائع جذرية مع المعرفة السابقة، مدعومًا بعقلانية تطبيقية تركز على التجريب والإبداع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل إسهامات باشلار في التحليل النفسي للمعرفة العلمية، القطيعة الإبستمولوجية، والعقلانية التطبيقية، مع التركيز على مقاربته المعرفية التاريخية ودورها في مقاومة العوائق المعرفية، وربطها بجدلية القوة والضعف في السياقات العلمية والاجتماعية. فكيف تصور غاستون باشلار تاريخ العلوم؟ وماهي الرؤية الثورية التي حملها الى مسار نقد المعرفة العلمية؟

القطيعة الإبستمولوجية

مفهوم القطيعة الإبستمولوجية هو جوهر فلسفة باشلار، حيث يرى أن التقدم العلمي لا يحدث بشكل تراكمي، بل عبر انقطاعات جذرية مع المعرفة السابقة. في تكوين العقل العلمي، يوضح أن العلم الحديث يتطلب التخلي عن المفاهيم القديمة التي تعتمد على الحدس أو التفسيرات التقليدية، مثل الانتقال من الفيزياء الأرسطية إلى الفيزياء النيوتنية. هذه القطيعة تمثل تحولًا في الهياكل العقلية التي تحكم التفكير العلمي. كيف يعمل باشلار على ضرورة احداث القطيعة الإبستمولوجية؟

مفهوم القطيعة الإبستمولوجية هو أحد أهم إسهامات باشلار، حيث يرى أن التقدم العلمي يحدث عبر انقطاعات جذرية مع المعرفة السابقة بدلاً من تراكم تدريجي. يوضح باشلار أن العلم الحديث يتطلب التخلي عن المفاهيم القديمة التي تعتمد على الحدس أو التفسيرات التقليدية. على سبيل المثال:

في الفيزياء: الانتقال من الفيزياء الأرسطية (التي ترى أن الأجسام تسقط بسرعات مختلفة بناءً على وزنها) إلى الفيزياء النيوتنية (التي أثبتت أن الأجسام تسقط بتسارع متساوٍ) يمثل قطيعة إبستمولوجية.

في الكيمياء: استبدال نظرية الفلوجستون (التي تفسر الاحتراق بوجود مادة خيالية) بنظرية الأكسجين للافوازييه يمثل قطيعة أخرى.

يؤكد باشلار أن هذه القطائع تتطلب تغييرًا في الهياكل العقلية للعلماء، مما يسمح ببناء معرفة أكثر دقة وموضوعية. يقول: "العقل العلمي يجب أن يُشفى من أوهامه من خلال القطيعة مع الماضي". هذا المفهوم يعكس مقاربة معرفية تاريخية تركز على التحولات الجذرية في تاريخ العلم.

تقديم
لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه التحديد لديكارت هو ما إعتبره مؤرخو الفلسفة بداية وضع عدد من التجديدات ألإضافية النوعية الإنعطافية غير المسبوقة فلسفيا منها على سبيل المثال، إدخال النزعة العلمية في مباحث الفلسفة كمنهج يعلي مكانة العقل، الشك بأعتباره مهماز إستثارة الإهتمام بوجوب الوصول الى يقينية المعارف التي ندركها، الدعوة الى المنهج الذي يقوم على محددات وقواعد وأحكام تجعل من هدف البحث يقوم على ثيمات قصدية يروم تحقيقها إعتماد الشك في المنهج، الإبتعاد عن كل تشتيت ذهني بالتفكير لا يقود الى أهداف محددة سلفا، الحقيقة الفلسفية العقلية التي لا تقاطع المهيمن اللاهوتي الديني وليس المنهج التجريبي العلمي، ألإهتمام باليقينيات البديهية القائمة على الوضوح التام الخالي من الأرتياب والشّك قبل التسليم بتلك البديهيات التي إعتبرها ديكارت تحمل برهانها اليقيني معها في وجودها الحدسّي الظاهرالوضوح لا من خارجها البرهاني وجودا الذي لا تحتاجه. وغير ذلك من تفاصيل فلسفية ظهرت دعوة الإهتمام الفلسفي بها مع إنبثاق المنهج الفلسفي التفكيري الذي ضمّنه ديكارت كتابه المعروف (مقال في المنهج ). وهذه الورقة تتعرض بإقتضاب الى مناقشة بعضا من هذه التفاصيل التي ذكرناها متعالقة بالمنهج الديكارتي. . .

ماذا أراد ديكارت في المنهج؟

يعتبر كتاب ديكارت (مقال في المنهج) إنعطافة مفصلية على صعيد تخليص الفلسفة من هيمنة اللاهوت الديني الذي ساد القرون الوسطى في وصايته على كل من الفلسفة والعلم والعقل على حد سواء. وقد إعتمد ديكارت أسلوب الممانعة الناعمة على صعيد إتبّاع أسلوب ألمهادنة غير ألتصادمية بين دعوته وجوب خلق توليفة فلسفية تتقبل المنهج العام القائم على ألشك الموصل لحقيقة اليقين، كما تتقبّل المنهج التجريبي العقلي القائم على ألتجربة والتطبيق العملاني بالحياة، كما تتقّبل اللاهوت في مرتكزه القائم على الإعتراف بوجود الله خالق كل شيء ومنبع كل وجود الضامن لكل حقيقة. دليل ذلك تعبير ديكارت " الفكر هو المدرك – بكسر الراء – لذاته والذي هو في ذاته مدرك الموجود الكامل الله. منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة. " 1. طبيعي لايكون هذا التعبير الفلسفي لم يسبق به ديكارت أحدا من الفلاسفة، لكن جديد ديكارت في طرحه دعوة التوافق المنهجي الذي تتعايش فيه المتناقضات الاربع (الفلسفة، العقل، العلم، والدين) دونما إختلافات تصل الى حد ممارسة ألعداء المسّتحكم والدموي في أغلب الأحيان بينهم بكل السبل المتاحة المشروعة وغير المشروعة التي سادت العصور الوسطى وفي القرن السابع عشر الذي عاشه ديكارت بكل مهيمناته القروسطية. مثال ذلك تصادم اللاهوت الديني الكنسي الكاثوليكي بالضد من العلم الفلكي والفيزياء وتصفية رموزه العلمية وتحجيم دورهم. برونو، غاليلو، كوبرنيكوس، نيوتن. كبلر وغيرهم.

حتما يكون سارتر في فلسفته الوجودية التي يفخر ويعتز بها كرائد متفرد لها بلا منافس  في تبيان رأيه حول علاقة اللغة بالفلسفة الذي يحسب له اسبقية التنبؤ الرافض في أن يكون للغة كهوية تواصلية انثروبولوجية (فلسفة) متفردة تقوم على مراجعة تاريخ الفلسفة وقضاياه بضوء معالجة أخطائها في ما سمي التحول اللغوي ونظرية ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة في النص ولم تفصح عنه في خيانتها المراوغة للفكر والعقل معا...

فلسفة اللغة حسب ما نستنبطه عن رأي سارتر هو الوليد المحمول الاحشائي الذي ينمو في بطن الفلسفة الام وبولادته يميتها بحمى الولادة. سارتر يعتبر فلسفة اللغة لا يمكننا فرضها على تحليل مشاكل وقضايا الفلسفة المتوارثة عبر العصورمن داخلها. ومن غير الخروج على رأي سارتر (فلسفة اللغة) هي الديناميت الذي اراد تفجير الفلسفة داخليا فانفجر بيدي حامله قبل إتمام زراعتها في جسد واحشاء الفلسفة. ربما الرأي المخالف لهذا يرى في قديم سارتر لا يحكم معاصرة فلاسفة اللغة والتحول اللغوي وعلوم اللسانيات التي جعلوها الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين..

وهذا الرأي لسارترحول طفيلية فلسفة اللغة على الفلسفات الام كان إدانة ضمنية لفلسفة البنيوية التي عاصرها سارتر حين بدأت مشوارها الفلسفي اول نشاتها على حمولة فلسفة اللغة و نظرية المعنى في اللغة التي قادها شتراوس ودي سوسير، ثم بعد هجرفلاسفة البنيوية فلسفة اللغة بالتقادم الزمني عليها وفي وقت لاحق رفضهم ان تكون فلسفة اللغة هي الفلسفة الام التي ينبغي دوران كل الفلسفات المعاصرة حول مركزيتها. كما فعلت ذلك بتطرف فلسفي شديد كلا من الفلسفات التاويلية والتفكيكية والتحليلية المنطقية حلقتي فينا واكسفورد. حتى مفاهيم فلسفية فضفاضة لم يكن بالمقدور احتوائها لغويا مثل الوعي والادراك والمخيال والذاكرة والزمان باتت مفاهيم تدرك بدلالة دراسة تطبيق فلسفة اللغة عليها وليس العكس.

رفض سارتر تفسيرتاريخ الفلسفة المليء بالاخطاء والمطبّات حسب فلاسفة البنيوية أن تكون بدايته التصحيحية تبدأ من وسيلة مراجعة وتصحيح معنى الدلالة اللغوية الخاطئة في قصور التعبير عن معنى حمولة الافصاح غير المسكوت عنه، ودعا الى أن كل فلسفة تطغى عليها فلسفة اللغة بالتعالق العضوي معها الناشيء من إحشائها هي وليد تابع من رحم تاريخ الفلسفة الام التي لا تقود فلسفة اللغة الفلسفات الاخرى أو تكون بديلا عنها. قائلا ما معناه يمكن استنباط فلسفة لغوية خاصة من فلسفة الوجودية مثلا وهكذا مع باقي الفلسفات الاخرى. بمعنى أنه يمكن إستيلاد فلسفة لغة من كل فلسفة أم لها لا تحل محلها. ورأي سارتر يحتمل القول فلسفة اللغة هي وسيلة التفكير الفلسفي في التعبير عن رؤاها خارج معنى اللغة الطبيعي المحكوم بقواعد ونحو ومجازواستعارة وبلاغة وغيره التي حاولت تدخل كل فلسفة في محاولة نسفها وتفجيرها تشظيّا من الداخل وهو ما لاينكره دريدا مثلا ولا ينكره البرتو ايكو ولا عديدين من فلاسفة اميركان استسهلوا لعبة اللغة في التفكير الفلسفي استبطانيا مغلقا على نفسه جاعلين من تاريخ الفلسفة هامشا يدور في فلك فلسفة اللغة حصرا...

تقديم
إن المعضلة التي يطرحها تشابك الذاكرة والخيال قديمة قدم الفلسفة الغربية، منذ ما يقرب من 470- 399 ق. م أورث سقراط الفلسفة اليونانية اشكالية علاقة الذاكرة بالخيال في تيارين فلسفيين أحدهما تزعمه افلاطون الذي كان يدافع عن إدخال إشكالية الذاكرة في إشكالية الخيال، والمسار الثاني تزعمه ارسطو الذي يرتكز على ثيمة تمثل شيئا سبق إدراكه أو إكتسابه وتعلمه فيدافع عن إدخال إشكالية الصورة في إشكالية الذكرى، وعلى هذا المنوال لم يتوقف النقاش الفلسفي حول هذه الازدواجية الاشكالية بالفلسفة الى يومنا هذا. 1

وهنا أود التنبيه أن المناقشة الفلسفية حول تشابك الذاكرة بالخيال، تنطلق من أنهما مفهومان لهما علاقة ترابطية  في عملية الادراك العقلي بإعتبارهما وحدة زمانية تختلف في التعبير عن الزمان كتحقيب زماني - تاريخي في إتجاهين متعاكسين أن الذاكرة هي إستذكار خيالي لوقائع وأحداث الماضي، والخيال تصنيع لزمان مستقبلي آت كما تصوّره المخّيلة، ولا تشير المناقشات الفلسفية الى أهمية التاكيد أنهما جوهران متعالقان في التعبير التجريدي عن الاشياء مصدرهما تفكير العقل، الذي أجده يحل المشكلة من أساسها، لأننا من دون مرجعية العقل لا يمكننا الحديث عن عمل ذاكرة ولا عن عمل خيال لا في ترابطهما ولا في فصلهما عن بعضهما.

بين الذاكرة والخيال

على خلاف من ديكارت وبرجسون ومعهما فلاسفة آخرين من الذين أنكروا وجود علاقة ترابطية بين الذاكرة والخيال وأنكروا أيضا توليدية الذاكرة لأفكار الخيال وإرتباط المخيّلة بالذاكرة. في مقاربة هذه ألإشكالية الفلسفية يطرح بول ريكور تلازم الذاكرة والخيال بعلاقة ممكن الفصل بينهما بالقصدية التي تتلبس الوعي في الفهم الوجودي وفلسفة اللغة. فهو يؤكد حقيقة غير مشكوك بها فلسفيا على الاقل قوله" الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال، الذي كان قد عومل ومنذ زمان بعيد بكثير من الشبهة كما هو الحال عند ميشال مونتين وباسكال وسبينوزا."2

قبل دخولنا تفسير تفاصيل هذا الحكم الفلسفي لريكور الذي نستشف منه تغليبه قيادة الذاكرة في مسكها مقود الخيال وقيادته والهيمنة عليه، لذا يصبح معنا التساؤل مشروعا أيهما يقود ألآخر الذاكرة تقود الخيال أم العكس الخيال يقود الذاكرة في حالتي إقرارنا الانفصال أو الاتصال بينهما؟ أم لا علاقة تعسفية من هذا النوع التساؤلي يكون واردا في إعتمادنا حقيقة إنفصالهما، وهذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية ماهي مصادر أكتساب كلا من الذاكرة صفتها الادراكية، وكذا الحال كيف يكتسب الخيال أفكاره التخيلية وما هو مصدر تلك الافكار غير الذاكرة في حال جعلنا من إنفصال مفهومي الذاكرة والخيال عن بعضهما حقيقة قائمة لا بل موجبة كما سنرى في تعبير ريكور لاحقا.

والعقبة التي يتجاهلها الفلاسفة أن كلا المفهومين الذاكرة في ألاستذكارللماضي والمخيلة في تعبيرها عن الخيال  كمستقبل كلاهما جوهران تجريديان لا يمكننا معرفة أين موقعهما من تكوين الجسم في التبعية البايولوجية لمنظومة ألإدراك العقلي التي بدايتها الحواس، حتى في حال العودة أنهما نتاج عمل منطقة محددة خلوية في قشرة الدماغ أو في الفص الدماغي المّخي المسؤول عن توليد مثل تلك الفعاليتين التجريديتين الذاكرة والخيال التي هي من إختصاص علمي صرف في دراسة علم وظائف الاعضاء والجملة العصبية وعلم النفس.. وهو ما تتحاشى الفلسفة الاقتراب منه.

  الفكر والحركة
الفكر هو حركة الجسم حسب تعبير هوبز بمعنى أن الفكر هو حركة تغيير مستمر من ألصيرورة والانتقالات المتطورة ضمن مدرك قانون قالبي الزمان والمكان العقليين التي لا تستنفد فيها حركة الفكر طاقتها المتغيرة التوليدية الذكية بسهولة ما دام الفكر ملازما الانسان في كل لحظة من حياته.

والفكر هو بشكل وآخر وعي قصدي ناتج عن توليد العقل له في تعبيره اللغوي عن موجود معيّن كموضوع حسي او خيالي. وخاصية العقل هي اللغة ذات المعنى في أدراك الموجودات والاشياء في العالم الخارجي، وخاصية تفكير العقل الجوّاني الصامت المستمد من مخيلة الذاكرة هوايضا لغة صورية هي ذاتها اللغة الصورية في تعبير العقل الحسّي عن الموجودات في الطبيعة وعالم الاشياء والمحيط، والصمت لغة تأمل العقل لمواضيعه الداخلية المستمدة من الخيال تفكيرا صوريا. عليه تكون جميع ادراكات العقل الحسية والخيالية لا تتم عقليا بغير تمّثلات العقل لها صوريا لغويا. ادراك الوجود لغة حسب مقولة سيلارز.

واللغة بلا موضوع لا معنى لها وأستحالة عقلية تلغي ذكاء الانسان في الوعي القصدي المنظّم لادراك الاشياء، ولا يمكن للعقل التعبير تجريدا لغويا بمعزل عن موضوع يدركه. اللغة بمفهومها المتداول في التعبير عن المدركات العقلية هي لغة صورية واحدة تقوم على أبجدية الحروف والمقاطع وأصواتها ومن ثم تليها الكلمة وتليها الجملة كألفاظ عن مدلولات بغية توصيل المعنى المطلوب عن مواضيع الادراك الخارجية ومواضيع الادراك المستحدثة من خيال الذاكرة على السواء.الادراك العقلي لأي شيء في الطبيعة أوفي الخيال لا يمكن التفكير والوعي العقلي به من غيرتمّثّلات اللغة له تجريدا صوريا.

وما لا يدركه العقل لا يمتلك لغة الافصاح عنه كموجود أو كموضوع. ولا يعني هذا مجاراة الخطأ المثالي المعروف لدى بعض الفلاسفة ما لا يدرك عقليا غير موجود..فوجود الشيء في العالم الخارجي مستقل عن أدراكه الحسي والتعبير اللغوي عنه. وجود الشيء لا يتلازم مع ضرورة أدراكه في التعبير عنه لغويا. كما أن ادراك الشيء لا يعني معرفته فالادراك هو الوعي بالشيء الذي يمّثل اولى درجات معرفة ذلك الشيء.. ومعرفة الشيء تماما هو سلسلة مترابطة من الادراكات المتتالية.

وحين يكون الفكر ملازما لحركة الجسم حسب هوبز فهو يعنى بالانسان في حركته الدائبة المستمرة غير الثابتة ولا المستقرة بمكان وزمان معينين لذا يكون الفكر المعبّر عن هذه الحركة والانتقالات لا يستنفد طاقته بثبات زائف كخطاب ينهي تأويل ملاحقة المعنى اللغوي بالاضافة المستمرة له ومعرفة الشيء...الفكر حيويته الحركية في مواكبته التغيرات الحاصلة في حركة الانسان التي هي السلوك الطبيعي تجاه ما يصادفه بالحياة من مواقف وأمور تتطلب أعمال العقل بها ومعالجتها واتخاذ الموقف اللازم بشأنها. والفكر حركة لغوية متغيرة ملازمة للسلوك الفردي والسيسيولوجي .

الاغتراب Alienation هو غير العزلة النفسية self-estrangement كما يحلو الخلط للبعض بين المضمونين والمصطلحين. وسواء اكانت العزلة سوية (صحية) غير مرضية او كانت عزلة نفسية بعوارض مرضية –مثل انفصام الشخصية، او الذهان العقلي، او العصاب النفسي… الخ فهي لا تمثل شكلا اغترابيا من اشكال الاغتراب  وانماهي مرض لا غير. الاغتراب موقف من الحياة وليس انسحابا منها.

وان كان يفترض مسبقا و يشترط ان يكون كل موقف او مظهر اغترابي تستوطنه، تدخله، تتقمصّه عزلة نفسية، هي في نظر علم النفس الطبي و العقلي ان جميع اشكال العزلة النفسية مرضية وموقف سلبي من الحياة، الا انها تختلف لدى الاغترابي المثقف او الشخص  المبدع في (درجة) و( نسبية ) المرض. والا انتفت خاصية الابداع الفني الجمالي عنده حين يكون الاغتراب حالة لجم وتقعيد الفعالية الابداعية.

فالعزلة النفسية لدى الاغترابي المثقف المبدع، عزلة نفسية غير مغيّبة أي بمعنى تعي ذاتها وتدرك محيطها وتعرف بواعث عزلتها، لذا فقد يكون الفرد الاغترابي عصابيا نفسيا من نوع ما وقد يكون معافى نفسيا. فالعزلة النفسية لدى الاغترابي ضرورية لترك مسافة الرصد والمعاينة لوعي الذات اكثر ورغبته الاكيدة في التأثر والتأثير بالمحيط .. وهذا ما لا نجده لدى المصاب المريض بالعزلة النفسية المرضية غير المنتجة، عليه لا تكون كل اشكال العزلة النفسية او حالات العصاب النفسي بالضرورة تشكل ظواهر اغترابية منتجة تعي اغترابها الذاتي.

والاغترابي الثقافي، عند المبدع بالتحديد ربما لا تكون عزلته النفسية من وجهة نظر طبية نفسية عقلية تمثل انفصاما شخصيا تفقد صاحبها قدرة الابداع او التأثر او التاثير بالاخرين و المحيط، بينما تكون بعض حالات العصاب النفسي او الانفصام او الذهان العقلي وغيرها امراضا مصحوبة بعوارض وعلامات وسلوك وتفكير مريض تفقد صاحبها قدرة التعامل السوي مع المحيط، فهو غير مدرك (لذاته) ولا يعي (الموضوع) وعيا عقلانيا سليما.

     فَلسفةُ الجَمَالِ هِيَ فَرْعٌ مِنَ الفَلسفةِ يَدْرُسُ طَبيعةَ الجَمَالِ والذَّوْقِ والفَنِّ ، في الطبيعةِ والأعمالِ البشريةِ والأنساقِ الاجتماعية، وَيُكَرِّسُ التفكيرَ النَّقْدِيَّ في البُنى الثَّقَافيةِ بِكُلِّ صُوَرِهَا في الفَنِّ، وَتَجَلِّيَاتِها في الطبيعة ، وانعكاساتِها في المُجتمع، وَيُحَلِّلُ التَّجَارِبَ الحِسِّيةَ، والبُنى العاطفية ، والتفاصيلَ الوِجْدَانِيَّة ، وَالقِيَمَ العقلانيةَ ، التي تُوضِّح سَبَبَ شُعورِ الإنسانِ بالرَّاحَةِ والمُتعةِ عِندَ رُؤيةِ الأشياءِ الجميلة .

     والسُّؤالُ الأساسيُّ في فَلسفةِ الجَمَالِ : هَل الجَمَالُ ذَاتيٌّ يَكْمُنُ في عَيْنِ الناظرِ أَمْ أنَّه مِيزَة مَوضوعية مَوجودة في الأشياءِ الجميلة ؟ . وَبِعِبَارةٍ أُخْرَى ، هَلْ مَصْدَرُ الجَمَالِ هُوَ خَاصِيَّة مَوضوعية في الأشياء أَم استجابة ذاتية في الإنسان ، أمْ نتيجة للتفاعل بينهما ؟ .

     إنَّ الجَمَالَ مَوجودٌ في العَقْلِ الذي يَتَأمَّلُه ، وكُلُّ عَقْلٍ يُدْرِكُ جَمَالًا مُخْتَلِفًا ، والذَّوْقُ يَلْعَبُ دَوْرًا مُهِمًّا في هَذا المَجَالِ ، وَيُقَدِّمُ حُكْمًا جَمَالِيًّا خَالِصًا ، وَلَيْسَ حُكْمًا مَعْرِفِيًّا ولا مَنْطِقِيًّا . والجَمَالُ مَفهومٌ مُتناقضٌ وَمُتَشَعِّب ، حَيْثُ تَختلف وِجْهَاتُ النظرِ حَوْلَه بَيْنَ فَيلسوفٍ وآخَر . وَقَدْ رَبَطَ الكثيرون مَفهومَ الجَمَالِ بالقِيَمِ الإيجابيةِ المُطْلَقَةِ ، مِثْل : الخَيْر والحقيقة والعَدْل . ويَرى البعضُ أنَّ مَفهوم الجَمَالِ مُرتبط بالاستمتاعِ والمَشاعرِ ، في حِين يُركِّز آخَرُون على الجانبِ العَقلانيِّ والمَنْطِقِيِّ .

     تَتَوَزَّعُ فَلسفةُ الجَمَالِ عِندَ الفَلاسفةِ بَيْنَ رُؤى مُختلفة ، مِنها : اعتبارُ الجَمَالِ خَاصِيَّة في الشَّيْءِ نَفْسِه مِثْل التوازنِ والتناسبِ ( أفلاطون وأَرِسْطُو )،أوْ كَمَفهوم مُرتبط بالخَيْرِ والكَمَالِ ( توما الأكويني ) ، أوْ هُوَ حُكْمٌ ذاتيٌّ يَعْتمد على تَجْرِبَة الشَّخْصِ وَذَوْقِه الخاص ، وَهَذا الذَّوْقُ يُمْكِن تَنْميته وتَثقيفه مِنْ خِلال الخِبرة ( فَلاسفة التَّنْوير مِثْل ديفيد هيوم ) ، أوْ أنَّ الجَمَالَ يَكْمُنُ في عَلاقةٍ ذاتيَّة بَيْنَ الإنسانِ والعَالَمِ ، والإنسانُ هُوَ مَنْ يُضْفِي عَلى العَالَمِ جَمَالَه ، وأنَّ الجَمَالَ مَا هُوَ إلا انعكاسٌ لِصُورةِ الإنسانِ في الأشياءِ ( نيتشه ) ، أوْ أنَّ الجَمَالَ مُرتبطٌ بالإرادةِ والفِكْرِ الإنسانيِّ، وَهُوَ صِفَةٌ نِسْبِيَّة عَلى عَلاقة وَثيقة بالإنسانِ ، نَوْعًا وإدراكًا ، وَلَيْسَ صِفَةً مُطْلَقَة ( شوبنهاور ) ، أوْ هُوَ مُصالحة بَيْنَ الأجزاءِ الحِسِّيةِ والعَقْلانيةِ مِنْ طَبيعةِ الإنسانِ ( فريدريش شيلر )، أوْ أنَّ الجَمَالَ لَيْسَ صِفَةً في الشَّيْءِ نَفْسِه ، بَلْ هُوَ استجابة ذاتيَّة ، ولكنْ بِطَابَعٍ عالميٍّ ، ولا يَتَعَلَّق الأمْرُ بِمَنفعةِ الشَّيْء ( كانط ) .

     إنَّ أفكارَ الإنسان الفلسفية تُشكِّل نَظْرَتَه للجَمَالِ ، وتُؤَثِّر عَلَيْه ، كَمَا أنَّ مَشاعرَ الإنسانِ تتأثَّر بِتَصَوُّرَاتِه ومَفَاهيمِه عَن الجَمَالِ ، فإذا نَظَرَ إلى البيئةِ التي مِنْ حَوْلِه عَلى أنَّها جَميلة وَمُمْتِعة مِنَ النَّاحِيَةِ الجَمَالِيَّة ، فإنَّ هَذه النَّظْرَة الإيجابية تَنعكِس عَلى مَشَاعِرِه ، فَتُؤَثِّر عَلَيْهِ بِطَريقةٍ إيجابية .

مقدمة
"لعل الفضيلة الأسمى في قرننا هي مواجهة اللاإنسانية دون أن نفقد الإيمان بالناس"

يُعدتبر ريمون آرون (1905-1983) أحد أغمض المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين، حيث امتاز بمساهماته الفكرية العميقة في علم الاجتماع، الفلسفة السياسية، والعلاقات الدولية. تميّزت أعمال آرون بمحاولته فهم الديناميات الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الصناعية الحديثة، مع التركيز على الصراعات بين الأنظمة السياسية كمحرك أساسي للتاريخ، بدلاً من الصراع الطبقي الذي ركّزت عليه الفلسفة الماركسية. كما تناول آرون في كتاباته قضايا الوعي التاريخي، محاولاً تفكيك أوهام التقدم التي سادت في عصره، وانتقد بشدة الأيديولوجيات الشمولية، مثل النازية والستالينية، التي رأى أنها أغرقت العالم في حروب مدمرة. في الوقت ذاته، أثار آرون تساؤلات حول إمكانية تحقيق السلام الدائم بين الدول، معتبراً أن التنافس السياسي والأيديولوجي يجعل هذا الهدف شبه مستحيل. يهدف هذا المقال إلى استكشاف أفكار آرون حول مراحل الفكر الاجتماعي، أبعاد الوعي التاريخي، وموقفه من الحروب واستحالة السلام، مع الاستناد إلى أهم أعماله وتسليط الضوء على إسهاماته الفكرية.

مراحل الفكر الاجتماعي عند ريمون آرون

"لا يمكن قبول أي عقيدة أخلاقية أو دينية، على الأقل في محتواها الفكري، إذا لم تصمد أمام نقد العلم."

ركّز ريمون آرون في كتابه مراحل الفكر السوسيولوجي على تتبع تطور الفكر الاجتماعي منذ مونتسكيو إلى ماكس فيبر، مروراً بكارل ماركس وأليكسيس دو توكفيل. يرى آرون أن علم الاجتماع يسعى إلى فهم الواقع الاجتماعي بشكل شامل، دون عزل أي جانب من جوانبه، سواء كان اقتصادياً، سياسياً، أو دينياً. في هذا السياق، يؤكد آرون أن حركة المجتمعات لا تقتصر على الصراع الطبقي، كما زعم كارل ماركس، بل إن الصراع بين الأنظمة السياسية يشكل قوة دافعة أكثر تأثيراً. في كتابه ثمانية عشر درساً في المجتمع الصناعي، تناول آرون الجوانب الاقتصادية للمجتمعات الصناعية، بينما ركّز في صراع الطبقات على الجوانب الاجتماعية، وفي الديمقراطية والتسلط على الجوانب السياسية. هذه الثلاثية تعكس منهجية آرون في دراسة المجتمع ككل متكامل، حيث لا يمكن فهم أي ظاهرة اجتماعية دون مراعاة التفاعلات بين مختلف الأبعاد. كما تأثر آرون بماكس فيبر، خاصة في مفهوم "الأنماط المثالية"، الذي استخدمه لتحليل التاريخ والمجتمع بعيداً عن التفسيرات الوضعية الصلبة. آرون، في مقاربته للفكر الاجتماعي، دعا إلى "نزع الأيديولوجية" عن العلم، معتبراً أن الأيديولوجيات، مثل الماركسية، قد شوهت فهم الواقع الاجتماعي من خلال فرض تفسيرات مسبقة. هذا الموقف جعله ينتقد المثقفين الذين تبنوا الماركسية كـ"أفيون" يعميهم عن رؤية الحقائق، كما جاء في كتابه الشهير أفيون المثقفين عام 1955.

مقدمة
" الفلسفة هي أكثر من مجرد تخصص أكاديمي؛ فهي طريقة لرؤية العالم والتفاعل معه. "

نسعى من خلال هذا العنوان إلى تعميق فهمنا للتمييز المفهومي والسياقي بين السؤال الفلسفي والإبداع الفني من خلال مقاربة تداولية، مع التركيز على كيفية تشكل المعاني والوظائف في سياقات تواصلية مختلفة. يمثل السؤال الفلسفي أداة أساسية للتفكير النقدي، بينما يُشكل الإبداع الفني تعبيرًا جماليًا وعاطفيًا. على الرغم من التقاطعات بينهما في استكشاف القضايا الإنسانية، إلا أن الفروقات في الأهداف، المنهجيات، والسياقات تظل جوهرية. في هذا التوسع، سيتم تقديم أمثلة إضافية وتحليل أعمق لأعمال فنية وأسئلة فلسفية محددة، مع التركيز على وظائفها التداولية وتأثيرها في سياقاتها. فلماذا اعتبر البعض "الفلسفة تقدم إجابات غير مفهومة لأسئلة غير قابلة للحل"؟ هل يمكن للفن تعويضها؟ وماهي الفروقات من جهة المفهوم والسياق بين السؤال والابداع في الفلسفة والفن من وجهة نظر تداولية؟ وألا توجد تقاطعات عديدة بينهما؟ وماهي تبعات هذه التقاطعات على الصعيد الأكسيولوجي والتأويلي؟

 المقاربة التداولية

"قبل أن تبدأ في الفعل، عليك أن تفكر وتتروى وتتداول في الأمر مع غيرك..."

المقاربة التداولية، المستندة إلى أعمال جون أوستن وجون سيرل، تركز على الأفعال الكلامية وكيفية تحقيق اللغة والتعبير لوظائف محددة في سياقات اجتماعية وثقافية. يُمكن تحليل السؤال الفلسفي كفعل استفساري يهدف إلى استكشاف الحقيقة أو تحليل المفاهيم، بينما يُعد الإبداع الفني فعلًا تعبيريًا يسعى إلى إثارة العواطف أو تقديم رؤى جمالية. يتم تحديد المعنى في كلا المجالين بناءً على النوايا، توقعات الجمهور، والسياقات المؤسساتية.

 التمييز المفهومي

"السؤال ليس: هل يستطيع الناس التفكير؟ أو هل يستطيعون التكلم؟ بل: هل يستطيعون المعاناة؟"

من المعلوم الثابت في تاريخ الفلسفة جيدا انقسام الفلاسفة قسمين أحدهم ينادي بألمعرفة ألفطرية، يقابلهم المنادون بألمعرفة المكتسبة، لعل أبرز إثنين هما ديكارت وكانط دعاة ألمعرفة ألفطرية، يقابلهم جون لوك وديفيد هيوم دعاة ألمعرفة ألمكتسبة في الفلسفة الغربية الحديثة. وفي محاولة توفيقية وسطيّة لحل هذا التناقض الإنقسامي ذهب لا يبنتيز الفيلسوف الألماني ألمعروف أن المعرفة الإنسانية فطريّة ومكتسبة في آن واحد وسيرورة معرفية زمنية في وقت واحد.

يقرر " لايبنتيز " أن المعرفة فطرية ومكتسبة معا، ويرفض وجود تعارض بين هذين النوعين من ألمعرفة، وبألتالي أتخذ موقفا مخالفا للنظرتين الفلسفتين السائدتين في عصره النظرية الديكارتية التي ترى المعرفة فطرية، وجون لوك الذي يعتبرها مكتسبة " 1.، ومنذ الآن نعّبر عن وجهة نظرنا في حقيقة لا يوجد سوى معرفة مكتسبة فقط مهما تبدّلت وتعدّدت المسمّيات.. ألمعرفة إدراك موجودات لاحصر لها في تنوّعاتها وهي لا توجد في ذهن ألانسان إلا بتأثير مصدر خارجي في عالم الموجودات والعلوم والطبيعة ومختلف الظواهر التي تحيط الفرد والمجتمع.

لايبنتيز والتوفيقية المعرفية

لا يبنتيز كما نفهم من عبارته أراد تعميق التفريق بين معنى ألفطرة التي تنطبق عليها جميع ما تشتمل عليه من الغرائز التي يورثها الفرد كمعطى جيني في الكروموسومات أوما يصطلح عليه اليوم الحمض النووي DNA، وبين الإستعداد الفطري الذي هو مزيج من معرفة قبلية مكتسبة وليست فطرية مخزّنة بألذاكرة والمخّيلة الموضوعة تحت تصرف ألتفكير الذهني بها، ويتداخل مع هذا ألإستعداد الذي يطلق عليه خطأ فطريا وفي حقيقته مكتسبا كما ألمحت له.برأينا لو كانت معارفنا فطرية أو حتى متداخلة بين الفطرة والإكتساب، فلا يمكن في كلتا الحالتين الذهاب نحو معرفة فطرية تشمل جميع ألغرائز المزّود بها ألفرد وتلازمه منذ الولادة في تزامنيه قبلية مدى ألحياة. أذن لو كانت المعارف هي حصيلة فطرية معطاة بالولادة غير مكتسبة من العالم الخارجي والمحيط، يرثها الانسان عن الابوين بالفطرة الوراثية يولد مزوّدا بها كمعطى جاهز... لأنتفت ألحاجة إلى سعي الفرد أكتساب معارف جديدة من العالم الخارجي في مختلف مناحيه المجتمعية والسلوكية والأخلاقية والعلمية وهكذا.الإستعداد ألفطري للتّعلم والتزّود بألمعرفة عند ألانسان، ليس فطريا بل مكتسبا بألتمام، وكل إستعداد فطري هو معرفة بعدية مصدرها تداخل الفرد بمجتمعه مدى الحياة. وهذه تسبق كل فكرة يختزنها ألفرد على أنها فطرية هي في حقيقتها تخزين خبرة تراكمية بالذاكرة وألذهن مصدرها موجودات العالم الخارجي. كل معرفة يمتلكها ألذهن على إعتبارها فطرية بأي وسيلة كانت إنما هي في حقيقتها الجوهرية معرفة مكتسّبة نتيجة خبرة تجريبية تراكمّية مصدرها العالم الخارجي، ومن واقع الفرد يعيش ضمن مجتمع يحتويه يزّوده بكل المعارف التي يحتاجها في حياته.

هنا لا بد لنا من تثبيت نموذج واحد عن تفكير فيلسوف وأديب فرنسي نال جائزة نوبل في الادب هنري برجسون حين يوغل بالتجريد الميتافيزيقي ليزيد الفلسفة ترهّلا لغويا تجريديا أكثر قائلا:

  • "عندما لا يقلقني شيئا، فإن هذا يكون مثار قلقلي بالذات " برجسون
  • "اننا لا نستطيع عند التفكير بذاتنا إلا لكي نفكر بالاشياء" برجسون
  • "هجرنا الاشياء يعني حكما العودة الى ذاتنا" برجسون
  • " لا يمكننا التفكير ذاتيا خارج مدركات ما تدركه الذات من أشياء حولنا ومواضيع مجردة تشغل تفكيرنا" برجسون

ربما لا تكون هذه العبارات المجتزأة كافية للحكم على فلسفة برجسون تماما. وما ألزم نفسي به هو مناقشة هذه العبارات لا غيرها ولست بصدد مراجعة ونقد تاريخ برجسون الفلسفي فهو ما لا يحتمله مقال ولا يستطيعه باحث واحد :

  • العبارة الاخيرة تناقض عبارتيه الثانية والثالثة، والعبارة الاخيرة صائبة تماما. أما العبارة الاولى فهي خطأ فلسفي لا يبرره منطق الفلسفة ولا منطق العقل.
  • الذات جزء لا يتجزأ منإدراكنا الاشياء من حولنا، وهذا الوعي بالاشياء هو الذي يمنح ذواتنا وجودها الحقيقي. وأي إنكفاء نحو الذات إستبطانيا خارج الذات كجوهر ملازم لوجود الجسم، فهو لا يفارق خاصّيته بأن الذات لا يمكنها أن تكون موضوعا مستقلا عن تفكير العقل بالاشياء.
  • كل تجريد للذات عن موضوعها مضيعة وقت وقصدية تفكيرية مجردة لا يمكن تحقيقها. وعي الذات تجريديا بالفكر لا يمنح الذات إثباتا وجوديا حقيقيا الا بدلالة المغايرة مع الاشياء المادية أو بالفكر المغاير له.. والادراك ليس وسيلة موضعة تجريدية للذات بالاشياء. فالادراك هو تصور لغوي تجريدي يختلف بعدم المجانسة لا مع الاشياء ولا مع الذات. الذات والاشياء جوهران ماديان من ناحية الوجود الانطولوجي المتحقق في وعي قصدي للذات لا تمتلكه الاشياء في وجودها المادي المستقل، فهي لا تعي ذاتها ولا تعي ذات الانسان التي تدركها. بينما الادراك هو تصور وعي الذات للاشياء تجريديا، فالادراك لا يمتلك خصائص الذات الجوهرية التي تعي إدراك الاشياء بنفس وقت وعيها لذاتها هي. الذات وعي شمولي غير محدود، والادراك وعي محدود بحدود مدركاته من الاشياء منفردة.
  • الذات هو وعي المغايرة بالاشياء وليس وعي المطابقة بها أو مع النفس كتجريد خيالي يلازمه موضوع تفكيره بعيدا عن محصلة تأثير الواقع.. الذات لا يحدّها التجريد وجودا بل يحدها الادراك الشيئي الموضوعي للمادة. الذات خارج ادراك موضوعها الملازم لها يتعذر وجودها تجريديا ولا حتى سلوكا نفسيا ايضا. الذات بلا موضوع هي استحالة ادراكية.
  • لا توجد واقعة حقيقية لما عبّر عنه برجسون أنني عندما لا أجد ما يقلقني فهذا لوحده يكون مثار قلق عندي، لكن السؤال هو القلق بماذا في حال غياب موضوع يقلق الانسان به.؟ هل يكفي حسب تعبير برجسون أن نقلق حينما لا نجد ما يقلقنا؟ الانسان قبل أن يثبت وجوده بالقلق فهو وجود يلازمه القلق في أصغر وأكبر الاشياء وقضايا الحياة. الانسان سيرورة من القلق الوجودي غير المفارق له مدى الحياة.
  • القلق حالة من حالات النفس، بل القلق جوهر ملازم خفي وعلني في كل حالات انتقالات وعي الذات في إدراكها الاشياء بالمغايرة بوعي الذات لها وفي وعي موجودات العالم الخارجي.. علما أن جميع الفلاسفة يستعملون لفظة الجوهر مجازيا في التعبير عن مقصود غير مدرك ولا يمكن إثباته والبرهنة على وجوده كما يجري التعبير عن جوهر النفس وعن جوهر المكان وعن جوهر الزمان وعن جوهر الروح وهكذا. الاشياء جميعها من حيوان ونبات وجماد لا تمتلك جوهرا ولا ماهية خارج صفاتها الخارجية المدركة باستثناء الانسان الذي يمتلك جوهرا وماهية هي من تصنيعه له من خبراته المكتسبة بالحياة. وجوهر الانسان على خلاف الحيوان تكون صفاته الخارجية لا تمثل جوهره تماما. الذات ليس جوهر الانسان بل جوهر الانسان هو ما يصنعه.
  • حين يكون القلق جوهرا ملازما لذات الانسان، فإن إرادة الانسان تعطيل فاعلية هذا الجوهر وإنفصاله عن الذات غير ممكن تحققه. وفي حال تعطيل الانسان لجوهره يلجأ التعبير عن مأزقه بعبارت لغوية لا تعبّر عن معنى حقيقته الوجودية. علما أن القلق ليس جوهرا نفسيا يجري التعبير المجازي اللغوي عنه بالسلوك القصدي بل هو ملازمة الموجود غير المدرك في وجوده.. القلق نوع من العدم الذي يلازم الانسان مدى الحياة. ولا يوجد صحة لما يعبّر برجسون أنا أقلق عنما لا أجد ما يقلقني. تقلبات النفس لا ارادية تنبثق في تداعيات تسبق وعي الانسان بها.