طالما ارتبطت الحرب في الوعي الإنساني بالدمار والخراب، واعتُبرت نقيضًا للتقدم والحضارة. غير أن تاريخ الأفكار، كما تاريخ الوقائع، يكشف أن الحروب غالبًا ما ترافقت مع تحولات كبرى أعادت تشكيل أنماط السلطة والإنتاج وحتى المعنى. إن الحرب باعتبارها امتدادا للسياسة كضرورة تاريخية تظهر في لحظات الانسداد البنيوي داخل النظم الحضارية وفشل تحقيق الأهداف عبر المسار السياسي الدبلوماسي. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب لا تُفهم كحدث عرضي أو انحراف أخلاقي للقادة السياسيين والعسكريين، بل كآلية تاريخية تُستدْعَى حين تعجز البنى السياسية والاقتصادية والفكرية القائمة عن استيعاب تناقضاتها الداخلية. إذن هل حقا تمثل الحرب ضرورة تاريخية لتحقيق النقلة الحضارية، أم أنها مجرد نتيجة عرضية لأزمات قابلة للحل بوسائل سلمية؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال المؤطر لهذه الورقة عبر تفكيك العلاقة الجدلية بين الحرب والتحول الحضاري، مع إضاءة نقدية على السياق العالمي الراهن، وذلك بالاستناد إلى فلسفة التاريخ عند كل من هيغل، والنقد المادي للتاريخ عند كارل ماركس، وتحليل النظام العالمي عند إيمانويل والرشتاين، ونظرية أفول القوى العظمى عند بول كينيدي، ناهيك عن مفهوم القرار والسيادة عند كارل شميت.

بداية دعنا نلقي نظرة على ما تعرفه الولايات المتحدة الأمريكية كفاعل أساسي في الساحة الدولية وكقوة عظمى خصوصا على المستوى الاقتصادي باعتباره المحرك الأساسي لأي حرب في الأنظمة الرأسمالية.

1) في التوتّر القائم في العقل من جهة المغالطات
العقل: بين التميّز الفطري والتناقض الجوهري
يتميز الإنسان بالعقل، تلك القوة الفطرية التي تجعله "بشرياً" وتميزه عن الحيوان، كما أشار ديكارت. وهو يملك – بحكم فطرته – القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ في المعرفة، وبين الخير والشر في الأخلاق. لكن هذا العقل نفسه يحمل تناقضاً أساسياً: فهو في آنٍ واحد أداة للكشف عن الحقيقة وأداة لصناعة الزيف.
مفارقة الوعي بالمغالطات والمغالطات التي تقوم على الوعي:
لا يمكن للتفكير أن يوجد دون "وعي بالمغالطات"، فجزء من عمل العقل هو التشكيك والفحص والتحرر من المغالطات. لكن في المقابل، "لا وجود لمغالطة دون وعي وتفكير"، لأن المغالطة – في معناها العميق – ليست خطأً عفوياً، بل هي فعل قصدي وإرادي يهدف إلى تضليل الآخر أو خداع الذات. وهنا تكمن المفارقة او التوتر: العقل هو الذي يقع في المغالطة، وهو نفسه الذي يكشفها.
من العقل الفطري إلى العقل الأداتي:
إذا كان العقل في تصور ديكارت "حساً سليماً" موزعاً بين الناس بالتساوي، فقد تحوّل في الفترة المعاصرة – كما تظهر مدرسة فرانكفورت – إلى "عقل أداتي": أداة للهيمنة والتلاعب والاستلاب. لم يعد العقل وسيلة للتحرر، بل أضحى أداة "لعقلنة" الواقع المفروض، وجعل الإنسان كائناً ذا "بعد واحد" (كما وصفه هربرت ماركوز
المغالطة كنظام: الإرادة المؤسساتية للتضليل
لا تقتصر المغالطة على الفرد، بل تمارسها "المؤسسات" (السياسية، الإعلامية، الاقتصادية) بشكل منظّم وقصدي، لخلق "وعي زائف" أو "حقيقة مُصنَّعة". وهذا ما يجعل الوعي النقدي شرطاً أساسياً للتفكير الحر: ليس وعياً بالمغالطات فحسب، بل وقدرة على تمييز الآليات التي تصنعها وتُعمّمها.

مقدمة
في مجال الإبستمولوجيا، أي علم المعرفة، يبرز مفهوما الباراديغم والنموذج كأدوات أساسية لفهم كيفية تطور المعرفة البشرية وتشكلها داخل السياقات العلمية والفلسفية. يعود مفهوم الباراديغم إلى توماس كون، الفيلسوف والمؤرخ للعلوم، الذي طوّره في سياق دراسته لتاريخ العلوم، بينما يأتي مفهوم النموذج من آلان باديو، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، الذي يربطه بنظريته في الأنطولوجيا والرياضيات. ورغم أن كلا المفهومين يتعلقان ببناء المعرفة وتحولها، إلا أنهما يختلفان جذريًا في دلالاتهما النظرية وتطبيقاتهما الإجرائية، مما يعكس تحولًا في النظرة الإبستمولوجية من التركيز على الثورات العلمية التاريخية إلى الالتزام بالأحداث الراديكالية والحقائق الرياضية. في هذه المقاربة الإبستمولوجية، سنستكشف هذين المفهومين بشكل موسع، مع التركيز على الفرق الدلالي الذي يتعلق بمعاني المصطلحين الأساسية، والإجرائي الذي يتناول كيفية عملهما في بناء المعرفة، لنكشف عن كيفية مساهمتهما في فهم الديناميكيات المعرفية في عصرنا.

المفهوم بين توماس كون وآلان باديو
يبدأ فهم الباراديغم عند كون من سياقه التاريخي والعلمي، حيث يراه إطارًا شاملًا يحدد الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى العالم ويحلّون مشكلاته. في نظر كون، الباراديغم ليس مجرد نظرية أو افتراض، بل هو نظام متكامل من المعتقدات والقيم والممارسات التي تشكل «العلم العادي» في فترة معينة، مما يجعله أشبه بـ«عالم نظري» يوجّه البحث العلمي. على سبيل المثال، الباراديغم النيوتوني في الفيزياء يشمل ليس فقط قوانين الحركة، بل أيضًا الافتراضات حول الزمان والمكان المطلقين، والأدوات المنهجية للتجريب. هذا المفهوم يعكس نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة العلمية كبناء اجتماعي وتاريخي، حيث يسود الباراديغم خلال فترات «العلم العادي» الذي يركز على حل الألغاز داخل الإطار الموجود، لكنه ينهار عند مواجهة «الشذوذات» التي لا يمكن تفسيرها، مما يؤدي إلى «ثورة علمية» تنقل إلى باراديغم جديد. إبستمولوجيًا، يؤكد كون عدم التوافق بين الباراديغمات، أي أن الباراديغم الجديد لا يبني على القديم بشكل تراكمي، بل يغير النظرة إلى العالم كله، مما يجعل المعرفة غير محايدة ومتأثرة بالسياقات الاجتماعية والثقافية. هكذا، يصبح الباراديغم أداة لفهم كيف تتطور المعرفة ليس عبر التقدم الخطي، بل من خلال قفزات جذرية تعيد تشكيل الواقع المعرفي.

مقدمة
"هل يلعب المرء لعبة السلطة ويندمج في الدولة أم لا؟" (1)
يُعتبر نيكولاس بولانتزاس (1936-1979) أحد أبرز المنظّرين الماركسيين في القرن العشرين، وخاصة في مجال نظرية الدولة الرأسمالية. تأثر بولانتزاس بالمدرسة البنيوية الماركسية، ولا سيما أعمال لويس ألتوسير، وطور نظرية تجاوزت التصورات التقليدية للدولة كأداة طبقية محايدة أو كيان مستقل. بدلًا من ذلك، رأى الدولة بوصفها «تكثيفًا ماديًا» لعلاقات القوى الطبقية، حيث تكون ميدانًا للصراعات الاجتماعية والاقتصادية. في كتبه الرئيسية، مثل القوة السياسية والطبقات الاجتماعية (1968) والدولة، القوة، الاشتراكية (1978)، يقدم بولانتزاس تحليلًا ديناميكيًا للدولة في الرأسمالية المتقدمة، مع التركيز على دورها في دعم الوظائف الاقتصادية، وكشف ميزان القوى بين الطبقات، والتوسع البيروقراطي اللامحدود، والإمكانيات النضالية للانتقال إلى اشتراكية ديمقراطية. تأتي أهمية بولانتزاس في سياق الأزمات الرأسمالية والتحولات السياسية في السبعينيات، مثل سقوط الدكتاتوريات في أوروبا الجنوبية وصعود اليوروكوميونيزم. يرفض بولانتزاس النظريات الاقتصادوية أو الإرادوية، مؤكدًا أن الدولة ليست مجرد أداة للطبقة الحاكمة، بل هي علاقة اجتماعية مشبعة بالتناقضات الطبقية. ستستعرض هذه الدراسة هذه العناصر بشكل موسع ومسترسل، مستندة إلى أعماله الرئيسية وتحليلاته للرأسمالية الاحتكارية. فما هي نظرية الدولة عند نيكولاس بولانتزاس بين دعم الوظائف الاقتصادية، والكشف عن ميزان القوى، والتوسع البيروقراطي غير المحدود، والنضال الشعبي من أجل اشتراكية ديمقراطية؟

مقدمة
في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، يبرز التفكير الفلسفي كأداة أساسية لفهم الوجود البشري. العبارة «التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد» تلخص جوهر الفلسفة كعملية إعادة بناء المعرفة من أساسها، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والتقاليد الموروثة. هذه العبارة، التي تتردد في سياقات فلسفية عربية وغربية، تعكس فكرة أن الفلسفة ليست مجرد تكرار للأفكار القديمة، بل هي جهد حاذق – أي ذكي ومتبصر – لإعادة النظر في الواقع من نقطة الصفر. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الفكرة بشكل موسع، من خلال تحليل تاريخي ونظري. سنبدأ بتتبع أصول التفكير الفلسفي، ثم نناقش مفهوم «الحذق» في السياق الفلسفي، وأخيرًا نستعرض كيف يمثل هذا التفكير محاولة للبدء من جديد في مواجهة التحديات المعاصرة. تعتمد الدراسة على مصادر فلسفية كلاسيكية وحديثة، مع التركيز على السياق العربي-الإسلامي لتعزيز الصلة الثقافية. فكيف يمكن استئناف القول الفلسفي على نحو مختلف؟

أصول التفكير الفلسفي: من اليونان إلى العصر العربي الإسلامي
يُعد التفكير الفلسفي نشاطًا بشريًا قديمًا، يعود إلى حضارات مثل الفراعنة واليونانيين. وكما يشير بعض الباحثين، فإن الفلسفة لا بداية لها ولا تاريخ محدد، إذ كانت موجودة في أشكال أولية عند الفراعنة قبل أن تتبلور في اليونان. في اليونان، كان سقراط (470-399 ق.م) رائدًا في هذا التفكير الحاذق، حيث اعتمد على المنهج الجدلي (المايوتيكا) لإعادة الولادة الفكرية، محاولًا استخراج الحقيقة من خلال السؤال المستمر. يرى سقراط أن التفكير الحقيقي يخاطب العقل للوصول إلى الحقيقة المجردة، بعيدًا عن الغرائز والشهوات، مما يجعله محاولة للبدء من جديد ضد التقاليد السفسطائية.
في السياق العربي-الإسلامي، انتقل هذا التفكير عبر الترجمات والتأليفات. فالفلاسفة مثل ابن سينا (980-1037م) وابن رشد (1126-1198م) طوروا التفكير الفلسفي كعملية نقدية، حيث سعوا إلى التوفيق بين العقل والنقل. وعلى سبيل المثال، في «الشفاء» لابن سينا، يُعاد بناء المعرفة من أساسها العقلي، مما يعكس فكرة البدء من جديد. وكان هذا التفكير الحاذق في العصر الإسلامي خروجًا على المألوف، يبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الاعتقادات الشائعة. كما أكدت الفلسفة الإسلامية أن التفكير العقلاني هو الأسلوب الصحيح للنقد، متجاوزًا الشك المذهبي إلى بناء معرفة جديدة.

تحوز دراسة العالم العربي ضمن انشغالات الاستشراق الإيطالي مكانة مميَّزة، الأمر الذي يستوجِب تتبّعًا للأطوار وتمعّنًا في التقاليد المتوارَثة. فما من شك أنّ هناك قامات علمية بارزة طبعت محطّات حاسمة، لا يستقيم الحديث دون الإتيان على إسهاماتها أثناء تناول مسيرة الاستشراق الإيطالي، على غرار ميكيلي أمّاري (1806-1889)، وليونه كايتاني (1869-1935)، وإيغناسيو غويدي (1844-1935). ففي ضوء ما أنتجه الرعيل الأول من أعمال موسوعية، تسنّى إنشاء ما يشبه الأرضية المعرفية لكوكبة من الدارسين اللاحقين، بدأت تتبلور معهم معالم المدرسة الاستشراقية الإيطالية، ذات المنحى المنشغل بالدراسات العربية، وهو ما تطور مع جورجيو لافي ديلّا فيدا ومايكل أنجيلو غويدي.
فمع تلك المرحلة المبكّرة حاز "معهد الدراسات العليا" الفلورنسي قصب السبق في الانشغال بالمعارف الشرقية. فمنذ العام 1860 أُنشئ كرسي الدراسات العربية وآخر للسنسكريتية برعاية ميكيلي أمّاري، كما سعى أيضا إلى تدشين تفرّعات أخرى على صلة بالدراسات اللغوية السامية المقارنة. ولا يمكن فصل دراسات الحضارة الإسلامية والعالم العربي عن المناخ العام السائد في أوساط السياسات الأوروبية، الباحثة عن التمدّد نحو الخارج والفوز بحضور في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما سيلوح بارزا مع الحركة الاستعمارية لاحقا. بدت الحاجة ماسة في التوسع الاستعماري إلى سند معرفيّ، الأمر الذي دفع في إيطاليا إلى إنشاء "كوكبة الدراسات الشرقية" برئاسة المذكور أمّاري خلال العام 1872، التي ستتحوّل في غضون أربع سنوات إلى "الأكاديميا الشرقية". لكن التحوّل البارز من دراسة كلاسيكيات الإسلام إلى دراسة أحوال مجتمعات الإسلام، ذات الطابع البراغماتي، هو ما ستتبلور معالمه مع "مدرسة روما للاستشراق" بفِعل قرب القائمين عليها من مراكز صنع القرار في ذلك العهد. فقد طبع أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قلق وتحفّز، في إيطاليا، تمثّل في البحث عن نفوذ خارجي احتذاءً ببريطانيا وفرنسا. وقد مثّل كارلو ألفونسو نللينو (1872-1938) صاحب مجلة "أوريينتي موديرنو" (الشرق الحديث)، أبرز وجوه الاستشراق المتحفّز نحو الشرق في تلك الفترة. إذ خصّصت المجلة المذكورة منذ إنشائها حصيلة تتركز حول متابعة الأخبار الواردة من العالم العربي. سجّل فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا" انضمام نللينو إلى هيئة المستشارين لدى الاستعمار الإيطالي. وقد كان التحاق نللينو بالتدريس بجامعة القاهرة، في فترة لاحقة، مندرجًا ضمن محاولة الاقتراب أكثر من أوضاع البلاد العربية وفهم تحولاتها.

"المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة" — ديفيد هيوم
من الفهم البدئي، تُعرَّف المعجزات الدينية بأنها انتهاكٌ لقوانين الطبيعة الفيزيائية. ويمكن القول إن المعجزات ليست خواصًا إلهية يحتاجها الرب لإثبات الإيمان به، بل هي خواص للأنبياء تتمثل في تبنّيهم خوارق فيزيائية مؤقتة لكسب تأييد الناس وإيمانهم بهم وبما يحملونه من رسالات، مَكَّنهم الخالق من امتلاكها وحدهم دون غيرهم من البشر، بوصفهم مرسلين من الرب بمعجزات خصّهم بها لتأكيد صدقية الإيمان الديني بهم في نقلهم رسالة الخالق إلى عامة الناس.

والتساؤل الذي يفترض أن يأتي تابعًا لتعريف المعجزة—الذي عبّر عنه ديفيد هيوم والعديد من الفلاسفة بوصفها خرقًا لقوانين الطبيعة—هو أنهم لم يحسموا مصدر هذه القوانين الثابتة في الطبيعة: من يمتلكها حقيقة؟ ومن أين جاءت القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة نفسها بها من غير إدراكٍ منها، ولا تحكم الإنسان وكل المخلوقات والكائنات التابعة للطبيعة في إدامة بقائها؟ وما علاقة المعجزة الدينية بأن يكون تعريفها الدقيق خرقًا قصديًا للقوانين الفيزيائية العامة التي تحكم الطبيعة والإنسان؟ فالمعجزة، بهذا المعنى، خرقٌ قصدي لقوانين الطبيعة التي لا تدرك قصديتها ولا تعي أهميتها في تنظيم حياة الإنسان.

إجابة هذا التساؤل تقتضي التفريق بين الإيمان الديني وعدم الإيمان الديني، الذي يقوم مرتكزه على الإيمان بالمعجزات أو رفضها. ولكلٍّ من الفريقين حججه التي تناقض حجج الآخر، لكنهما يبقيان—بوصفهما قطبين متضادين متناحرين—في سجالٍ ساحته المركزية تخطئةُ أحدهما للآخر، لا تقديم الإجابة الشافية عن موضوع الاختلاف حول المعجزة الدينية وترابطها الوثيق بقوانين الطبيعة الثابتة، وكيفية البرهان العقلي على ذلك.

هذا الإشكال طرحه بيرتراند رسل بقوله إن قوانين الطبيعة اصطلاحات إنسانية متواضع عليها عبر العصور الطويلة، وأصبحت بمرور الزمان قوانين ثابتة طبيعية. غير أن الاعتراض الوجيه على هذا الطرح هو: لو كانت قوانين الطبيعة من صنع إنساني، لتوجب بالضرورة—بحكم السببية—أن تكون قوانين غير ثابتة ومتطورة، يترتب عليه أن تكون الطبيعة في قوانينها في حالة من السيرورة الدائمة التي لا تحدها حدود قوانين ثابتة لا يمكن للإنسان تجاوزها بالتبديل أو التغيير. وعدم ثبات قوانين الطبيعة—بوصفها ابتكارًا إنسانيًا—يلحق به بالضرورة أن المعجزات ليست خوارق لقوانين طبيعية هي من صنع الخالق لا من ابتكار الإنسان.

تصدير: اللغة تجريدٌ للتعبير اللفظي عن المعنى الإدراكي في مرجعية بيولوجيا العقل. فهل اللغة استعدادٌ فطريٌّ موروث؟ أم هي نزوعٌ إنسانيٌّ غريزيٌّ مكتسبٌ بالتجربة الحياتية ومؤثرات البيئة والمحيط، وقبلهما العائلة، لغرض إدامة التواصل الدائم بين النوع الموحَّد من البشر الذين يربطهم العيش المشترك؟

اللغة: البيولوجيا والفطرة
نرى الأمر واقعًا أنثروبولوجيًّا طبيعيًّا حين نعدّ فهمنا للغة البشرية على أنها «موضوع بيولوجي»، رغم خاصية اللغة التجريدية الغالبة على البيولوجيا في فهمهما الوظيفي الفسيولوجي، على الأقل وفق ما تذهب إليه النظريات العلمية في دراسة وظائف مكونات الدماغ، لا مباحث الفلسفة على السواء التي ترى موضوع اللغة بالتفسير البيولوجي مصدره الرؤية الذاتية لاختراع تصنيع كل فردٍ لغته الخاصة به كسلوك مجتمعي، في محكومية اشتراطات عديدة؛ منها فطرية وأخرى بيئية مكتسبة، في تكوين ما يطلق عليه عالم اللغات تشومسكي «النحو الكلي» الذي يجمع قواعد أكثر من لغة واحدة. ومجتمعية اللغة المكتسبة عند الفرد تكون بتفاعل لغته الذاتية مع لغة مجتمعه.
اللغة تولِّد استعدادًا فطريًّا بيولوجيًّا عضويًّا ناتجًا عن تطور حنجرة الطفل الوليد الإنسان، باختلافها عن حنجرة الحيوان، على مدى أحقاب زمنية سحيقة في التطور الأنثروبولوجي. فاللغة اخترعها الإنسان تواصليًّا في تقليده أصوات الحيوانات، التي اختلفت عنها لدى الإنسان على أنها أصوات ذات معنى تواصلي محدد، مع عدد من الاختلافات التي سنمر بها سريعًا لاحقًا في فرادة لغة الإنسان.
ربما يذهب تفكير البعض إلى أن صيحات أنواع الحيوانات هي أيضًا ذات معنى تواصلي، يجمعها في درء الخطر عن نوع تلك الحيوانات، وفي نداءات صيحات الحيوان من أجل إشباع غريزته الجنسية التي تكون عادة موسمية، بخلاف عملية الجنس لدى الإنسان التي تكون حاضرة على الدوام على مر الفصول. وهو تساؤل وجيه، والإجابة عليه أن تطور حنجرة الإنسان الصوتية جعله يهتدي إلى اختراع نوع من الأبجدية الصورية اللغوية التي يفهمها الفرد الآخر من نوعه، بينما بقيت حنجرة الحيوان لا تمتلك الخاصية التعبيرية اللغوية في الوصول إلى شكل صوري معين يحمل دلالة صوتية يفهمها النوع. والسبب وراء ذلك ليس فيسيولوجيًا من تطورات الطبيعة، وإنما يكمن في ذكاء الإنسان النوعي بما لا يمتلكه الحيوان: ميزة الذكاء عند الإنسان حين وجد أهمية اختراع لغة تواصل بينية في وسط بشري من نوعه، بينما ظل الحيوان لا يجد أهمية لاختراع لغة خاصة بنوعه.

مقدمة
يُعدّ هربرت ماركوز (1898–1979) أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، ويمثل صوتًا راديكاليًا في الفلسفة الاجتماعية النقدية، إذ يجمع في مشروعه الفكري بين الماركسية، والتحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا، بغرض نقد أشكال الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. تتركز فلسفته على مواجهة ما يسميه بـ«الفاشية الجديدة»، التي لا تمثل مجرد عودة إلى الفاشية التاريخية (كالنازية)، بل تشكل نمطًا معاصرًا من الهيمنة يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية.
في هذا السياق، يبرز التوتر بين «اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد» في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما عرضه في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين «إيروسية البعد الجمالي» بوصفها إمكانية تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذا التوتر بصورة موسعة، بالاستناد إلى النظرية النقدية لدى ماركوز، مع التركيز على كيفية توظيف الجماليات والإيروس في مواجهة الاغتراب والفاشية. وسيتم ذلك من خلال عرض السياق الفلسفي أولًا، ثم تحليل مفهوم الاغتراب، فالوقوف عند آليات مواجهة الفاشية، وصولًا إلى إبراز دور البعد الجمالي والإيروس.

السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت
تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي هدفت إلى نقد الهيمنة الرأسمالية عبر دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. وقد فرّ ماركوز من ألمانيا النازية سنة 1933، وهو ما أسهم في تشكيل تجربته الفكرية والشخصية في مواجهة الفاشية، إذ عمل خلال الحرب العالمية الثانية في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي، حيث انصبّ عمله على تحليل النزعات الفاشية.
في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998، نُشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية نتيجةً للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. ويستند في تحليله إلى مفهوم «التنوير كخدعة» كما بلوره أدورنو وهوركهايمر، غير أنه يضيف بعدًا تحرريًا يتمثل في الإيروس، مستلهمًا التحليل النفسي الفرويدي، إذ يرى في الغرائز الإنسانية، ولا سيما الإيروس بوصفه غريزة الحياة في مقابل الثاناتوس كغريزة الموت، إمكانيةً لتأسيس مجتمع غير قمعي.

مقدمة
«خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن الفوضى في الطبيعة أقلّ منها في البشرية».
في قلب الفلسفة المعاصرة، يقدّم إدغار موران (1921–)، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، رؤية تعقُّدية للإنسان ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والثقافة. ويُلخّص موران طبيعة الإنسان في عبارته الشهيرة: «الإنسان كائن ثقافي بالطبيعة لأنه كائن طبيعي بالثقافة».هذه العبارة، المستمدة من كتابه «النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية» (1973)، تعبّر عن مقاربة تعقُّدية ترى الإنسان كائنًا يتجاوز الفصل الاختزالي بين البعدين الطبيعي والثقافي، بل يجسّد تفاعلًا ديناميًا ودائريًا بينهما.
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذا المفهوم بصورة موسّعة، من خلال التمييز بين أبعاده الدلالية والإجرائية، مع التركيز على السياق التعقُّدي الذي يميّز فكر موران. وسنعتمد على أعماله الرئيسة، مثل «المنهج» (1977–2004) و**«أرض الوطن»** (1993)، للكشف عن كيفية تشكّل الإنسان بوصفه «كائنًا لامتناهي التعقيد»، أي كائنًا يجمع بين العقلانية واللاعقلانية ضمن سياق كوني واجتماعي متداخل .سنبدأ بتوضيح السياق النظري، ثم ننتقل إلى تحليل المفهوم، فإلى تطبيقاته، لنختم بالآثار والتداخلات الفلسفية. وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات مركزية: كيف يصف موران الكائن البشري؟ وما المقصود بالتعقيد؟ وما الدور الذي تؤديه الطبيعة والثقافة في تكوينيته؟ وما أثر هذا التكوين المعقّد في مصيره كفرد ومجتمع ونوع؟

السياق النظري: المقاربة التعقُّدية ورفض الاختزال
«ينتج التقدّم العلمي عمومًا عن كلٍّ من المنافسة والتعاون، لكن المنافسة قد تتحوّل إلى تنافس حادّ يضرّ بالتعاون».
تندرج رؤية موران ضمن إطار ما يُسمّى بـ«الفكر التعقُّدي»، الذي يعارض النهج الاختزالي السائد في العلوم الحديثة، والقائم على الفصل الصارم بين الطبيعي (البيولوجي) والثقافي (الاجتماعي). يرى موران أن الواقع ليس خطّيًا ولا قابلًا للتجزئة، بل يتكوّن من تفاعلات معقّدة تجمع بين النظام والفوضى والتنظيم، في ما يسمّيه «الكاوسموس».

فينجشتين والوضعية المنطقية
في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين في الوضعية المنطقية مجموعة فيّنا، التي جرى تعديلها لاحقا فلسفيا الى التحليلية المنطقية الانجليزية بزعامة بيرتراند راسل، وجورج مور، وايتهيد، فلاسفة جامعة اكسفورد والتي إنضم لها كل من كارناب، وفينجشتين الذي كان استاذا للفلسفة في جامعة كامبريدج.

كان لفينجشتين رأيه الخاص في إعتباره اللغة منطق قوانينه قبلية مستقلة عن التجربة لكنها أيضا تحصيل حاصل أنها لا تعني شيئا. ولا تدل على شيء في التجربة. فما قوانين المنطق إلا قواعد نحوية تنّظم تنظيما ميّسرا بفضاءات التجربة الحسّية .وأضاف أن المنطق يتكوّن من قواعد تركيبية أي تنّظم تركيبا وهذه القواعد تستخرج من مباديء تم إختيارها بطريقة تحكميّة.

التحليل النقدي والتعقيب

  • كل ما هو قبلي معرفي تجريدي مستقل عن التجربة الإدراكية لا معنى له ولا يعبّر عن مدرك حقيقي مادي ولا عن موضوع خيالي. معرفة الشيء لا تسبق وجوده.
  • أصحاب الوضعية المنطقية الجدد وجدوا إمكانية التحدّث عن اللغة بوسيلة إستخدام لغة ثانية أطلقوا عليها "لغة اللغة" والتفلسف ما هو إلا شرح معنى لغوي بمعنى لغوي آخر. لغة شارحة بعدية للغة قبلية سابقة عليها في ملاحقة فائض المعنى.
  • اللغة هي إحساس نسقي منّظم لا علاقة له بالإدراك الشيئي حسب فلسفة اللغة ونظرية المعنى، وإحساس اللغة يكون إحساسا زائفا حينما لا يكون تعبيرا عن معنى واضح الدلالة حسب المناطقة.
  • بحسب المناطقة الجدد لا فرق بين زيف الإحساسات حينما تكون تعبيرا لغويا لا معنى له. ولا يمكن التحقق من صدقيته، لذا يبقى الإحساس موضع شك. الاحساسات دائما تكون خادعة لتفكير العقل.
  • العديد من المباحث المفاهيمية لا ينطبق عليها المنهج التجريبي النقدي الذي تنادي به الوضعية الجديدة. فكل شيء بمفهوم العلم هو موضع شك، يتطلب تبيان جوانب الإدانة فيه وتصويب أخطائه.

كارناب وربط اللغة بالعلم

يميز رودولف كارناب 1891- 1970 بين عدة وظائف للغة إما أن تدل على معنى أو تعبّر عن رغبات وعواطف. ومن واجب الفلسفة حسب المنطقية الوضعية أن تحصر نفسها في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقية التي أساسها الرياضيات، وما عدا هذه المهام فاللغة تبقى مبحثا ميتافيزيقيا لا معنى له، وخارج ميدان مباحث الطبيعة. وأدان كارناب فلاسفة اللغة الذين يضعون قيودا على الإستعمالات اللغوية، بدل الإهتمام بتجديد الشروط التي تطابق اللغة معناها.