جديد الموقع
كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.
الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.
كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.
يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي. ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي.
رجل صالح
عندما استقر الرّجل الصالح بالقرية، صارت نِساء القَرية تَذهبن إِليه يُباركهن ويَهبهن الصلاح، بعد بضع سنين أصبحت "قرية الصالحين".
مرضى القلوب
في قُلوبهم مرض، أحرقوا الزرع، وجفّفوا الضرع، وعطّلوا العقل، ذات صباح حلّقت طيور جارحة دَكّت قلاعهم تحت الأرض.
تلاسن
كانا يتلاسنان، تقول ويقول، يُخبرها أنها لا تفهم شيئا، تَردُّ عليه بأنه مجرد نرجسي مغرور، عندما تأتي ساعة الوِدِّ تُقبّل يده، يُقبل جبِينها ويقول: "نحن خلقنا لِنَتَحَابّ"، تقول: " ما دام الماء يجد له طريقا تحت الجسر، لا خوف على حُبّنا".
مقدمة
تمثل المجادلة الفلسفية بين أبي حامد الغزالي (450-505 هـ) وأبي الوليد ابن رشد (520-595 هـ) واحدة من أبرز اللحظات الجدلية في تاريخ الفكر الإسلامي. يأتي كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة كمحاولة نقدية حادة للفلسفة اليونانية المتمثلة في أرسطو وأفلاطون وتلامذتهما المسلمين مثل الفارابي وابن سينا، بينما يرد ابن رشد في تهافت التهافت دفاعاً عن الفلاسفة، معتبراً أن الغزالي أساء الفهم أو حمل النصوص ما لا تحتمل. يتمحور التحليل حول ثنائية "التباين اللفظي" (اختلاف في الصياغة والمصطلحات والمنهج) و"التلاقي المعنوي" (التقارب في الأهداف العميقة والالتزام بالإسلام والسعي إلى الحقيقة). يُظهر هذا التلاقي أن الخلاف ليس بين الإيمان والكفر، بل بين منهجين في التوفيق بين العقل والنقل: الكلام والتصوف عند الغزالي، والبرهان الفلسفي عند ابن رشد. سنتناول أولاً سياق كل كتاب، ثم أبرز نقاط الخلاف الرئيسية، ثم نقاط التقارب، وأخيراً دلالات هذه المجادلة. ماهي خلفية هذه المجادلة ومبرراتها؟
أولاً: سياق "تهافت الفلاسفة" عند الغزالي
كتب الغزالي تهافت الفلاسفة بعد أزمة روحية عميقة، حيث شكك في قدرة العقل وحده على الوصول إلى الحقائق الإلهية. ينتقد فيه عشرين مسألة فلسفية، ويُكفر الفلاسفة في ثلاث: قدم العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكار البعث الجسماني. يستخدم الغزالي أسلوباً جدلياً كلامياً، يعرض حجج الفلاسفة ثم يفندها بإظهار تناقضاتها الداخلية أو تعارضها مع النقل. في مسألة السببية، يرفض الضرورة الطبيعية ويؤكد أن الله هو السبب الحقيقي الوحيد، والعلاقات بين الأشياء عادة إلهية يمكن خرقها (المعجزات). أما قدم العالم فيراه تعطيلاً للخلق والقدرة الإلهية. يهدف الغزالي إلى حماية العقيدة من النزعة اليونانية التي قد تؤدي إلى الطعن في الوحي، مع الاعتراف بقيمة المنطق والفلسفة في مجالات محدودة.
تُعَدُّ النزعة المُتعالية من أبرز الاتجاهات الفكرية والأدبية التي دَعَتْ إلى الارتقاء بالإنسان فوق حدود المادَّةِ والمحسوس، والبحثِ عن الحقيقة في أعماق النَّفْس، واتصالها بالكَون والطبيعة. وقد ارتبطَ هذا الاتجاه بالفيلسوف والأديب الأمريكي رالف والدو إيمرسون ( 1803_ 1882) الذي عُدَّ رائد الحركة المُتعالية في الأدب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر . ولَم يكن تأثير هذه الفلسفة مقتصرًا على البيئة الأمريكية، بل امتدَّ إلى عدد من الأدباء والمفكرين في أنحاء مختلفة مِن العالَم ، ومِن بَينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889_ 1988 ) الذي تأثرَ بأفكار إيمرسون خلال دراسته في أمريكا، وانعكسَ ذلك بوضوح في إنتاجه الفكري والأدبي.
تقوم النزعة المُتعالية على الإيمان بأنَّ الإنسان يمتلك قُدرةً فِطرية على إدراك الحقائق الكُبرى دون الاعتماد الكامل على الحواس أو القوانين المادية. وتدعو إلى التأمل في الطبيعة، والعَودةِ إلى الذات باعتبارها مَصدرًا للحكمة والمعرفة الرُّوحية، كما تؤكد على حركةِ الفرد واستقلالِه الفكري.
يُعَدُّ إيمرسون الأب الرُّوحي للنزعة المُتعالية في أمريكا. فقدْ دعا في مقالاته ومُحاضراته إلى الثقة بالنَّفْس، والاستقلالِ الفكري، وعدمِ الخضوع للأفكار الجاهزة والتقاليدِ الجامدة. وكانَ يَرى أنَّ الإنسان يستطيع أن يكتشف الحقيقةَ مِن خِلال التأمل الذاتي، والتفاعلِ العميق معَ الطبيعة.
وقدْ تجلَّتْ هذه الرؤية في كتاباته التي جعلتْ من الطبيعة كِيانًا حيًّا يربط الإنسانَ بالكَون، ويَمنحه شعورًا بالانسجام الرُّوحي. كما أكَّدَ أنَّ لكلِّ إنسان طاقة داخلية قادرة على تحقيق الكمال الإنساني إذا تحرَّرتْ من قيود المادية والأنانية.
مقدمة
نقدم لكم مقالا تأبينيا على إثر رحيل السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران (1921-2026) الذي يمثل واحداً من أبرز النماذج الفكرية في القرن العشرين والحادي والعشرين، الذي رفض الانغلاق داخل حدود التخصصات الأكاديمية التقليدية. هويته البحثية ليست مجرد جمع بين مجالات معرفية، بل هي بناء مركب ينسج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والنمذجة والبيولوجيا والفلسفة في نسيج واحد، يسعى إلى فهم الواقع في تعقده الجوهري. هذه الهوية تتجلى في مفهومه المركزي "الفكر المركب"، الذي يقدمه كبديل للفكر البسيط أو الاختزالي الذي يسيطر على العلوم التقليدية. فمن هو ادغار موران؟ أين عاش؟ بمن تأثر؟ ماهي ملامح فكرة؟ وكيف عالج ازمة العالم؟ وماهي تأثيرات أفكاره مواقفه على السياسة والتربية والجامعة؟
الجذور السيرية والفكرية للهوية المركبة
نشأ موران في سياق تاريخي مضطرب: يهودي سفاردي ولد في باريس، عاش صدمة فقدان الأم في طفولته، وانخرط مبكراً في المقاومة ضد النازية، ثم في الحزب الشيوعي قبل أن ينفصل عنه نقدياً. هذه التجارب شكلت وعيه بالأزمات الإنسانية والاجتماعية، ودفعته نحو البحث عن فهم شامل للإنسان. درس الفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا والتاريخ، ولم يكمل درجة الدكتوراه التقليدية، مما أعطاه حرية تجاوز المناهج الجامدة. بدأ مساره بسوسيولوجيا الثقافة والإعلام، ثم انتقل إلى الأنثروبولوجيا البصرية والسينمائية (مثل فيلمه وقائع صيف مع جان روش، الذي ساهم في تأسيس "السينما الحقيقية"). لكنه لم يقف عند ذلك؛ بل توجه نحو دراسة الإنسان ككائن بيولوجي-ثقافي-اجتماعي، مستلهماً حوارات مع بيولوجيين مثل جاك مونود. أسس مراكز بحثية عابرة للتخصصات مثل مركز روايومونت لعلم الإنسان الأساسي، ثم مركز الدراسات العابرة للتخصصات (سي تي إس إيه بي)، الذي أصبح فيما بعد مركز إدغار موران.
مقدمة:
يشير مفهوم "التابع" إلى الكائن الإنساني الذي يعيش في وضعية تبعية بنيوية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو معرفية. التابع ليس مجرد شخص يتبع أوامر، بل هو من يُشكل وعيه وإرادته وممارساته من خلال علاقات قوة غير متكافئة: التابع للسلطة، للنخبة، للتقاليد، للإعلام، للنظام الاقتصادي العالمي، أو حتى للصور الذاتية المفروضة. الإشكالية الأساسية هي: كيف يتحول التابع من كائن موضوع إلى كائن فاعل؟ كيف يستعيد قدرته على التفكير الحر، والكلام المسموع، والفعل المؤثر، والتحرر الداخلي والخارجي، والتقدم نحو ذاته ونحو مجتمعه؟ هذا التحول ليس حدثاً لحظياً، بل عملية مركبة طويلة النفس تتطلب إعادة بناء الوعي، واللغة، والممارسة، في مواجهة آليات السيطرة التي تعيد إنتاج التبعية يومياً. فما ماهية التابع وإشكالية التبعية؟
أولاً: كيف يستطيع التابع أن يفكر؟
يبدأ التحرر من التفكير. التابع غالباً ما يفكر بأدوات الآخر: مفاهيم جاهزة، ثنائيات مبسطة (خير/شر، تقليد/حداثة، نجاح/فشل)، وأطر معرفية مفروضة تخدم المهيمن. ليستعيد قدرته على التفكير، يحتاج إلى "إصلاح الفكر" الذي يخرجه من الاختزال والتبسيط نحو الفكر المركب.يستطيع التابع أن يفكر حين يتعلم رؤية التعقد: أن الواقع ليس خطياً، وأن التناقضات (الفرد والجماعة، الهوية والكونية، الذاكرة والمستقبل) ليست متضادة بل حوارية. يبدأ ذلك بتفكيك الوهم الذاتي: الاعتقاد بأن التبعية قدر أو طبيعة. ثم ينتقل إلى بناء "معرفة المعرفة"، أي الوعي بكيفية تشكل أفكاره من خلال التربية، الإعلام، والسلطة.
عملياً، يتحقق ذلك عبر ممارسة الشك المنهجي تجاه الحقائق المسلم بها، وربط المعارف المجزأة (الاقتصاد بالثقافة، السياسة بالنفس، المحلي بالكوكبي). حين يرى التابع نفسه داخل شبكة علاقات معقدة وليس نقطة معزولة، يبدأ في إنتاج أفكار أصيلة تنبع من تجربته الحية لا من الخطاب المهيمن.
ثانياً: كيف يستطيع التابع أن يتكلم؟
الكلام ليس مجرد نطق، بل إنتاج خطاب مسموع يغير الواقع. التابع غالباً ما يُسكت أو يُكلم باسم الآخرين (النخبة تتحدث باسمه، الإعلام يمثله، السلطة تفسر احتجاجاته). ليتكلم، يحتاج التابع أولاً إلى استعادة لغته: لغة تجربته الخاصة، لا اللغة المستعارة أو المترجمة. هذا يتطلب بناء "فضاءات عامة مضادة" حيث يمارس التابعون الحوار فيما بينهم قبل مواجهة المهيمن. الكلام الحقيقي ينشأ من القدرة على سرد القصة الذاتية والجماعية بطريقة تعيد صياغة الهوية: من "أنا التابع" إلى "نحن الفاعلون".
يتطلب ذلك تعليماً للفهم: فهم الآخر دون استيعابه، وفهم الذات دون تمركز أناني. حين يتقن التابع فن الرواية والحجاج والاستعارة، يتحول صوته من صرخة إلى خطاب يفرض نفسه على الخارطة الرمزية للمجتمع. الكلام هنا فعل سياسي، لأنه يعيد توزيع الحساسية والرؤية في المجال العام.
حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا يكتبون القصيدةَ بوصفها زينة لغوية، بلْ بوصفها سِلاحًا رُوحيًّا، وأداةَ مُقاومةٍ.
وَمِنْ بَين أهمِّ هؤلاء الشعراء، يَبْرز الشاعرُ الفِلَسطيني سميح القاسم ( 1939_ 2014 ) ، والشاعرُ الروسي فلاديمير ماياكوفسكي ( 1893_ 1930 انتحار )، بوصفهما صَوْتَيْن ثوريين انطلقا من بيئتين مختلفتين، لكنَّهما التقيا في جَوهر الرؤية الشعرية: الإيمان بأنَّ الكلمة قادرة على هَزِّ العالَم.
عاشَ القاسم تجربةَ الاحتلال والقهر والاقتلاع، فكانتْ قصيدته ابنة الأرض الفِلَسطينية الجريحة، بَينما عاشَ ماياكوفسكي اضطرابات روسيا الثَّوْرية وانفجاراتها الاجتماعية والسياسية، فصارَ شِعْرُه مِرآةً لعصرٍ يبحث عن ولادة جديدة. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والتاريخ، فإنَّ النبرة الثورية لدى الشاعرَيْن تكشف تشابهًا عميقًا في البِنْيَة النَّفْسية والفنية والفكرية.
لَم يكن التمردُ عند القاسم موقفًا عابرًا، بلْ كانَ جَوهرَ تَكوينه الشعري، فهو شاعر يَرى في الصمتِ خيانةً، وفي الكلمة مسؤولية أخلاقية. لذلك، جاءتْ قصائده حادَّة، وصاخبة، ومليئة بنداءات التحدي والصمود. لقدْ خاطبَ المُحْتَلَّ مباشرة، وخاطبَ شَعْبَه، وخاطبَ التاريخَ نَفْسَه، كأنَّه يريد أن يثبت أن الفِلَسطيني لا يُهزَم ما دامَ قادرًا على الكلام.
في قصائده تتحوَّل الذاتُ الفردية إلى رمز جَمَاعي، ويصبح الشاعرُ صُورةً للشعبِ بأكمله. الكِبرياءُ هُنا لَيست شُعورًا ذاتيًّا، بلْ هِيَ حالة مُقاومة. والنبرةُ المرتفعة، والإيقاعُ الحاسم، والجُمَلُ القصيرة المُتدفقة، كُلُّها تجعل القصيدةَ أقرب إلى خِطاب ثَوْري يُلْقَى في ساحةِ نضالٍ.
أمَّا ماياكوفسكي، فقدْ كانَ يَرى الشعرَ فِعلًا تغييريًّا مباشرًا. لقد تمرَّدَ على الأشكال الشعرية التقليدية، واللغةِ الهادئة، والنُّخبةِ الثقافية، وكتبَ شِعرًا يُشبِه الانفجارَ. كانَ يُريد للكلمة أن تكون مِطرقة، وللقصيدةِ أن تكون طلقة. ولهذا جاءتْ قصائدُه ممتلئة بالصُّراخ، والاستفزاز، والطاقةِ العنيفة التي تهزُّ القارئَ.
أعلنت شركة أنثروبيك (Anthropic) عن إطلاق ميزة جديدة تحمل اسم Reflect لمساعدها الذكي Claude، وذلك في وقت يتزايد فيه الجدل حول الذكاء الاصطناعي، سواء بسبب الانتقادات الموجهة إليه أو الاحتجاجات المرتبطة باستهلاك مراكز البيانات للطاقة. وتهدف الميزة إلى تمكين المستخدمين من متابعة وتحليل طريقة استخدامهم للمساعد الذكي، مع تشجيعهم في الوقت نفسه على تبني استخدام أكثر وعياً لهذه التقنيات.
وتتمثل الوظيفة الأساسية لـ Reflect في توفير لوحة معلومات تعرض إحصاءات ورسومًا بيانية حول استخدام Claude، مثل الموضوعات التي يناقشها المستخدم، وأنماط الاستخدام، وأنواع المهام التي يعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه البيانات للمستخدم تكوين صورة أوضح عن كيفية توظيفه للمساعد في أنشطته اليومية.
ولا تقتصر الميزة على عرض البيانات الإحصائية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز إدراك المستخدم للدور الذي أصبح يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية. فمن خلال عرض حجم المهام التي ساعد Claude في إنجازها، تشجع الميزة المستخدم على النظر إلى المساعد باعتباره أداة إنتاجية أصبحت جزءاً من سير عمله المعتاد.
وفي المقابل، تحاول أنثروبيك تشجيع الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إذ تعرض الميزة بين الحين والآخر أسئلة تدعو المستخدم إلى التفكير في حدود الاعتماد على هذه التقنية، مثل التساؤل عن المهام التي يفضل الاستمرار في إنجازها بنفسه حتى وإن كان Claude قادراً على تنفيذها بسرعة أكبر. كما توفر أدوات لتحديد فترات هدوء يتوقف خلالها المساعد عن إرسال الإشعارات، إضافة إلى تذكيرات تدعو المستخدم إلى أخذ استراحة من استخدام الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى احتمال تحول التفاعل المستمر مع روبوتات المحادثة إلى سلوك اعتيادي أو مفرط.
أعلنت شركة ميتا إلغاء ميزة جديدة كانت قد أطلقتها ضمن مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بعد أيام قليلة من طرحها، وذلك إثر موجة واسعة من الانتقادات التي أثارتها. وكانت هذه الميزة تتيح للمستخدمين إنشاء صور جديدة بالاعتماد على صور الحسابات العامة على منصة إنستغرام، من خلال الإشارة (@) إلى تلك الحسابات لتكون مرجعًا لعملية التوليد بالذكاء الاصطناعي.
وجاء إطلاق هذه الميزة بالتزامن مع إعلان ميتا عن Muse Image، وهو مولد صور جديد طورته وحدة Meta Superintelligence Labs المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. وقد رأت الشركة في هذه الأداة وسيلة لتعزيز الإبداع وتمكين المستخدمين من الاستفادة من المحتوى العام المنشور على إنستغرام في إنتاج صور جديدة.
غير أن الميزة سرعان ما أثارت اعتراضات واسعة، لأن تصميمها لم يكن يتضمن آلية لإخطار أصحاب الحسابات العامة عند استخدام صورهم مرجعًا لتوليد محتوى جديد. وأثار ذلك مخاوف تتعلق بالخصوصية، وبحق الأفراد في التحكم في كيفية استخدام صورهم، إضافة إلى احتمال استغلال هذه الإمكانية لإنتاج صور قد تمس بسمعة الأشخاص أو تُستخدم خارج السياق الذي نُشرت فيه الصور الأصلية.
وأمام هذه الانتقادات، أعلنت ميتا تراجعها عن القرار وسحب الميزة. وفي بيان نشرته على مدونتها الرسمية، أوضحت الشركة أن هدفها كان توفير أداة إبداعية مفيدة، مع منح المستخدمين القدرة على التحكم في إمكانية الاستناد إلى محتواهم العام بهذه الطريقة. لكنها أقرت بأن ردود الفعل أظهرت أن الميزة «لم تحقق الهدف المنشود»، ولذلك قررت إيقافها وإزالتها من المنصة.
المزيد من المواضيع
فلسفة وتربية
كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.
الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.
كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.
يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي. ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي.
مقدمة
تمثل المجادلة الفلسفية بين أبي حامد الغزالي (450-505 هـ) وأبي الوليد ابن رشد (520-595 هـ) واحدة من أبرز اللحظات الجدلية في تاريخ الفكر الإسلامي. يأتي كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة كمحاولة نقدية حادة للفلسفة اليونانية المتمثلة في أرسطو وأفلاطون وتلامذتهما المسلمين مثل الفارابي وابن سينا، بينما يرد ابن رشد في تهافت التهافت دفاعاً عن الفلاسفة، معتبراً أن الغزالي أساء الفهم أو حمل النصوص ما لا تحتمل. يتمحور التحليل حول ثنائية "التباين اللفظي" (اختلاف في الصياغة والمصطلحات والمنهج) و"التلاقي المعنوي" (التقارب في الأهداف العميقة والالتزام بالإسلام والسعي إلى الحقيقة). يُظهر هذا التلاقي أن الخلاف ليس بين الإيمان والكفر، بل بين منهجين في التوفيق بين العقل والنقل: الكلام والتصوف عند الغزالي، والبرهان الفلسفي عند ابن رشد. سنتناول أولاً سياق كل كتاب، ثم أبرز نقاط الخلاف الرئيسية، ثم نقاط التقارب، وأخيراً دلالات هذه المجادلة. ماهي خلفية هذه المجادلة ومبرراتها؟
أولاً: سياق "تهافت الفلاسفة" عند الغزالي
كتب الغزالي تهافت الفلاسفة بعد أزمة روحية عميقة، حيث شكك في قدرة العقل وحده على الوصول إلى الحقائق الإلهية. ينتقد فيه عشرين مسألة فلسفية، ويُكفر الفلاسفة في ثلاث: قدم العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكار البعث الجسماني. يستخدم الغزالي أسلوباً جدلياً كلامياً، يعرض حجج الفلاسفة ثم يفندها بإظهار تناقضاتها الداخلية أو تعارضها مع النقل. في مسألة السببية، يرفض الضرورة الطبيعية ويؤكد أن الله هو السبب الحقيقي الوحيد، والعلاقات بين الأشياء عادة إلهية يمكن خرقها (المعجزات). أما قدم العالم فيراه تعطيلاً للخلق والقدرة الإلهية. يهدف الغزالي إلى حماية العقيدة من النزعة اليونانية التي قد تؤدي إلى الطعن في الوحي، مع الاعتراف بقيمة المنطق والفلسفة في مجالات محدودة.
مقدمة
نقدم لكم مقالا تأبينيا على إثر رحيل السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران (1921-2026) الذي يمثل واحداً من أبرز النماذج الفكرية في القرن العشرين والحادي والعشرين، الذي رفض الانغلاق داخل حدود التخصصات الأكاديمية التقليدية. هويته البحثية ليست مجرد جمع بين مجالات معرفية، بل هي بناء مركب ينسج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والنمذجة والبيولوجيا والفلسفة في نسيج واحد، يسعى إلى فهم الواقع في تعقده الجوهري. هذه الهوية تتجلى في مفهومه المركزي "الفكر المركب"، الذي يقدمه كبديل للفكر البسيط أو الاختزالي الذي يسيطر على العلوم التقليدية. فمن هو ادغار موران؟ أين عاش؟ بمن تأثر؟ ماهي ملامح فكرة؟ وكيف عالج ازمة العالم؟ وماهي تأثيرات أفكاره مواقفه على السياسة والتربية والجامعة؟
الجذور السيرية والفكرية للهوية المركبة
نشأ موران في سياق تاريخي مضطرب: يهودي سفاردي ولد في باريس، عاش صدمة فقدان الأم في طفولته، وانخرط مبكراً في المقاومة ضد النازية، ثم في الحزب الشيوعي قبل أن ينفصل عنه نقدياً. هذه التجارب شكلت وعيه بالأزمات الإنسانية والاجتماعية، ودفعته نحو البحث عن فهم شامل للإنسان. درس الفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا والتاريخ، ولم يكمل درجة الدكتوراه التقليدية، مما أعطاه حرية تجاوز المناهج الجامدة. بدأ مساره بسوسيولوجيا الثقافة والإعلام، ثم انتقل إلى الأنثروبولوجيا البصرية والسينمائية (مثل فيلمه وقائع صيف مع جان روش، الذي ساهم في تأسيس "السينما الحقيقية"). لكنه لم يقف عند ذلك؛ بل توجه نحو دراسة الإنسان ككائن بيولوجي-ثقافي-اجتماعي، مستلهماً حوارات مع بيولوجيين مثل جاك مونود. أسس مراكز بحثية عابرة للتخصصات مثل مركز روايومونت لعلم الإنسان الأساسي، ثم مركز الدراسات العابرة للتخصصات (سي تي إس إيه بي)، الذي أصبح فيما بعد مركز إدغار موران.
لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو
1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:
منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.
ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ» ([1]). وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ ([2]).
وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells) ([3]) ، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟ ([4]) .
تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.
قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.
عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً. مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي. فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.
بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.
في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.
لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.
في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.
مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي
في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.
يضم المغرب، ولاسيما مناطقه الجبلية، عددًا مهمًا من المواقع السياحية والمناظر الطبيعية التي تتميز بمقومات بيئية وإيكولوجية ذات قيمة عالية. غير أن هذه المؤهلات لا تحظى جميعها بنفس الدرجة من التثمين والاستثمار؛ فبعض المواقع يحتاج أساسًا إلى تعزيز التسويق الترابي والتعريف بمؤهلاته الطبيعية والثقافية، في حين أن مواقع أخرى تتطلب، قبل ذلك، توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية الكفيلة باستقبال الزوار في ظروف ملائمة، ثم مواكبة ذلك باستراتيجيات فعالة للتسويق الترابي.
وفي هذا الإطار، نحاول من خلال هذا المقال المتواضع التعريف ببحيرة أكلمام ن سيدي علي باعتبارها إحدى أبرز المعالم الطبيعية بالأطلس المتوسط، لما تزخر به من مؤهلات بيئية ومناظر طبيعية خلابة تجعلها وجهة سياحية واعدة. ورغم ما تحظى به من أهمية طبيعية وإيكولوجية، فإنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من العناية والتأهيل، وإلى اعتماد مقاربة فعالة للتسويق الترابي من شأنها التعريف بهذه المعلمة الطبيعية وإبراز قيمتها السياحية والبيئية، بما يسهم في تحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة والمجال على حد سواء.
تُعد بحيرة أگلمام ن سيدي علي (1)واحدة من أجمل البحيرات الطبيعية بالمغرب وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس المتوسط. تقع هذه البحيرة ضمن النفوذ الترابي لجماعة إيتزر التابعة لإقليم ميدلت، على مقربة من الحدود الإدارية لإقليم إفران، وترتفع بحوالي 2100 متر عن سطح البحر. وتغطي مساحة تقارب 500 هكتار، بينما يصل عمقها في بعض أجزائها إلى نحو 36 متراً(2)، مما يجعلها من أكبر البحيرات الجبلية بالمملكة. وتحيط بها المراعي الواسعة وغابات الأرز والبلوط والتكوينات الجبلية التي تضفي على المكان جمالاً استثنائياً، وتجعله وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والهدوء والتصوير. وأقرب المدن إلى البحيرة تمحضيت وإيتزر.
وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحيرة تشكلت نتيجة التحولات الطبيعية التي عرفتها منطقة الأطلس المتوسط عبر آلاف السنين، في ارتباط بالبنية الجيولوجية والبركانية للمنطقة(3). وقد ساهمت هذه الخصائص الطبيعية في ظهور نظام بيئي غني ومتنوع يحتضن العديد من أنواع الطيور المهاجرة والنباتات الجبلية والكائنات الحية التي وجدت في البحيرة ومحيطها موطناً ملائماً للاستقرار والتكاثر. كما شكلت البحيرة على امتداد التاريخ مورداً مائياً أساسياً للرعاة والقبائل التي كانت ترتاد المنطقة خلال مواسم الانتجاع.
غير أن أگلمام ن سيدي علي ليست مجرد مجال طبيعي أو جغرافي، بل هي أيضاً فضاء ثقافي ورمزي غني بالأساطير والحكايات التي نسجها الإنسان المحلي في محاولته لفهم المكان وتفسير نشأته(4). ويحمل الموقع اسم الولي الصالح سيدي علي أومحند الذي يوجد ضريح منسوب إليه بالقرب من البحيرة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة التي ربطت المجتمعات الجبلية المغربية بالأولياء والزوايا باعتبارها مؤسسات روحية واجتماعية ساهمت في تأطير حياة السكان عبر قرون طويلة.
لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.
ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.
أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.
مقاطع أخرى
-
الدكتور إدريس بنسعيد هو عالم اجتماع وباحث أكاديمي مغربي بارز، يُعد من الوجوه الأكاديمية المعروفة في الساحة الفكرية والسوسيولوجية بالمغرب.
أبرز محطات مساره المهني والأكاديمي:
أستاذ التعليم العالي: يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
مجالات التخصص: تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الدين والتدين، قضايا الحداثة والإسلام، والتحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المغربي.
عضوية الجمعيات: يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع (AMAS)، ويساهم في تنسيق العديد من المجموعات البحثية مثل "مجموعة البحث في علم الاجتماع" (GRES).من أبرز مؤلفاته وأعماله:
ساهم الدكتور بنسعيد في تأليف وتحرير عدة دراسات سوسيولوجية هامة، منها:
الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب (بالاشتراك مع المختار الهراس).
الشباب الجامعي المغربي: القيم والاستراتيجيات.
المغرب كموضوع للسوسيولوجيا: نظريات وتجارب.
يُعرف بمواقفه النقدية حول "أزمة الديمقراطية" في المغرب وحاجة الدولة إلى إصلاحات بنيوية وصدمات سيكولوجية لاستعادة الثقة في المؤسسات. كما صدرت حول أعماله دراسات تكريمية، مثل كتاب "جدلية السلطة والمجتمع: مدخل إلى سوسيولوجيا إدريس بنسعيد". -
غسان كنفاني.. والتأسيس للأدب الفلسطيني بعد النكبة
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا في سنة 1936م، وعاش في مدينة يافا، ثمّ اضُطر للنزوح عنها تحت ضغط الاحتلال الصهيوني، وكان ذلك في سنة 1948م، ثم أقام لفترة وجيزة مع ذويه في جنوب لبنان، ثم بعدها انتقلت عائلته إلى دمشق، وقد عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.
عمل غسان منذ شبابه في مجال النضال الوطني، فقد عمل مدرساً للتربية الفنية في مدراس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينين في دمشق، ثم انتقل بعدها إلى الكويت في سنة 1965م، إذ عمل هناك معلماً للرياضة والرسم في مدارس الكويت الرسمية، وكان خلال هذه الفترة يعمل أيضاً في الصحافة، فقد بدأ إنتاجه وإبداعه الأدبي في نفس الفترة، ثم انتقل في سنة 1960م إلى مدينة بيروت، حيث عمل هناك محرراً أدبياً في جريدة الحرية الأسبوعية، ثم في عام 1963م أصبح رئيس تحرير لجريدة المحرر، كما عمل أيضاً في كل من جريدة الحوادث، والأنوار حتى سنة 1969م، ثم بعدها أسس صحيفة الهدف، وظل رئيس تحريرها لفترة من الزمن.يعد غسان كنفاني نموذجاً مثالياً للروائي، والكاتب السياسي، والقاص الناقد، فقد كان مبدعاً معروفاً في كتاباته، كما كان مبدعاً في نضاله وحياته، وقد حصل على جائزة في عام 1966م بعنوان أصدقاء الكتاب في لبنان، وكان ذلك لرواية (ما تبقى لكم) والتي أاعتبرت وقتها أفضل رواياته، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب إقريقيا وآسيا في عام 1975م.
أشهر روايات غسان كنفاني:
عائد إلى حيفا. رجال من الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر.
وفاة غسان كنفاني:
استشهد الروائي غسان كنفاني يوم السبت صباحاً بتاريخ 8 /7/ 1972، وكان ذلك بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته، والتي وضعت من قبل جهة معينة بهدف اغتياله. -
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة.
فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، فرنسا. عمل في عدة منشورات ومجلات ثقافيّة فكريّة منها: شؤون فلسطينيّة، سلسلة حصاد الفكر العربي...إلخ. نشر العديد من المقالات والمؤلفات، منها: "ذاكرة المغلوبين" (2001)، و"الرواية وتأويل التاريخ"(2004)، و"الحداثة المتقهقرة" (2005). فاز بعدة جوائز عربية، منها: جائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين سنة 2004، وجائزة الدراسات الأدبية والنقد سنة 2010. -
ندوة الثقافة و الثورة للشهيد مهدي عامل
سيداً في ملكوت الكلام، عالمياً، متعالياً، بالتأمل يحيا، وللتأمل. هكذا كان الفكر، على امتداد قرون خلت، في انفصام مع الواقع، له الثبات المطلق، وللتاريخ المادي التّغير والحركة.
كان يحلو له بين حين وحين، أن يُطِلَّ من علياء تجريده على الواقع، فيدينه تارة، وغالباً ما يعذره. لكنّه من خارج كان يحكم، وما كان يقوى عليه. وكان، حين يتوق إلى واقع آخر، أو أفضل، يحكم، أو يتخيل، أعني يتأول. وما كان يرتبط بقوى التغيير الثوري حين كان يطمح إليه. وما كان يدرك شروط هذا التغيير وأدواته. لذا، كان يجنح نحو الطوباوية، في أشكال شتّى، فيقدم للواقع ذريعة بقاءٍ وحجة تأبُّد.أيّ موقع كان يمكن أن يكون للمثقف في مثل هذا الانفصام المتجدد بين الفكر والواقع؟
موقع المنبوذ، أو موقع خادم السلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيّر. كان يرفض، أحيانا، أو يُبَرّر. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إنّ خرجَ على السائد ونظامه، كأّنه محكوم بموت يتأجل. يحتج على الشرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشرع. فيتصوّف. يستبدل الأرض بالسماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فَيُعقلِنُ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسلطة، بالدين، تبدو مطلقة. وهي المقدسة، في الغيب وبالغيب. وهي السلطةُ، فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، والرقاب خاضعةٌ، راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرد. إذّاك يُحَلُّ دمُه. حتّى لو كان الحلاجَ، أو السهر وردي. أما ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التمرد والمتمردين، في كل عصر، يشهران سلاح الدين، سلاح السلطة، فيكبلان العقل، يرهبان الروح، ويئدان الجسد
لم يكن للمثقف، في عالم كهذا، سوى أن يختار بين الاستتباع أو الموت، بين أن ينطق بلغة الاستبداد ونظامه، أو أن ينطق بلغة الصمت، أعني بلغة المكبوت ورموزه. هكذا كانت الثقافة تجري في صراع بين اثنتين: واحدة هي ثقافة الأسياد، بتياراتها المختلفة المتباينة، أو أخرى هي ثقافة المقهورين، بأنواعها المتعددة. لم تكن الثقافة يوما واحدة، وليس من الجائز حصرها في ثقافة رسمية، أو مسيطرة، أو معلنة. كانت ثقافة مناهضةٌ لهذه، مكبوتةٌ، مستترة، لعلها أكثر شيوعاً من الأولى، أو أصدق تعبيرا عن ضمير الناس وطموحاتهم. كانت، مثلاً، في حكايات ألف ليلة وليلة، أو في عروض خيال الظل، أو في سير الأبطال الشعبية. وهي، بالتأكيد، أكثر تمردا على الواقع القائم، وأشد رفضاً له. لكنها عاجزة كانت عن تغيير العالم، فيما هي كانت تطمح إليه.
ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها. ومن شروط الثورة أن يتوفر لها وعي متّسق، إليه تستند، وبه تستبق الممكن. أعني الضروري. ومن شروطها أن يتجسد وعيها المتسق هذا، أي العلمي، وفي وعي القائمين بها، جماهير الكادحين، المنتجين بأيديهم وأدمغتهم، صانعي التاريخ، بوعيهم الممارسيّ يستحيل الوعي النظري قوةً ماديةً تَدُكُّ أعمدة القائم، وتهيئ لولادة الجديد.
لمن يكن للثقافة، في زمن انفصام الفكر عن الواقع، دورٌ في تغيير العالم، إلا ما لا يكاد يذكر. كانت، كلما حاولت القيام بهذا الدور، تُقمع وتُهان، باسم الدين غالباً، وبتهمة الكفر أو الزندقة، وبتهمة التحريف أو الهرطقة. فالثقافي، حتى في ثقافة الأسياد، يرتدّ عليهم وعليها، فهو المبتدعُ في فعل الحرية، يتهدد ويزعزع. إنها القاعدة في كل العصور: كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت، إلى النار ضد الرماد، وإلى الحياة والحلم، اضطُهِدت واضطُهِدَ المثقفون، أحباءُ الحرية و الآفاق الزرقاء الرحبة. إنها البداهة في ضرورة أن يكون المثقف ثائرا، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ، ضد كل ظلامية، أو لا تكون.
تلك مشكلة المثقف والثقافة بامتياز. وهي قضية الثورة في آن.
ثم التحمت، لأول مرة في تاريخ الفكر، نظرية الثورة بحركة الثورة، فالتأم الفكر، في نشاطه المعرف نفسه، بقوى التغيير، فلم تعد الثورة تفتقد فكرها، ولم يعد الفكر سجين تأملاته. لقد بات الممكن قابلا للتحقيق، فهو الضروري في حركة التاريخ المادي، لا يتحقق إلا بنضال ثوري. والنضال وعدُ الكادحين بأن أنظمة الرجعية والاستبداد إلى زوال. وللنضال شروطٌ وأشكالٌ وأدوات. من شروطه أن يهتدي بعلم الثورة، أعني بتلك النظرية التي أسّسها ماركس، وأقامت ثورات الشعوب المضطهدة على صحتها البرهان، بالملموس التاريخي. ومن أشكاله ما تمارسه قوى المقاومة الوطنية في كفاحها ضد الاحتلال، وضد الفاشية والطائفية. ومن أدواته الأولى الحزب الثوري. حزب العمال والفلاحين والمثقفين.
منذ أن التحمت النظرية بالثورة، لم تعد الثقافة حكرا على نخبة من الكهنة. فلقد عمت ضرورتها حتى بات على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفاً، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحاً. والإنتاجان واحدٌ في سيرورة التاريخ الثوري، هذا الذي يؤسس لحرية اليد المبدعة. ليست الثقافة كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها تَمَلُّكٌ للعالم في حلم، أو حقل أو مصنع. أما المثقفون، فهم المنتجون، بأيديهم وأدمغتهم، ضد أنظمة القمع والاستغلال والجهالة، فكراً، فناً وجمالاً هو حبّ للحياة. وأما غير المنتجين، القابعين في قبحهم، فهم الأسياد بأنظمتهم. وأما هدم الأنظمة، فهو مهمة الثورة في كل آن.
والثورة في لبنان ما تزال فاعلةً في سيرورة حرب أهلية فجرتها الرجعية لإنقاذ نظامها الطائفي وفرض الفاشية، فانقلب عليها، وعلى نظامها، ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي التي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدى لجديد ينهض في حجرشة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.
إذن، فليدخل الفكرُ المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليَقِظُ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجَأ : يتوثّب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق تتسعُ لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى التعقلنِ في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
والحرب في لبنان حربان: حرب على إسرائيل، وحرب على الفاشية والطائفية، لكن الرجعية، بأطرافها المتعددة، تستميت في محاولة إظهارها مظهر الحرب الطائفية. وتفشل دوما في المحاولة، برغم كل ما أحاط وما يحيط بهذه الحرب من وحول الطوائف. وكيف تكون الحرب طائفية حين يكون الموقف من إسرائيل، مثلا، محوراً للصراع فيها؟ وكيف تكون طائفية حين يحتدم فيها الصراع بين القوى الرجعية ـالطائفيةـ وهي من مختلف الطوائف ـوالقوى الوطنية الديمقراطيةـ وهي أيضا من طوائف متعددةـ، حول الموقف من هوية لبنان، أو من الثورة الفلسطينية، أو من الامبريالية، أو من الاحتلال الإسرائيلي، أو من قوات الحلف الأطلسي، أو من اتفاق 17 أيّار، أو الاتفاق الثلاثي نفسه، ومن “الاقتصاد الحر” أيضاً، بل حتى من الطائفيّة إياها، بما هي النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية؟
ليست الحرب طائفية، ولا الصراع فيها بطائفي. إنه، في أساسه، صراع بين قوى التغيير الثوري للنظام السياسي الطائفي، والقوى الفاشية الطائفية التي تحاول، عبثاً، تأييد هذا النظام. إنه، باختصار، صراع طبقي عنيف بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة، في سيرورة حرب أهليةٍ هي في لبنان سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. فله، اذن، سمة العصر في زمن الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وله، تالياً، طابع كوني هو طابع الصراع إياه المحتدم، ليس بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الامبريالية، أفقياً، وحسب، بل رأسياً أيضاً، أو عمودياً، في كلٍّ من بلدان المنظومة الرأسمالية العالمية، بما فيها، بالطبع، البلدان العربية. فما هو موقع الثقافة والمثقفين من هذا الصراع؟ ما هو موقفها وموقفهم منه؟ ما هو دورها ودورهم؟.
والسؤال لا ينحصر في لبنان، ما دام الصراع فيه هو إياه، بطابعه الكوني نفسه، في جميع البلدان العربية، وإن اختلفت شروطه بين بلد وآخر، وتنوّعت أشكاله، أو تفاوت تطوره. فالحروب الأهلية تتهدد بلدان العالم العربي جميعها بلا استثناء، وآلية الصراع فيها تنبئ بإمكان اندلاعها في كل آن. وأنظمة البرجوازيات العربية في أزمة. والتغيير الثوري بات ضرورة ملحة في كلّ منها، وحاجة يومية في نضال الجماهير الكادحة. لكن الثورة في انتظار قيادتها. والثورة سيرورة طويلة معقدة، ولها مراحل وأحوال. وعلى الثقافة تطرح سؤالها: أمع الثورة أم ضدّها؟ وعلى المثقفين تطرح السؤال: أمع التغيير أم ضدّه؟ والسؤال سياسي بامتياز. وثقافي في آن.
لا تعارض بين السياسة والثقافة. وكيف يكون تعارضٌ بين الاثنتين، كيف يصح اختيار الواحدة ضدّ الأخرى في منظور التاريخ الثوري؟ لئن كانت في البدء الكلمةُ، فلقد كانت، بدئيا، مبدعة. وللحرية كانت، ضد القمع، تناضل وتثابر في رفض الظلم، وللحب كانت في قلب الإنسان. تؤسس في فعل التغيير معناها. وتجود بالجميل يحتج على قبح العالم في نُظُم الاستبداد. هكذا تتكون الثقافة دوماً ضدّيّاً، تنمو وتتكامل في صراع مستمر ضد كل قديم يموت. وفي البدء كانت السياسةُ، صراعاً مستمراً بين قوى التغيير الثوري وقوى تأبيد الواقع. يخطئ من يظن أن السياسة نظام، حكم، أو مؤسسات، أو أنها بالدولة تتحدد. إنها، في ذلك، من موقع نظر البرجوازية وإيديولوجيتها المسيطرة. لكنها، في منظور العلم والتاريخ، صراع طبقي شاملٌ كلّ حقول الحياة، لا هامش فيه للرافض، بالوهم، أن يكون له فيه موقع. إنها حركة التاريخ في مجرى صراع له المتن، والهامش فقط لمن قد مات، أو كان، من موقعه في الماضي، رفيقَ دربٍ للموت.
إذن لكل ناشط في الحياة أن يأخذ موقعاً وأن يحدد موقفاً: أمع الثورة أم ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة. والثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الأرض.
وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ فلتتوضح كل المواقف، ولتتحدد كل المواقع، ولتكن المجابهة في الضوء. كيف يمكن للثقافة أن يكون لها موقع الهامش في معركة التغيير الثوري ضد الفاشية والطائفية؟ كيف يمكن للمثقف أن يستقيل من نضال ينتصر للديمقراطية، هو أكسجين الفكر والأدب والفن؟ بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية، غي لبنان الحرب الأهلية، وفي كل بلد من عالمنا العربي، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقّف مزيف، وثقافته مخادعة مرائية. إذا تكلم عن الثورة، في شعره أو نثره، فعلى الثورة بالمجرد يتكلم، من خارج كل زمان ومكان، لا عليها في حركة التاريخ الفعلية، وشروطها الملموسة. وإذ يعلن، في نرجسية حمقاء أنّه يريدها، فبيضاء لا تهدم ولا تغيّر. تُبقي القائم بنظامه، وتحنّ إليه إذا تزلزل أو احتضر. كثيرون هم الذين في لبنان يحنّنون إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية، ويريدون التغيير للعودة إلى الماضي، ويريدونه إيقافا لانهيارات الزمان. أما الآتي، فمن الغيب، إلى الغيب. إنه موقف المنهزم، لا بصراعٍ، بل بتسليمٍ واستكانة. إنه موقف من يُصنعُ التاريخ بدونه. وله في التاريخ موقعٌ ترفضه الثقافة، إذ الثقافة، في تعريفها، مقاومة. فإذا ساوت بين القاتل والقتيل انهزمت في عدميتها، فانتصر القاتل، وكانت، في صمتها، شريكته.
أيُّ ثقافة هذه التي تتساوى فيها الأضداد، فيختلط الأسود بالأبيض في رمادية اللون والمعنى؟ إنها الثقافة المسيطرة بسيطرة البرجوازية وإيديولوجيتها، في أشكال منها قد تتخالف، لكنها، في اللحظات التاريخية الحاسمة، دوما تتحالف ضد الثقافة الثورية النقيض. هكذا تنعقد بين العدمية والظلامية مثلا، أو بين هذه وتلك، وأشكال من الفكر الديني، تحالفاتٌ ترعاها البرجوازية، بل تتوسلها في مجابهة الفكر المادي، محور الثقافة الثورية وقطبها الجاذب. أليسَ من الطبيعي أن ينعقد التحالف وطيداً في مجرى هذه الثقافة بين جميع المثقفين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، الطامحين إلى تغيير العالم وتحريره من سيطرة الرجعية والامبريالية؟ أليس من الضروري أن تتشابك أيدي الكادحين جميعاً ـفي زمن الثورات العلميةـ ضد الجهل تُعمِّمهُ أنظمة البرجوازيات العربية؟
فرحة للثقافة والمثقفين أن تتهاوى أنظمة القمع هذه في كل أرجاء الوطن العربي، بفعل نضال الثوريين يتوحدون، على اختلاف تياراتهم وانتماأتهم الفكرية والسياسية، في حركة ثورية جديدة واحدة، تعيد إلى العالم نضارته، وبها التاريخ يستوثق. فالثورة ليست حكراً على فكر، أو حزب، أو طبقة. إنها سيرورة تتكامل في الاختلاف، وتغتني بروافد التغيير تصبّ فيها من كل صوب، في كل مرحلة. لكنها تتعطل، أو تظل زاحفة، أو منحرفة، إن لم يكن للطبقة العاملة فيها موقعٌ هو موقع الطبقة الهيمنيّة النقيض، ودورٌ هو دورها التاريخي نفسه، ليس في قيادة الانتقال إلى الاشتراكية وحسب، بل في كل مرحلة من سيرورة هذا الانتقال. لا بقرارٍ، بل بالممارسة الثورية، وعلى قاعدة نهجها الطبقي الصحيح، وبقيادة حزبها الشيوعي، تحتل الطبقة العاملة موقعها ذاك في الحركة الثورية، وتضطلع بدورها. والتاريخ الثوري لا يرحم متخلّفاً عنه، ولا هو يسير بعكس منطقه. فلئن فعل، فلِأجلٍ، لا تلبث، بعده، أن تستعيد سيرورته الثورية منطقها. ومنطقها أن تنتكس الثورة، حتى في طابعها الوطني الديمقراطي، فتراوحَ، فتنهزمَ إلى مواقع رجعية، كلما استأثرت بقيادتها قوى غيرُ هيمنية، من فئات وسطية تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية، همّها الأول ألا تستكمل الثورة سيرورتها، بحسب منطقها الضروري في تقويض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بارتباطها التبعي بالامبريالية، وفي إقامة السلطة السياسية الثورية القادرة على انجاز هذه المهمة.
بين منطق الثورة ومنطق هذه القيادة غير الثورية تناقضٌ يشل الحركة الثورية ويضعها في أزمة تنعكس في ممارسات سلطوية قمعية ضد قوى الثورة وجماهيرها، وبالتحديد، ضد الطبقة العاملة التي هي، بحزبها الطليعي ونهجها الوطني الصحيح، النقيض الثوري. إنّ الحل الجذري لتلك التناقضات بات يفرض، بضرورة منطقه، ضرورة تغيير تلك القيادة الطبقية لسيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية، واستنهاض حركة ثورية هي، في اتساقها مع مهماتها، من نوع جديد، ولها وحدها القيادة. ومن أولى خصائصها، أن تسعى فيها الطبقة الهيمنية النقيض إلى أن يكون نهجها الطبقي نفسه، في سعيها إلى السلطة، نهج الحركة بكاملها. لا بالقمع، بالممارسة الديمقراطية الثورية.
لئن كان القمع أو الفئوية، في لغة أخرى، أو الاستئثار بالسلطة، أو الانفراد بالقيادة هو الشكل الطبقي الذي يحكم علاقة القوى غير الهيمنية، في وجودها في موقع الهيمنة الطبقية، بأطراف التحالف الطبقي الثوري، وكان، بالتالي ضروريا بضرورة التناقض في أن تحتل تلك القوى هذا الموقع، فإن الديمقراطية، كناظم للعلاقة بين أطراف التحالف إياه، وحق للجميع في الاختلاف، واحترامٍ لهذا الحق وممارسته، أقول إن الديمقراطية هذه هي، بالعكس، الشكل الطبيعي، أعني الضروري، الذي يحكم علاقة الطبقية. ذلك أن علاقة الاتّساق والتلاؤم بينها وبين موقعها هذا هي، بالضبط، الأساس المادي لضرورة الديمقراطية في علاقة القوى الثورية بعضها ببعض. وهي ضمانة تحقق هذه الضرورة.
آخر المواضيع في
عندما جلستُ بمقهى "بلادي"، كان كل همي أن أجد فكرة ذات بعد إنساني تنهل من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي، سادرًا ببصري في اتجاهات مختلفة، وأنتظر أن تجود عليَّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي الدفينة.
وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوابة الحكي، انتشر حولي باعة متجولون يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي)، مرورًا بالفواكه الجافة وعلب الشوكولاتة والبسكويت، وصولًا إلى مناديل الورق. لم يكن وجودهم يشوش عليَّ، ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد، ويسهل كتابة الأحداث.
اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابًا أفغانيًا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، وقالت بلهجة مشرقية: «صدقة يا حاج». ناولتها درهمًا، فقال كهل كان يجلس بجواري: «أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا عربًا». حرَّكت رأسي موافقًا ومبتسمًا في الوقت نفسه.
أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدت فتحهما اكتشفت أن الكهل انصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصًا في بداية عقده الرابع يجلس على الكرسي المقابل لي، حياني بحرارة، كأنه كان على معرفة مسبقة بي. حدقت فيه مليًّا، وتصفحت ملامحه، وأحسست بأن صورته ليست غريبة عني، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يشبهني كثيرًا، نعم، يشبهني بشكل مثير للاستغراب. الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن؛ فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي. سألته بعد تردد قصير:
• «هل تشرفني باسمك؟»
رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت، في نهاية المطاف، أن تتوجه إلى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، وضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، وأحلامها، وسهر الليالي، والاستيقاظ في الصباح الباكر جدًّا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها وراءها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور، وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة إلى المطبخ في صمت لإعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق، وتتمنى لو امتلكت عصًا سحرية تعيد بها الزمن إلى الوراء، وتعيد كتابة حياتها من جديد.
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت إلى محطة القطار، والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست تنظر إلى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي إلى القطار، وربما كانت تلك أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة... تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن، وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة، وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، وتسمرت رجلاها، ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها، ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير إنساني، وعينهم على القطار. لمحت وجهًا تعرفه جيدًا وأحبته بجنون، وجهًا اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، وفي محطات القطار، وعلى الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والقلب الطيب. وقفت، وخرجت تجري لا تلوي على شيء، تبحث عنه، تاهت من جديد، وأدركت أن قدميها تتجهان إلى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره. تذكرت دموعها، وجرت بشكل هيستيري إلى غرفتها، وأقفلت الباب بالمفتاح، كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.
تُعَدُّ النزعة المُتعالية من أبرز الاتجاهات الفكرية والأدبية التي دَعَتْ إلى الارتقاء بالإنسان فوق حدود المادَّةِ والمحسوس، والبحثِ عن الحقيقة في أعماق النَّفْس، واتصالها بالكَون والطبيعة. وقد ارتبطَ هذا الاتجاه بالفيلسوف والأديب الأمريكي رالف والدو إيمرسون ( 1803_ 1882) الذي عُدَّ رائد الحركة المُتعالية في الأدب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر . ولَم يكن تأثير هذه الفلسفة مقتصرًا على البيئة الأمريكية، بل امتدَّ إلى عدد من الأدباء والمفكرين في أنحاء مختلفة مِن العالَم ، ومِن بَينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889_ 1988 ) الذي تأثرَ بأفكار إيمرسون خلال دراسته في أمريكا، وانعكسَ ذلك بوضوح في إنتاجه الفكري والأدبي.
تقوم النزعة المُتعالية على الإيمان بأنَّ الإنسان يمتلك قُدرةً فِطرية على إدراك الحقائق الكُبرى دون الاعتماد الكامل على الحواس أو القوانين المادية. وتدعو إلى التأمل في الطبيعة، والعَودةِ إلى الذات باعتبارها مَصدرًا للحكمة والمعرفة الرُّوحية، كما تؤكد على حركةِ الفرد واستقلالِه الفكري.
يُعَدُّ إيمرسون الأب الرُّوحي للنزعة المُتعالية في أمريكا. فقدْ دعا في مقالاته ومُحاضراته إلى الثقة بالنَّفْس، والاستقلالِ الفكري، وعدمِ الخضوع للأفكار الجاهزة والتقاليدِ الجامدة. وكانَ يَرى أنَّ الإنسان يستطيع أن يكتشف الحقيقةَ مِن خِلال التأمل الذاتي، والتفاعلِ العميق معَ الطبيعة.
وقدْ تجلَّتْ هذه الرؤية في كتاباته التي جعلتْ من الطبيعة كِيانًا حيًّا يربط الإنسانَ بالكَون، ويَمنحه شعورًا بالانسجام الرُّوحي. كما أكَّدَ أنَّ لكلِّ إنسان طاقة داخلية قادرة على تحقيق الكمال الإنساني إذا تحرَّرتْ من قيود المادية والأنانية.
المدخل:
كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.
هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.
وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.
"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"
يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.
وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.
غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي
زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.
مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.
موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة
تشترك بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟
فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.
وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.
وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.
وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.
أعلنت شركة أنثروبيك (Anthropic) عن إطلاق ميزة جديدة تحمل اسم Reflect لمساعدها الذكي Claude، وذلك في وقت يتزايد فيه الجدل حول الذكاء الاصطناعي، سواء بسبب الانتقادات الموجهة إليه أو الاحتجاجات المرتبطة باستهلاك مراكز البيانات للطاقة. وتهدف الميزة إلى تمكين المستخدمين من متابعة وتحليل طريقة استخدامهم للمساعد الذكي، مع تشجيعهم في الوقت نفسه على تبني استخدام أكثر وعياً لهذه التقنيات.
وتتمثل الوظيفة الأساسية لـ Reflect في توفير لوحة معلومات تعرض إحصاءات ورسومًا بيانية حول استخدام Claude، مثل الموضوعات التي يناقشها المستخدم، وأنماط الاستخدام، وأنواع المهام التي يعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه البيانات للمستخدم تكوين صورة أوضح عن كيفية توظيفه للمساعد في أنشطته اليومية.
ولا تقتصر الميزة على عرض البيانات الإحصائية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز إدراك المستخدم للدور الذي أصبح يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية. فمن خلال عرض حجم المهام التي ساعد Claude في إنجازها، تشجع الميزة المستخدم على النظر إلى المساعد باعتباره أداة إنتاجية أصبحت جزءاً من سير عمله المعتاد.
وفي المقابل، تحاول أنثروبيك تشجيع الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إذ تعرض الميزة بين الحين والآخر أسئلة تدعو المستخدم إلى التفكير في حدود الاعتماد على هذه التقنية، مثل التساؤل عن المهام التي يفضل الاستمرار في إنجازها بنفسه حتى وإن كان Claude قادراً على تنفيذها بسرعة أكبر. كما توفر أدوات لتحديد فترات هدوء يتوقف خلالها المساعد عن إرسال الإشعارات، إضافة إلى تذكيرات تدعو المستخدم إلى أخذ استراحة من استخدام الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى احتمال تحول التفاعل المستمر مع روبوتات المحادثة إلى سلوك اعتيادي أو مفرط.
أعلنت شركة ميتا إلغاء ميزة جديدة كانت قد أطلقتها ضمن مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بعد أيام قليلة من طرحها، وذلك إثر موجة واسعة من الانتقادات التي أثارتها. وكانت هذه الميزة تتيح للمستخدمين إنشاء صور جديدة بالاعتماد على صور الحسابات العامة على منصة إنستغرام، من خلال الإشارة (@) إلى تلك الحسابات لتكون مرجعًا لعملية التوليد بالذكاء الاصطناعي.
وجاء إطلاق هذه الميزة بالتزامن مع إعلان ميتا عن Muse Image، وهو مولد صور جديد طورته وحدة Meta Superintelligence Labs المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. وقد رأت الشركة في هذه الأداة وسيلة لتعزيز الإبداع وتمكين المستخدمين من الاستفادة من المحتوى العام المنشور على إنستغرام في إنتاج صور جديدة.
غير أن الميزة سرعان ما أثارت اعتراضات واسعة، لأن تصميمها لم يكن يتضمن آلية لإخطار أصحاب الحسابات العامة عند استخدام صورهم مرجعًا لتوليد محتوى جديد. وأثار ذلك مخاوف تتعلق بالخصوصية، وبحق الأفراد في التحكم في كيفية استخدام صورهم، إضافة إلى احتمال استغلال هذه الإمكانية لإنتاج صور قد تمس بسمعة الأشخاص أو تُستخدم خارج السياق الذي نُشرت فيه الصور الأصلية.
وأمام هذه الانتقادات، أعلنت ميتا تراجعها عن القرار وسحب الميزة. وفي بيان نشرته على مدونتها الرسمية، أوضحت الشركة أن هدفها كان توفير أداة إبداعية مفيدة، مع منح المستخدمين القدرة على التحكم في إمكانية الاستناد إلى محتواهم العام بهذه الطريقة. لكنها أقرت بأن ردود الفعل أظهرت أن الميزة «لم تحقق الهدف المنشود»، ولذلك قررت إيقافها وإزالتها من المنصة.
يشهد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس الأمريكية توسعًا متزايدًا بدعم من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناع القرار، الذين يرون في هذه الأدوات وسيلة لتطوير العملية التعليمية وإعداد الطلبة لعالم يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التوجه يواجه معارضة متنامية من أولياء الأمور وخبراء التربية وعلم الأعصاب، الذين يحذرون من غياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت فعالية هذه التقنيات في تحسين تعلم الأطفال، بل يشيرون إلى احتمال تأثيرها سلبًا في تنمية قدراتهم المعرفية واستقلالية تفكيرهم.
بدأ الجدل يتصاعد بعد إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الدراسية. ففي إحدى المدارس الإعدادية بمدينة نيويورك، طُلب من أحد التلاميذ إجراء تجربة علمية ثم الاستعانة بروبوت المحادثة Google Gemini للحصول على ملاحظات حولها. إلا أن والدته، كيلي كلانسي، اعترضت على هذا التوجه، معتبرة أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في مثل هذه المهام يشجع التلاميذ على إسناد التفكير إلى الآلات بدلًا من تنمية قدراتهم على الحوار والعمل الجماعي وتحليل الأفكار بصورة مستقلة. وانطلاقًا من هذه القناعة، أسست مجموعة تدعو إلى فرض وقف مؤقت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية بمدينة نيويورك لمدة عامين.
ولا تقتصر هذه المعارضة على نيويورك، إذ شهدت ولايات أخرى تحركات مماثلة. ففي ولاية أوريغون وقع أكثر من 1100 من أولياء الأمور عريضة تطالب بإزالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي من الأجهزة التي يستخدمها الطلبة، كما دعت منظمة Fairplay، المعنية بالدفاع عن حقوق الأطفال، إلى فرض وقف يمتد خمس سنوات على استخدام منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة مباشرة للأطفال من مرحلة ما قبل المدرسة حتى نهاية التعليم الثانوي.