فلسفة وتربية

مقدمة
طرح سؤال «ما الحاجة إلى تدريس الفلسفة اليوم؟» نفسه بإلحاح في عصر الثورة الرقمية، وهيمنة العلوم التطبيقية، وسيادة المنطق الاقتصادي-التقني على السياسات التعليمية. لم يعد هذا السؤال استفساراً بريئاً عن قيمة مادة دراسية، بل هو تعبير عن أزمة حضارية أعمق تتعلق بطبيعة الإنسان، غايات التعليم، ومستقبل الوعي البشري. يحمل السؤال في طياته توتراً جدلياً بين التشكيك (الذي يرى الفلسفة ترفاً غير ضروري أو حتى معيقاً) والتقييم (الذي يؤكد على ضرورة الفلسفة كشرط لتكوين الإنسان الكامل والمواطن النقدي). تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مبررات طرح هذا السؤال، وتحليل أبعاده المتعددة، مع الغوص في الجدل بين الشكوك المعاصرة والحجج المؤيدة لتدريس الفلسفة، سعياً إلى فهم أعمق لمكانتها في التعليم المعاصر. فما منزلة تدريس الفلسفة في التعليم؟ ولماذا يزداد عدد الكارهين لها؟ وهل تحتاج الى مراجعة أم تثمين؟ وما مستقبل تدريسها؟ وألا يجدر بنا تعميمها وتوسيع نطاقها؟
أولاً: مبررات طرح السؤال – السياق الحضاري والتعليم
يبرر طرح السؤال عدة تحولات جذرية:
هيمنة المنطق الاقتصادي-التقني: أصبح التعليم في كثير من الدول أداة لإنتاج قوى عاملة ماهرة في مجالات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة والرياضيات. في هذا السياق، تبدو الفلسفة غير منتجة اقتصادياً، فهي لا تقدم مهارات مباشرة قابلة للتوظيف مثل البرمجة أو التسويق.
عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي: مع توفر المعرفة الفورية عبر الإنترنت، وظهور الذكاء الاصطناعي القادر على معالجة المعلومات وتوليد نصوص، يتساءل البعض: لماذا نحتاج إلى تدريس التفكير الفلسفي إذا كانت الآلات تستطيع القيام بجزء كبير منه؟
الأزمات التربوية العالمية: تراجع مستويات التحصيل في العلوم الإنسانية، انتشار الثقافة الاستهلاكية، وتفشي الاستقطاب الإيديولوجي، كلها تدفع إلى إعادة النظر في أولويات المناهج.
السياق العربي-الإسلامي: في بيئات تعاني من توتر بين التراث والحداثة، أو بين الدين والعقل، يصبح السؤال مشحوناً بمخاوف من «الفلسفة كفتنة» أو «كأداة استعمارية ثقافية».
هذه العوامل مجتمعة تحول السؤال من مجرد نقاش تربوي إلى استفهام وجودي عن دور الإنسان في عالم يتجه نحو الآلة والكفاءة.

لا يجب التعويل على الفلاسفة لإيجاد أسبابٍ للعيش" كليمن روسي
ليس شوبنهاور هو الفيلسوف الكلاسيكي الأخير مثلما يحلو للبعض تسميته، لكنه أول فيلسوف حداثي، وأول من خلخل بنية الفكر الكلاسيكي فيما سيعرف لاحقًا بموجة "فلاسفة الشك" كما سمّاهم بول ريكور: شوبنهاور، نيتشه، ماركس وفرويد. اشترك هؤلاء في براديغم ينطلق من كون الظواهر والموجودات والمنظومات ليست في ماهيتها كما تظهر للحواس والعقل وكما تشكلت سردياتها عبر التاريخ، بل هناك آليات غير ظاهرة تتحكم فيها، يتطلب الأمر نظرًا حفريًّا للكشف عن قوانينها المخفيّة ولحظات انبثاقها في اللغة وتطبيقاتها في الحياة.

سمَّى نيتشه منهجه في كشف طبقات المعنى التي تكتسبها المفاهيم والمبادئ -الأخلاقية خصوصًا- الجينالوجيا، أي منهج البحث في الأصول انطلاقًا من الشك في ما وراء ما هو ظاهر وما هو مُعطى في سرديات اللغة والسلطة القائمة بكل تجلياتها، بحثًا خلف ظاهر الأشياء المعلومة والواعية. انخرط ماركس في كشف حقيقة المجتمع والتراتبية الاجتماعية، إذ قبله كان القدر الاجتماعي والاعتقاد بتراتبية من أصل إلهي (الحق الإلهي) سائدًا، لكنه كشف أن الأمر مرتبط بشبكة من علاقات الإنتاج والسلطة، أما فرويد فقد اعتبر أن تحت المظهر البسيط للعقل كما تصورته التأملات الفلسفية الكلاسيكية هناك جزء غارق من الجبل الجليدي لا يخضع للمقولات، وأكد أن الغرائز التي لا يتم التعبير عنها تنحو إلى التراكم في بنية لاواعية عميقة، هي ما يُشكل الهوية غير المدركة للذات، وبالرغم من كل الاعتراضات اللاحقة في علم النفس الإكلينيكي وعلم نفس الأعصاب والعلوم المعرفية على طرح فرويد التأملي، ورغم كل النقد الليبرالي لما اعتبر طوباوية ماركس، والنقد السيكولوجي لمأساة نيتشه التي انعكست آثارًا واضحة في نسقه الفكري، إلا أن كل هؤلاء شكلوا "إبستيميا" جديدًا يقطع مع إبستيمي العصر الكلاسيكي المتّسِم بالتماثل L’analogie، وفتحوا الباب أمام مباحث جديدة تُعيد تعريف الإنسان والمجتمع والطبيعة والوجود، ليس انطلاقًا من تراكم التصورات التأملية المتوارثة والتي تتفاعل بمبدأي القياس والأضداد (التطابق والديالكتيك)، بل بحثًا في ما أهمله التأمل والسّبر الفلسفي القديم: مناطق الظل: طبقات النفس ومفاتيح الاقتصاد وأصل الأخلاق ودوافع الفعل الإنساني. وذلك عبر محاولة سكّ المفاهيم القادرة على استيعاب واقع نسبي ومنفلت ومُخاتل ومتحرّك بشكل دائم، واحتمالية وجود أشياء غير قابلة للتعريف الحدّي أو مطابقة الهوية لذاتها، بل هي مناط التناقض والتعدد حسب اختلاف زوايا النظر والشروط التاريخية واختلاف البيئة والدوافع، البحث في ما لم تكن لغة السابقين قادرة على احتوائه، ومن ثمة لم تكن أُطُر الذهن تستوعب وجوده ... غير أنه قبل كل هؤلاء، كان شوبنهاور....

كان شوبنهاور قد أنتج إرهاصات أولى لفلسفة غير مكتملة، لكنها شقّت طريقًا جديدًا للبحث في ماهية الإنسان ودوافعه دون التسليم بكل الإرث اليهودي المسيحي الإغريقي المركب، والذي شكل أطر وعي أوروبا عبر التاريخ.

كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.

الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.

كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.

يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي.  ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي.

 "نَحْنُ لا نُمارِسُ النَّقْدَ مِنْ أَجْلِ النَّقْدِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِمَّا هُوَ مَيِّتٌ أَوْ مُتَخَشِّبٌ فِي كِيانِنا العَقْلِيِّ، وَإِرْثِنا الثَّقافِيِّ" . مُحَمَّدُ عابِدُ الجابِرِيّ
" إِنَّ عَصْرَنا هُوَ عَصْرُ النَّقْدِ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْفَحْصِ النَّقْدِيِّ بِهَدَفِ قَبُولِهِ أَوْ رَفْضِهِ، وَبِالتَّالِي إِصْدارِ حُكْمٍ عَقْلانِيٍّ عَلَى ذَلِكَ."  إيمانويل كانْط.

1- مُقَدِّمَةٌ:

الفِكْرُ النَّقْدِيُّ يَخْدِشُ، يُهاجِمُ، يَكْتَسِحُ، يُدَمِّرُ، يَتَوَغَّلُ فِي الأَعْماقِ، يُفَكِّكُ، يَحْفِرُ، يَثِبُ إِلَى الأَعْلَى وَإِلَى الأَدْنَى وَالأَسْفَلِ، يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشَمالًا، يَهُبُّ كَالْعاصِفَةِ حِينًا، وَكَالإِعْصارِ أَحْيانًا، يَنْفَجِرُ كَالْبُرْكانِ مَرَّةً، وَيَتَحَرَّكُ كَالاهْتِزازاتِ الأَرْضِيَّةِ مِرارًا. إِنَّهُ مَفْهُومٌ دِينَامِيٌّ مُتَحَرِّكٌ، غاضِبٌ، يُزَمْجِرُ، يُهَدِّدُ، يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ، يُفَجِّرُ التَّقالِيدَ السَّاكِنَةَ، وَيَهُزُّ الأَفْكارَ الجامِدَةَ. إِنَّهُ هَدِيرُ العَقْلِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّقْدِ، وَزَمْجَرَةُ الوَعْيِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيكِ وَالتَّحْلِيلِ غَوْصًا فِي الطَّبَقاتِ الأَعْمَقِ لِلْوُجُودِ الاجْتِماعِيِّ. وَالنَّقْدُ، فِي كُلِّ الأَحْوالِ، يَهُزُّ أَرْكانَ الأَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ الاغْتِرابِيَّةِ الجامِدَةِ المُتَحَجِّرَةِ، وَيُحاوِلُ تَفْكِيكَها وتفنيدها والكشف عن خفاياها الأعمق، وَهُوَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلَى أَنْ يُفَكِّكَ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ وَيَهُزَّ الوَعْيَ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا.

لَقَدْ أَفْضَتْ حَرَكَةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ إِلَى تَوْلِيدِ مَنْظُوماتٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فاعِلَةٍ فِي مَجالِ التَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ خارِقَةٍ، وَنَماذِجَ تَحْلِيلِيَّةٍ عَمِيقَةِ الأَغْوارِ، وَأَنْماطٍ مَعْرِفِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي عُمْقِ المَفاهِيمِ، وَأَنْ تَتَوَغَّلَ فِي غَوْرِ الأَشْياءِ، وَنَماذِجَ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّحْلِيلِ الأَعْمَقِ لِخَفايا الأُمُورِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ تَمَّ التَّرْوِيجُ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِتَعْزِيزِ التَّفْكِيرِ مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا، وَالبَحْثِ الأَعْمَقِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ، بِطَرِيقَةِ الكَشْفِ عَمَّا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ، وَما كَمَنَ خَلْفَ السُّطُورِ، وَإِعْدادِ مُواطِنِينَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَقُدْرَةً عَلَى الفَهْمِ وَاسْتِيعابِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِها، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُقارَباتِ المُخْتَلِفَةَ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ فَإِنَّها تَخْتَلِفُ فِي اتِّجاهاتِها وَفِي تَعَيُّناتِها الفِكْرِيَّةِ.

2- مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ:

كَثِيرٌ مِنَ الأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ المُنْجَزَةِ، الَّتِي يَزْعُمُ كُتَّابُها بِأَنَّهُمْ يُمارِسُونَ المَناهِجَ النَّقْدِيَّةَ فِي أَعْمالِهِمْ، لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ نَمَطًا مِنَ المُمارَساتِ الفِكْرِيَّةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ أَنْساقًا مُحَدَّدَةً مِنَ المَهاراتِ تَحْتَ عُنْوانِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَهِيَ مَهاراتٌ فِكْرِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ تَقْرِيبًا. وَمَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَهاراتِ، فَإِنَّها تُمَثِّلُ نُسْخَةً وَهْمِيَّةً مِنَ الفِكْرِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يُخْتَزَلُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ سَطْحِيَّةٍ طافِيَةٍ. وَبِالقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الأَمْرُ كَذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ العَقْلانِيَّةِ الأَداتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَزِلُ المَعْرِفَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَداةٍ فِي سَبِيلِ أَهْدافٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَرْسُومَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعَلَى هَذا النَّحْوِ يُخْتَزَلُ النَّقْدُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ بِلا جَسَدٍ، وَإِلَى جَسَدٍ بِلا رُوحٍ أَوْ مَعْنًى، فِي خِدْمَةِ مَصالِحِ الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلَكِنَّنا، عَلَى خِلافِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ التِّقْنِيَّةِ المَهارِيَّةِ لِلنَّقْدِ، نَجِدُ أَنَّ النَّقْدَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ الفاعِلِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُنا مِنْ وَضْعِيَّةِ التَّفْكِيرِ السَّطْحِيِّ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ بِوَصْفِها تَخَصُّصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقَ الجُذُورِ ([1]).

لا تُخضع السلطة الإنسان لأنها أقوى منه، بل لأنه لا يستطيع أن يتكون خارج شروط الاعتراف التي تفرضها، فالذات تولد من الطاعة بقدر ما تحلم بالتحرر، وتبقى ممزقة بين ما يملي عليها أن تكونه، وما تحاول أن تصير إليه “.

الذات لا تُقمع أولاً، بل تُنشّأ نفسياً على صورة ما يُخضعها “ (الكاتب).

- المقدمة:

تنطلق جوديث بتلر من مساءلة جذرية لمفهوم الذات، تقوض التصورات التي تفترضها جوهراً مستقلاً سابقاً على السلطة أو خارجاً عنها. فالذات، في منظورها، لا تُمنح وجودها من ذاتها، بل تتشكل داخل شبكات معقدة من العلاقات السلطوية والخطابية التي تحدد شروط ظهورها، وإمكان الكلام والرغبة والاعتراف. وبهذا المعنى، تغدو الهوية عملية تكون غير مكتملة، تقوم على توتر بنيوي دائم بين الحاجة إلى الاعتراف والقيود التي يفرضها هذا الاعتراف نفسه.

يتأسس هذا التصور بوصفه حصيلة حوار نقدي مركب مع تقاليد فلسفية وسوسيولوجية ونفسية متعددة، حيث تعيد بتلر صياغة مفاهيم الاعتراف، والاستدعاء، واستبطان السلطة، والهيمنة الرمزية، وتكون الهوية النفسية، ضمن أفق نظري واحد. فلا يظهر الإخضاع هنا بوصفه نقيضاً للذات، بل شرطاً من شروط تشكّلها، ولا تُفهم السلطة كقوة خارجية فحسب، بل كبنية تُستدخل نفسياً ويعاد إنتاجها في الممارسة اليومية.

وانطلاقاً من هذا الإطار، يتناول هذا المقال تحليل الكيفية التي تعيد بها بتلر بناء العلاقة بين السلطة والذات، بوصفها علاقة تأسيسية ملتبسة، من خلال مناقشة المرجعيات النظرية التي استندت إليها، وحدود هذا التصور، وإمكاناته النقدية في فهم آليات الإخضاع والمقاومة في السياقات الاجتماعية والأسرية المعاصرة.

كما يكتسب هذا الإطار النظري أهمية مضاعفة عند النظر إلى واقع التنشئة في الأسرة العربية، حيث يشكل الامتثال والطاعة محور العلاقة بين الطفل والسلطة الأبوية، بينما يقدم الاعتراف على نحو مشروط يعمق التوتر بين الخضوع والرغبة في التحرر. ومن هذا التقاطع بين الفلسفة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع، يتكون مدخل لفهم أعمق لكيفية تشكل الذات تحت السلطة، وكيف يصبح التمرد اللاحق على الأسرة امتداداً للصراع الأولي الذي تبنيه بنية الإخضاع نفسها.

- البعد النفسي للسلطة (مقاربة متعددة المرجعيات في آليات الإخضاع وتجلياتها في الحياة اليومية):

بدأت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر (1956- ) مشروعها الفلسفي من نقطة لا تخلو من الجرأة حين اعتبرت الذات ليست كياناً سابقاً على السلطة، ولا تُفهم باعتبارها جوهراً مستقلاً يقع تحت تهديد خارجي، بل هي نتاج عمليات سلطوية دقيقة تمنحها إمكان الظهور كما تمنحها القدرة على الكلام والرغبة والاعتراف. فالذات، في عمقها تتخلق داخل علاقة لا تكف عن التوتر بين الامتثال والرغبة في التحرر. وهنا تستعيد بتلر إرث هيجل حول الاعتراف، لكنها لا تأخذ منه الصورة المثالية التي تجعل الاعتراف عملية تكامل بين ذاتين، بل تستحضر جانبه المنقوص، الذات لا تنال اعترافاً كاملاً بل تُقاد دائماً إلى الشعور بنقص بنيوي تولده علاقتها بالآخر. إن الآخر لا يمنحها ماهيتها، بل يمنحها الشرط الذي يجعلها محتاجة إليه في كل ظهور.

لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو

1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:

منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.

ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ» ([1]).  وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ  ([2]).

وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells) ([3]) ، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟ ([4]) .

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

يضم المغرب، ولاسيما مناطقه الجبلية، عددًا مهمًا من المواقع السياحية والمناظر الطبيعية التي تتميز بمقومات بيئية وإيكولوجية ذات قيمة عالية. غير أن هذه المؤهلات لا تحظى جميعها بنفس الدرجة من التثمين والاستثمار؛ فبعض المواقع يحتاج أساسًا إلى تعزيز التسويق الترابي والتعريف بمؤهلاته الطبيعية والثقافية، في حين أن مواقع أخرى تتطلب، قبل ذلك، توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية الكفيلة باستقبال الزوار في ظروف ملائمة، ثم مواكبة ذلك باستراتيجيات فعالة للتسويق الترابي.

وفي هذا الإطار، نحاول من خلال هذا المقال المتواضع التعريف ببحيرة أكلمام ن سيدي علي باعتبارها إحدى أبرز المعالم الطبيعية بالأطلس المتوسط، لما تزخر به من مؤهلات بيئية ومناظر طبيعية خلابة تجعلها وجهة سياحية واعدة. ورغم ما تحظى به من أهمية طبيعية وإيكولوجية، فإنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من العناية والتأهيل، وإلى اعتماد مقاربة فعالة للتسويق الترابي من شأنها التعريف بهذه المعلمة الطبيعية وإبراز قيمتها السياحية والبيئية، بما يسهم في تحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة والمجال على حد سواء.

تُعد بحيرة أگلمام ن سيدي علي (1)واحدة من أجمل البحيرات الطبيعية بالمغرب وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس المتوسط. تقع هذه البحيرة ضمن النفوذ الترابي لجماعة إيتزر التابعة لإقليم ميدلت، على مقربة من الحدود الإدارية لإقليم إفران، وترتفع بحوالي 2100 متر عن سطح البحر. وتغطي مساحة تقارب 500 هكتار، بينما يصل عمقها في بعض أجزائها إلى نحو 36 متراً(2)، مما يجعلها من أكبر البحيرات الجبلية بالمملكة. وتحيط بها المراعي الواسعة وغابات الأرز والبلوط  والتكوينات الجبلية التي تضفي على المكان جمالاً استثنائياً، وتجعله وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والهدوء والتصوير. وأقرب المدن إلى البحيرة تمحضيت وإيتزر.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحيرة تشكلت نتيجة التحولات الطبيعية التي عرفتها منطقة الأطلس المتوسط عبر آلاف السنين، في ارتباط بالبنية الجيولوجية والبركانية للمنطقة(3). وقد ساهمت هذه الخصائص الطبيعية في ظهور نظام بيئي غني ومتنوع يحتضن العديد من أنواع الطيور المهاجرة والنباتات الجبلية والكائنات الحية التي وجدت في البحيرة ومحيطها موطناً ملائماً للاستقرار والتكاثر. كما شكلت البحيرة على امتداد التاريخ مورداً مائياً أساسياً للرعاة والقبائل التي كانت ترتاد المنطقة خلال مواسم الانتجاع.

غير أن أگلمام ن سيدي علي ليست مجرد مجال طبيعي أو جغرافي، بل هي أيضاً فضاء ثقافي ورمزي غني بالأساطير والحكايات التي نسجها الإنسان المحلي في محاولته لفهم المكان وتفسير نشأته(4). ويحمل الموقع اسم الولي الصالح سيدي علي أومحند الذي يوجد ضريح منسوب إليه بالقرب من البحيرة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة التي ربطت المجتمعات الجبلية المغربية بالأولياء والزوايا باعتبارها مؤسسات روحية واجتماعية ساهمت في تأطير حياة السكان عبر قرون طويلة.

لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.

ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.

أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.

آخر المواضيع في

في لحظة تاريخية مشبعة بالدم والذاكرة، تخرج رواية "أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة لتضع الأدب في مواجهة العدم، ولتؤكد أن السرد ليس مجرد حكاية، بل شهادة على الوجود. إنها نصّ يتجاوز حدود الفن الروائي التقليدي ليغدو وثيقة إنسانية، تكشف عن عمق التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الهوية والمقاومة، وبين الحياة والموت. تبدأ الرواية مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتفتح الباب أمام أسئلة وجودية كبرى: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ كيف يتحول البقاء إلى عبء؟ وكيف يصبح البقاء ذاته فعلًا من أفعال المقاومة؟
بهذا المعنى، فإن المقال الذي نقدمه هنا ليس مجرد قراءة في نص أدبي، بل محاولة لتفكيك بنيته السردية والفكرية، والبحث في رموزه ودلالاته، وربطها بالسياق السياسي والاجتماعي الذي أنتجها. إنها قراءة تسعى إلى إبراز أن الرواية ليست فقط عن الفلسطيني، بل عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الوجود، وحين يغدو الأدب أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.

المدخل العام للرواية
إن رواية " أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة تمثل نصًا أدبيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي ليغدو شهادة إنسانية على التجربة الفلسطينية في لحظة تاريخية فارقة. فهي تبدأ مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتضع القارئ مباشرة في قلب الحدث، حيث تتقاطع الذوات الفردية مع الوعي الجمعي، ويصبح النص مساحة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الفرد والهوية، وبين المقاومة والوجود ذاته.
الرواية لا تُقدَّم كحكاية شخصية فحسب، بل كوثيقة أدبية تسعى إلى تفكيك بنية العنف وكشف آليات القمع الممنهج الذي يحوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، ويعيد إنتاج صورة "الإرهابي" بوصفها نتاجًا لسياسات الاحتلال لا خيارًا فرديًا. بهذا المعنى، فإن النص يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ ومن المسؤول عن ولادة هذا الكائن المشوَّه في نظر العالم؟
من خلال شخصيتي يحيى وآية، تُبنى معادلة الوجع الفلسطيني: الأول يُدفع إلى المقاومة تحت ضغط القهر والتعذيب، والثانية تُترك وحيدة لتقاوم الحياة نفسها وهي تحمل عقدة "ذنب الناجية الوحيد". هذا التوازي السردي يخلق فضاءً أدبيًا يعكس هشاشة السرديات المفروضة عالميًا، ويعيد الاعتبار إلى المقاومة بوصفها استجابة وجودية وليست خيارًا أيديولوجيًا.
إن المدخل إلى الرواية يكشف عن مشروع أدبي يسعى إلى إعادة تعريف المقاومة، ليس باعتبارها فعلًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها فعلًا وجوديًا يواجه العدم ويؤكد على معنى البقاء. وهنا تتجلى قوة النص في قدرته على تحويل التجربة الفلسطينية إلى تجربة إنسانية كونية، حيث يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو الأدب أداة لإعادة صياغة الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.

لَيست عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.
عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى الناعوري ( 1918_ 1985 ) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي ( 1867_ 1916 )، نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء، أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.
يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي، وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.
كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا مَركزًا.
انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه، لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون، ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.

الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.

أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.

العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.

يحمل لفظ «التأويل» (interprétation) تعددًا ملحوظًا للمعنى؛ فهو يشير، لو اقتصرنا على المجال الفني، إلى أداء الممثل أو الفنان أو الراقص أو الموسيقي فيما يتعلق بمادة المشهد الحي، مثلما يشير إلى «الدلالة» التي يسندها القراء أو المشاهدون إلى عمل ما. وسأهتم هنا بهذا المعنى الثاني.

يجب أن تكون لنا القدرة على التفريق بين تأويلات عادية (interprétations profanes)، مثل التي يكتشفها التقصي الميداني، وتأويلات عالمة (interprétations savantes)، وهي التي تولدها نصوص مطبوعة في المجلات المختصة أو في الكتب. فإذا كانت التأويلات الأولى (العادية)، وغير المعروفة كثيرًا، تستحق فعلًا عناية سوسيولوجية أو أنثروبولوجية، فإن الثانية (العالمة) تمثل جزءًا من الثقافة المشتركة لكل شخص مثقف. نحمل في ذاكرتنا جميعًا، حتى لا نضرب أمثلة معروفة، تحليل ميشيل فوكو، في مجال الرسم، «الوصيفات» لدييغو فيلاثكيث، أو، في مجال الأدب، تحليل بيير بورديو «للتربية العاطفية» لفلوبير، أو أيضًا، بشكل أكثر عمقًا، مختلف التأويلات السوسيولوجية لأثر بروست، بل تأويلات تأويلاته هو. ولن أهتم، مع ذلك، في الإطار المختصر لهذا المقال، بمؤلفي التأويل، ولا أكثر بمضامين التأويل، التي نميل غالبًا إلى التركيز عليها، دون أن يعني هذا عدم أهمية هذه الإشكالية. فقد اقترحت، في موضع آخر، بأن ما يطرحه مختلف أصناف المؤولين من تأويلات، عالمة أو عادية، يختلف بحسب أفقها المرجعي، كونها لامتجانسة أكثر أو أقل (حينما يتعلق المرجع المثار بالمجتمع أو بالحياة المعيشة)، أو مستقلة (حينما يحيل المرجع إلى الفن، والأفضل من ذلك، إلى نوع مخصوص).(2) يتحكم هذا التنوع في درجة خارجية المرجع أو داخليته، في كل تقييد لدلالة عمل، وفي كل ضروب التأويل، منذ الشرح والتفسير والتأويل، في التقليد اللاهوتي، إلى حد التفسير ذي المقصد العلمي.(3) لكن ليس هذا ما يشغلني هنا. إذ، أيًّا كان الأفق المرجعي لمختلف أنماط النشاطات التأويلية، فهناك قاسم مشترك بينها، وهو فعل شيء ما بموجب عملية إعلان النشاطات التأويلية عن نفسها، بمعزل عن محتواها ومرجعها ومؤلفها. سأركز إذن اهتمامي هنا، باختصار شديد، على الوظائف التي يضطلع بها تأويل أثر فني، وفق إشكالية تندرج ضمن المنظور الذي دشنه علم الاجتماع البراجماتي، خيارًا بديلًا للآثار الملموسة للأفعال، تلك التي لا تصنع سوى أفعال خطاب. ولا يتعلق الأمر هنا بملاحظة عينية لآثار هذا التأويل، بل بأن نرسم فحسب، في مرحلة أولية، تصنيفًا لوظائف النشاط التأويلي. وسيحملنا هذا على ملاحظة تعاقب ثلاثة أنماط من التأويل، سنوضحها بأمثلة استعرناها من تاريخ الرسم الغربي، ومن تاريخ الفن الحديث، وعلم اجتماع الفن، والفن المعاصر. لكن، قبل إثارة ما يجعل النشاط التأويلي ممكنًا، يجدر بنا تدقيق ما يجعل النشاط التأويلي ذاته ممكنًا.

المدخل:

كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.

هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.

وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.

"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"

يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.

 وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.

غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي

زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.

أصبح التسويق عبر المؤثرين أحد المكونات الأساسية لاستراتيجيات الاتصال والتسويق الحديثة، بعد أن تجاوز مرحلة كونه مجرد توجه مؤقت. ويستند هذا النموذج إلى منظومة متكاملة تجمع بين منشئي المحتوى، والعلامات التجارية، والوكالات المتخصصة، ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقاس قيمة الحملات التسويقية بمدى تفاعل الجمهور المستهدف مع المحتوى المنشور، وليس فقط بعدد المتابعين.
ويؤدي منشئو المحتوى دورًا يشبه دور وسائل الإعلام المستقلة، إذ يتولون إنتاج محتوى موجه إلى فئات محددة من الجمهور، بما يتوافق مع اهتماماتها وخصائصها. كما أصبحت وكالات التسويق عبر المؤثرين عنصرًا مهمًا في تنظيم التعاون بين العلامات التجارية والمؤثرين، من خلال اختيار الشركاء المناسبين، وإدارة الحملات، وقياس نتائجها. وتعتمد هذه المنظومة على نماذج اقتصادية متنوعة، مثل عرض المنتجات، والتسويق بالعمولة، والمشاركة في تطوير المنتجات، مما يضمن استدامة إنتاج المحتوى وتكيفه المستمر مع التحولات السريعة التي تشهدها المنصات الرقمية.
ويُعد الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الرئيسة التي تحدد نجاح المحتوى وانتشاره، إذ تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات متقدمة لتحليل سلوك المستخدمين والتنبؤ باهتماماتهم، بدلاً من الاكتفاء بعرض منشورات الحسابات التي يتابعونها. وتستند هذه الخوارزميات إلى تحليل مؤشرات متعددة، مثل مدة مشاهدة المحتوى، ونسبة إكمال مقاطع الفيديو، وعدد التفاعلات والمشاركات والتعليقات، بهدف تحديد المحتوى الأكثر قدرة على جذب انتباه المستخدمين وإبقائهم داخل المنصة لأطول مدة ممكنة. لذلك، لم يعد نجاح الحملات التسويقية مرتبطًا بشهرة المؤثر وحدها، بل أصبح يعتمد أيضًا على مدى توافق المحتوى مع معايير التوزيع التي تعتمدها الخوارزميات.

يُعد Claude Opus 5 أحدث إصدارات شركة Anthropic في سلسلة نماذجها اللغوية المتقدمة، وقد صُمم لتلبية احتياجات المطورين والمؤسسات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في البرمجة، وإنجاز الأعمال المعرفية، وتشغيل الوكلاء الذكيين. ويتميز هذا الإصدار بتحسينات ملحوظة في الكفاءة، إذ يقترب من مستوى أداء نموذج Claude Fable 5 مع الحفاظ على تكلفة تشغيل تعادل نحو نصف تكلفته، الأمر الذي يجعله خيارًا أكثر ملاءمة للاستخدام اليومي في البيئات المهنية.
تشمل التحسينات الرئيسة رفع مستوى الأداء في مهام البرمجة المعقدة، وزيادة جودة معالجة الأعمال المعرفية، وتعزيز قدرة النموذج على تنفيذ المهام بصورة أكثر استقلالية. فقد أصبح أكثر قدرة على إدارة سير العمل دون الحاجة إلى تدخل متكرر من المستخدم، كما تحسنت آليات اكتشاف الأخطاء واستعادتها، مع زيادة وتيرة التحقق من صحة النتائج أثناء تنفيذ المهام، وهو ما يسهم في رفع موثوقية المخرجات وتقليل الحاجة إلى المراجعة البشرية.
ومن أبرز التطورات التي يقدمها النموذج تحسين كفاءة استخدام Tokens، حيث يحقق مستوى أداء مماثلًا للإصدار السابق مع استهلاك أقل ل Tokens بنسبة تقارب 26%. ولا ينعكس هذا التحسن على خفض تكلفة التشغيل فحسب، بل يسهم أيضًا في تقليل العبء الحسابي، وإتاحة تنفيذ مهام أطول وأكثر تعقيدًا ضمن جلسة عمل واحدة، بما يعزز إنتاجية المستخدمين في المشاريع البرمجية واسعة النطاق.
وتشير نتائج الاختبارات والتجارب التي أجرتها شركات متخصصة إلى تحسن واضح في قدرات النموذج. ففي بيئات تطوير البرمجيات، أصبح قادرًا على إدارة عدد من المهام بصورة شبه مستقلة، مع الاكتفاء بطلب تدخل المستخدم عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات تتطلب حكمًا بشريًا. كما أظهر أداءً متقدمًا في التطبيقات القانونية المعتمدة على الوكلاء الذكيين، ولا سيما في مجالات حوكمة الشركات والتحكيم، وهو ما يعكس تطور قدراته في معالجة المشكلات المهنية المتخصصة.

أعلنت شركة أنثروبيك (Anthropic) عن إطلاق ميزة جديدة تحمل اسم Reflect لمساعدها الذكي Claude، وذلك في وقت يتزايد فيه الجدل حول الذكاء الاصطناعي، سواء بسبب الانتقادات الموجهة إليه أو الاحتجاجات المرتبطة باستهلاك مراكز البيانات للطاقة. وتهدف الميزة إلى تمكين المستخدمين من متابعة وتحليل طريقة استخدامهم للمساعد الذكي، مع تشجيعهم في الوقت نفسه على تبني استخدام أكثر وعياً لهذه التقنيات.
وتتمثل الوظيفة الأساسية لـ Reflect في توفير لوحة معلومات تعرض إحصاءات ورسومًا بيانية حول استخدام Claude، مثل الموضوعات التي يناقشها المستخدم، وأنماط الاستخدام، وأنواع المهام التي يعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه البيانات للمستخدم تكوين صورة أوضح عن كيفية توظيفه للمساعد في أنشطته اليومية.
ولا تقتصر الميزة على عرض البيانات الإحصائية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز إدراك المستخدم للدور الذي أصبح يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية. فمن خلال عرض حجم المهام التي ساعد Claude في إنجازها، تشجع الميزة المستخدم على النظر إلى المساعد باعتباره أداة إنتاجية أصبحت جزءاً من سير عمله المعتاد.
وفي المقابل، تحاول أنثروبيك تشجيع الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إذ تعرض الميزة بين الحين والآخر أسئلة تدعو المستخدم إلى التفكير في حدود الاعتماد على هذه التقنية، مثل التساؤل عن المهام التي يفضل الاستمرار في إنجازها بنفسه حتى وإن كان Claude قادراً على تنفيذها بسرعة أكبر. كما توفر أدوات لتحديد فترات هدوء يتوقف خلالها المساعد عن إرسال الإشعارات، إضافة إلى تذكيرات تدعو المستخدم إلى أخذ استراحة من استخدام الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى احتمال تحول التفاعل المستمر مع روبوتات المحادثة إلى سلوك اعتيادي أو مفرط.

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…