جديد الموقع
ما قبل البداية: الوجود القَبلي للألم
هل تبدأ الروايات حقاً من عتباتها الأولى؟ أم أن البدايات شظايا مسبوقة بزلزال حدث في الخفاء، فوصلت إلينا وهي تلهث، متأخرة عن شيء أفلت من القيد وسال على السطور؟
إن النص، قبل أن يفتح صفحته الأولى، يكون قد بدأ بالفعل في فضاء آخر؛ في جرح غائر، أو خوف عتيق، أو ذاكرة مؤجلة لم تجد حبرها بعد. من هنا، تبدو فاتحة «أغالب مجرى النهر» مربكة على نحو خاص؛ إرباكٌ يدفع القارئ نحو تساؤل جوهري: من أين بدأت الرواية حقاً؟ هل انبثقت من ذاكرتي أم من ذاكرة "عقيلة تومي"؟ وهل كانت "عقيلة" مستوطنة في زنزانتها قبل أن أطأ عتبة النص؟
يستدعي سعيد خطيبي في روايته هذه شكلاً من أشكال الوجود القبلي المزلزلة ليقين الحضور كله، سارداً أسئلة حارقة:
- مَن كان هناك أولاً؟ الجسد أم الخوف الذي يستأجره؟
- المكان أم الذاكرة التي تعيد صياغته وتحوّله إلى مسخ؟
يؤسس النص لهذه الحيرة هادماً فكرة الإجابات الجاهزة، كونه يسعى أساساً لتفكيك "وهم اليقين" وإعادة تشكيل الوعي بالأشياء. في هذا الأفق، يتقدم المكان (الزنزانة) بوصفه فضاءً واسعاً يرسم احتواءه للألم، متجاوزاً وظيفة الحيز أو الإطار الضيق. فالألم لا يحتاج إلى جدران، وإنما يتطلب لحماً وعظماً وقفصاً صدرياً يطبق عليه. لقد جاءت الزنزانة لتختزل الفضاء الخارجي في قطر أضيق، كاشفة عن عري وجودي مرعب يؤكد أن الألم عصي على الاحتواء، فقد كان موجوداً قبل الزنزانة، وسيبقى يتمدد بعدها، ليظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل يسبق الجرحُ الجارحَ؟
تتجاوز الرواية حدود الجرح الواحد، لتقوم على ثنائية صوتية متناوبة:
- عقيلة: تروي من داخل جسدها المعطوب والمستباح.
الأب عزوز: يدخل الحلبة لاحقاً، حاملاً ذاكرة الحرب، ووزن "السلم" الذي يتكشف باعتباره قناعاً لوجه آخر من الوجوه العنيفة.
يتعدى هذا التناوب السردي دائرة الحيلة التقنية البريئة، ليستقر كفعل تشكيك جذري في إمكانية السردية الأحادية، معلناً رفضه لمنطق "رواية المركز" التي تنظم الألم من موقع فوقي متعالٍ. لا وجود هنا لراوٍ كلي المعرفة؛ ثمة فقط كدمات، وآثار، وجروح مفتوحة في نصوص لا تملك تقنية إغلاقها.
أنت في بغداد على الطريق العام الموصل إلى البصرة، تمشي منذ اكثر من ساعة، تشير للسيارات العابرة ولا مجيب، تكاد أشعة الشمس أن تحرق رأسك، العطش يجفف حلقكَ، تقف لك حافلة يقودها رجل خمسيني، يشير لك بالصعود، يكلمك بالإنكليزية، تكتشف أنه عسكري أمريكي، يناولك عبوة مياه معدنية، تشربُ حتى ترتوي.
بعد دقائق قليلة، يخرج أمام الحافلة مواطن عراقي غاضب، يغمز إلى السائق، ويتلفظ بكلمات بذيئة...
أنت ذاتك في مركز انطلاق الحافلات في دمشق، متأخر عن موعد مهم، الحافلات مكتظات، تيأس وتخرجُ من مركز الانطلاق، تباغتكَ بعد البوابة بقليل حافلة صغيرة تتسع لأربعة عشر راكبا، تتوقف قربك، تفرح توا، تلاحظ أن المقعد الأمامي قرب النافذة شاغر، تهمُّ بالركوب، يتصبب منك عرق بارد، لا سائق في الحافلة، تنظر إلى الركاب، لا ترى منهم استغرابا، بل أنهم وبصوت واحد يطلبون منك الصعود فهم مستعجلون، تحتار في قرارك، أتأخذ مكان السائق، أم الراكب، يخزك خوف كبير: كيف وصلت الحافلة إلى هنا دون سائق؟
لم يمضِ وقت طويل حتى أمال السائق العجلات نحو الطريق العام، حاورك بلكنته الأمريكية، تفاخرَ بإنجازات وحرية وأشياء أخرى، لم توافق على كلمة واحدة ، لم تجرؤ على إخراج معارضتك إلى أذنيه، لا لأنك تخشاه ولكن احتراما لكرم الضيافة، أليس العرب أولى بها؟
الفكرة، تختلف باختلاف اللغات، ليس بالمعنى اللساني، بل بمعنى أن هناك أنماطا من الفكر، تقتضي أشكالا مختلفة من القول الفني المكتوب، هي غيرها في الفلسفي، والسياسي وحتى الديني، لذلك للفكرة في الرواية والشعر دلالتها، وخصوصيتها، فإذا كان الشعر يحاول السمو بها، باحثا عنها بما يناسبها من الكلمات، بحيث تنطق لتحيل على المعنى قبل تمثله، متجنبا الخشن منها نطقا وحتى إيقاعا، مستنجدا بموسيقى الصوت، لتسكن فيها المعاني هادئة مسترسلة، وتتشكل بها صور شفافة يظهر من خلالها غيرها الخفي، مما لا يلغيها أو يمس بناءها العام، فإن الرواية، تقدم الفكرة، كصورة مخدوشة الجوانب، وكأنها تبحث في المعتاد والمتلاشي في الحياة لتبعثه من جديد، غريبا في مبناه ومحتوياته متمايلة، منتشية بإعادة قراءة الجروح المنسية، تاريخا، وحالات نفسية، ومتاهات اجتماعية في عمق وعي الكائن البشري، أو حتى لا وعيه، لا تعتني الفكرة في الرواية بإيقاعات الكلمات، حتى لا يفتتن القارئ، بالمباح والمحكي، فينتشي السارد بقدرته الأسطورية على التحكم في غيره، وهي لعبة الروائي، الذي كلما أخطأ التصويب، علق كلماته متهما بالغواية السارد، ليهرب هو من مسؤولية البوح المفضوح، ناسيا وضوحه وعراءه و هو ما يسميه النقاد السارد تجنبا للحرج، بينما الشاعر يظل سيد القول، هو ما يقول ويكتب، لكن ألا يتفاعل هذان الكائنان؟
عندما يكتب الشاعر رواية، ندرك شاعريته، بنسجه لأحداث منفلتة من عالمه الشعري، إنه يكتب حول ما يعجز عن قوله شعريا، بحيث يستوحي المعاني من كلمات سبق أن قالها فعلقت بذهنه، ورسخت دلالات غير مكتملة، لأن الإيقاع الشعري رفضها، فتحين فرصة القول بها روائيا، واستدراجها لنسقه الحكائي، فبدت سامية مخترقة في سياق اليومي كما تراه الرواية، التي باختراق الشعر لها تكتسب دعامة جديدة بتخلصها من المفارق المفروض دائما على الرواية.
لكن عندما يكتب الروائي الشعر، ولو بشكل نادر، تبدو القصيدة حكائية كالأساطير، تريد قول الكثير، فتضيع في السردي بصيغ التغليب، كمن يرقص طالبا من الموسيقيين عزف المناسب لحركاته الفنية.
تتميز قصص " حديث التفاصيل الصغيرة " للقاص المغربي محي الدين الوكيلي بنصوص تنتمي لجنس القصة القصيرة، وتستجيب لشروطها وعناصرها الأساسية ؛ من شخوص كما هو الحال في جل القصص ابتداء من القصة الأولى " مسار الحرية الشائك " حيث يتمحور الحدث حول صاحبة " الحايك "، وشخصية المختار، وفي القصة الثانية " حب قاس " تحضر البتول، وابنها محمد، وزوجها المقاوم الشهيد، والعربي في قصة " شيء بسيط يصنع الفرق "، وسعيد في قصة " مأساة سعيد وشجرة الزيتون "... إلى غيرها من شخصيات ك " زدي أحمد " بائع الإسفنج، والجنرال، ونادل المقهى، وروادها، والسي عبد الله الخياط ،والسيد مارتان وزوجته، والمدني النجار، والسي عبد الله الخياط، وقاسم بائع الصوصيص ومتعدد المهام من حداد وسباك وميكانيكي وكهربائي... والأم حليمة، وعمي الطاهر، وصالح. وأمكنة موزعة بين القرى، والريف، والجبال، وذكر بعض الأماكن في حواضر ك الرباط : " متجولا بين مقهى باليما والمكتبة الوطنية، ثم من سويقة باب الأحد إلى ساحة الحمام. " ص50، ومحطات بعض المدن : " أما مسرح الأحداث فتتساوى فيه محطات سيدي سليمان، القنيطرة، مكناس، الخميسات، سوق الأربعاء، بلقصيري، وسيدي قاسم." ص 78، و زرهون/ الزاوية، ومدينة تطوان، وطنجة، ومدينة شارتر الفرنسية، بالإضافة إلى الحوار الذي يدور بين الشخصيات لبناء الحدث وبلورته وتطويره اعتمادا الاسترجاع والتذكر أحيانا، والوصف كعنصر مرتبط بالشخصيات في مثل وصف النادل : " كان شابا في الثامنة عشرة من عمره، أشقر، متوسط الطول، بدا أكثر أناقة ووسامة بفعل زيه. " ص88، وأحداث مثل ما وقع لصاحبة " الحايك " عندما سقطت بعد أن زلت قدمها على مرأى من رجال القرية إثر عرقلة " الحايك " لخطواتها في محاولة منها لتفادي حجر كبير : " شعرت أنها لم تعد تتحكم في ساقيها، وأن الحايك أصبح معرقلا لخطواتها. فجأة، وبينما تحاول أن تتفادى حجرا كبيرا، انزلقت إحدى قدميها وسقطت أرضا أمام جمع رجال القرية " ص 13، وما صدر عنها من ردة فعل إزاء ذلك، وإزاء رجال القرية الذين تابعوا المشهد، وعاينوا الحدث : " صافي هذا ما تريدون ؟ أليس لكم شغل، فقد ضاقت الأرض من جلوسكم. " ص 13، وبشكل لا يخلو من انفعال وغيظ وتذمر. وحدث نهوض رجال القرية للذود عن حرمة قريتهم ،وحمايتها من تربص العدو بها، والاستعداد لمهاجمتها، بعد أن كانوا منغمسين في جلسة " الكيف "، إلا أن محمد ابن المقاوم الشهيد تخلف عن الالتحاق بهم، ومشاركتهم في الدفاع عن قريتهم مما أثار غضب والدته فعزفت عن منحه حبها وودها حين تأكدت من افتقاره لأي حس أو نزعة تجعله لا يتردد ولا يتوانى في الدفاع عن بلدته والتضحية من أجلها أسوة بوالده وبباقي رجال وشباب القرية الأشاوس مخاطبة إياه بقولها : " الكرامة هي التي لا تملكها ،كيف لي أن أمنحك إياها ؟ / منذ ذلك اليوم، تركت البتول محمدا، وتركت وراءها حبه الذي كان يثقل كاهلها. " ص16. ويبرز كذلك حدث علاقة سعيد بشجرة الزيتون التي غدت تحمل اسمه " شجرة سعيد " لكثرة تردده عليها، وقضاء وقت طويل تحت أغصانها، إلى أن فوجئ بإحاطتها بسياج من الأشواك والأسلاك التي طوق بها الجنرال الشجرة، وما آلت إليه حالة سعيد، حين تسلل إلى الشجرة، من ذعر وهلع من خلال طلقات الرصاص، وكلب الجنرال الذي طارده، إلى اقتلاع الشجرة بمعول المختار حارس الجنرال، ليرخي حادث مصير شجرة الزيتون بظلاله على نفسيته، وكذا على نفوس أهالي القرية : " لم يعد لشجرة الزيتون وجود بعد ذلك... كانت مأساة سعيد وشجرة الزيتون بداية لفصل جديد في حياة القرية، فصل خيمت عليه مشاعر القهر والحسرة..."ص27. وأيضا حدث قتل الكلب " كيكي " على يد صاحبه الحاج، وتعويضه بكلب جديد " ريكس " رغم ما أبداه ودأب عليه " كيكي " من إخلاص ووفاء لسيده في قصة " القانع ". وما كان يحيط بالحصول على جواز السفر الأخضر من صعوبات في مرحلة من مراحل البلاد حسب ما ورد في قصة " الباسبور الأخضر "، وحدث الهجرة غير الشرعية في ظروف محفوفة بالمخاطر تتمثل في الاحتماء بركن خفي من إحدى الشاحنات الدولية، وما آلت إليه المحاولة من فشل بسبب عدم إقلاع الشاحنة لما أصاب سائقها من مغص : " لم يطل الوقت حتى عرفت السبب : أحد السائقين أصابه مغص حاد في تلك الليلة، فتخلف عن الرحلة. " ص130، لنخلص إلى أن لكل قصة حدث وحادث إلا أننا اقتصرنا على نماذج من بعضها.
للحنين إلى ما كنا قبل ذلك
أقرأ تجاعيد يدي
ولغتي وقت لم يراودني
كم تبقى منا!؟
لا شيء،
غير هذا صوت
ها نحن نقترب من الموانئ
وأقول للبحر مهلا
لم يحن ملحك بعد
طريقه على أجسادنا طويل
والكاليمبا متعبة فينا،
تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6]
لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]
من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.
تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.
لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.
هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.
إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.
صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.
شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."
عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.
يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.
البيان الذي نشرته شركة” بالانتير” ليس وثيقة تقنية، ولا رؤية اقتصادية. هو وثيقة سياسية صريحة تعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الرأسمالية الرقمية، مرحلة تخلت فيها عن ادعاء الحياد، وقررت أن تنزع قناعها وتظهر بوجهها الأيديولوجي الكامل. و"بالانتير" ليست حالة معزولة في المشهد التقني العالمي، إنها واحدة من شركات تكنولوجية كبرى تبيع تقنياتها لأنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لتورطها في تمكين الترحيل القسري والمراقبة الجماعية وملاحقة المعارضين. والأكثر إدانةً أن تقارير موثقة كشفت عن شراكة مباشرة بين هذه الشركة، إلى جانب شركات تقنية غربية أخرى كغوغل وأمازون ومايكروسوفت، والجيش الإسرائيلي، حيث وفرت منظومات بيانات واستهداف استخدمت في العمليات العسكرية على غزة، مما جعلها شريكاً فعلياً في جرائم الحرب الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. وهي في ذلك لا تختلف في جوهرها عن شركات رأسمالية رقمية احتكارية كبرى أخرى تمارس الأمر ذاته بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة من الصراحة.
إنه إعلان طبقي عن مشروع تحالف فاشي رقمي لا يستند على العنف التقليدي وحده، بل على الرقابة والقمع الرقمي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام وقمع المعارضة بطرق غير محسوسة ولكن بالغة التأثير. تحالف لا تبقى جرائمه في دوائر النخبة ومكاتب الشركات، بل تمتد إلى ميادين الحرب وأجساد المدنيين، وتجسد اليوم بأوضح صوره في الترامبية وتحالفاتها وجرائمها وحروبها العدوانية.
1. من وادي السيليكون إلى البيت الأبيض: التحالف العضوي
لفهم بيان" بالانتير" خارج سياقه المعزول، لا بد من استحضار صورة التحالف الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة بين قطاع من النخب التكنولوجية ومشروع اليمين القومي المتطرف. بيتر ثيل، المؤسس المشارك لـ "بالانتير" والداعم الأكبر لمسيرة ترامب السياسية، حيث ليس مجرد رجل أعمال يدعم مرشحاً سياسياً. هو العقل الأيديولوجي الذي يمنح هذا المشروع منطقه السياسي، ويرى في الديمقراطية التقليدية النسبية الموجودة عائقاً أمام مشروع النخبة التقنية، والذي صرح علناً بأن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية التقليدية غير متوافقتين. هذا التحالف ليس صدفة، أو تقاطعاً عابراً، إنه تلاقٍ موضوعي بين مشروعين يشتركان في هدف واحد: تركيز السلطة في يد طغمة مالية وسياسية تعتقد بامتلاكها "حقاً طبيعياً" في إدارة مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى.
المزيد من المواضيع
فلسفة وتربية
"وذلك القوس المقلوب الذي تسمِّيه السماء، الذي نعيش ونموت تحته محبوسين زاحفين،
لا ترفع يديك إليه طلبًا للعون – لأنَّه يدور عاجزًا مثلنا تمامًا" (عمر الخيّام) ([1])
1- مقدمة:
تُعَدُّ الأبراج اليوميّة المنشورة في أعمدة التنجيم في الصحف والمجلّات في كلِّ مكان من بين الملذّات التي يتمتّع بها الملايين من البشر على سطح المعمورة. فمعظم الناس يعرفون البرج الذي وُلدوا تحته، سواء كانوا من برج الثور أو العذراء أو الأسد أو العقرب، إلخ. وكثيرٌ منهم لديه فكرة عن الصفات الشخصيّة التي يُفترض أنَّهم يمتلكونها نتيجةً لذلك. وقد أصبح اليوم من المألوف أن يعرف شخصٌ ما نفسه بالمواصفات البرجيّة له، كأن يقول: "أنا من برج الثور، أحبُّ البيت، ويمكن الاعتماد عليَّ مع أنَّني مملٌّ قليلًا" ([2]).
والشخص الذي يسمع مثل هذا التعريف البرجيّ لا يميل عادةً إلى اعتبار المتكلّم خرافيًّا أو غير عقلانيّ. بل قد يبدو هذا القول وكأنَّه يعكس قدرًا من الوعي الذاتيّ الموضوعي؛ فهو لا يحمل طابعًا غرائبيًّا أو مبالغةً غير عقلانية، بل يبدو القول طبيعيًّا من خلال معقوليته اليوميّة. كما أنَّ هذه التصريحات لا تُقال عادةً بحماسة المؤمن المتعصّب. فقرّاء هذه الأعمدة لا يعلنون أنفسهم مؤمنين أو غير مؤمنين. بل إنَّ مسألة الإيمان نفسها تبقى ضبابيّة بسبب عدم رغبة عامة في التحقّق من نظام التنجيم وتبريراته، ولا سيّما فيما يتعلّق بحركات الكواكب وعلاقاتها. وقد تمنح الإشارات "العلمية" الظاهريّة – مثل العلاقة بين المريخ والمشتري – القارئ إحساسًا بوجود منطقٍ ما في البنيّة النجومية، وذلك دون أن يشعر بالحاجة إلى التحقّق. كما أنَّ النصائح تبدو واقعيّة بشكل عام، ومصاغةً بلغة توحي بعلمٍ مبسّط. ومع ذلك، يدّعي كثيرٌ من القرّاء أنَّهم يقرؤون هذه الأعمدة للتسلية فقط دون أخذها على محمل الجد ([3]).
2- أدورنو والتنجيم بوصفه قوّةً استلابية:
ففي مقاله المطوّل "النجوم تهبط إلى الأرض" " (Stars Down to Earth) ([4])، قام أدورنو بتحليل تفكيكيّ لعمود تنجيم يوميّ في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" (Los Angeles Times, 1952–1953)، كاشفًا عن المرض الاجتماعيّ الذي يدعم هذا الشكل من اللاعقلانيّة. فما يراه البعض تسليةً بريئة، يراه هو – شأنه شأن منتجات صناعة الثقافة – شيئًا سامًّا، وفي هذا الأمر يقول: "إنَّ المواقف التي تستدعيها صناعة الثقافة ليست بريئةً على الإطلاق... فإذا نصح المنجِّم قرّاءه بالقيادة بحذر في يومٍ معيّن، فهذا لا يضرُّ أحدًا؛ لكن الضرر الحقيقيّ يكمن في تلك البلادة الذهنيّة التي تجعل الناس يعتقدون أنَّ مثل هذه النصيحة العاديّة تكتسب أهميتها من الهالة الزائفة التي تُعطى لها لمجرّد ربطها بالأبراج والنجوم"([5]). فالخطر الحقيقيّ للنصيحة يكمن في الشكل الذهنيّ والنفسيّ الذي تُعوِّد الناس عليه. فقول المنجِّم: "قُدْ بحذر اليوم" يبدو نصحًا عاديًّا يمكن أن يُقال في أيّ وقت. لكن المشكلة تكمن في أنَّ الإنسان يُدفع إلى الاعتقاد واهمًا بأنَّ أفعاله تخضع لسلطة غامضة وخارجيّة كسلطة النجوم، وذلك بدلًا من التفكير العقلانيّ المستقل. فالنصيحة لا تقوم على أساس عقلانيّ لأنَّها مجرد نصيحة عامة تصلح في كل وقت، ولكنَّها تصبح وهمًا عندما تُقدَّم وكأنَّها معرفة كونيّة دقيقة مستمدّة من النجوم والأبراج.
تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6]
لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]
مقدمة:
في الفلسفة المعاصرة يبرز سؤال مركب يجمع بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والفلسفة السياسية والاجتماعية: كيف يرتبط الفكر بالوجود، وكيف تتوسط اللغة هذه العلاقة، وكيف يشكل المجتمع – أو يتشكل بها – هذا النسيج كله؟ لم يعد الفكر قدرة فردية محايدة، ولم يعد الوجود مجرد "كينونة" فردية معزولة، ولم تعد اللغة أداة تعبير شخصية. بل أصبحت هذه العناصر متشابكة في ديناميكية اجتماعية تُنتج الذات الجماعية والفردية معاً. المجتمع ليس خلفية محايدة، بل هو الحقل الذي يتحقق فيه الفكر كقوة تشكيلية، والوجود كتجربة مشتركة، واللغة كوسيط يفرض أو يحرر. في الفلسفة الغربية منذ بارمينيدس يقف سؤال أساسي: ما علاقة الفكر بالوجود؟ هل الفكر يسبق الوجود أم ينشأ منه؟ هل هو انعكاس له أم إبداع له؟ أم أنهما وجهان لشيء واحد؟ في عصرنا المعاصر، حيث أصبحت التقنية الرقمية تُنتج «فكراً» بلا جسد، والذكاء الاصطناعي يحاكي الوعي، والأزمات البيئية والسياسية تُعيد طرح سؤال «من نحن وماذا نفعل في هذا العالم؟»، يعود هذا السؤال بقوة أكبر. نيتشه وهيدجر يمثلان خطاً أنطولوجياً يرى الفكر كنتيجة للإرادة أو كدعوة للوجود، بينما يمثل ميرلو-بونتي وريكور خطاً ظاهراتياً-تأويلياً يربط الفكر بالجسد والتاريخ والسرد. هنا لا يتم الاقتصار على المقارنة التاريخية، بل تبني مقاربة فلسفية معاصرة تجعل هذه العلاقة أداة لفهم أزمة الإنسان اليوم: أزمة الذات في عالم ما بعد الحداثة، حيث يُهدَّد الوجود بالتحول إلى بيانات، والفكر إلى خوارزميات. هذه الدراسة تقارن بين تيارين أساسيين في الفكر القاري المعاصر: التيار النيتشوي-هيدجري الذي يرى الفكر واللغة والوجود كأحداث أنطولوجية تتصارع مع المجتمع كـ"قطيع" أو "الآخرون"، والتيار الفينومينولوجي-التأويلي الممثل بميرلو-بونتي وريكور الذي يؤكد على التجسد الاجتماعي والسردي للفكر واللغة كوسيلة لبناء مجتمع إنساني متكافئ. المقاربة معاصرة بمعنى أنها لا تقتصر على استعادة تاريخية، بل تُضيء قضايا عصرنا: أزمة المعنى في المجتمعات الرقمية، سيطرة التقنية على الوجود الاجتماعي، تشظي الهويات الجماعية، وإمكانية إعادة بناء مجتمع يحتفي بالجسد والسرد والحرية. وكيف يمكن إعادة صياغة السؤال الفلسفي في سياقه الاجتماعي؟ وماذا يترتب عن ذلك؟
تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.
قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.
عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً. مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي. فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.
بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.
كلمة شكر:
بسم الله الرحمن الرحيم، السّيدات والسّادة، زملائي الأعزّاء، ضيوفنا الكرام، يسرّني في بداية هذا اللّقاء أنْ أحيّيكم أجمل تحيّةٍ، شاكراً لكم حضوركم المظفّر لهذه النّدوة المتميّزة حول مسألة الكمّ والكيف في مناهج البحث العلميّ السّوسيولوجيّ في العالم العربيّ، ويسرّني في بداية هذا المداخلة أن أتوجّه بخالص الشّكر والتّقدير والعرفان للأستاذ الدكتور يعقوب الكندري الّذي شرّفني بدعوته للمشاركة في هذه النّدوة، والشّكر أيضاً موصول للأساتذة الكرام الّذين سبقوني بتقديم مداخلاتهم النقديّة وتحليلهم العميق والشامل لقضايا الكمّ والكيف في العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة.
أيَتها السّيّدات، أيّها السّادة:
اسمحوا لي أن أضع مداخلتي تحت عنوان: ملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّة العربيّة والخليجيّة. وأريد أن أقرّ بدءا بأنّه لم يسبق لي كتابة بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فإنّني سأنطلق في مداخلتي هذه من التّجربة الأكاديميّة في مجال البحث العلميّ والتّدريس في الجامعات العربيّة الّتي تمتدّ لأربعة عقود من الزّمن محمّلة بتدفّق كبير من الأفكار والتّصوّرات حول هذه القضيّة الملحّة في المجتمع العلميّ الخليجيّ والعربيّ في آن واحد.
ومن المهمّ في هذا الاتّجاه أن استعرض المحاور الأساسيّة لهذه الورقة وهي على الشّكل التّالي:
أوّلاً - مقدّمة إشكاليّة حول المنهجيّة النّقديّة عند عالم الاجتماع الكبير خلدون النقيب.
ثانياً: البعد الأيديولوجيّ للمناهج العلميّة في علم الاجتماع.
ثالثاً: الانتقادات الموجّهة إلى المناهج الكمّيّة أيديولوجيّاً.
رابعاً: عوامل هيمنة المناهج الكمّيّة في البحوث العربيّة .
خامسا: ملاحظات حول التّكوين الإبيستيمولوجيّ للباحثين العرب.
سادساً: نحو مسار جديد للبحث العلميّ الخاصّ بالكمّ والكيف.
1-مقدّمة إشكاليّة:
بدأ اهتمامي بهذه المسألة في إحدى النّدوات - الّتي شرّفنا الدّكتور يعقوب الكندري بدعوتنا إليها في نوفمبر2022 -وقد عقدت هذه لتكريم عالم الاجتماع الكويتيّ الرّاحل خلدون النقيب، وفي إحدى الجلسات غمز أحد المشاركين من قناة الرّاحل خلدون النقيب آخذاً عليه أنّه لم يستخدم المنهج الكمّيّ في بحوثه وأعماله الفكريّة، وكأنّ المنتقد كان يريد أن يقول لنا إنّ عالم الاجتماع لا يمكن عالماً حقّاً ما لم يعتمد المنهج الكمّيّ في بحوثه ودراساته السّوسيولوجيّة، وهذا يوحي بأنّ علم الاجتماع يجب أن يعتمد على البحوث الكمّيّة كي يكون علماً حقيقيّاً. ولمّا كنت في تلك اللّحظة على المنصّة أدركت أنّه ينبغي عليّ أن أقدّم ردّاً سريعاً ومناسباً على هذه المداخلة الّتي تكرّس رؤية أيديولوجيّة معادية للمناهج العلميّة غير الكميّة ولا سيّما النقديّة منها. وقد نوّهتُ في هذه المداخلة إلى أنّ الرّاحل الكبير خلدون النقيب كان مفكّراً من الطّراز الرّفيع وقد فرضت مكانته العلميّة العالية أن يعتمد مناهج معرفيّة نوعيّة متقدّمة جدّاً كالمنهج النّقديّ أو المنهج الجدليّ التّاريخيّ في دراساته وأبحاثه. وإنّه لا يمكن لأحد أن يتجاهل أنّه كان من أكثر المفكّرين تأثيراً وحضوراً في الخليج والعالم العربيّ. وهذا الأمر يتطلّب منّا أن نشكر له أنّهى ترفّع عن استخدام المناهج الكميّة وارتقى إلى استخدام أفضل المناهج العلميّة قدرة على استكشاف الأبعاد الشّاملة والقضايا الحيويّة الحسّاسة للمجتمع والحياة في بلدان الخليج. وقد تضمّنت مرافعتي نقداً سلبيّاً عنيفاً لأنماط المناهج الكميّة الّتي يعتمدها الباحثون الأكاديميّون في جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة.
تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.
في خضم الجدل المتصاعد حول الهوية والانتماء في الدنمارك، جاء تصريح عالم الوراثة الدنماركي البارز إيسكه فيلرسليف ليقلب الموازين: "مفهوم العِرق انتهى علمياً". هذا الإعلان لا يقتصر على كونه حقيقة بيولوجية، بل يمثل نقطة تحول في النقاش العام، إذ يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: إذا كانت الجينات لا تحدد الهوية، فما الذي يصوغ الانتماء الوطني؟ بين الدم والثقافة، بين الوراثة والتجربة الإنسانية، يتكشف صراع قديم يتجدد اليوم في سياق سياسي واجتماعي معقد، حيث يواجه الدنماركيون – ومعهم العالم – ضرورة إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الأساطير العرقية التي فقدت أساسها العلمي. ويتجدد جدل الانتماء في بلد يواجه تحديات التعددية والاندماج، ويعيد التفكير في معنى أن تكون "دنماركياً".
الهوية تعيد تعريف نفسها
تصاعدت خلال السنوات الأخيرة النقاشات العالمية حول الهوية والانتماء، لتتجاوز حدود السياسة والاجتماع وتدخل عمق العلم الحديث. وفي الدنمارك، أثار تصريح فيلرسليف جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن مفهوم العِرق قد انتهى علمياً، مشدداً على أن الجينات لا تحدد الثقافة أو الهوية الوطنية. هذا الموقف لا يمثل مجرد رأياً فردياً، بل يعكس تحولات جذرية في علم الوراثة والأنثروبولوجيا، حيث باتت الأبحاث الحديثة تكشف أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة، وأن ما يُسمى "العرق" ليس سوى بناء اجتماعي وسياسي فقد أساسه العلمي.
إن هذا الطرح يضع المجتمع أمام تحديات فكرية عميقة: كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن الدم والجينات؟ وكيف يمكن للعلم أن يُسهم في تفكيك الصور النمطية التي غذّت قروناً من التمييز والصراعات؟ فبينما يرى بعض المعلقين أن الانتماء يُحدد بالوراثة، يوضح العلم أن الثقافة، اللغة، التاريخ، والتجارب المشتركة هي العناصر الحقيقية التي تصوغ هوية الشعوب.
من هنا، يصبح النقاش حول "الدم والدنماركية" مثالاً صارخاً على التداخل بين العلم والسياسة، وعلى خطورة إساءة استخدام النتائج العلمية في الخطاب العام. فالعلم، كما يؤكد فيلرسليف، لا يبرر تقسيم البشر إلى أعراق، بل يكشف أن الإنسانية وحدة متصلة، وأن الاختلافات الجينية بين الأفراد أقل بكثير مما يُتصور، ولا تصلح لتحديد الانتماء أو الهوية.
دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) "الأولين" هم "البربر". وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة "البربر" يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى "الأعاجم" (أو "إكناون" بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى "الهمج" و"المتوحشين". فلفظة "البربر" بمعنى "العجم"، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية والرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.
كما أن لفظة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون "اللسان البربري" بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ. وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول "المغرب العربي"، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر "المغرب العربوفوني" قياسا على الدول التي توصف بأنها "فرنكوفونية" أو"أنجلوفونية"...
منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية "العرب" و"البربر" في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء "مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب"، فتشكل لديها نفور من كلمة "البربر" بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة "بربر"، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: "الهمج والمتوحشون". و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار "نزوع قومي" واضح، فاستحبوا اسم "أمازيغ".
ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية "العرب" و"الأمازيغ" فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟
مقاطع أخرى
-
الدكتور إدريس بنسعيد هو عالم اجتماع وباحث أكاديمي مغربي بارز، يُعد من الوجوه الأكاديمية المعروفة في الساحة الفكرية والسوسيولوجية بالمغرب.
أبرز محطات مساره المهني والأكاديمي:
أستاذ التعليم العالي: يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
مجالات التخصص: تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الدين والتدين، قضايا الحداثة والإسلام، والتحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المغربي.
عضوية الجمعيات: يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع (AMAS)، ويساهم في تنسيق العديد من المجموعات البحثية مثل "مجموعة البحث في علم الاجتماع" (GRES).من أبرز مؤلفاته وأعماله:
ساهم الدكتور بنسعيد في تأليف وتحرير عدة دراسات سوسيولوجية هامة، منها:
الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب (بالاشتراك مع المختار الهراس).
الشباب الجامعي المغربي: القيم والاستراتيجيات.
المغرب كموضوع للسوسيولوجيا: نظريات وتجارب.
يُعرف بمواقفه النقدية حول "أزمة الديمقراطية" في المغرب وحاجة الدولة إلى إصلاحات بنيوية وصدمات سيكولوجية لاستعادة الثقة في المؤسسات. كما صدرت حول أعماله دراسات تكريمية، مثل كتاب "جدلية السلطة والمجتمع: مدخل إلى سوسيولوجيا إدريس بنسعيد". -
غسان كنفاني.. والتأسيس للأدب الفلسطيني بعد النكبة
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا في سنة 1936م، وعاش في مدينة يافا، ثمّ اضُطر للنزوح عنها تحت ضغط الاحتلال الصهيوني، وكان ذلك في سنة 1948م، ثم أقام لفترة وجيزة مع ذويه في جنوب لبنان، ثم بعدها انتقلت عائلته إلى دمشق، وقد عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.
عمل غسان منذ شبابه في مجال النضال الوطني، فقد عمل مدرساً للتربية الفنية في مدراس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينين في دمشق، ثم انتقل بعدها إلى الكويت في سنة 1965م، إذ عمل هناك معلماً للرياضة والرسم في مدارس الكويت الرسمية، وكان خلال هذه الفترة يعمل أيضاً في الصحافة، فقد بدأ إنتاجه وإبداعه الأدبي في نفس الفترة، ثم انتقل في سنة 1960م إلى مدينة بيروت، حيث عمل هناك محرراً أدبياً في جريدة الحرية الأسبوعية، ثم في عام 1963م أصبح رئيس تحرير لجريدة المحرر، كما عمل أيضاً في كل من جريدة الحوادث، والأنوار حتى سنة 1969م، ثم بعدها أسس صحيفة الهدف، وظل رئيس تحريرها لفترة من الزمن.يعد غسان كنفاني نموذجاً مثالياً للروائي، والكاتب السياسي، والقاص الناقد، فقد كان مبدعاً معروفاً في كتاباته، كما كان مبدعاً في نضاله وحياته، وقد حصل على جائزة في عام 1966م بعنوان أصدقاء الكتاب في لبنان، وكان ذلك لرواية (ما تبقى لكم) والتي أاعتبرت وقتها أفضل رواياته، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب إقريقيا وآسيا في عام 1975م.
أشهر روايات غسان كنفاني:
عائد إلى حيفا. رجال من الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر.
وفاة غسان كنفاني:
استشهد الروائي غسان كنفاني يوم السبت صباحاً بتاريخ 8 /7/ 1972، وكان ذلك بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته، والتي وضعت من قبل جهة معينة بهدف اغتياله. -
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة.
فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، فرنسا. عمل في عدة منشورات ومجلات ثقافيّة فكريّة منها: شؤون فلسطينيّة، سلسلة حصاد الفكر العربي...إلخ. نشر العديد من المقالات والمؤلفات، منها: "ذاكرة المغلوبين" (2001)، و"الرواية وتأويل التاريخ"(2004)، و"الحداثة المتقهقرة" (2005). فاز بعدة جوائز عربية، منها: جائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين سنة 2004، وجائزة الدراسات الأدبية والنقد سنة 2010. -
ندوة الثقافة و الثورة للشهيد مهدي عامل
سيداً في ملكوت الكلام، عالمياً، متعالياً، بالتأمل يحيا، وللتأمل. هكذا كان الفكر، على امتداد قرون خلت، في انفصام مع الواقع، له الثبات المطلق، وللتاريخ المادي التّغير والحركة.
كان يحلو له بين حين وحين، أن يُطِلَّ من علياء تجريده على الواقع، فيدينه تارة، وغالباً ما يعذره. لكنّه من خارج كان يحكم، وما كان يقوى عليه. وكان، حين يتوق إلى واقع آخر، أو أفضل، يحكم، أو يتخيل، أعني يتأول. وما كان يرتبط بقوى التغيير الثوري حين كان يطمح إليه. وما كان يدرك شروط هذا التغيير وأدواته. لذا، كان يجنح نحو الطوباوية، في أشكال شتّى، فيقدم للواقع ذريعة بقاءٍ وحجة تأبُّد.أيّ موقع كان يمكن أن يكون للمثقف في مثل هذا الانفصام المتجدد بين الفكر والواقع؟
موقع المنبوذ، أو موقع خادم السلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيّر. كان يرفض، أحيانا، أو يُبَرّر. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إنّ خرجَ على السائد ونظامه، كأّنه محكوم بموت يتأجل. يحتج على الشرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشرع. فيتصوّف. يستبدل الأرض بالسماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فَيُعقلِنُ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسلطة، بالدين، تبدو مطلقة. وهي المقدسة، في الغيب وبالغيب. وهي السلطةُ، فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، والرقاب خاضعةٌ، راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرد. إذّاك يُحَلُّ دمُه. حتّى لو كان الحلاجَ، أو السهر وردي. أما ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التمرد والمتمردين، في كل عصر، يشهران سلاح الدين، سلاح السلطة، فيكبلان العقل، يرهبان الروح، ويئدان الجسد
لم يكن للمثقف، في عالم كهذا، سوى أن يختار بين الاستتباع أو الموت، بين أن ينطق بلغة الاستبداد ونظامه، أو أن ينطق بلغة الصمت، أعني بلغة المكبوت ورموزه. هكذا كانت الثقافة تجري في صراع بين اثنتين: واحدة هي ثقافة الأسياد، بتياراتها المختلفة المتباينة، أو أخرى هي ثقافة المقهورين، بأنواعها المتعددة. لم تكن الثقافة يوما واحدة، وليس من الجائز حصرها في ثقافة رسمية، أو مسيطرة، أو معلنة. كانت ثقافة مناهضةٌ لهذه، مكبوتةٌ، مستترة، لعلها أكثر شيوعاً من الأولى، أو أصدق تعبيرا عن ضمير الناس وطموحاتهم. كانت، مثلاً، في حكايات ألف ليلة وليلة، أو في عروض خيال الظل، أو في سير الأبطال الشعبية. وهي، بالتأكيد، أكثر تمردا على الواقع القائم، وأشد رفضاً له. لكنها عاجزة كانت عن تغيير العالم، فيما هي كانت تطمح إليه.
ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها. ومن شروط الثورة أن يتوفر لها وعي متّسق، إليه تستند، وبه تستبق الممكن. أعني الضروري. ومن شروطها أن يتجسد وعيها المتسق هذا، أي العلمي، وفي وعي القائمين بها، جماهير الكادحين، المنتجين بأيديهم وأدمغتهم، صانعي التاريخ، بوعيهم الممارسيّ يستحيل الوعي النظري قوةً ماديةً تَدُكُّ أعمدة القائم، وتهيئ لولادة الجديد.
لمن يكن للثقافة، في زمن انفصام الفكر عن الواقع، دورٌ في تغيير العالم، إلا ما لا يكاد يذكر. كانت، كلما حاولت القيام بهذا الدور، تُقمع وتُهان، باسم الدين غالباً، وبتهمة الكفر أو الزندقة، وبتهمة التحريف أو الهرطقة. فالثقافي، حتى في ثقافة الأسياد، يرتدّ عليهم وعليها، فهو المبتدعُ في فعل الحرية، يتهدد ويزعزع. إنها القاعدة في كل العصور: كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت، إلى النار ضد الرماد، وإلى الحياة والحلم، اضطُهِدت واضطُهِدَ المثقفون، أحباءُ الحرية و الآفاق الزرقاء الرحبة. إنها البداهة في ضرورة أن يكون المثقف ثائرا، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ، ضد كل ظلامية، أو لا تكون.
تلك مشكلة المثقف والثقافة بامتياز. وهي قضية الثورة في آن.
ثم التحمت، لأول مرة في تاريخ الفكر، نظرية الثورة بحركة الثورة، فالتأم الفكر، في نشاطه المعرف نفسه، بقوى التغيير، فلم تعد الثورة تفتقد فكرها، ولم يعد الفكر سجين تأملاته. لقد بات الممكن قابلا للتحقيق، فهو الضروري في حركة التاريخ المادي، لا يتحقق إلا بنضال ثوري. والنضال وعدُ الكادحين بأن أنظمة الرجعية والاستبداد إلى زوال. وللنضال شروطٌ وأشكالٌ وأدوات. من شروطه أن يهتدي بعلم الثورة، أعني بتلك النظرية التي أسّسها ماركس، وأقامت ثورات الشعوب المضطهدة على صحتها البرهان، بالملموس التاريخي. ومن أشكاله ما تمارسه قوى المقاومة الوطنية في كفاحها ضد الاحتلال، وضد الفاشية والطائفية. ومن أدواته الأولى الحزب الثوري. حزب العمال والفلاحين والمثقفين.
منذ أن التحمت النظرية بالثورة، لم تعد الثقافة حكرا على نخبة من الكهنة. فلقد عمت ضرورتها حتى بات على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفاً، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحاً. والإنتاجان واحدٌ في سيرورة التاريخ الثوري، هذا الذي يؤسس لحرية اليد المبدعة. ليست الثقافة كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها تَمَلُّكٌ للعالم في حلم، أو حقل أو مصنع. أما المثقفون، فهم المنتجون، بأيديهم وأدمغتهم، ضد أنظمة القمع والاستغلال والجهالة، فكراً، فناً وجمالاً هو حبّ للحياة. وأما غير المنتجين، القابعين في قبحهم، فهم الأسياد بأنظمتهم. وأما هدم الأنظمة، فهو مهمة الثورة في كل آن.
والثورة في لبنان ما تزال فاعلةً في سيرورة حرب أهلية فجرتها الرجعية لإنقاذ نظامها الطائفي وفرض الفاشية، فانقلب عليها، وعلى نظامها، ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي التي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدى لجديد ينهض في حجرشة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.
إذن، فليدخل الفكرُ المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليَقِظُ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجَأ : يتوثّب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق تتسعُ لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى التعقلنِ في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
والحرب في لبنان حربان: حرب على إسرائيل، وحرب على الفاشية والطائفية، لكن الرجعية، بأطرافها المتعددة، تستميت في محاولة إظهارها مظهر الحرب الطائفية. وتفشل دوما في المحاولة، برغم كل ما أحاط وما يحيط بهذه الحرب من وحول الطوائف. وكيف تكون الحرب طائفية حين يكون الموقف من إسرائيل، مثلا، محوراً للصراع فيها؟ وكيف تكون طائفية حين يحتدم فيها الصراع بين القوى الرجعية ـالطائفيةـ وهي من مختلف الطوائف ـوالقوى الوطنية الديمقراطيةـ وهي أيضا من طوائف متعددةـ، حول الموقف من هوية لبنان، أو من الثورة الفلسطينية، أو من الامبريالية، أو من الاحتلال الإسرائيلي، أو من قوات الحلف الأطلسي، أو من اتفاق 17 أيّار، أو الاتفاق الثلاثي نفسه، ومن “الاقتصاد الحر” أيضاً، بل حتى من الطائفيّة إياها، بما هي النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية؟
ليست الحرب طائفية، ولا الصراع فيها بطائفي. إنه، في أساسه، صراع بين قوى التغيير الثوري للنظام السياسي الطائفي، والقوى الفاشية الطائفية التي تحاول، عبثاً، تأييد هذا النظام. إنه، باختصار، صراع طبقي عنيف بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة، في سيرورة حرب أهليةٍ هي في لبنان سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. فله، اذن، سمة العصر في زمن الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وله، تالياً، طابع كوني هو طابع الصراع إياه المحتدم، ليس بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الامبريالية، أفقياً، وحسب، بل رأسياً أيضاً، أو عمودياً، في كلٍّ من بلدان المنظومة الرأسمالية العالمية، بما فيها، بالطبع، البلدان العربية. فما هو موقع الثقافة والمثقفين من هذا الصراع؟ ما هو موقفها وموقفهم منه؟ ما هو دورها ودورهم؟.
والسؤال لا ينحصر في لبنان، ما دام الصراع فيه هو إياه، بطابعه الكوني نفسه، في جميع البلدان العربية، وإن اختلفت شروطه بين بلد وآخر، وتنوّعت أشكاله، أو تفاوت تطوره. فالحروب الأهلية تتهدد بلدان العالم العربي جميعها بلا استثناء، وآلية الصراع فيها تنبئ بإمكان اندلاعها في كل آن. وأنظمة البرجوازيات العربية في أزمة. والتغيير الثوري بات ضرورة ملحة في كلّ منها، وحاجة يومية في نضال الجماهير الكادحة. لكن الثورة في انتظار قيادتها. والثورة سيرورة طويلة معقدة، ولها مراحل وأحوال. وعلى الثقافة تطرح سؤالها: أمع الثورة أم ضدّها؟ وعلى المثقفين تطرح السؤال: أمع التغيير أم ضدّه؟ والسؤال سياسي بامتياز. وثقافي في آن.
لا تعارض بين السياسة والثقافة. وكيف يكون تعارضٌ بين الاثنتين، كيف يصح اختيار الواحدة ضدّ الأخرى في منظور التاريخ الثوري؟ لئن كانت في البدء الكلمةُ، فلقد كانت، بدئيا، مبدعة. وللحرية كانت، ضد القمع، تناضل وتثابر في رفض الظلم، وللحب كانت في قلب الإنسان. تؤسس في فعل التغيير معناها. وتجود بالجميل يحتج على قبح العالم في نُظُم الاستبداد. هكذا تتكون الثقافة دوماً ضدّيّاً، تنمو وتتكامل في صراع مستمر ضد كل قديم يموت. وفي البدء كانت السياسةُ، صراعاً مستمراً بين قوى التغيير الثوري وقوى تأبيد الواقع. يخطئ من يظن أن السياسة نظام، حكم، أو مؤسسات، أو أنها بالدولة تتحدد. إنها، في ذلك، من موقع نظر البرجوازية وإيديولوجيتها المسيطرة. لكنها، في منظور العلم والتاريخ، صراع طبقي شاملٌ كلّ حقول الحياة، لا هامش فيه للرافض، بالوهم، أن يكون له فيه موقع. إنها حركة التاريخ في مجرى صراع له المتن، والهامش فقط لمن قد مات، أو كان، من موقعه في الماضي، رفيقَ دربٍ للموت.
إذن لكل ناشط في الحياة أن يأخذ موقعاً وأن يحدد موقفاً: أمع الثورة أم ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة. والثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الأرض.
وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ فلتتوضح كل المواقف، ولتتحدد كل المواقع، ولتكن المجابهة في الضوء. كيف يمكن للثقافة أن يكون لها موقع الهامش في معركة التغيير الثوري ضد الفاشية والطائفية؟ كيف يمكن للمثقف أن يستقيل من نضال ينتصر للديمقراطية، هو أكسجين الفكر والأدب والفن؟ بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية، غي لبنان الحرب الأهلية، وفي كل بلد من عالمنا العربي، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقّف مزيف، وثقافته مخادعة مرائية. إذا تكلم عن الثورة، في شعره أو نثره، فعلى الثورة بالمجرد يتكلم، من خارج كل زمان ومكان، لا عليها في حركة التاريخ الفعلية، وشروطها الملموسة. وإذ يعلن، في نرجسية حمقاء أنّه يريدها، فبيضاء لا تهدم ولا تغيّر. تُبقي القائم بنظامه، وتحنّ إليه إذا تزلزل أو احتضر. كثيرون هم الذين في لبنان يحنّنون إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية، ويريدون التغيير للعودة إلى الماضي، ويريدونه إيقافا لانهيارات الزمان. أما الآتي، فمن الغيب، إلى الغيب. إنه موقف المنهزم، لا بصراعٍ، بل بتسليمٍ واستكانة. إنه موقف من يُصنعُ التاريخ بدونه. وله في التاريخ موقعٌ ترفضه الثقافة، إذ الثقافة، في تعريفها، مقاومة. فإذا ساوت بين القاتل والقتيل انهزمت في عدميتها، فانتصر القاتل، وكانت، في صمتها، شريكته.
أيُّ ثقافة هذه التي تتساوى فيها الأضداد، فيختلط الأسود بالأبيض في رمادية اللون والمعنى؟ إنها الثقافة المسيطرة بسيطرة البرجوازية وإيديولوجيتها، في أشكال منها قد تتخالف، لكنها، في اللحظات التاريخية الحاسمة، دوما تتحالف ضد الثقافة الثورية النقيض. هكذا تنعقد بين العدمية والظلامية مثلا، أو بين هذه وتلك، وأشكال من الفكر الديني، تحالفاتٌ ترعاها البرجوازية، بل تتوسلها في مجابهة الفكر المادي، محور الثقافة الثورية وقطبها الجاذب. أليسَ من الطبيعي أن ينعقد التحالف وطيداً في مجرى هذه الثقافة بين جميع المثقفين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، الطامحين إلى تغيير العالم وتحريره من سيطرة الرجعية والامبريالية؟ أليس من الضروري أن تتشابك أيدي الكادحين جميعاً ـفي زمن الثورات العلميةـ ضد الجهل تُعمِّمهُ أنظمة البرجوازيات العربية؟
فرحة للثقافة والمثقفين أن تتهاوى أنظمة القمع هذه في كل أرجاء الوطن العربي، بفعل نضال الثوريين يتوحدون، على اختلاف تياراتهم وانتماأتهم الفكرية والسياسية، في حركة ثورية جديدة واحدة، تعيد إلى العالم نضارته، وبها التاريخ يستوثق. فالثورة ليست حكراً على فكر، أو حزب، أو طبقة. إنها سيرورة تتكامل في الاختلاف، وتغتني بروافد التغيير تصبّ فيها من كل صوب، في كل مرحلة. لكنها تتعطل، أو تظل زاحفة، أو منحرفة، إن لم يكن للطبقة العاملة فيها موقعٌ هو موقع الطبقة الهيمنيّة النقيض، ودورٌ هو دورها التاريخي نفسه، ليس في قيادة الانتقال إلى الاشتراكية وحسب، بل في كل مرحلة من سيرورة هذا الانتقال. لا بقرارٍ، بل بالممارسة الثورية، وعلى قاعدة نهجها الطبقي الصحيح، وبقيادة حزبها الشيوعي، تحتل الطبقة العاملة موقعها ذاك في الحركة الثورية، وتضطلع بدورها. والتاريخ الثوري لا يرحم متخلّفاً عنه، ولا هو يسير بعكس منطقه. فلئن فعل، فلِأجلٍ، لا تلبث، بعده، أن تستعيد سيرورته الثورية منطقها. ومنطقها أن تنتكس الثورة، حتى في طابعها الوطني الديمقراطي، فتراوحَ، فتنهزمَ إلى مواقع رجعية، كلما استأثرت بقيادتها قوى غيرُ هيمنية، من فئات وسطية تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية، همّها الأول ألا تستكمل الثورة سيرورتها، بحسب منطقها الضروري في تقويض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بارتباطها التبعي بالامبريالية، وفي إقامة السلطة السياسية الثورية القادرة على انجاز هذه المهمة.
بين منطق الثورة ومنطق هذه القيادة غير الثورية تناقضٌ يشل الحركة الثورية ويضعها في أزمة تنعكس في ممارسات سلطوية قمعية ضد قوى الثورة وجماهيرها، وبالتحديد، ضد الطبقة العاملة التي هي، بحزبها الطليعي ونهجها الوطني الصحيح، النقيض الثوري. إنّ الحل الجذري لتلك التناقضات بات يفرض، بضرورة منطقه، ضرورة تغيير تلك القيادة الطبقية لسيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية، واستنهاض حركة ثورية هي، في اتساقها مع مهماتها، من نوع جديد، ولها وحدها القيادة. ومن أولى خصائصها، أن تسعى فيها الطبقة الهيمنية النقيض إلى أن يكون نهجها الطبقي نفسه، في سعيها إلى السلطة، نهج الحركة بكاملها. لا بالقمع، بالممارسة الديمقراطية الثورية.
لئن كان القمع أو الفئوية، في لغة أخرى، أو الاستئثار بالسلطة، أو الانفراد بالقيادة هو الشكل الطبقي الذي يحكم علاقة القوى غير الهيمنية، في وجودها في موقع الهيمنة الطبقية، بأطراف التحالف الطبقي الثوري، وكان، بالتالي ضروريا بضرورة التناقض في أن تحتل تلك القوى هذا الموقع، فإن الديمقراطية، كناظم للعلاقة بين أطراف التحالف إياه، وحق للجميع في الاختلاف، واحترامٍ لهذا الحق وممارسته، أقول إن الديمقراطية هذه هي، بالعكس، الشكل الطبيعي، أعني الضروري، الذي يحكم علاقة الطبقية. ذلك أن علاقة الاتّساق والتلاؤم بينها وبين موقعها هذا هي، بالضبط، الأساس المادي لضرورة الديمقراطية في علاقة القوى الثورية بعضها ببعض. وهي ضمانة تحقق هذه الضرورة.
آخر المواضيع في
أن تجعل من الأدب قوة مضادة، وتمنح للحروف سلطة الكشف عن الحقيقة؛ ذاك هو التحدي الذي رفعه جون إدغار وايدمان في روايته" أن تكتب لتنقذ حياة"(*)، حيث تتواشج السيرة الذاتية مع الخيال والحقيقة التاريخية، لإعادة تأسيس عالم لا يكون فيه للون البشرة أية أهمية.
في سنة 1955 تصدّرَ عناوين الصحف الأمريكية خبرُ إعدام صبي أسود في الرابعة عشرة من عمره. كان إيميت تيل يستقل قطار شيكاغو لزيارة عائلته في ولاية مسيسيبي. زعموا أنه أطلق صفيرا في حضور سيدة بيضاء، فتم اختطافه واغتياله ليعيد قطار آخر جثته بعد بضعة أسابيع.
أثناء محاكمة القتلة بتهمة الاختطاف والضرب المؤدي إلى القتل، تتلقى الصحافة معلومات سرية من الملف العسكري لوالد الضحية. كان لويس تيل مجندا في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وتوبع في إيطاليا بتهمة الاغتصاب والقتل، حيث صدر في حقه حكم بالإعدام.
الابن سر أبيه إذن! وبعد ساعة من المداولات تمت تبرئة القتلة.
على امتداد نصف قرن لم تفارق صورة إيميت مخيلة الكاتب، ليقرر إعادة تجميع خيوط القضية، عبر استجواب الأرشيف، وفحص المقالات والمحاضر، وزيارة موقع الحادث. بدت الحقيقة واختفاؤها أغرب من الخيال، وأعمق من أي سرد فني. وفي بحثه عن حزن السود، وأنماط الرعب المتوارثة عبر أجيال، كان وايدمان يعيد تشكيل الروائي كبوصلة أخلاقية، تنكأ جروح العنصرية، واللامبالاة التي تُظهرها أمريكا وجهازها القضائي تجاه آلام السود.
ما قبل البداية: الوجود القَبلي للألم
هل تبدأ الروايات حقاً من عتباتها الأولى؟ أم أن البدايات شظايا مسبوقة بزلزال حدث في الخفاء، فوصلت إلينا وهي تلهث، متأخرة عن شيء أفلت من القيد وسال على السطور؟
إن النص، قبل أن يفتح صفحته الأولى، يكون قد بدأ بالفعل في فضاء آخر؛ في جرح غائر، أو خوف عتيق، أو ذاكرة مؤجلة لم تجد حبرها بعد. من هنا، تبدو فاتحة «أغالب مجرى النهر» مربكة على نحو خاص؛ إرباكٌ يدفع القارئ نحو تساؤل جوهري: من أين بدأت الرواية حقاً؟ هل انبثقت من ذاكرتي أم من ذاكرة "عقيلة تومي"؟ وهل كانت "عقيلة" مستوطنة في زنزانتها قبل أن أطأ عتبة النص؟
يستدعي سعيد خطيبي في روايته هذه شكلاً من أشكال الوجود القبلي المزلزلة ليقين الحضور كله، سارداً أسئلة حارقة:
- مَن كان هناك أولاً؟ الجسد أم الخوف الذي يستأجره؟
- المكان أم الذاكرة التي تعيد صياغته وتحوّله إلى مسخ؟
يؤسس النص لهذه الحيرة هادماً فكرة الإجابات الجاهزة، كونه يسعى أساساً لتفكيك "وهم اليقين" وإعادة تشكيل الوعي بالأشياء. في هذا الأفق، يتقدم المكان (الزنزانة) بوصفه فضاءً واسعاً يرسم احتواءه للألم، متجاوزاً وظيفة الحيز أو الإطار الضيق. فالألم لا يحتاج إلى جدران، وإنما يتطلب لحماً وعظماً وقفصاً صدرياً يطبق عليه. لقد جاءت الزنزانة لتختزل الفضاء الخارجي في قطر أضيق، كاشفة عن عري وجودي مرعب يؤكد أن الألم عصي على الاحتواء، فقد كان موجوداً قبل الزنزانة، وسيبقى يتمدد بعدها، ليظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل يسبق الجرحُ الجارحَ؟
تتجاوز الرواية حدود الجرح الواحد، لتقوم على ثنائية صوتية متناوبة:
- عقيلة: تروي من داخل جسدها المعطوب والمستباح.
الأب عزوز: يدخل الحلبة لاحقاً، حاملاً ذاكرة الحرب، ووزن "السلم" الذي يتكشف باعتباره قناعاً لوجه آخر من الوجوه العنيفة.
يتعدى هذا التناوب السردي دائرة الحيلة التقنية البريئة، ليستقر كفعل تشكيك جذري في إمكانية السردية الأحادية، معلناً رفضه لمنطق "رواية المركز" التي تنظم الألم من موقع فوقي متعالٍ. لا وجود هنا لراوٍ كلي المعرفة؛ ثمة فقط كدمات، وآثار، وجروح مفتوحة في نصوص لا تملك تقنية إغلاقها.
أنت في بغداد على الطريق العام الموصل إلى البصرة، تمشي منذ اكثر من ساعة، تشير للسيارات العابرة ولا مجيب، تكاد أشعة الشمس أن تحرق رأسك، العطش يجفف حلقكَ، تقف لك حافلة يقودها رجل خمسيني، يشير لك بالصعود، يكلمك بالإنكليزية، تكتشف أنه عسكري أمريكي، يناولك عبوة مياه معدنية، تشربُ حتى ترتوي.
بعد دقائق قليلة، يخرج أمام الحافلة مواطن عراقي غاضب، يغمز إلى السائق، ويتلفظ بكلمات بذيئة...
أنت ذاتك في مركز انطلاق الحافلات في دمشق، متأخر عن موعد مهم، الحافلات مكتظات، تيأس وتخرجُ من مركز الانطلاق، تباغتكَ بعد البوابة بقليل حافلة صغيرة تتسع لأربعة عشر راكبا، تتوقف قربك، تفرح توا، تلاحظ أن المقعد الأمامي قرب النافذة شاغر، تهمُّ بالركوب، يتصبب منك عرق بارد، لا سائق في الحافلة، تنظر إلى الركاب، لا ترى منهم استغرابا، بل أنهم وبصوت واحد يطلبون منك الصعود فهم مستعجلون، تحتار في قرارك، أتأخذ مكان السائق، أم الراكب، يخزك خوف كبير: كيف وصلت الحافلة إلى هنا دون سائق؟
لم يمضِ وقت طويل حتى أمال السائق العجلات نحو الطريق العام، حاورك بلكنته الأمريكية، تفاخرَ بإنجازات وحرية وأشياء أخرى، لم توافق على كلمة واحدة ، لم تجرؤ على إخراج معارضتك إلى أذنيه، لا لأنك تخشاه ولكن احتراما لكرم الضيافة، أليس العرب أولى بها؟
من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.
تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.
لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.
هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.
إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.
حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.
من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.
ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.
تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.
حين يكون الاستغلال مزدوجاً
لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.
هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.
في الثلاثين من مارس 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يفرض عقوبة الإعدام شنقا على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين تدينهم المحاكم العسكرية في قضايا تنطوي على هجمات مميتة، مع تنفيذ الحكم في غضون تسعين يوما من صدور الإدانة. هذا ليس قانونا جزائيا، إنه أداة مقننة للتطهير العرقي تعمل في ظل منظومة أبارتهايد موثقة. والأبارتهايد هنا ليس توصيفا خطابيا أو مبالغة بلاغية، إنه مصطلح قانوني دقيق يعرف في القانون الدولي بوصفه نظام هيمنة مؤسسية ممنهجة لمجموعة قومية على أخرى، يقوم على التمييز في الحقوق والحركة والوجود القانوني. هذه المنظومة تحظى بغطاء سياسي أمريكي غير مسبوق. لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
1. عقوبة الإعدام، الحل الأرخص لدولة فاشلة
انطلاقا من موقفي المبدئي والإنساني، أرفض رفضا تاما وقاطعا عقوبة الإعدام. فالحق في الحياة حق متأصل، لا ينفصل عن إنسانية الشخص، ولا يحق لأي دولة، مهما ادعت من شرعية، أن تصادره. وهذا الرفض لا يتزعزع حين يصدر القانون عن دولة تقدم نفسها ديمقراطية، ولا يتزعزع حين يصدر عن دولة تمارس القمع القومي المقيت على مرأى من العالم وبمباركته الضمنية.
لا أحد يولد مجرما أو عنيفا. كل إنسان يولد في فطرة البراءة الكاملة. ثمة ظروف وأحوال بعينها هي التي تحول الإنسان إلى مجرم: الفقر، والبطالة، وغياب الحماية الاجتماعية، والاستبداد، إضافة إلى التمييز والقمع القومي والديني والطبقي. وعقوبة الإعدام توفر للحكومات الفاشلة ذريعة جاهزة للتهرب من مسؤوليتها الحقيقية في معالجة الجذور الكامنة للجريمة والعنف. أما في سياق التمييز القومي المقيت، فهي تذهب أبعد من ذلك: إنها أداة لتصفية المقاومة وتجريم الضحية وتحويل الشعب الخاضع للقمع إلى متهم أمام محاكم قامعيه ذاتهم، في مشهد يبلغ فيه انعدام العدل حده الأقصى.
إنها الحل الأسهل والأرخص تكلفة، في حين أن معالجة جذور الجريمة والعنف مكلفة وتستلزم عملا جادا وحقيقيا، لا تبدو السلطات الفاسدة والعاجزة مهتمة بأدائه. وحين تكون هذه السلطة قائمة على الظلم والتمييز القومي، يغدو السؤال عن جذور العنف سؤالا سياسيا بامتياز، إذ الجواب معروف مسبقا: جذر العنف هو القمع نفسه، والفقر الذي يصنعه، والتهجير الذي ينتجه، والإذلال اليومي الذي يغذيه.
يشهد قطاع الاتصالات في الصين توسعًا متسارعًا في نشر شبكات 5G-Advanced، التي أصبحت تغطي أكثر من 330 مدينة بحلول نهاية عام 2025، مع تجاوز عدد مستخدميها 10 ملايين مستخدم في منتصف العام نفسه. كما تمثل شبكات الجيل الخامس 55% من إجمالي الاتصالات المتنقلة في البلاد، في ظل إطلاق خدمات تجارية من قبل كبار المشغلين، مثل China Mobile وChina Telecom وChina Unicom، إلى جانب مشغلي هونغ كونغ وماكاو.
ويُعد هذا التوسع خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد زيادة سرعات الاتصال، إذ يركز على تحسين سرعة رفع البيانات، وتقليل زمن الاستجابة، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات. وفي هذا السياق، أطلقت China Telecom Shanghai أول شبكة تجارية تجمع بين 5G-Advanced والذكاء الاصطناعي، تضم أكثر من 5000 محطة مطورة، وتوفر سرعات رفع تصل إلى 1 جيجابت في الثانية، مع تغطية مستمرة في المناطق الحضرية الرئيسة.
وترتبط هذه التطورات بالنمو المتزايد في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، حيث تتوقع الشركات أن ترسل الأجهزة الذكية، مثل المركبات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة والروبوتات والأجهزة الصناعية، كميات متزايدة من البيانات إلى المنصات السحابية. لذلك أصبح تحسين أداء رفع البيانات عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية الرقمية الجديدة.
أصبحت شركة مايكروسوفت المزود الرئيسي لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها OpenAI في السوق الصينية، في وقت تمتنع فيه كل من OpenAI وAnthropic عن تسويق نماذجهما مباشرة داخل الصين بسبب مخاوف تتعلق بحماية الملكية الفكرية واحتمالات إساءة الاستخدام. وقد منح هذا الوضع مايكروسوفت موقعًا فريدًا، إذ أصبحت الوسيط الوحيد الذي يتيح للشركات الصينية الكبرى الوصول إلى نماذج GPT.
وتشمل قائمة العملاء الرئيسيين شركات صينية عملاقة مثل ByteDance وAnt Group وMeituan وTencent، التي تعتمد على خدمات Azure للوصول إلى نماذج OpenAI. ويُعد ByteDance أكبر عملاء مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بتجاوز إنفاقه السنوي على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مليار دولار. وقد انعكس هذا الطلب في نمو استثنائي لإيرادات Azure AI في الصين، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، بعد أن سجلت نموًا يقارب 400% في العام السابق، مما جعل الصين أسرع الأسواق نموًا بالنسبة لمايكروسوفت في هذا المجال.
ويعود هذا الوضع إلى الاتفاقية الخاصة التي تربط مايكروسوفت بـOpenAI، والتي تمنحها حق تسويق نماذج GPT في الأسواق الخارجية وفق شروطها الخاصة. وبما أن OpenAI وAnthropic ترفضان التعامل المباشر مع السوق الصينية، أصبحت مايكروسوفت القناة الوحيدة التي يمكن من خلالها للشركات الصينية استخدام هذه النماذج.
في هذا العالمٍ الذي تتقاطع فيه الأزمنة وتذوب فيه الحدود، لم يعد الإنسان محصورًا في القبيلة أو القرية أو المدينة، بل وجد نفسه في فضاء جديد تُعيد فيه الشبكات والمنصات صياغة معنى الجماعة والثقافة. هنا، لا تُقاس العلاقات بالدم أو الأرض، بل بالرموز الرقمية والاهتمامات المشتركة؛ ولا تُمارس الطقوس في ساحات ملموسة، بل عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات عميقة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تفتح أمامنا نافذة لفهم هذا التحول الجذري، حيث يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول المشاركة الافتراضية إلى طقس جماعي يعكس الانتماء ويعيد إنتاج الثقافة في أشكال جديدة.
لم يعد هذا العالم ينقسم إلى جغرافيا ملموسة وحدود سياسية مرسومة، برز فضاء جديد يفرض نفسه كحقلٍ اجتماعي وثقافي لا يقل أهمية عن القرى والمدن والأسواق التقليدية التي طالما كانت موضوعًا للأنثروبولوجيا الكلاسيكية. هذا الفضاء هو العالم الرقمي، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات، والمنصات إلى مجتمعات، والتفاعلات الافتراضية إلى طقوس يومية تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الهوية والسلطة والذاكرة الجمعية. إن الأنثروبولوجيا الرقمية لا تدرس مجرد تقنيات أو أدوات، بل تنفذ إلى قلب التحولات التي يعيشها الإنسان حين يعيد تشكيل ذاته وصورته وعلاقاته داخل فضاء غير مادي، لكنه شديد التأثير في الواقع الملموس.
لقد أصبح "الإعجاب" و"المشاركة" و"التعليق" أفعالًا تحمل وزنًا اجتماعيًا يشبه الطقوس الجماعية القديمة، وأضحى بناء الهوية الرقمية عملية معقدة تتداخل فيها الرغبة في الظهور مع الحاجة إلى الانتماء. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيف يعيش الإنسان في بيئته الطبيعية أو الثقافية، بل كيف يعيش في بيئة رقمية تُعيد صياغة مفاهيم الزمن والمكان والعلاقات الإنسانية. إن دراسة هذه الظاهرة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم كيف يتشكل الوعي الجمعي في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم فيه الأعراف والتقاليد.