فلسفة وتربية

تبحث الدراسة الحالية، الصادرة عن دار جداول للنشر والتوزيع (بيروت، لبنان)، في آراء يورغن هابرماس حول الدين واللاهوت في سياق فهمه للفضاء العام الحديث. ويعد هابرماس فيلسوفا إلحاديا وعلمانيا استثنائيا، إذ يقدم آراء إيجابية حول الدين في المجتمع الحديث، وفي الوقت نفسه يصر على أن النظرية الأخلاقية يجب أن تكون ما بعد دينية أو ما بعد تراثية. وقد طور نظرية معروفة في الفعل التواصلي وأخلاقيات الخطاب، يتمثل غرضها في معالجة مسألة المحاججة في المجال العام. ويمكن النظر إلى أعماله، التي تمتد لأكثر من خمسين عاما، بوصفها محاولة لتوضيح الوحدة التي تجعل من الممكن سماع الاختلافات الثقافية على أنها تنوع في الأصوات، لا مجرد مجموعة من التعبيرات المفككة والمستحيلة الفهم بالنسبة إلى بعضها بعضا. ويشير المؤلف إلى أن هابرماس يقدر الدين، وفي الوقت نفسه ينأى بنفسه عنه؛ فهو يقدره باعتباره حاملا للحياة الثقافية، وينأى بنفسه عنه لأنه يدعي أن أفراده مزودون بسلطة تقوض استقلالية الإنسان.

فالدين، بالنسبة إلى هابرماس، هو ما يمنح أفراد المجتمعات الحديثة المضمون الحيوي الذي يتجادلون حوله، وبدونه لا توجد قيم ولا نماذج للحياة يختلف الناس حولها. إلا أنه، في الوقت نفسه، لا يمكن، ولا ينبغي، أن يكون هو المجال العام الذي تجري فيه تلك الجدالات.

وتحاول دراسة نيكولاس آدامز الحالية تقويم نظرية هابرماس في الموضع الذي فشلت فيه بصورة واضحة. فالمشكلة الكبرى، بالنسبة إلى الفلاسفة واللاهوتيين الذين يرغبون في الانخراط في آراء هابرماس حول الدين، هي أنهم منغمسون في جدالات معقدة، غالبا ما يكون تركيزها الأساسي على قضايا أخرى غير الحياة الدينية والفكر الديني. ولذلك فإن المهمة الأساسية في هذه الدراسة، بحسب المؤلف، هي إعادة بناء ما يقوله هابرماس حول اللاهوت والدين، ووضعه في سياق آرائه الأوسع حول التطور المجتمعي وطبيعة العقل.

ويقول المؤلف إن إعادة التفكير في التراث المسيحي وفق الشرط العلماني تمثل مشروعا واسعا جدا، وإن مواكبة العصر تعني مواجهة كل المشكلات المفترضة التي يقتضيها ذلك. ويبدو أن محاولة إعادة التفكير في المجال العام، حيث تشارك العديد من التراثات الدينية الأخرى في الحوار، تمثل أمرا إشكاليا في كثير من الأحيان.

إن استدعاء النسق الفكري لإدغار موران في هذه اللحظة التأبينية امتداد عضوي لاشتباك ابستيمولوجي شخصي انطلقت إرهاصاته المنهجية الأولى سنة 2018، حين مثلت نصوصه التأسيسية منطلقاً لإعادة بناء أدواتي المعرفية وتوجيه مساري العلمي، وتجلى هذا التوظيف للباراديغم المركب في تفكيكي النقدي لأطروحة علي عزت بيغوفيتش المنشور ضمن "مجلة رؤى سياسية" في عددها الاول سنة 2022 التي تصدر عن مركز آفاق للدراسات المتخصصة، والذي اعتمدت فيه المقاربة المورانية لتجاوز القصور الاختزالي الذي يسم القراءات الثنائية لجدل الأفكار والواقع، كما تتعمق راهنية هذا الإرث الفلسفي المفتوح اليوم ضمن اشتغالي المعرفي على أطروحة الدكتوراه في حقل التربية الدينية، إذ أرتكز على مبادئ التعقيد كدعامة ابستيمولوجية لمواجهة آفتي الفصل والاختزال اللتين تعيقان استيعاب التداخل العضوي للمركبات الإنسانية، مما يجعل من كتابة هذا المقال في نعي موران ضرورة تنبع من تقاطع الممارسة البحثية الشخصية مع مشروعه الكوكبي، بهدف مواصلة تفعيل أدواته في تفكيك البنيات المغلقة لاستيعاب الظاهرة الدينية والتربوية المعاصرة.

إدغار موران، مسار قرن من المقاومة المعرفية والتأسيس للباراديغم المركب

إدغار موران  Edgar Morin  اسمه الأصلي ديفيد سالومون ناحوم ولد في 8 يوليو 1921 بباريس، والمتوفى بها في 29 مايو 2026 عن عمر ناهز 104 أعوام، أحد أهم السوسيولوجيين والفلاسفة الذين أعادوا تركيب ملامح الفكر المعاصر بتأسيسه  الابستيمولوجي للباراديغم المركب والمقاربات عبر-المناهجية، وينحدر موران من أصول يهودية سفاردية، وانخرط مبكرا في التحولات السياسية الكبرى للقرن العشرين، والتحق بصفوف المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي لفرنسا، وهي المرحلة التاريخية الحرجة التي اتخذ خلالها موران اسما حركيا لازمه طيلة مساره اللاحق.

لقد استطاع موارن أن يخط مسارا علميا  وسياسيا طبعتهما خاصية اليقظة النقدية والتحرر من الدوغمائيات الإيديولوجية، وهو ما تجلى في انسحابه النقدي المبكر من الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الخمسينيات وتأسيسه لمجلة أرغمان Arguments ليتفرغ إثر ذلك لبناء نسقه الفكري داخل أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية ، وأسس وأدار مركز دراسة الاتصال الجماهيري، الذي تحول فيما بعد إلى مركز إدغار موران.

مقدمة
يشكل الفن، في جوهره، لحظة التقاء فريدة بين ما هو ذاتي وما هو وجودي. فالإحساس الذاتي بالجمال ينبع من تجربة شخصية حميمة، مرتبطة بالحواس والعواطف والذكريات، بينما يسعى التعبير الفني عن حقيقة الوجود إلى كشف أعماق الواقع الإنساني، بكل تناقضاته وغموضه ومطلقيته. الأثر الفني الناتج عن هذا الالتقاء ليس مجرد إثارة عاطفية مؤقتة، بل هو تحول وجودي يعيد تشكيل وعي المتلقي بذاته وبعالمه. في هذه الدراسة، سنستكشف كيف يتفاعل الإحساس الذاتي بالجمال مع السعي نحو التعبير عن حقيقة الوجود، وكيف يولد هذا التفاعل أثراً فنياً يتجاوز الحدود بين الشخصي والكوني. سنتناول الأبعاد الفلسفية والنفسية والإبداعية لهذا التوتر الخصب، مع التركيز على آلياته ومظاهره في مختلف أشكال التعبير الفني.

الإحساس الذاتي بالجمال: الأساس الحسي والعاطفي
الإحساس بالجمال هو تجربة أولية، تسبق التحليل العقلي. إنه يبدأ من الجسد: الارتعاش أمام لون غروب الشمس، أو الانسياب مع إيقاع موسيقي، أو الدهشة أمام تناسق شكل. هذا الإحساس ذاتي بطبيعته لأنه مرتبط بتجربة الفرد الفريدة؛ فما يُعتبر جميلاً لشخص قد يكون عادياً أو حتى مزعجاً لآخر. يعتمد على الذاكرة الشخصية، الثقافة، والحالة النفسية اللحظية. في هذا السياق، يعمل الجمال كجسر بين الذات والعالم الخارجي. عندما يشعر الفرد بالبهجة أمام لوحة، فإنه لا يرى اللوحة فقط، بل يرى نفسه من خلالها. الجمال هنا ليس صفة موضوعية ثابتة، بل علاقة ديناميكية. إنه يوقظ الحواس، يحرك العواطف، ويفتح مساحات داخلية كانت مغلقة. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس الذاتي قد يبقى سطحياً إذا لم يرتبط ببعد أعمق، ألا وهو البحث عن معنى الوجود.

مثال اول تحليل نظرية كانط في الحكم الجمالي
مكانة «نقد الحكم» في فلسفة كانط
تُمثل نظرية إيمانويل كانط في الحكم الجمالي الجزء الثالث والأخير من مشروعه النقدي، الذي قدمه في كتاب نقد ملكة الحكم ( 1790). يحاول كانط بهذا النقد أن يبني جسراً بين عالم الطبيعة (نقد العقل الخالص) وعالم الحرية (نقد العقل العملي). فالحكم الجمالي ليس مجرد ذوق شخصي، بل هو قدرة حكمية خاصة تتوسّط بين المعرفة النظرية والأخلاق. ينقسم تحليل كانط للحكم الجمالي إلى قسمين رئيسيين: تحليل الجميل وتحليل الرفيع. سنركز هنا على الجميل مع الإشارة إلى الرفيع حيث يلزم.

لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو

1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:

منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.

ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ» ([1]).  وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ  ([2]).

وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells) ([3]) ، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟ ([4]) .

تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.

قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.

عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص  حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً.  مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي.  فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.

بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.

لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.

ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.

أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.

ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.

فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.

توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.

تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

آخر المواضيع في

في غياب المعايير والقيم، والقواعد العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، فإن البلد، أي بلد بدون شك، يصبح عرضة لقطاع الطرق. وحين نتفحص العالم الروائي للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما، فإن تلك الحقيقة تبدو مفجعة إلى حد بعيد. إن قطاع الطرق في نصوص كوروما يتقاسمون كل شيء: الثروة، والأرض، والشعب، بينما العالم بأسره يتغاضى عن ذلك، ويسمح لهم بقتل الأبرياء من أطفال ونساء بلا رادع.

كان على كوروما أن يقاتل من أجل الحلم الإفريقي بصوته وقلمه، وأن يندد بما تتعرض له أفريقيا السوداء بعد الاستقلال من خيانة النخب، وتنصيب الديكتاتوريات العسكرية تحت وطأة الحرب الباردة، والصراعات القبلية الدامية التي ابتليت بها القارة السمراء لسنوات عديدة.

سنة 2000 نشر كوروما روايته اللاذعة "الله غير ملزم" Dieu n’est pas obligé. ظهرت الترجمة العربية سنة 2003 بقلم عدنان محمد، تحت عنوان "الله يفعل ما يشاء". ويشكل هذا العمل شهادة على المعاناة المريرة للأطفال الذي جُنّدوا كمقاتلين، في الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون خلال تسعينيات القرن الماضي. والشاهد في النص طفل في العاشرة يدعى بيراهيما.

منذ السطور الأولى للرواية سيُصدم القارئ من وحشية السرد بضمير المتكلم. قرر بيراهيما الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، أن يجيب على سؤال طرحه عليه ابن عمه الدكتور مامادو، بينما كان جالسا في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي:

" يا صغيري بيراهيما، أخبرني بكل شيء، أخبرني بكل ما رأيت وفعلت؛ أخبرني كيف حدث كل ذلك.."

غير أن بيراهيما المراهق لا يملك سوى رؤية جزئية للأحداث، أما الكاتب الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محا نفسه طواعية أمام البطل، فيكشف عن نفسه بقوة، خاصة حين يعرض للتطور السياسي في سيراليون، ويقدم للقارئ أحكاما وتحليلات تتجاوز قدرة طفل شارك في الحرب القبلية الدائرة. ويبدي نقمته على كبار الشخصيات في القارة الإفريقية ممن يعتبرهم مسؤولين عن الفوضى العارمة.

منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.

كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.

كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.

كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.

وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.

صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
" أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه "أعنان"، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء ، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:" تكلم" تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي ، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً "مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض...
ضحك صديقي، حين أضفت:
" أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها".. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل:

"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"

يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.

 وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.

غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي

زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.

موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة
تشترك بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟

فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.

وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.

وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.

وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.

من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.

تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.

لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.

هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.

إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.

يشهد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس الأمريكية توسعًا متزايدًا بدعم من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناع القرار، الذين يرون في هذه الأدوات وسيلة لتطوير العملية التعليمية وإعداد الطلبة لعالم يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التوجه يواجه معارضة متنامية من أولياء الأمور وخبراء التربية وعلم الأعصاب، الذين يحذرون من غياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت فعالية هذه التقنيات في تحسين تعلم الأطفال، بل يشيرون إلى احتمال تأثيرها سلبًا في تنمية قدراتهم المعرفية واستقلالية تفكيرهم.
بدأ الجدل يتصاعد بعد إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الدراسية. ففي إحدى المدارس الإعدادية بمدينة نيويورك، طُلب من أحد التلاميذ إجراء تجربة علمية ثم الاستعانة بروبوت المحادثة Google Gemini للحصول على ملاحظات حولها. إلا أن والدته، كيلي كلانسي، اعترضت على هذا التوجه، معتبرة أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في مثل هذه المهام يشجع التلاميذ على إسناد التفكير إلى الآلات بدلًا من تنمية قدراتهم على الحوار والعمل الجماعي وتحليل الأفكار بصورة مستقلة. وانطلاقًا من هذه القناعة، أسست مجموعة تدعو إلى فرض وقف مؤقت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية بمدينة نيويورك لمدة عامين.
ولا تقتصر هذه المعارضة على نيويورك، إذ شهدت ولايات أخرى تحركات مماثلة. ففي ولاية أوريغون وقع أكثر من 1100 من أولياء الأمور عريضة تطالب بإزالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي من الأجهزة التي يستخدمها الطلبة، كما دعت منظمة Fairplay، المعنية بالدفاع عن حقوق الأطفال، إلى فرض وقف يمتد خمس سنوات على استخدام منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة مباشرة للأطفال من مرحلة ما قبل المدرسة حتى نهاية التعليم الثانوي.

يشهد قطاع الاتصالات في الصين توسعًا متسارعًا في نشر شبكات 5G-Advanced، التي أصبحت تغطي أكثر من 330 مدينة بحلول نهاية عام 2025، مع تجاوز عدد مستخدميها 10 ملايين مستخدم في منتصف العام نفسه. كما تمثل شبكات الجيل الخامس 55% من إجمالي الاتصالات المتنقلة في البلاد، في ظل إطلاق خدمات تجارية من قبل كبار المشغلين، مثل China Mobile وChina Telecom وChina Unicom، إلى جانب مشغلي هونغ كونغ وماكاو.
ويُعد هذا التوسع خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد زيادة سرعات الاتصال، إذ يركز على تحسين سرعة رفع البيانات، وتقليل زمن الاستجابة، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات. وفي هذا السياق، أطلقت China Telecom Shanghai أول شبكة تجارية تجمع بين 5G-Advanced والذكاء الاصطناعي، تضم أكثر من 5000 محطة مطورة، وتوفر سرعات رفع تصل إلى 1 جيجابت في الثانية، مع تغطية مستمرة في المناطق الحضرية الرئيسة.
وترتبط هذه التطورات بالنمو المتزايد في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، حيث تتوقع الشركات أن ترسل الأجهزة الذكية، مثل المركبات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة والروبوتات والأجهزة الصناعية، كميات متزايدة من البيانات إلى المنصات السحابية. لذلك أصبح تحسين أداء رفع البيانات عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية الرقمية الجديدة.

أصبحت شركة مايكروسوفت المزود الرئيسي لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها OpenAI في السوق الصينية، في وقت تمتنع فيه كل من OpenAI وAnthropic عن تسويق نماذجهما مباشرة داخل الصين بسبب مخاوف تتعلق بحماية الملكية الفكرية واحتمالات إساءة الاستخدام. وقد منح هذا الوضع مايكروسوفت موقعًا فريدًا، إذ أصبحت الوسيط الوحيد الذي يتيح للشركات الصينية الكبرى الوصول إلى نماذج GPT.
وتشمل قائمة العملاء الرئيسيين شركات صينية عملاقة مثل ByteDance وAnt Group وMeituan وTencent، التي تعتمد على خدمات Azure للوصول إلى نماذج OpenAI. ويُعد ByteDance أكبر عملاء مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بتجاوز إنفاقه السنوي على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مليار دولار. وقد انعكس هذا الطلب في نمو استثنائي لإيرادات Azure AI في الصين، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، بعد أن سجلت نموًا يقارب 400% في العام السابق، مما جعل الصين أسرع الأسواق نموًا بالنسبة لمايكروسوفت في هذا المجال.
ويعود هذا الوضع إلى الاتفاقية الخاصة التي تربط مايكروسوفت بـOpenAI، والتي تمنحها حق تسويق نماذج GPT في الأسواق الخارجية وفق شروطها الخاصة. وبما أن OpenAI وAnthropic ترفضان التعامل المباشر مع السوق الصينية، أصبحت مايكروسوفت القناة الوحيدة التي يمكن من خلالها للشركات الصينية استخدام هذه النماذج.

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…