فلسفة وتربية

"وذلك القوس المقلوب الذي تسمِّيه السماء، الذي نعيش ونموت تحته محبوسين زاحفين،
لا ترفع يديك إليه طلبًا للعون – لأنَّه يدور عاجزًا مثلنا تمامًا" (عمر الخيّام) ([1])

1- مقدمة:   

تُعَدُّ الأبراج اليوميّة المنشورة في أعمدة التنجيم في الصحف والمجلّات في كلِّ مكان من بين الملذّات التي يتمتّع بها الملايين من البشر على سطح المعمورة. فمعظم الناس يعرفون البرج الذي وُلدوا تحته، سواء كانوا من برج الثور أو العذراء أو الأسد أو العقرب، إلخ. وكثيرٌ منهم لديه فكرة عن الصفات الشخصيّة التي يُفترض أنَّهم يمتلكونها نتيجةً لذلك. وقد أصبح اليوم من المألوف أن يعرف شخصٌ ما نفسه بالمواصفات البرجيّة له، كأن يقول: "أنا من برج الثور، أحبُّ البيت، ويمكن الاعتماد عليَّ مع أنَّني مملٌّ قليلًا" ([2]).

والشخص الذي يسمع مثل هذا التعريف البرجيّ لا يميل عادةً إلى اعتبار المتكلّم خرافيًّا أو غير عقلانيّ. بل قد يبدو هذا القول وكأنَّه يعكس قدرًا من الوعي الذاتيّ الموضوعي؛ فهو لا يحمل طابعًا غرائبيًّا أو مبالغةً غير عقلانية، بل يبدو القول طبيعيًّا من خلال معقوليته اليوميّة. كما أنَّ هذه التصريحات لا تُقال عادةً بحماسة المؤمن المتعصّب. فقرّاء هذه الأعمدة لا يعلنون أنفسهم مؤمنين أو غير مؤمنين. بل إنَّ مسألة الإيمان نفسها تبقى ضبابيّة بسبب عدم رغبة عامة في التحقّق من نظام التنجيم وتبريراته، ولا سيّما فيما يتعلّق بحركات الكواكب وعلاقاتها. وقد تمنح الإشارات "العلمية" الظاهريّة – مثل العلاقة بين المريخ والمشتري – القارئ إحساسًا بوجود منطقٍ ما في البنيّة النجومية، وذلك دون أن يشعر بالحاجة إلى التحقّق. كما أنَّ النصائح تبدو واقعيّة بشكل عام، ومصاغةً بلغة توحي بعلمٍ مبسّط. ومع ذلك، يدّعي كثيرٌ من القرّاء أنَّهم يقرؤون هذه الأعمدة للتسلية فقط دون أخذها على محمل الجد ([3]).

2- أدورنو والتنجيم بوصفه قوّةً استلابية:

ففي مقاله المطوّل "النجوم تهبط إلى الأرض" " (Stars Down to Earth) ([4])، قام أدورنو بتحليل تفكيكيّ لعمود تنجيم يوميّ في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" (Los Angeles Times, 1952–1953)، كاشفًا عن المرض الاجتماعيّ الذي يدعم هذا الشكل من اللاعقلانيّة. فما يراه البعض تسليةً بريئة، يراه هو – شأنه شأن منتجات صناعة الثقافة – شيئًا سامًّا، وفي هذا الأمر يقول: "إنَّ المواقف التي تستدعيها صناعة الثقافة ليست بريئةً على الإطلاق... فإذا نصح المنجِّم قرّاءه بالقيادة بحذر في يومٍ معيّن، فهذا لا يضرُّ أحدًا؛ لكن الضرر الحقيقيّ يكمن في تلك البلادة الذهنيّة التي تجعل الناس يعتقدون أنَّ مثل هذه النصيحة العاديّة تكتسب أهميتها من الهالة الزائفة التي تُعطى لها لمجرّد ربطها بالأبراج والنجوم"([5]). فالخطر الحقيقيّ للنصيحة يكمن في الشكل الذهنيّ والنفسيّ الذي تُعوِّد الناس عليه. فقول المنجِّم: "قُدْ بحذر اليوم" يبدو نصحًا عاديًّا يمكن أن يُقال في أيّ وقت. لكن المشكلة تكمن في أنَّ الإنسان يُدفع إلى الاعتقاد واهمًا بأنَّ أفعاله تخضع لسلطة غامضة وخارجيّة كسلطة النجوم، وذلك بدلًا من التفكير العقلانيّ المستقل. فالنصيحة لا تقوم على أساس عقلانيّ لأنَّها مجرد نصيحة عامة تصلح في كل وقت، ولكنَّها تصبح وهمًا عندما تُقدَّم وكأنَّها معرفة كونيّة دقيقة مستمدّة من النجوم والأبراج.

تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6] 

 لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]

مقدمة:
في الفلسفة المعاصرة يبرز سؤال مركب يجمع بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والفلسفة السياسية والاجتماعية: كيف يرتبط الفكر بالوجود، وكيف تتوسط اللغة هذه العلاقة، وكيف يشكل المجتمع – أو يتشكل بها – هذا النسيج كله؟ لم يعد الفكر قدرة فردية محايدة، ولم يعد الوجود مجرد "كينونة" فردية معزولة، ولم تعد اللغة أداة تعبير شخصية. بل أصبحت هذه العناصر متشابكة في ديناميكية اجتماعية تُنتج الذات الجماعية والفردية معاً. المجتمع ليس خلفية محايدة، بل هو الحقل الذي يتحقق فيه الفكر كقوة تشكيلية، والوجود كتجربة مشتركة، واللغة كوسيط يفرض أو يحرر. في الفلسفة الغربية منذ بارمينيدس يقف سؤال أساسي: ما علاقة الفكر بالوجود؟ هل الفكر يسبق الوجود أم ينشأ منه؟ هل هو انعكاس له أم إبداع له؟ أم أنهما وجهان لشيء واحد؟ في عصرنا المعاصر، حيث أصبحت التقنية الرقمية تُنتج «فكراً» بلا جسد، والذكاء الاصطناعي يحاكي الوعي، والأزمات البيئية والسياسية تُعيد طرح سؤال «من نحن وماذا نفعل في هذا العالم؟»، يعود هذا السؤال بقوة أكبر. نيتشه وهيدجر يمثلان خطاً أنطولوجياً يرى الفكر كنتيجة للإرادة أو كدعوة للوجود، بينما يمثل ميرلو-بونتي وريكور خطاً ظاهراتياً-تأويلياً يربط الفكر بالجسد والتاريخ والسرد. هنا لا يتم الاقتصار على المقارنة التاريخية، بل تبني مقاربة فلسفية معاصرة تجعل هذه العلاقة أداة لفهم أزمة الإنسان اليوم: أزمة الذات في عالم ما بعد الحداثة، حيث يُهدَّد الوجود بالتحول إلى بيانات، والفكر إلى خوارزميات. هذه الدراسة تقارن بين تيارين أساسيين في الفكر القاري المعاصر: التيار النيتشوي-هيدجري الذي يرى الفكر واللغة والوجود كأحداث أنطولوجية تتصارع مع المجتمع كـ"قطيع" أو "الآخرون"، والتيار الفينومينولوجي-التأويلي الممثل بميرلو-بونتي وريكور الذي يؤكد على التجسد الاجتماعي والسردي للفكر واللغة كوسيلة لبناء مجتمع إنساني متكافئ. المقاربة معاصرة بمعنى أنها لا تقتصر على استعادة تاريخية، بل تُضيء قضايا عصرنا: أزمة المعنى في المجتمعات الرقمية، سيطرة التقنية على الوجود الاجتماعي، تشظي الهويات الجماعية، وإمكانية إعادة بناء مجتمع يحتفي بالجسد والسرد والحرية. وكيف يمكن إعادة صياغة السؤال الفلسفي في سياقه الاجتماعي؟ وماذا يترتب عن ذلك؟

تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.

قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.

عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص  حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً.  مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي.  فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.

بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.

كلمة شكر:
بسم الله الرحمن الرحيم، السّيدات والسّادة، زملائي الأعزّاء، ضيوفنا الكرام، يسرّني في بداية هذا اللّقاء أنْ أحيّيكم أجمل تحيّةٍ، شاكراً لكم حضوركم المظفّر لهذه النّدوة المتميّزة حول مسألة الكمّ والكيف في مناهج البحث العلميّ السّوسيولوجيّ في العالم العربيّ، ويسرّني في بداية هذا المداخلة أن أتوجّه بخالص الشّكر والتّقدير والعرفان للأستاذ الدكتور يعقوب الكندري الّذي شرّفني بدعوته للمشاركة في هذه النّدوة، والشّكر أيضاً موصول للأساتذة الكرام الّذين سبقوني بتقديم مداخلاتهم النقديّة وتحليلهم العميق والشامل لقضايا الكمّ والكيف في العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة.
أيَتها السّيّدات، أيّها السّادة:
اسمحوا لي أن أضع مداخلتي تحت عنوان: ملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّة العربيّة والخليجيّة. وأريد أن أقرّ بدءا بأنّه لم يسبق لي كتابة بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فإنّني سأنطلق في مداخلتي هذه من التّجربة الأكاديميّة في مجال البحث العلميّ والتّدريس في الجامعات العربيّة الّتي تمتدّ لأربعة عقود من الزّمن محمّلة بتدفّق كبير من الأفكار والتّصوّرات حول هذه القضيّة الملحّة في المجتمع العلميّ الخليجيّ والعربيّ في آن واحد.

ومن المهمّ في هذا الاتّجاه أن استعرض المحاور الأساسيّة لهذه الورقة وهي على الشّكل التّالي:

 أوّلاً - مقدّمة إشكاليّة حول المنهجيّة النّقديّة عند عالم الاجتماع الكبير خلدون النقيب.

ثانياً: البعد الأيديولوجيّ للمناهج العلميّة في علم الاجتماع.

ثالثاً: الانتقادات الموجّهة إلى المناهج الكمّيّة أيديولوجيّاً.

رابعاً: عوامل هيمنة المناهج الكمّيّة في البحوث العربيّة .

خامسا: ملاحظات حول التّكوين الإبيستيمولوجيّ للباحثين العرب.

سادساً: نحو مسار جديد للبحث العلميّ الخاصّ بالكمّ والكيف.

1-مقدّمة إشكاليّة:

بدأ اهتمامي بهذه المسألة في إحدى النّدوات - الّتي شرّفنا الدّكتور يعقوب الكندري بدعوتنا إليها في نوفمبر2022 -وقد عقدت هذه لتكريم عالم الاجتماع الكويتيّ الرّاحل خلدون النقيب، وفي إحدى الجلسات غمز أحد المشاركين من قناة الرّاحل خلدون النقيب آخذاً عليه أنّه لم يستخدم المنهج الكمّيّ في بحوثه وأعماله الفكريّة، وكأنّ المنتقد كان يريد أن يقول لنا إنّ عالم الاجتماع لا يمكن عالماً حقّاً ما لم يعتمد المنهج الكمّيّ في بحوثه ودراساته السّوسيولوجيّة، وهذا يوحي بأنّ علم الاجتماع يجب أن يعتمد على البحوث الكمّيّة كي يكون علماً حقيقيّاً. ولمّا كنت في تلك اللّحظة على المنصّة أدركت أنّه ينبغي عليّ أن أقدّم ردّاً سريعاً ومناسباً على هذه المداخلة الّتي تكرّس رؤية أيديولوجيّة معادية للمناهج العلميّة غير الكميّة ولا سيّما النقديّة منها. وقد نوّهتُ في هذه المداخلة إلى أنّ الرّاحل الكبير خلدون النقيب كان مفكّراً من الطّراز الرّفيع وقد فرضت مكانته العلميّة العالية أن يعتمد مناهج معرفيّة نوعيّة متقدّمة جدّاً كالمنهج النّقديّ أو المنهج الجدليّ التّاريخيّ في دراساته وأبحاثه. وإنّه لا يمكن لأحد أن يتجاهل أنّه كان من أكثر المفكّرين تأثيراً وحضوراً في الخليج والعالم العربيّ. وهذا الأمر يتطلّب منّا أن نشكر له أنّهى ترفّع عن استخدام المناهج الكميّة وارتقى إلى استخدام أفضل المناهج العلميّة قدرة على استكشاف الأبعاد الشّاملة والقضايا الحيويّة الحسّاسة للمجتمع والحياة في بلدان الخليج. وقد تضمّنت مرافعتي نقداً سلبيّاً عنيفاً لأنماط المناهج الكميّة الّتي يعتمدها الباحثون الأكاديميّون في جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة.

تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

في خضم الجدل المتصاعد حول الهوية والانتماء في الدنمارك، جاء تصريح عالم الوراثة الدنماركي البارز إيسكه فيلرسليف ليقلب الموازين: "مفهوم العِرق انتهى علمياً". هذا الإعلان لا يقتصر على كونه حقيقة بيولوجية، بل يمثل نقطة تحول في النقاش العام، إذ يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: إذا كانت الجينات لا تحدد الهوية، فما الذي يصوغ الانتماء الوطني؟ بين الدم والثقافة، بين الوراثة والتجربة الإنسانية، يتكشف صراع قديم يتجدد اليوم في سياق سياسي واجتماعي معقد، حيث يواجه الدنماركيون – ومعهم العالم – ضرورة إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الأساطير العرقية التي فقدت أساسها العلمي. ويتجدد جدل الانتماء في بلد يواجه تحديات التعددية والاندماج، ويعيد التفكير في معنى أن تكون "دنماركياً".

الهوية تعيد تعريف نفسها

تصاعدت خلال السنوات الأخيرة النقاشات العالمية حول الهوية والانتماء، لتتجاوز حدود السياسة والاجتماع وتدخل عمق العلم الحديث. وفي الدنمارك، أثار تصريح فيلرسليف جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن مفهوم العِرق قد انتهى علمياً، مشدداً على أن الجينات لا تحدد الثقافة أو الهوية الوطنية. هذا الموقف لا يمثل مجرد رأياً فردياً، بل يعكس تحولات جذرية في علم الوراثة والأنثروبولوجيا، حيث باتت الأبحاث الحديثة تكشف أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة، وأن ما يُسمى "العرق" ليس سوى بناء اجتماعي وسياسي فقد أساسه العلمي.

إن هذا الطرح يضع المجتمع أمام تحديات فكرية عميقة: كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن الدم والجينات؟ وكيف يمكن للعلم أن يُسهم في تفكيك الصور النمطية التي غذّت قروناً من التمييز والصراعات؟ فبينما يرى بعض المعلقين أن الانتماء يُحدد بالوراثة، يوضح العلم أن الثقافة، اللغة، التاريخ، والتجارب المشتركة هي العناصر الحقيقية التي تصوغ هوية الشعوب.

من هنا، يصبح النقاش حول "الدم والدنماركية" مثالاً صارخاً على التداخل بين العلم والسياسة، وعلى خطورة إساءة استخدام النتائج العلمية في الخطاب العام. فالعلم، كما يؤكد فيلرسليف، لا يبرر تقسيم البشر إلى أعراق، بل يكشف أن الإنسانية وحدة متصلة، وأن الاختلافات الجينية بين الأفراد أقل بكثير مما يُتصور، ولا تصلح لتحديد الانتماء أو الهوية.

دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) "الأولين" هم "البربر". وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة "البربر" يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى "الأعاجم" (أو "إكناون" بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى "الهمج" و"المتوحشين". فلفظة "البربر" بمعنى "العجم"، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية والرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.

كما أن لفظة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون "اللسان البربري" بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ. وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول "المغرب العربي"، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر "المغرب العربوفوني" قياسا على الدول التي توصف بأنها "فرنكوفونية" أو"أنجلوفونية"...

منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية "العرب" و"البربر" في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء "مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب"، فتشكل لديها نفور من كلمة "البربر" بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة "بربر"، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: "الهمج والمتوحشون". و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار "نزوع قومي" واضح، فاستحبوا اسم "أمازيغ".

ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية "العرب" و"الأمازيغ" فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟

آخر المواضيع في

أن تجعل من الأدب قوة مضادة، وتمنح للحروف سلطة الكشف عن الحقيقة؛ ذاك هو التحدي الذي رفعه جون إدغار وايدمان في روايته" أن تكتب لتنقذ حياة"(*)، حيث تتواشج السيرة الذاتية مع الخيال والحقيقة التاريخية، لإعادة تأسيس عالم لا يكون فيه للون البشرة أية أهمية.
في سنة 1955 تصدّرَ عناوين الصحف الأمريكية خبرُ إعدام صبي أسود في الرابعة عشرة من عمره. كان إيميت تيل يستقل قطار شيكاغو لزيارة عائلته في ولاية مسيسيبي. زعموا أنه أطلق صفيرا في حضور سيدة بيضاء، فتم اختطافه واغتياله ليعيد قطار آخر جثته بعد بضعة أسابيع.

أثناء محاكمة القتلة بتهمة الاختطاف والضرب المؤدي إلى القتل، تتلقى الصحافة معلومات سرية من الملف العسكري لوالد الضحية. كان لويس تيل مجندا في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وتوبع في إيطاليا بتهمة الاغتصاب والقتل، حيث صدر في حقه حكم بالإعدام.

الابن سر أبيه إذن! وبعد ساعة من المداولات تمت تبرئة القتلة.

على امتداد نصف قرن لم تفارق صورة إيميت مخيلة الكاتب، ليقرر إعادة تجميع خيوط القضية، عبر استجواب الأرشيف، وفحص المقالات والمحاضر، وزيارة موقع الحادث. بدت الحقيقة واختفاؤها أغرب من الخيال، وأعمق من أي سرد فني. وفي بحثه عن حزن السود، وأنماط الرعب المتوارثة عبر أجيال، كان وايدمان يعيد تشكيل الروائي كبوصلة أخلاقية، تنكأ جروح العنصرية، واللامبالاة التي تُظهرها أمريكا وجهازها القضائي تجاه آلام السود.

 ما قبل البداية: الوجود القَبلي للألم
هل تبدأ الروايات حقاً من عتباتها الأولى؟ أم أن البدايات شظايا مسبوقة بزلزال حدث في الخفاء، فوصلت إلينا وهي تلهث، متأخرة عن شيء أفلت من القيد وسال على السطور؟

    إن النص، قبل أن يفتح صفحته الأولى، يكون قد بدأ بالفعل في فضاء آخر؛ في جرح غائر، أو خوف عتيق، أو ذاكرة مؤجلة لم تجد حبرها بعد. من هنا، تبدو فاتحة «أغالب مجرى النهر» مربكة على نحو خاص؛ إرباكٌ يدفع القارئ نحو تساؤل جوهري: من أين بدأت الرواية حقاً؟ هل انبثقت من ذاكرتي أم من ذاكرة "عقيلة تومي"؟ وهل كانت "عقيلة" مستوطنة في زنزانتها قبل أن أطأ عتبة النص؟

يستدعي سعيد خطيبي في روايته هذه شكلاً من أشكال الوجود القبلي المزلزلة ليقين الحضور كله، سارداً أسئلة حارقة:

  • مَن كان هناك أولاً؟ الجسد أم الخوف الذي يستأجره؟
  • المكان أم الذاكرة التي تعيد صياغته وتحوّله إلى مسخ؟

   يؤسس النص لهذه الحيرة هادماً فكرة الإجابات الجاهزة، كونه يسعى أساساً لتفكيك "وهم اليقين" وإعادة تشكيل الوعي بالأشياء. في هذا الأفق، يتقدم المكان (الزنزانة) بوصفه فضاءً واسعاً يرسم احتواءه للألم، متجاوزاً وظيفة الحيز أو الإطار الضيق. فالألم لا يحتاج إلى جدران، وإنما يتطلب لحماً وعظماً وقفصاً صدرياً يطبق عليه. لقد جاءت الزنزانة لتختزل الفضاء الخارجي في قطر أضيق، كاشفة عن عري وجودي مرعب يؤكد أن الألم عصي على الاحتواء، فقد كان موجوداً قبل الزنزانة، وسيبقى يتمدد بعدها، ليظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل يسبق الجرحُ الجارحَ؟

تتجاوز الرواية حدود الجرح الواحد، لتقوم على ثنائية صوتية متناوبة:

  • عقيلة: تروي من داخل جسدها المعطوب والمستباح.

الأب عزوز: يدخل الحلبة لاحقاً، حاملاً ذاكرة الحرب، ووزن "السلم" الذي يتكشف باعتباره قناعاً لوجه آخر من الوجوه العنيفة.

    يتعدى هذا التناوب السردي دائرة الحيلة التقنية البريئة، ليستقر كفعل تشكيك جذري في إمكانية السردية الأحادية، معلناً رفضه لمنطق "رواية المركز" التي تنظم الألم من موقع فوقي متعالٍ. لا وجود هنا لراوٍ كلي المعرفة؛ ثمة فقط كدمات، وآثار، وجروح مفتوحة في نصوص لا تملك تقنية إغلاقها.

أنت في بغداد على الطريق العام الموصل إلى البصرة، تمشي منذ اكثر من ساعة، تشير للسيارات العابرة ولا مجيب، تكاد أشعة الشمس أن تحرق رأسك، العطش يجفف حلقكَ، تقف لك حافلة يقودها رجل خمسيني، يشير لك بالصعود، يكلمك بالإنكليزية، تكتشف أنه عسكري أمريكي، يناولك عبوة مياه معدنية، تشربُ حتى ترتوي.
بعد دقائق قليلة، يخرج أمام الحافلة مواطن عراقي غاضب، يغمز إلى السائق، ويتلفظ بكلمات بذيئة...
أنت ذاتك في مركز انطلاق الحافلات في دمشق، متأخر عن موعد مهم، الحافلات مكتظات، تيأس وتخرجُ من مركز الانطلاق، تباغتكَ بعد البوابة بقليل حافلة صغيرة تتسع لأربعة عشر راكبا، تتوقف قربك، تفرح توا، تلاحظ أن المقعد الأمامي قرب النافذة شاغر، تهمُّ بالركوب، يتصبب منك عرق بارد، لا سائق في الحافلة، تنظر إلى الركاب، لا ترى منهم استغرابا، بل أنهم وبصوت واحد يطلبون منك الصعود فهم مستعجلون، تحتار في قرارك، أتأخذ مكان السائق، أم الراكب، يخزك خوف كبير: كيف وصلت الحافلة إلى هنا دون سائق؟
لم يمضِ وقت طويل حتى أمال السائق العجلات نحو الطريق العام، حاورك بلكنته الأمريكية، تفاخرَ بإنجازات وحرية وأشياء أخرى، لم توافق على كلمة واحدة ، لم تجرؤ على إخراج معارضتك إلى أذنيه، لا لأنك تخشاه ولكن احتراما لكرم الضيافة، أليس العرب أولى بها؟

من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.

تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.

لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.

هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.

إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.
من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.
ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.
تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.

حين يكون الاستغلال مزدوجاً
لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.
هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

في الثلاثين من مارس 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يفرض عقوبة الإعدام شنقا على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين تدينهم المحاكم العسكرية في قضايا تنطوي على هجمات مميتة، مع تنفيذ الحكم في غضون تسعين يوما من صدور الإدانة. هذا ليس قانونا جزائيا، إنه أداة مقننة للتطهير العرقي تعمل في ظل منظومة أبارتهايد موثقة. والأبارتهايد هنا ليس توصيفا خطابيا أو مبالغة بلاغية، إنه مصطلح قانوني دقيق يعرف في القانون الدولي بوصفه نظام هيمنة مؤسسية ممنهجة لمجموعة قومية على أخرى، يقوم على التمييز في الحقوق والحركة والوجود القانوني. هذه المنظومة تحظى بغطاء سياسي أمريكي غير مسبوق. لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
 لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
 
1. عقوبة الإعدام، الحل الأرخص لدولة فاشلة
انطلاقا من موقفي المبدئي والإنساني، أرفض رفضا تاما وقاطعا عقوبة الإعدام. فالحق في الحياة حق متأصل، لا ينفصل عن إنسانية الشخص، ولا يحق لأي دولة، مهما ادعت من شرعية، أن تصادره. وهذا الرفض لا يتزعزع حين يصدر القانون عن دولة تقدم نفسها ديمقراطية، ولا يتزعزع حين يصدر عن دولة تمارس القمع القومي المقيت على مرأى من العالم وبمباركته الضمنية.
لا أحد يولد مجرما أو عنيفا. كل إنسان يولد في فطرة البراءة الكاملة. ثمة ظروف وأحوال بعينها هي التي تحول الإنسان إلى مجرم: الفقر، والبطالة، وغياب الحماية الاجتماعية، والاستبداد، إضافة إلى التمييز والقمع القومي والديني والطبقي. وعقوبة الإعدام توفر للحكومات الفاشلة ذريعة جاهزة للتهرب من مسؤوليتها الحقيقية في معالجة الجذور الكامنة للجريمة والعنف. أما في سياق التمييز القومي المقيت، فهي تذهب أبعد من ذلك: إنها أداة لتصفية المقاومة وتجريم الضحية وتحويل الشعب الخاضع للقمع إلى متهم أمام محاكم قامعيه ذاتهم، في مشهد يبلغ فيه انعدام العدل حده الأقصى.
إنها الحل الأسهل والأرخص تكلفة، في حين أن معالجة جذور الجريمة والعنف مكلفة وتستلزم عملا جادا وحقيقيا، لا تبدو السلطات الفاسدة والعاجزة مهتمة بأدائه. وحين تكون هذه السلطة قائمة على الظلم والتمييز القومي، يغدو السؤال عن جذور العنف سؤالا سياسيا بامتياز، إذ الجواب معروف مسبقا: جذر العنف هو القمع نفسه، والفقر الذي يصنعه، والتهجير الذي ينتجه، والإذلال اليومي الذي يغذيه.

يشهد قطاع الاتصالات في الصين توسعًا متسارعًا في نشر شبكات 5G-Advanced، التي أصبحت تغطي أكثر من 330 مدينة بحلول نهاية عام 2025، مع تجاوز عدد مستخدميها 10 ملايين مستخدم في منتصف العام نفسه. كما تمثل شبكات الجيل الخامس 55% من إجمالي الاتصالات المتنقلة في البلاد، في ظل إطلاق خدمات تجارية من قبل كبار المشغلين، مثل China Mobile وChina Telecom وChina Unicom، إلى جانب مشغلي هونغ كونغ وماكاو.
ويُعد هذا التوسع خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد زيادة سرعات الاتصال، إذ يركز على تحسين سرعة رفع البيانات، وتقليل زمن الاستجابة، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات. وفي هذا السياق، أطلقت China Telecom Shanghai أول شبكة تجارية تجمع بين 5G-Advanced والذكاء الاصطناعي، تضم أكثر من 5000 محطة مطورة، وتوفر سرعات رفع تصل إلى 1 جيجابت في الثانية، مع تغطية مستمرة في المناطق الحضرية الرئيسة.
وترتبط هذه التطورات بالنمو المتزايد في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، حيث تتوقع الشركات أن ترسل الأجهزة الذكية، مثل المركبات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة والروبوتات والأجهزة الصناعية، كميات متزايدة من البيانات إلى المنصات السحابية. لذلك أصبح تحسين أداء رفع البيانات عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية الرقمية الجديدة.

أصبحت شركة مايكروسوفت المزود الرئيسي لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها OpenAI في السوق الصينية، في وقت تمتنع فيه كل من OpenAI وAnthropic عن تسويق نماذجهما مباشرة داخل الصين بسبب مخاوف تتعلق بحماية الملكية الفكرية واحتمالات إساءة الاستخدام. وقد منح هذا الوضع مايكروسوفت موقعًا فريدًا، إذ أصبحت الوسيط الوحيد الذي يتيح للشركات الصينية الكبرى الوصول إلى نماذج GPT.
وتشمل قائمة العملاء الرئيسيين شركات صينية عملاقة مثل ByteDance وAnt Group وMeituan وTencent، التي تعتمد على خدمات Azure للوصول إلى نماذج OpenAI. ويُعد ByteDance أكبر عملاء مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بتجاوز إنفاقه السنوي على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مليار دولار. وقد انعكس هذا الطلب في نمو استثنائي لإيرادات Azure AI في الصين، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، بعد أن سجلت نموًا يقارب 400% في العام السابق، مما جعل الصين أسرع الأسواق نموًا بالنسبة لمايكروسوفت في هذا المجال.
ويعود هذا الوضع إلى الاتفاقية الخاصة التي تربط مايكروسوفت بـOpenAI، والتي تمنحها حق تسويق نماذج GPT في الأسواق الخارجية وفق شروطها الخاصة. وبما أن OpenAI وAnthropic ترفضان التعامل المباشر مع السوق الصينية، أصبحت مايكروسوفت القناة الوحيدة التي يمكن من خلالها للشركات الصينية استخدام هذه النماذج.

في هذا العالمٍ الذي تتقاطع فيه الأزمنة وتذوب فيه الحدود، لم يعد الإنسان محصورًا في القبيلة أو القرية أو المدينة، بل وجد نفسه في فضاء جديد تُعيد فيه الشبكات والمنصات صياغة معنى الجماعة والثقافة. هنا، لا تُقاس العلاقات بالدم أو الأرض، بل بالرموز الرقمية والاهتمامات المشتركة؛ ولا تُمارس الطقوس في ساحات ملموسة، بل عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات عميقة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تفتح أمامنا نافذة لفهم هذا التحول الجذري، حيث يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول المشاركة الافتراضية إلى طقس جماعي يعكس الانتماء ويعيد إنتاج الثقافة في أشكال جديدة.

لم يعد هذا العالم ينقسم إلى جغرافيا ملموسة وحدود سياسية مرسومة، برز فضاء جديد يفرض نفسه كحقلٍ اجتماعي وثقافي لا يقل أهمية عن القرى والمدن والأسواق التقليدية التي طالما كانت موضوعًا للأنثروبولوجيا الكلاسيكية. هذا الفضاء هو العالم الرقمي، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات، والمنصات إلى مجتمعات، والتفاعلات الافتراضية إلى طقوس يومية تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الهوية والسلطة والذاكرة الجمعية. إن الأنثروبولوجيا الرقمية لا تدرس مجرد تقنيات أو أدوات، بل تنفذ إلى قلب التحولات التي يعيشها الإنسان حين يعيد تشكيل ذاته وصورته وعلاقاته داخل فضاء غير مادي، لكنه شديد التأثير في الواقع الملموس.

لقد أصبح "الإعجاب" و"المشاركة" و"التعليق" أفعالًا تحمل وزنًا اجتماعيًا يشبه الطقوس الجماعية القديمة، وأضحى بناء الهوية الرقمية عملية معقدة تتداخل فيها الرغبة في الظهور مع الحاجة إلى الانتماء. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيف يعيش الإنسان في بيئته الطبيعية أو الثقافية، بل كيف يعيش في بيئة رقمية تُعيد صياغة مفاهيم الزمن والمكان والعلاقات الإنسانية. إن دراسة هذه الظاهرة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم كيف يتشكل الوعي الجمعي في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم فيه الأعراف والتقاليد.

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…