جديد الموقع
لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة ساخرة تفضح العَالَمَ أكثر مِمَّا تفضح صاحبَها.
في تاريخ الأدبِ الحديث يبرز اسمان استطاعا أن يُحوِّلا الألمَ إلى لغة ساخرة جارحة: الشاعر السوري محمد الماغوط ( 1934_ 2006 ) في الشرق، والشاعر الأمريكي من أصل ألماني تشارلز بوكوفسكي (1920_ 1994 ) في الغرب. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والثقافةِ واللغة، فإنَّهما التقيا عند نقطة إنسانية عميقة، نقطةِ الإنسان المكسور الذي لَم يجد وسيلةً للدفاع عن نَفْسِه سِوى السُّخرية.
كانَ الماغوط يكتب وكأنَّه يجرح الورقَ بسكين. لَم يكن شاعرًا يبحث عن الزخارف البلاغية، بلْ إنسانًا يطارد الحقيقةَ العارية وسط الخرابِ العربي. قصائدُه ونُصُوصُه مليئة بالخوفِ والقهر والهزائم السياسية والاجتماعية، لكنَّه لَم يواجهها بالخُطَب الحماسية، وإنَّما بالسُّخرية السوداء التي تَجعل القارئَ يضحك للحظة، ثُمَّ يكتشف أنَّ الضحكة خرجتْ من مكان مَوجوع في داخله.
أمَّا بوكوفسكي فقدْ جاءَ مِن عالَم مختلف، عالَم الحانات الرخيصة، والشوارع القاسية، والوظائف المُرهِقة، والعلاقات المُحطَّمة. كانَ يكتب عن البشر المنسيين الذين يعيشون على هامشِ المجتمع الأمريكي. لَم يكن بَطَلُ قصصه ثائرًا أوْ أُسطوريًّا، بلْ رَجلًا مهزومًا يُحاول النجاةَ مِن الأيام. ومِن خِلال هذه الهزيمة اليومية صَنَعَ أدبًا ساخرًا يكشف زَيْفَ الأحلامِ الكُبرى التي يبيعها المجتمعُ لأفراده.
السُّخريةُ عند الماغوط لَيست ترفًا أدبيًّا، بلْ وسيلة للبقاء. إنَّها صرخة خافتة ضِد الاستبداد والخوف والفقر. كانَ يَرى أن الواقع العربي بلغ من القسوة حدًّا يَجعل البكاءَ وَحْدَه عاجزًا عن التعبير، لذلك اختارَ الضحكَ المُر. عندما يَسخر من السُّلطة أو الشعاراتِ أو الهزائمِ، فإنَّه لا يبحث عن النُّكتة بِقَدْرِ ما يبحث عن الحقيقة المختبئة خلف الأقنعة.
ملخص:
لمْ يكنِ الكاتبُ والرِّوائيُّ التّشيكي فرانز كافكا Franz Kafka (1883-1924)، على حد قول النّقاد التّفكيكيين، مُهْتماً بالقارئ قدرَ اهتمامِه بالكتابة في حد ذاتها؛ فقدْ حرَق أعماله الأولى، وأوصى صديقَه ماكس برود قبل وفاته بأنْ يتخلَّص من كلِّ ما كتب؛ هذا بالإضافة إلى أنَّ بعض أعماله قد تعرَّضت للحرق والإتلاف من قبل النَّازيين. كلُّ هذا يدل على أنَّ الكتابة بالنِّسبة إليه هي المِحور، فأنْ يكتبَ أهم إليه بكثير من أنْ لا يكتب، فهي استجابة لرغبة ذاتية أكثر منها انشغال بتقديم عمل فني للقارئ. كما أنَّ أعمالَه الرِّوائية الكبرى لمْ تكتمل في مُجملها، وهذا يدل على أنَّ الكتابة التّقليدية الواعية شكّلت أمامَه عائقا، وطرحت أمامَه الكثير من العوائق والصُّعوبات: صعوبات في اختيار البدايات، وصعوبات في اختيار الشَّخصيات، وصعوبات في تدفق السّرد، وصعوبات في اختيار النِّهايات؛ هذا ناهيك عن عمليات التّصحيح، والتّنقيح، والتّشطيب، والحذف الَّتي كان يقوم بها من حين لآخر لمخطوطاته ومسوداته.
لا ندري لمَ كانَ كافكا غير مبال بالقارئ، ومهتما بالكتابة فقط؟ أيرجعُ ذلك إلى طبيعة الموضوعات الّتي عَرض لها في رواياته، والّتي كانت تعبّر عن ذاته العميقة، وعن معاناته، وهي موضوعات تملأها المخاوف، والكوابيس، والقلق، والذعر، وتوقع النّهاية المأساوية المميتة...؛ أم يرجعُ إلى أنّ الكتابة كانت بالنّسبة إليه مطلبا ذاتياً فرضت نفسها عليه في حالات نفسية جعلتها مسألة شخصية ضرورية، ولا تعني الآخرين في شيء؛ أم أنَّ عدمَ اكتمال أهم أعماله جعله يخشى النَّقد من قِبل القُراء؟ فهذا الاحتمال الأخير مُستبعد، لأنَّه كانَ ناقدا لكلِّ أعماله سوى قصة "الحكم"، الَّتي أُعجب بطريقة كتابتها أيّما إعجاب، لأنّ كتابتها كانت عفوية، وأخذت مسارا لمْ يكن يتوقعه هو نفسه، وكأنّ الكتابة هي الّتي تكتب وليس الكاتب. وقد تكون الاحتمالات الأخرى واردة، لكن تبقى الكتابة من أجل الكتابة، ومن أجلِه هو نفسه هي الأساس ما دامَ يُصرُّ على التَّخلص ممَّا كتب.
إذا كانت لبعض القصص والرّوايات عند كافكا نهاية مأساوية محدّدة: إما في الموت، كما هو الحال في رواية "التّحوُّل"، وقصة "فنان الجوع"؛ أو في القتل، كما هو الحال في رواية "المحاكمة"، أو في الانتحار، كما هو الحال في قصة "الحكم"، فإنّ عدم اكتمال بعضها، وعدم وجود نهاية لها، يجعلُها أكثر تشويقا وغرابة، لا تختلف عن تشويق وغرابة القضايا الّتي تُعالجها كلُّ رواياته وقصصه.
تسلّط هذه المقالة، الَّتي نقدِّم ترجمُ نصَها، الضَّوءَ على مسألة الكتابة عند فرانز كافكا، وكيف كافح هذا الأخير من أجل تجاوز الكتابة الواعية والعقلانية والمقيدة من أجل تقديم كتابة عفوية وتلقائية وحرة. وهي من تأليف مانفريد إنجل، النّاقد الأدبي، والباحث المرموق في الأدب المعاصر، وفي الأدب المُقارن. لقد قدّم هذه المقالة كمساهمة ضمن عمل جماعي بالغ الأهمية، يُعنى كلّه بالظاهرة الأدبية عند فرانز كافكا في سياقها الشّخصي، والاجتماعي، والسّياسي، والثّقافي، والتّاريخي. وعلى الرّغم من أنّ كلّ القضايا المطروحة في مجموع المقالات المقدّمة في هذا العمل مُهمة للغاية، لكن مسألة الكتابة تبقى أهم، لأنّها قضية مِحورية لازمت فرانز كافكا من بدايات رحلته الأدبية حتّى نهاياتها، وكانت رُبما استثناءً يُميّزُه عن كثير من الأدباء والرّوائيين.
الْمَقالةُ الْمُتَرْجَمَةُ:
[1] لقد أصبح مفهومُ 'الكتابة' في السَّنوات الأخيرة هو المفتاحُ لدراسة أعمال كافكا. ويعتبرُ النُّقادُ التَّفكيكيون أنَّ الهدفَ الأساسَ، الَّذي كان يسعى إليه كافكا، لمْ يكن يتجلى في إبداعِ أعمالٍ أدبيةٍ كاملةٍ؛ وإنَّما كانتِ الكتابةُ، أي تحويل الحياة باستمرار إلى نصٍ أو مخطوطٍ،[1] غايةً في حد ذاتها بالنّسبة إليه، كما كانت، حسب تصورهم، هي الموضوع الحقيقي والوحيد لنُصوصه.[2] ولهذا، فلا ينبغي أنْ تُتركَ هذه الادعاءاتُ بدون مناقشة. فعلى الرّغم من أنَّ الكتابةَ كانت، بلا شك، أفضل بالنِّسبة إليه من عدمِ القُدرة على الكتابة، إلاَّ أنَّها لمْ تكن بديلاً عن إنتاجٍ أعمالٍ أدبيةٍ تامة، ونشرٍها. وبغض النَّظر عن هذه النِّقاشات، فمن الجليِّ أنَّ كافكا طوّر أسلوبًا أصيلًا وغير تقليدي في الكتابة، كانتْ له آثارٌ بالغةُ الأهميةِ على شكلِ رواياته، وعلى أعمالِه النَّثرية القَصيرة. تناقشُ هذه المقالة السّمات الأساسية لنسخة كافكا الشّخصية من الكتابة العفوية[3] (أي الكتابة الَّتي تتجاوز التَّحكم الواعي)؛ وتناقشُ تقنياتِه في بدءِ القصة، وفي استمرار تدفُق الكتابة، وفي اختتامِها؛ وتناقش كذلك الغَرض من تصحيحاتِه الذَّاتية لكتاباته؛ والنَّتائج الَّتي خلَّفها هذا النَّمطُ من الإنتاج الأدبيِّ على رواياتِه برُمَتها.
كَمَالُ الْكِتَابَةِ: قِصَةُ "الْحُكْم"
[2] على الرّغم من أنّ كافكا اشتهر بنقدِه لأعماله، إلاّ أنَّ هناك نصاً واحداً بدا له خاليًا من العُيوبِ والنَّقصِ. يتعلقُ هذا النَّص بالقصة القَصيرة، الَّتي عنوانُها "الحُكم"، والَّتي كتبَها سنة 1912.[4] فمن الغرابة بمكان أنْ يكونَ السَّببُ الأساسُ لرِضاه عن هذه القِصة هو طَريقةُ كتابَتِها. قال مُتحدّثا عن هذا الأمر:
«لقدْ كتبتُ قصةَ "الحُكم" هذه في جلسةٍ واحدةٍ، ليلةَ الثَّاني والعشرين، وصباحَ الثَّالث والعشرين، ابتداءً من السَّاعة العاشرة مساءً حتَّى السَّاعة السَّادسة صباحًا...كتبتُها وأنا في حالٍ من التَّوترٌ والفَرحٌ المُريعين، لقد رأيتُ كيفَ تطوّرتِ القصةُ أمامي، كما لو أنَّني كنتُ أسيرُ على الماء. لقد حملتُ وزني على ظهري مراتٍ عدةٍ في تلك اللَّيلة. كيفَ يُقالُ كلُّ شيءٍ، وكيفَ يكونُ لكلِّ شيءٍ، ويكون حتَّى لأغربِ التَّخيلات، نارٌ عظيمةٌ تنتظُرها، تهْلّك فيها ثم تُولدُ من جديد... لقد حدثَ هذا في السَّاعة الثَّانية، لمَّا نظرتُ إلى السَّاعة للمرة الأخيرة. وبينما كانتِ الخَادمةُ تشقُ طريقَها عبر غرفة الانتظار لأولِ مرة، كتبتُ الجُملةَ الأخيرة... لقد تأكدتُ من أنَّني، بكتابةِ قصتي هذه، أنّني أعيشُ في الدَّرك الأسفلِ المُخْجِلِ للكتابةِ. إنَّه لا يُمكنُ للكتابة الحقيقية أنْ تتمَ إلاَّ على هذا المنوال، ولا يمكنُ أنْ تتمَ إلاَّ بهذا الانسجام، ولا يمكنُ أنْ تتم إلاَّ بمثل هذا الانفتاحِ التَّام للجسدِ والرُّوح.».[5]
[3] هكذا كُتبتِ القِصةُ في قطعةٍ واحدةٍ، وفي فترة زمنية قاربَت ثمانِ ساعاتٍ مُتواصلةٍ، وعلى نحو تلقائي وعفوي، وكأنّها "ولادة حقيقية".[6] كُتبتْ بدونَ خُطةٍ مُسبقةٍ، وبما يتناقضُ مطلقًا مع مقاصدَ ونوايا المؤلف الأصلية. قال في هذا الصَّدد:
«لمَّا جلستُ لأكتبَ، بعد يومٍ أحدٍ تعِسٍ للغاية... أردتُ أنْ أصفَ حربًا؛ فمن رؤيتِه من النَّافذة، كان على شابٍّ أنْ يرى حشدًا من النَّاس يقتربون عبر الجِسر، لكنْ كلَّ شيءٍ انقلبَ من تحتَ يدي.».[7]
إنَّ الاستعاراتِ الَّتي يستعملُها كافكا لوصفِ فعل الكتابة هنا بالغة الدَّلالة نحو قوله: "السَّير على الماء"، و"الولادة"، و"الانفتاح التَّام للجسد والرُّوح"، و "التَّطور" شبه المستقلِ للقصة أمامَ المؤلف؛ ثم هناك "نار" مُتحولة، تكاد تكون كيميائية، تهلك فيها حتى "أغرب الأفكار" وتُبعثُ. كلُّ هذا يتناقضُ مطلقًا مع نموذج وأسلوب التَّأليف العقلاني المُخطَّط لهُ مسبقًا، والَّذي يُسيطِرُ عليهِ المؤلفُ ويُنظِّمُه بوعيٍّ تامٍ ودائمٍ.
[4] إنّ السُّؤال الَّذي يطرَح نفسَه هنا هو: لمَ أرادَ كافكا الكتابة بهذه الطَّريقة؟ والجواب: لأنَّه آمن، كغيره من الكُتّاب الحداثيين، بقدرةِ الأدبِ والفنِ على مُساءلة طُرقنا التَّقليديَّة في التَّفكير، وفي الإدراك، وفي التَّصرف، وتزويدنا برؤى تتجاوزُ العقلانية. فلكيْ يحقِّقَ الفنُ هذا الهدفَ، يجبُ أنْ يتجاوزَ كونَه إبداعًا فرديًا ذا منظور محدودٍ وخاصٍ. إنَّ الكتابة التّلقائية وغير المُسيطر عليها هي وحدَها التي تُمكّن النَّصَ من "معرفة" أكثر ممَّا يعرفُه مُؤلفُه. لقد كانتِ الكتابةُ بهذه الطَّريقة، بالنّسبة إليه، مَهمَّةً بالغةَ الخُطورة، لأنَّها تؤدي به إلى "السُّقوط نحو قِوى الظَّلام"، وتؤدي به إلى "إطلاقِ العنان للأرواح الَّتي تستمد قوتَها من الطَّبيعة"،[8] وهي فرصة كذلك لاستعمالها "أداة" من قبلِ "قوة عليا".[9] لقد كانت تعني له "هجومًا على التُّخوم"،[10] ومحاولةً لتحويل العالم "إلى عالم نقيٍّ، وحقيقيٍّ، وثابتٍ، غير قابل للتغيّر"،[11] ولكن يمكن أيضًا، على العكس من ذلك، وصفُها بأنَّها تؤدي إلى "غرور ومتعة قهرية"، ووصفها كذلك حتى أنَّها تقدِّم "خِدمة للشيطان".[12].[13]
بِدَايَةُ الْكِتَابَةِ- الْكِتَابَةُ- نِهَايَةُ الْكِتَابَةِ
[5] لقد بدا أنَّ قصةَ "الحُكم" تُثْبتُ أنَّ الكتابة من هذا النَّوع يُمكنُ أنْ تُجدي نفعًا، وأنّها قد تُؤدي إلى عملٍ كاملٍ ومُحكَم. بَيْدَ أنَّ هذا المثالَ الوحيدَ على النَّجاح الَّذي لا يكلِّفُ مجهودا يُذكر، تقفُ في وجههِ سلسلةٍ لا تنتهي من الفَشلِ، في أعمال سردية لمْ تكتمل قط. إذ لا عجبَ في ذلك، فبسبب مفهوم التأليف المُخطَّط له مسبقًا، تخلى كافكا أيضًا عن تطوير النَّص وفقًاً لخُطوط الحِبكة أو تطوُّر الشَّخصيات، وهو ما كان يُشكّل تقليديًا العَمودَ الفِقْري المُستقرّ للكتابة السَّردية. لذلك، فإنّ بدايةَ كتابَةِ النَّص وحدَها هي الَّتي يجبُ أنْ تُولّد "ضغطًا" كافيًا لبدءِ تدفُقِ الكتابةِ، ودفعِها للمُضيِّ قُدُما.
[6] قد تنطلقُ هذه البدايات أحياناً من تفاصيل تخصُ السِّيرة الذَّاتية، فمقدمةُ قصة "الحكم"،[14] على سبيل المثال، ليستْ سوى نقلٍ مُضْمرٍ لمشهدِ الكتابة الفعلي للمؤلف، فبطلُ القصةِ، الذي هو جورج بيندمان، يرى المَشهد الَّذي رآه كافكا لمَّا كانَ ينظرُ من نافذةِ غُرفَته، وهو يكتبُ، فهو ينظرُ كما ينظر المؤلفُ على وجه التَّمام. لكن هذا ليس سوى مُقدمةٍ لكشف اللّغز المُحيّر بين جورج وصديقه البعيد، كما أنّ التَّعارضُ بينه وبين نفسه، كابن، "بقي في حضن العائلة، ووجد عروسًا؛ ليتولى شؤون العائلة، وبالتالي كاد أنْ ينجحَ في السَّيطرة على مكانة والده"، وصديقه: الّذي "فرَّ"[15] إلى روسيا، وظلَّ عزبًا و "طفلًا شيخاً".[16] إنَّ هذا اللّغز، الَّذي ينقسمُ به الشَّخص إلى اثنين، أي طريقتين بديلتين للحياة، هو الَّذي يَعملُ كبذرةٍ إبداعيةٍ في تطوُّر القِصةِ.
[7] إنَّ السِّمة الأهمَّ في هذا الموقف الأولي تُعتبر عنصراً محيّراً، وانحرافاً عن العادات والتَّقاليد المألوفة، ممَّا شكّل لغزًا محيّرا، وعائقا مزعجًا أمامَ الفَهمِ العقلاني. إنَّها تشبكُ عقدة لا تُحلُ أبدًا، وبالتالي تظلُ تُزعج ليس القارئ فحسب، وإنَّما تُزعجُ بطل الرِّواية كذلك. ففي مواجهةِ موقفٍ غريب تمامًا عن حياته المُنظمة والمُندمجة سابقًا، يتمسكُ جورج بإصرار بوجوده السَّابق مَثلُه في ذلك مثلُ شخصية غريغور سامسا في رواية "التَّحول"،[17] الَّذي، على الرَّغم من تحوُّله إلى حشرةٍ عملاقةٍ، ظلَّ يواصلُ عمَله كبائعٍ؛[18] أو كشخصية البنكي جوزيف كاف في رواية "المحاكمة"،[19] الَّذي، على الرَّغم من اعتقالِه واتهامِه بتهمة غير مفهومة؛ ظل يحاولُ التَّعامل مع محاكمته بما يُشبه أيِّ معاملة تجارية أخرى؛[20] أو كشخصية بلومفيلد بطلُ رواية "بلومفيلد، عازب مسن"،[21] الَّذي ظل يحاولُ ببساطة تجاهل وإخفاء الكُرتين الغريبتين اللَّتين تظهرانِ فجأة في شُقتِه باستمرارٍ.[22]
[8] ولهذا، فإنّ الإبداعاتِ الخَيالية في قصص كافكا تُسهمُ أساسًا في بدءِ تدفُقِ الكتابة واستمرارِها، فاللُّغز الأولي لنْ يُحلّ أبدًا، ولنْ يكون هناك حلٌّ له. وينكشف "تطوُّر" القصة كتنويع لهذا الوضع الأولي، فمحاولاتُ البطلِ المتواصلة للتأقلم مع هذا الوضع في مواقفَ معينة، وتكوين شخصيات جديدة باستمرار، والإحباط المُستمر لهذه المحاولات فيما أسماه النّاقد غيرهارد نيومان "التَّناقضات المتحوّلة" (أي سلسلة من "التّقلبات" و "التَّشوهات" و"الانحرافات" الَّتي تُغيّرُ مسارَ السَّرد).[23] وذلك بَيِّنٌ لمَّا يتمُ تشخيصُ المَريضِ في قصة "طبيب ريفي"[24] بأنَّه يتمتَّع بصحة جيدة، ثم بعد لحظة قصيرة يتمُ تشخيصُه بمرضٍ مُميت؛[25] وتتحوَّل تأملاتُ الطَّبيب حولَ خادمته روزا إلى تأملات في الجرح الوردي[26] للمريض؛ ويتحوَّل العلاجُ الطِّبي للمريض فجأة إلى طقوسٍ قديمةٍ.[27]
[9] لكنَّ الأمرَ الأكثر صعوبة من الحفاظِ على تدفُق الكتابةِ هو الوصول بها إلى خاتمةٍ مُرضية. وبما أنَّ حلَّ المُشكلة الأولية الَّتي تدفعُ السَّرد ليس باعتباره خيارا مُتاحا، وإنّما موت البطلِ يبقى هو الخيارُ الأنسبُ لخاتمة مُقنعة؛ ويُمكنُ القولُ إنَّ أبطالَ قصة "الحكم"، ورواية "التّحول"، ورواية "المحاكمة"، وقصة "حلم"،[28] وقصة "فنان الجوع"،[29] على سبيل المثال لا الحصر، يموتونَ مُجسدين نهايةٍ ناجحةٍ. ومع ذلك، فإنَّ مجرد إنهاءِ حبكةِ السَّرد لا يكفي كافكا. وبخلاف ما يدعيه العديد من النُّقاد، فقد سعى كافكا إلى كتابةِ نصوصٍ ذات شكلٍ مغلقٍ ببراعة، فبالنسبة إليه، يجبُ أنْ تحافظَ الرِّواية القصيرة "المُبرّرة"، منذ البداية، على "التَّنظيم المكتمل".[30] إنَّ أسهلَ الطُّرقِ لإنهاءِ نصٍ تظلُ مشكلاتُه مفتوحةً وغير محلولةٍ هي استراتيجيةُ التَّأليف الدَّائري، واستراتيجيةُ النَّمط البنيوي الشَّامل، واستراتيجيةُ الاختتام بتناقضٍ. يمكنُ ملاحظة الاستراتيجية الأولى، استراتيجية التأليف الدائري في قصة "الحكم"، حيث يصبحُ الجسرُ، الَّذي ذُكرَ في البداية،[31] مسرحًا لموتِ جورج، ولكنَّه الآن يعبرُه "سيلٌ لا ينقطعُ من المارين عليه"؛[32] وتُستعمل الاستراتيجية الثانية، استراتيجية النّمط البنيوي الشّامل في قصة "طبيب ريفي"، حيثُ يتمثِّل النَّمط المكاني الأساسي في المغادرة (الانطلاق من المنزل) والعودة، ومع ذلك، فإنَّ "العودة لن تكتمل أبدًا". ويمكن إيجاد الاستراتيجية الثالثة، استراتيجية الاختتام بتناقض في رواية "التحوُّل" وقصة "فنان الجوع"، حيثُ يلي موتُ البطلين الضَّعيفين بشكل متزايد حضورٌ قويٌّ وحيويٌّ للأخت في رواية "التَّحول"[33] وللنمر في قصة "فنان الجوع".[34]
كِتَابَاتٌ مَحْذُوفَةٌ: تَنْقِيحَاتُ كافكا
[10] تتوفرُ نصوصُ كافكا، إذا ما قُورنت بأعمال مؤلفين آخرين، على عددٍ قليلٍ نسبيًا من التَّصحيحات، وقد تمتْ هذه التّصحيحات معظمُها على الفور، وفي الحال، باعتبارها جزءً من عملية الكتابة. وفي الحالات النّادرة الَّتي أعادَ فيها كفاكا صياغة نصٍ أو مقطعٍ بشكل أساسي، كان غالبًا ما يبدأ في إعادةِ كتابته من البداية، كما هو الحال في مسرحيتِه الفريدة والوحيدة "حارس المقبرة".[35] إنَّ لهذه التَّصحيحات الذّاتية، بالطّبع، أسبابٌ مختلفةٌ. تندرجُ العناصر الأكثر أهمية لفهم عملية الكتابة عند كافكا بشكل أساسي في مقولتين: المقولةُ الأولى تتجلى في تجنبُ الحُلول، وتجنب الوضوح، وعدمُ الغموض؛ والمقولة الثانية تتجلى في تشابكُ تدفق الكتابة، وفكُ هذا التشابك.
[11] ومن الأمثلة البارزة على المقولة الأولى إضافةُ الفِقرة الأخيرة في الفَصلِ المجزأ من رواية "المحاكمة"، الَّذي عنوانه "العمارة".[36] ففي حالةٍ من الحلم أو نوع من السِّنة، يمرُ جوزيف كاف بتحوُّلٍ شاملٍ، ويُنهي صراعَه العقيمَ ضدّ المحكمة بقوله:
«لقدْ تغيَّر الضَّوءُ الَّذي كانَ يتدفقُ من الخَلف حتَّى الآن، وأصبحَ فجأةً ساطعًا بشكلٍ مُبهر من الأمام... لقد كان جوزيف كاف يرتدي اليومَ بدلةً جديدةً وطويلةً، و> داكنة < اللَّون؛ وكانت[37] دافئةً ومريحةً وثقيلة. إنَّه كانَ يعلمُ ما حدثَ له، لكنَّه كان سعيدًا[38] جدًا بذلك[39]، لدرجة أنَّه لم يُردِ الاعتراف به لنفسه بعد.».
قد تكونُ هذه الحال الجديدة، الَّتي يشعر فيها جوزيف كاف بالسَّعادة الغامرة، هي حالُ الموت، لكنَّها على أيّ حال تعني نجاةً سلميةً ومُعجزة من محنته (وهذه الحال تذكرنا بنهاية قصة "حلم"؛[40] وربما كان هذا هو سبب حذف المقطع.[41] حتى أنَّ بعض التَّصحيحات داخلَ المقطع المحذوف تبدو وكأنَّها أُجريت للحفاظ على الغُموض: فالاستمرارُ بظرف مكان "über= فوق" كان سيجبر كافكا على تحديد سببِ سعادة جوزيف كاف، وهو ما يتجنَّبه بكتابة الظرف "darüber= حوله"؛ وربما كان المقصود من لفظ "dunkles= داكن" المُضاف تجنب الارتباطات بالكفن الأبيض؛ وكان لفظ "es war= كان" المشطوبَ سيجبر كافكا على تقديم وصف أدق لحال جوزيف كاف المُتحوِّلة.
[12] تطالُ معظم الأعمال الأدبية المخطوطة لفرانز كافكا أمثلة من هذا النّوع من التّصحيح. وسنقدّم إليكم مثالًا آخر من رواية "المحاكمة": في الفصل الأخير، إذ يلتقي كافكا وجلاديه بشرطي كان بإمكان كافكا أنْ يطلبَ منه المساعدة. ففي المخطوطة، يهمسُ في أذن أحد رفاقه قائلًا: «إنّ الدّولة تعرض عليّ الحماية... فماذا لو نقلتُ المُحاكمة إلى القانون المدني؟ حينها قد ينتهي بي الأمر حتّى بالدفاع عن السّادة ضدّ الدّولة».[42] لقد كان من شأن هذا المقطع المحذوف لاحقًا أنْ يجعلَ التّمييز القاطع بين "القانون" الذي يُتهم بموجبه كافكا وقوانين الدّولة العادية (" [e]Staatsgesetz = قانون الولاية")، وبين "محكمته" والسّلطات التّنفيذية والقضائية العادية للدولة، واضحًا جدًا. وهو فرقٌ مُضمرٌ بوضوح في الرِّواية وجوهريٌّ لفَهمِها.
[13]أمَّا النَّوع الثَّاني من التَّصحيحات، والَّذي سمَّيتُه تشابك النَّص ثم انفكاكه، فيمكن تمييزُه بسهولة بمجرد إلقاءِ نظرةٍ على المخطوطة. حيث تتراكمُ العديدُ من التَّعديلات في موضع واحد، ممَّا يشيرُ إلى "ازدحام" في تدفق الكتابة، ومحاولات كافكا المُتعدّدة للتغلب على هذا الازدحام. وغالبًا ما تحدثُ هذه العوائق الذّهنية في مواضعَ نصية ذات أهمية دلالية خاصة. يظهر أحد هذه التَّعقيدات قربَ نهاية فصل "المبنى" من رواية "المحاكمة"، الَّذي نوقشَ سابقًا،[43] ربما لأنَّ كافكا وجدَ صعوبةً في تجاوز الحُدود الَّتي فرضَها على نفسِه في قصته الَّتي تبدو وكأنَّها قصةً عبثية.

الشَّكل رقم 3 من مخطوط رواية "المُحاكمة"
ويمكنُ إيجاد تعقيدٍ آخر في مخطوطة "تحقيقات كلب"،[44] لمَّا يحاولُ الكلبُ شرحَ الإدراك الَّذي توصل إليه في نهاية تجربةِ الجُوع، وفي لقائه مع "كلب صيد".[45] إذ يدركُ الكلبُ، ببساطة، أنَّ الفنَ ليسَ نقيضًا للحياة، وإنَّما يمكنُ أنْ يكونَ مصدرَ إلهام لها، وهو إدراكٌ لمْ يصل إليه كافكا إلاَّ من خلالِ العملِ الدَّؤوب، ربما قام بذلك لأنّه وجد صعوبة في التَّعبير عنه.[46]
حُدودُ الكتابَة: الرِّوايات
[14] من الواضحِ أنَّ أسلوبَ كافكا "التلقائي" في الكتابة، كما تجسَّد في قصة "الحكم"، لم يكنْ مناسبًا للنصوص الطَّويلة. وبما أنَّ كافكا كانَ مُدركًا لهذهِ المُشكلةِ، فقد ابتكرَ واختبرَ استراتيجيات جديدةٍ لإنتاجِ سردياتٍ أكثرَ تفصيلًا في كلِّ روايةٍ من رواياتِه.
[15] ففي رواية "الرَّجل الَّذي اختفى"،[47] استعملَ كافكا بنية نموذجية لتعويض غِياب الحِبكة الأساسية. ففي كلِّ فصول الرِّواية، يتم نفي كارل روسمان من المجتمع بسبب فَشله، فعليًا أو ظاهريًا، في الامتثال لقواعد ذلك المجتمع؛ ويتخذُ هذا المجتمع دائمًا بنية أساسية لعائلة مكونة من أب وأم وأخت، وكارل هو الابن.[48] وبهذه الطَّريقة، تمكَّن كافكا من تأليف نصٍ أطولٍ من خلال دمجِ وحدات أصغر متشابهة، ما جعل أسلوبَه في الكتابة أكثر مُلاءمة. إلاَّ أنّ هذا لمْ يحلْ مشكلة الخاتمة. وهكذا، تخلى كافكا عن رواية "الرَّجل الَّذي اختفى" في يناير سنة 1913، ليعود إليها من جديد في أكتوبر سنة 1914، بعد أنَّ طوَّرَ أسلوبًا سرديًا جديدًا أكثر رمزية في روايتي "المحاكمة" و "المستعمرة العقابية".[49] وكانت النَّتيجة فصلًا يصفُ انضمامَ كارل روسمان إلى مسرح أوكلاهوما. إلاَّ أنَّ مزجَ أسلوبين سرديين مختلفين كان مصيرُه الفشل، فتخلى كافكا عن النَّص نهائياً.
[16] وفي رواية "المحاكمة"، حاولَ كافكا مُعالجة مُعضلة الخاتمة الشَّائكة بكتابة الفصل الأخير مباشرةً بعد الوحدة السَّردية الأولى.[50] بعد أنْ أسّس بذلك إطارًا ثابتًا، وحدَّد زمانًا ومكانًا ثابتين في سنة واحدة، فالرِّواية تبدأ من صباح عيد ميلاد جوزيف كاف الثّلاثين، وتنتهي في عشية عيد ميلاده الحادي والثّلاثين، ولم يكنْ على كافكا سوى ملء الجُزء الأوسط. ولتحقيق ذلك، استعملَ الأسلوب النَّموذجي الّذي استعمله في قصة "الرَّجل الّذي اختفى"، ولكن هذه المرة، استنادًا إلى التَّناقض الفاصل بين شخصية جوزيف كاف في محيطه المألوف في الفندق والبنك من جهة، وشخصية جوزيف كاف في عالم المَحكمة الغريب والمُحيِّر والمُهدِّد من جهة أخرى. وقد وفّر هذا له وسيلتين لخلق إحساسٍ بالتَّطور: سيتسلَّل عالم المحكمة تدريجيًا إلى محيط جوزيف كاف المألوف، وسيصبحُ البطلُ تدريجيًا أكثر اضطرابًا وشكًا في براءته. وإنْ كان كافكا قد فشل، إلاّ أنّه نجح أيضًا بطريقة متناقضة. وعلى الرَّغم من كونه نجاحاً جزئيا، إلاّ أنَّ رواية "المحاكمة" هي بالتأكيد سرديته الطَّويلة "المكتملة"، ولهذا السَّبب أصبحتْ أولَّ جزء من أجزائِه الّذي تم نشره بعد وفاته من قبل صديقه ماكس برود.[51]
[17] لقدِ استعملَ كافكا في روايته الأخيرة "القلعة"[52] إطارًا طوبوغرافيًا.[53] فالمكانُ الَّذي يدخلُه البطلُ كاف عبر الجسر، مكان مُنفصل عن بقية العالم، مثله مثل القطع النَّاقص، له نقطتان محوريتان: القرية والقلعة. بالنِّسبة لسكان القرية، فهذا النِّظام القُطبي يجسّد وحدة حياتهم اليومية العادية، أمَّا بالنِّسبة إلى كاف، فيصبحُ رحلةً شبكيةً تتألفُ من نقطة انطلاقٍ، ومسار، ووجهة، ويسعى جاهدًا بلا هوادة للوصول إلى القلعة. ثم إنّه كانَ من الصَّعب عليه إيجاد خاتمةٍ للرواية، إذ لم يكن من المُمكن السَّماح لـشخصية كاف بالنَّجاح أو الاستسلام ومغادرة القرية. وكما هو الحال في رواية "المحاكمة"، يكمنُ "تقدّم" الرِّواية في استكشاف البطل التَّدريجي لبيئته الجديدة، من خلال التَّعرّف على سكان القرية، والتّعرّف على عاداتهم وتقاليدهم، وجمع "معلومات" عن القلعة، ومحاولة التَّواصل المباشر مع ممثليها. لكن هذه المرة، تتلاشى مَهمة الاستطلاع الَّتي يقوم بها البطلُ لتتحوّل إلى عددٍ متزايد من الخطوط السَّردية وقصص الحياة، والَّتي وجد كافكا صعوبةً متزايدةً في دمجِها. وفي شهر سبتمبر من سنة 1922، كتبَ إلى صديقه ماكس برود قائلا: "يبدو لي أنّني اضطررت إلى التّخلي عن رواية القلعة إلى الأبد".[54] وتقول الجُملة السَّابقة: "لقد قضيت هذا الأسبوع في حال نفسية سيئة للغاية"، وهو رثاء خافتٌ للغاية من كاتبٍ كافحَ دائمًا من أجل كتابةِ نصوصٍ مُكتملة.
مصدر المقالة:
Engel, Manfred. “Writing “, in Carolin Duttlinger, (ed.), Franz Kafka in Context, Cambridge University Press, 2018, pp.54-61.
ملحق:
التَّعريف بالعمل الجماعي الَّذي تُرجمت منه هذه المقالة:
نظرا لأهمية المقالات الّتي وردت في هذا العمل الجماعي المتعلق بالإنتاج الأدبي للروائي فرانز كافكا، نقدّم للباحث العربي ترجمةً لفهرس عناوينها ومؤلفيها، وهذا من شأنه أنْ يطلعهم على جل القضايا الأدبية، والفلسفية، والاجتماعية، والنّقدية المتعلقة بأدب كافكا.
لقد صدر هذا العمل الجماعي حديثا (صدر سنة 2018) بمنشورات جامعة كمبريدج، تحت عنوان: "فرانز كافكا في السّياق"، وأشرفت على نشره الباحثة كارولين دوتلينغر.[55] وقد شمل هذا المؤلف جل الجوانب المتعلقة بحياة فرانز كافكا، والقضايا الّتي عرض لها في أعماله الأدبية، وبالـتأثيرات التي ألحقها أدبُه في الثقافة والفن.
يضم هذا العمل الجماعي خمسة وثلاثين مقالة موزعة على أربعة أبواب، يمكن عرضها كالآتي:
الباب الأول يتعلق "بحياة كافكا وأعماله"،[56] ويضم سبعة مقالات. المقالة الأولى: "العائلة" من تأليف أنتوني نورتي؛[57] والمقالة الثانية: "الصداقة" من تأليف كلوديا نيتشكي؛[58] والمقالة الثالثة: "المرأة" من تأليف إليزابيث بوا؛[59] والمقالة الرابعة: "الأعمال" من تأليف بينو فاغنر؛[60] والمقالة الخامسة: "الصِّحة والمرض" من تأليف يوهانز تورك؛[61] والمقالة السادسة: "الكتابة" من تأليف مانفريد إنجل؛[62] المقالة السابعة: "الأسلوب" من تأليف ريتشي روبيرستون.[63]
الباب الثاني يتعلق بموضوع "الفن والأدب" عند كافكا،[64] ويضم ثمان مقالات. المقالة الأولى: "الحداثة الأدبية" من تأليف جوديث ريان؛[65] المقالة الثانية: "ماذا قرأ كافكا" من تأليف ريتشي روبيرستون؛[66] المقالة الثالثة: "الإيماءات" من تأليف لوسيا روبيرخث؛[67] المقالة الرابعة: "الأداء، والتلاوة" من تأليف لوثار مولر؛[68] المقالة الخامسة: "الفلم" من تأليف سيلكي هورستكوت؛[69] المقالة السادسة: "الفوتوغرافيا" من تأليف ج. ج. لونغ؛[70] المقالة السابعة: "الموسيقى" من تأليف توماس مارتينيك؛[71] المقالة الثامنة: "الهندسة المعمارية" من تأليف روجر ثييل.[72]
الباب الثالث يتعلق بمواضيع "السياسة، والثقافة، والتاريخ" في أعمال كافكا،[73] ويضم ثلاث عشرة مقالة. المقالة الأولى: "مدينة براغ: التاريخ والثقافة" من تأليف مارك نيكولا؛[74] المقالة الثانية: "اللغة والأدب التّشيكيين" من تأليف بيتر زوسي؛[75] المقالة الثالثة: "الحرب العالمية الأولى" من تأليف مارك كورنوول؛[76] المقالة الرابعة: "السّفر، الاستعمار، والهجرة" من تأليف ماتياس زاش؛[77] المقالة الخامسة: "القانون" من تأليف تيودور زيولكوسكي؛[78] المقالة السادسة: "الفلسفة" من تأليف بين مورغن؛[79] المقالة السابعة: "الدّين" من تأليف دانييل ويندر؛[80] المقالة الثامنة: "اليهودية والصَّهيونية" من تأليف كاتيا غارلوف؛[81] المقالة التاسعة: "علم النّفس، والتَّحليل النفسي" من تـأليف كارولين دوتلينغر؛[82] المقالة العاشرة: "الجِنس والجنسانية" من تأليف مارك أندرسون؛[83] المقالة الحدية عشرة: "المدينة" من تأليف أندرو ڤيبر؛[84] المقالة الثانية عشرة: "الطُّفولة، والتّعليم، والتّربية" من تأليف كاترينا لاسزلو؛[85] المقالة الثالث عشرة: "الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا" من تأليف نيكولا غيس.[86]
الباب الرابع يتعلق بقضية "التّلقي والتّأثير" في أدب كافكا،[87] ويضم سبع مقالات. المقالة الأولى: "التّلقي النّقدي السّابق" من تأليف روث غروس؛[88] المقالة الثانية: "النَّظرية النَّقدية" من تأليف أنتوني فيلان؛[89] المقالة الثالثة: "التَّفكيك" من تأليف ستانلي كورنغولد؛[90] المقالة الرابعة: "قراءة أعمال كافكا" من تأليف إيميلي تروسيانكو؛[91] المقالة الخامسة: "النَّسخ والطَّبعات" من تأليف كلايتون كولب؛[92] المقالة السادسة: "التَّرجمة" من تأليف مارك هيرمان؛[93] المقالة السابعة: "الأفلام المُقتبسة" من تأليف دورا أوسبورن.[94]
مصادر اعتمدها المترجم:
- كافكا، فرانز، الأعمال الكاملة، ترجم الجزأين الأول والثاني عن التشيكية خالد البلتاجي؛ وترجم الجزء الثالث عن الألمانية يسري خميس؛ وترجم الجزء الرابع عن الألمانية الدسوقي فهمي؛ مكتبة Telegram Network، 2019.
- كافكا، فرانز، القَصر، ترجمة مصطفى ماهر، مؤسسة هنداوي، 2024.
- كافكا، فرانز، القَضية، ترجمة مصطفي ماهر، المركز القومي للترجمة، 2009.
- كافكا، فرانز، المَفقود، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الأولى، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2010.
- كافكا، فرانز، المُحاكمة، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الثانية، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2004.
- كافكا، فرانز، الحُكم، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الثانية، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2003.
- كافكا، فرانز، الوقاد، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الثانية، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2003.
- كافكا، فرانز، الانمساخ، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الثانية، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2003.
- كافكا، فرانز، رسالة إلى الوالد، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الثانية، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2003.
- كافكا، فرانز، القَلعة، ترجمة إبراهيم وطفي، الآثار الكاملة مع تفسيراتها، الطبعة الأولى، منشورات وطفي، الجمهورية العربية السورية، 2014.
- كافكا، فرانز، رسالة إلى ملينا، ترجمة الدسوقي فهمي، الهيئة العامة لقصور الترجمة، أفاق الترجمة، الطبعة الأولى، 1997.
- كافكا، فرانز، في مستوطنة العقاب، ترجمة كامل يوسف حسين، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1996.
- كافكا، فرانز، المُحاكمة، ترجمة محمد الصفتي، دار دوّن، 2026.
- كافكا، فرانز، التّحول، ترجمة مبارك وساط، منشورات الجمل، بيروت، لبنان، 2015.
- Duttlinger, Carolin. Franz Kafka in Context, Cambridge University Press, 2018.
[1] - ورد اللّفظ بالألمانية Schrift وعبارة بين قوسين مفاده "نص مكتوب باليد" أو مخطوط.
[2]- See for instance C. Schärf, Franz Kafka: Poetischer Text und heilige Schrift (Göttmgen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2000) and D. Kremer, Kafka: Die Erotik des Schrezbens (Bodenheim: Philo, 1989), where the strange machinery in 'In der Strafkolonie’ (‘In the Penal Colony’) is even interpreted as a mere gigantic typewriter, pp. 149-50.
[3] - أورد صاحب المقالة العبارة الفرنسية écriture automatique، التي يمكن أن تترجم حرفيا بعبارة "الكتابة الآلية"، لكن المعنى الشّارح للعبارة بين قوسين يجعل معناها هو "الكتابة العفوية"، وهذا ينسجم مع المقصود الوارد في المقالة.
[4] - اسم القصة القصيرة بالألمانية "Das Urteil"، وتُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان "The Judgment"، أي "الحكم". كتبت سنة 1912. تحكي قصة جورج بيندمان، الشّاب التّاجر مع والده، الّذي كان مريضا، وحصل أن زاره أثناء كتابته رسالة إلى صديق له يعيش في روسيا، ينوي فيها إخباره بخطوبته لشابة تدعى فريدا براندنفيلد، ويخبرُه فيها كذلك عن نجاحه في عمله التّجاري، هذا على الرّغم من أنّ نجاحَه كان موضع شك، ممّا أدى إلى مواجهة حادة ومفاجئة بينه وبين والده، الّذي كان من المفترض أنْ يكونَ طريح الفِراش، فينهض فجأة، ويبدو قويا وضخما، ويتهمه بأنّه مُخادع، وأنّه تخلى عنه، وخان صديقه. حينئذ يتهمه والده بالأنانية ويحكم عليه بالإعدام غرقًا، بقوله: "إنّك محكوم بالإعدام". وتحت وطأة هذا التّسلط الأبوي القاسي، والشّعور بالذّنب امتثل جورج بيندمان لحكم أبيه، ونفّد في حقه هذه العقوبة، ليقفز من فوق الجسر، ويغرق في مشهد سريالي، وهو يصرخ قائلا: "ومهما يكن يا والدي العزيزين، لطالما أحببتكما". تُجسّد هذه الرّواية قضايا: صراع الأب والابن، والسّلطة الخانقة للأب المتسلط، والإحساس بالذنب، والعُزلة، والقمع، والإحساس بالخيانة، وتضارب الواجبات، والحكم غير المنطقي، والامتثال إلى حكم غير منطقي وتنفيذه في حق الذات، كما تعكس كيف يتحوّل خلاف عائلي بسيط إلى مسألة حياة أو موت، وينتهي بالانتحار. (المترجم)
[5]- 23 September 1912; D 212-13/TB 460-1.
[6]- II February 1913; D 214/ TB 491.
[7]- 3 June 1913; LF 296/ B2 201-2.
[8]- 5 July 1922; LFFE 333/ B, 384.
[9]- I November 1912; LF 20-21/ BI 203.
[10]- 16 January 1922; D 399/ TB 878.
[11]- 25 September 1917; D 387/ TB 838.
[12]- 5 July 1922; LFFE 333-4/ B 384-5.
[13]- Cf. M. Engel, 'Zu Kafkas Kunst- und Literaturtheorie' in M. Engel and B. Auerochs. (eds.), Kafka-Handbuch (Stuttgart: Metzler, 2010), pp. 483-98.
[14]- M 19/ DL 43.
[15]- M 19/ DL 43.
[16]- M 19/ DL 44.
[17] - عنوان الرّواية بالألمانية "Die Verwandlung"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "The Metamorphosis"، وترجمت إلى العربية على نطاق واسع بلفظ "المسخ"، وبلفظ "التّحول"؛ والترجمة الثانية هي الأصح والأصوب. تحكي هذه الرّواية قصة سريالية وعبثية تتعلق بشاب، يدعى غريغور سامسا. كانَ بائعا متجولا، يعيش مع أبويه وأخته الوحيدة، وهو المُعيل الوحيد لهم، وهو الّذي يتحمّل عبء تسديد ديون والده. استيقظ ذات صباح ليجد نفسه تحوّل إلى حشرة عملاقة وبشعة، عاجزا عن الكلام، وعاجزا عن رعاية نفسه، ممّا أدى إلى عزلته الشّديدة عن عائلته وعن مُجتمعه. ولما اكتشف مدير عمله غيابه، فأتى إلى المنزل ليكتشف تحوّله على هذه الصورة المُرعبة. في بداية التحوّل، كان غريغور قلقًا بشأن عمله، لكن سرعان ما تحوّل عجزُه عن التّواصل والتّصرف كإنسان إلى صدمة من عائلته؛ ثم تفاقم الوضع ليُصبح موضع اشمئزاز وإهمال من طرفهم، وأصبح عبئًا ثقيلا على كاهلهم، هذا بالرغم من أنّ أختَه كانت تُساعده وتتعاطف معه في البداية، لكن أباه عامله بقسوة وعنف وتنكر. تستكشف الرّواية مواضيع اجتماعية ونفسية من قبيل: نكران الجميل، والاغتراب، وفقدان الهُوية، والعزلة العاطفية، وهشاشة العلاقات الإنسانية، وانهيار الرّوابط الأسرية عند مواجهة ما هو غير مألوف، وأنّ قيمة الإنسان قائمة على المنفعة والمصلحة، تنتهي الرّواية بموت غيرغور وحيدًا، وبعدها يشعر أفراد عائلته بالرّاحة ويستأنفون حياتهم. (المترجم).
[18]- M 31/ DL 139.
[19] - عنوانها بالألمانية "Der Process"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "The Trial"، أي "المحاكمة". وهي رواية عبثية تحكي قصة موظف بنكي يدعى جوزيف كاف، الّذي يُتهم، وهو في سن الثّلاثين من عمره، بتهمة غير معروفة، ويقضي سنة كاملة، وهو في حال سراح، في صراع عقيم مع نظام قانوني عبثي، غامض، وكابوسي. يحاول جوزيف كاف محاربة النّظام الظّالم والأفّاك، ممّا يؤدي إلى مزيد من التّعقيدات، بما في ذلك تعرفه على عدة أشخاص متهمون بتهم غير معلومة مثله، من قبيل: حكاية الكاهن "أمام القانون"، ولقاءات مع ضحايا آخرين، مثل رجل الأعمال المُفلس، ويقع في شراك متاهة المحكمة السُّريالية، حيث يواجه محامين انتهازيين، وغير أكفاء، ومسؤولين فاسدين، ويتلقى تفسيرات مُبهمة، مما يُولّد له شعورًا بالذّنب، وعزلة اجتماعية قبل نهايته الوحشية والمُهينة. فعشية عيد ميلاده الحادي والثلاثين، اصطحبه رجلان إلى مَحجر وطعناه. وهذا يدل على فشله وهزيمته التّامة أمام القانون المجهول، ويُسلط الضَّوء على مواضيع مثل: القمع البيروقراطي، والقلق الوجودي، وعجز الفرد أمام سلطة قاهرة وغامضة. (المترجم)
[20]- T 90/ P 168.
[21] - عنوانها بالألمانية "Blumfeld, ein alterer Junggeselle"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "Blumfeld, an Elderly Bachelor"، أي "بلومفيلد، الشّيخ العزب" ، وهي قصة غير مكتملة وعبثية، تدور حول رجلٍ يدعى بلومفيلد، رجل عزَب (غير متزوج)، وصارِم، يعمل في مصنع للكتان، حيث يتعاملُ مع مساعدين شباب مُزعجين، وغير أكفاء. وبما أنّه شخصٌ منضبط، ومنظّم، ومنغلق على ذاته، ويحبُ الهدوء، ويفر من الإزعاج، تنقلب حياته المنظّمة بدقة رأسًا على عقب بسبب كرتين ترتدان وتنطان بشكل غامض داخل بيته في كلّ حين، وتُلاحقانه في كلّ مكان، وتحدثا ضجيجا أينما حل وارتحل. يُحاول بلومفيلد بطرق شتى التّخلص منهما، فيُخفف صوتهما بالسّجاد، أو يحبسهما في خزانة الملابس، لكنهما تُصرّان على النّط والارتداد، وتُصبحان وجودًا دائمًا ومُزعجًا، مثلهما مثل الرّفقة المُحتملة الّتي رفضها سابقًا، والمتجلية في اقتناء كلب للمؤانسة. ترمز هاتان الكرتان إلى رفقاء متطفلين، أو إلى قلق داخلي لا يستطيع السّيطرة عليه أو التّخلص منه. تسلط الرّواية الضّوء على مواضيع مثل: العزلة والوحدة، والاغتراب، وصراع العبثية والنظام، والصراع من أجل النظام، والرفقة المزعجة، واختراق الغير للذات، وحتمية الإزعاج، وعبثية الحياة وعبئها، والغريب الّذي يغزو بإزعاجه الانضباط والسّكينة، وعبثية فرض النّظام على الفوضى، وعبء الوجود، والأعباء الاجتماعية والشّخصية التي لا مفر منها. (المترجم)
[22]- HA 8I-I00/ NSI 229-66.
[23]- G. Neumann, 'Umkehrung und Ablenkung: Franz Kafkas "Gleitendes Paradox'", Deutsche Vierteljahrsschrift für Literaturwissenschaft und Geistesgeschichte, 42 (1968), 702-44.
[24] - اسم القصة "A Country Doctor"، أي "طبيب ريفي". تحكي قصة طبيب، يُستدعى في ليلة ثلجية لعلاج صبي مريض في مكان يبعد عن منزله بعشرة أميال، لكنّه يُواجه في ذهابه عقبات غير واقعية، إذ يكتشف موتَ حصانه الوحيد، ولا توجدُ وسيلة للتنقل. وبينما كانت خادمتُه تبحث عن حصان من عند الجيران، لكنها تعود خائبة، وتحت تأثير الغضب، ركل باب حضيرة الخنازير الخشبي المهترئ، فتناثرت أشلاؤه. حينئذ يظهر سائسٌ غريب وغامض من وسط الحظيرة، ويخرج معه حصانان وقويان؛ بدأ السائس مباشرة في ربط الحصانين بالعربة، وبينما خادمة الطّبيب روزا تلاحظ هذا المشهد باغتها السائس بقبلة همجية تركت أثار أسنانه على خدها. لكن الطّبيب تحمّل هذا السُّلوك من السائس، ولم يبد امتعاضه وغضبه، بسبب حاجته للخيول من أجل الذّهاب لعلاج الصّبي المريض. انطلق الطّبيب لوحده، وركضت الخيول بسرعة فائقة إلى منزل، تاركا خادمته روزا، تواجه مصيرها مع ذلك السّائس المجهول، وكان قلقا بشأنها كثيرا. ولمّا وصل إلى بيت الصّبي، اعتقد في البداية أنّه معافى، ولا يعاني من شيء، لكن سرعان ما اكتشف أنّه يعاني من جرحٍ غائرٍ ودامٍ مليء بالدّيدان، وقد توسّل إليه الصّبي أنْ ينظر فيما إذا كان الجُرح قابلا للعلاج، فيكون مصيره النّجاة، أم يكون ميؤوسا منه فيخلصه من الألم بقتله. لكن الطّبيب يشعر بالعجز، مدركًا أنّ المرضى يتوقعون من الأطباء معجزات، وهو عبء لا يطيقونه، ويجدون أنفسَهم عاجزين عن شفائهم. وبسبب فشله في التّطبيب، تظهر جوقة تحمل الطّبول، وتغني أغنية تتوسل فيها موت الطبيب، تجردُ العائلة الطّبيب من ملابسه، وتضعُه عاريًا في السّرير مع الصّبي، إشارة إلى فُقدانه التّام للكرامة والإيمان. ينجحُ الطّبيب في الهُروب، لكن الخيول، البطيئة والمنهكة، تسحبه عائدًا عبر الثلج، تاركةً إياه يائسًا تائهًا وضائعا، ومشغول الباب بفقدان منزله، وعيادته، وخادمته. تسلط هذه الرّواية الضّوء على مواضيع أخلاقية، واجتماعية، ونفسية من قبيل: العبثية، والالتزام المهني، وتأنيب الضمير، والعجز عن أداء الواجب المهني، والعجز عن إنقاد شخص، وتآكل الإيمان، والارتباك، والاغتراب، وطلب المُستحيل من العاجز، والتماس الشّفاء من الأرواح، والقلق الوجودي. (المترجم).
[25]- HA 15-16/ DL 256-8.
[26]- HA 16-17/ DL 257-8.
[27]- HA 16/ DL 259.
[28] - اسم القصة القصيرة بالألمانية "Ein Traum"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "A Dream"، أي "حلم". يحلمُ البطل جوزيف كاف بأنّه كان في نزهةٍ، في يوم جميل، ليجدَ نفسه فجأة في مقبرة ضبابية، حيث يقترب من تلٍّ تم تجهيزه حديثا للدفن، وبينما يشاهد نحاتا منهمكا في نقش اسم الميت على الشاهد الحجري، يرى رجلان يثبتا ذلك الشّاهد على القبر، ثم يظهر رجل ثالث معه فرشاة وينهمكُ في طلاء الحروف بالذهب. بدأ جوزيف كاف في التّأمل، وانتابه شعور بالتّعاطف مع ذلك الشّخص الميت، وما أنِ اقتربَ من القبر ليقرأ اسم الميت، اكتشف فجأة أنّ الاسم الّذي نُقش على الشّاهد هو اسمه، أي جوزيف كاف، فأحس حينئذ بأنّه يهوي في القبر، وبعد ذلك يستيقظ مذهولًا مذعورا. تعالج هذه القصة قضيتي الموت والحياة على نحو سريالي، وتتطرق لحتمية الموت، وتكشفُ كيف أنّ البطل كان شاهداً ومتفرجا على موته وفنائه، كما تشير إلى قضايا من قبيل: الفناء، والوعي الذّاتي، وتكشف المخاوف والصّراعات الدّاخلية اللاشعورية، والاغتراب، والإحساس بالذّنب. (المترجم).
[29] - اسم القصة القصيرة بالألمانية "Ein Hungerkünstler"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "A Hunger Artist"، أي "فنان الجوع". تحكي هذه القصة المأساوية حياة فنان يتخذ الصّوم تجربة له كممارسة لتقديم الفرجة والتّحدي، داخل قفص أمام الجماهير. ورغم أنّ التّحدي كان منحصرا في أربعين يوما، حدّدها منظمو الفرجة كدعاية تجارية، إلاّ أنّ الفنان تمادى في الصّوم إلى أجل غير مسمى، رغم الملل الّذي أصاب الجمهور، ليبرز نفسه على أنّه فنانٌ متفانٍ، وجاد في صومه. لكن تزايد شكوك المتفرجين ومللهم، وعدم تقديرهم لتفانيه، وإساءة فهمه، أدى به في الأخير إلى الاعتراف بأنّه لم يجد طعاما يعجبه. ويعتقد أنّه لم يصم سوى لأنّه لم يجد ما يأكل، ولهذا يتخلى عنه الجمهور في نهاية المطاف، ولم يقدّر تفانيه، وقلّت شعبيةُ عروضه، ممّا يؤدي به إلى الإهمال داخل قفص في السّيرك قرب حظائر الحيوانات. وفي الأخير، عُثر عليه تحت القش في قفصه ميتا، وكشف سره، عبر الاعتراف أثناء الاحتضار، بأنّه لم يجد طعامًا يُحبه حقًا، معبرًا عن فراغ حياته المطلق، قبل أنْ يموت. وبعد موته حل محله في الفرجة نمرٌ قوي ونابض بالحياة. وهذا يرمز إلى تحول المُجتمع من تقدير المعاناة والعِفة إلى الاحتفاء بالشّراسة والقوة. لقد كان النّمر جذابًا للجماهير بشهيته النّهمة. تعالجُ هذه القصة قضايا: الاغتراب، واستغلال مآسي الفنان، وعزلته العميقة عن عالم لا يُفهم فنُه، والتّوتر بين النّقاء والصّفاء الفني والمصلحة التّجارية في مجتمع رأسمالي شرس، ونضال الفنان من أجل الاعتراف به، والّذي دائما ما ينتهي بالفشل. (المترجم).
[30]- D 322/ TB 711.
[31]- M 19/ DL 43.
[32]- M 28/ DL 61.
[33]- M 75/ DL 200.
[34]- HA 65/ DL 349.
[35]- NSI 276-89; 290-303.
عنوان هذه المسرحية الفريدة لفرانز كافكا بالألمانية هو: "Der Gruftwächter"، وترجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان "The Warden of the Tomb"، أي "حارس المقبرة". تحكي هذه المسرحية قصة صراع الأمير ليو مع الحاجب الملكي. فقد طالبَ الأمير الحاجب بتعيين حارس لمقبرة أسلافه من النّبلاء. لكن الحاجب تجاهله ورفض طلبه. وفي الأخير عيّن الحاجب رجلاً مسنا، ومنهكا، ومريضا، وغير قادر على أداء مهامه كحارس لتلك المقبرة. وبعدما باشر الحارس العمل، أفصح للأمير عن طبيعية عمله داخل المقبرة، وأقرّ له بأنّه يعاني من الأرق الشّديد بسبب الأشباح الّتي تطارده ليلا داخل المقبرة. وهذا يكشف أنّ المقبرة المليئة بالموتى من النّبلاء لا ترقدُ بسلام، ممّا يجعلُ مَهمة الحارس معكوسة، فهي لا تتمثل في حماية الموتى من الأحياء، كم هو معهود، وإنّما تتمثل في حراسة الأموات والسّيطرة عليهم، ومنعهم من الخروج من المقبرة لكي لا يزعجوا الأحياء. تلقي هذه المسرحية الضّوء على السُّلطة البيروقراطية العنيدة الّتي لا تستجيب لطلبات الأفراد، والّتي يمثلُها الحاجب الملكي المعاند؛ كما تعكس عبء وثقل المسؤولية الّتي يتحملها الحارس المريض والمنهك، والّتي تتجلى في وقوفه وسط معركة بين الأحياء والأموات، وفي حربه مع الأموات لحماية الأحياء. (المترجم).
[36]- ‘The Building’; T 182-4/ PA 345-7, see Figure 3.
[37] - لفظ مشطوب عليه في المخطوط.
[38] - لفظ مشطوب عليه في المخطوط.
[39] - لفظ مشطوب عليه في المخطوط.
[40]- Reminiscent of the ending of ‘A Dream’; HA 37/ DL 298.
[41]- See C. Duttlinger, 'Franz Kafka, Der Proceb.in P. Hutchinson (ed.), Landmarks in, the Gennan Novel (Oxford: Peter Lang, 2007), vol. 1, pp. 135-50.
[42]- PA 322.
[43]- PA 345.
[44] - اسم القصة بالألمانية "Forschungen eines Hundes"، وتُرجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "Investigations of a Dog"، أي "تحقيقات كلب"، وهي قصة سريالية فلسفية يرويها كلبٌ مسنّ، يستذكر فيها رحلته الطّويلة، الّتي غالبًا ما كانت مُحبطة، في البحث العلمي والوجودي عن أسرار عالمه، لا سيما أصل الطّعام، وطبيعة الكائنات الأخرى؛ وقد كان هذا الأمر يشغلُه ولا يشغل الكلاب الأخرى، الّتي لا تكثرت للبحث، ولا تتساءل. لكنّه يعجز، على نحو كوميدي، عن فهم وجود أسياده من البشر، وفهم المصدر الحقيقي لغذائه، وعن فهم "الكلاب الطائرة" الغامضة، وفهم الكلاب الّتي تقف على القائمتين الخلفيتين، في فضاء به موسيقى، وقد كان يفسر أصل الغذاء ورقص الكلاب بأنّه من يد بشرية خفية. تُبرز محاولات الكلب العقلانية لفهم عبثية الحياة، مثل "الكلاب المحلقة" أو إنتاج الغذاء على الأرض، إلقاء الضّوء على مواضيع الاغتراب، والمعرفة، والمجتمع، وحدود الفهم، الّتي كان كافكا نفسه مهتما بها. كما تثير القصة قضية الاهتمام الفردي بفهم الوجود دون اكتراث الآخرين، وهذا يبرز ألم الوعي، ومُتعة الجهل، ثم إنّ النتيجة الّتي يتوصل إليها المتأمل هي غياب الأجوبة الشافية والكافية عن الأسئلة الّتي طرحها، ففي الوقت الذي أرهق فيه الكلب بالبحث، كانت الكلاب الأخرى تنعم بجهل سعيد، كما أنّ الكلب يرمز إلى حال الإنسان المعاصر في بحثه عن أجوبة لأسئلة لا أجوبة عنها. (المترجم).
[45]- HA 149/ NSII 478.
[46]- NSIIA 386-7.
[47] - اسم الرواية بالألمانية "Der Verschollene"، وترجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "The Man who Disappeared"، أي "الرجل الذي اختفى"، والمعروفة أيضًا باسم "أمريكا"، هي رواية غير مكتملة، تدور أحداثها حول الشّاب كارل روسمان، البالغ من العمر ست عشرة سنة، حُكم عليه بالنفي إلى أمريكا بسبب إغوائه لخادمة. يخوض كارل رحلةً غريبةً، كانت قمعية، ومليئةً بشخصيات غريبة، ومؤسسات جامدة، ومليئةٍ بالاستغلال، والخسارة، والأمل العقيم، ساخرًا من الحلم الأمريكي من خلال حلقاتٍ سرياليةٍ، ومتشعبةٍ من الاغتراب والسّلطة المُربكة. فعمُّه جاكوب تخلى عنه، وصديقيه المشردين روبنسون وديلامارش اللذين التقى بهما خذلاه، وورطاه في المشاكل، واستغلاه. وجد كارل عملا مؤقتا كعامل مصعد في فندق أوكسيدنتال، وهو عمل مستقر نسبياً، لكنه يُطرد بسبب تدخل روبنسون، مما يعيده إلى دوامة عدم الاستقرار. كما أصبح خادماً لصديقه ديلامارش وصديقة هذا الأخير الضّخمة المَهيبة، التي تدعى برونيلدا، قبل أنْ يهربَ ليجد عملاً في مسرح الطّبيعة الغامض في أوكلاهوما. تعكسُ هذه القصة تصورا ساخرا للحلم الأمريكي، حيث تؤدي الفرصة للانعتاق إلى مأساة، ويؤدي البحث اللانهائي والنّمط المُتكرر إلى الخسارة، والأمل الخائب، كما تعكس قضايا الاغتراب، والتّيه المستمر، والتّلاعب بالبطل من قبل قوى غامضة. تصور القصة أمريكا كواقع سريالي، مشوّه، وكابوسي، وفكاهي أحياناً، يتناقض مع الرّموز والأيقونات مثل تمثال الحرية الّذي يحمل سيفاً. كما تعالج القصة قضايا أخرى مثل: المنفى، والمغامرة، والسّعي العبثي...(المترجم)
[48]- See M. Engel, 'Der Verschollene' in Engdand Auerochs (eds.), Kafka-Handbuch, pp. 175-91, esp. pp. 17-81.
[49] - اسم القصة بالألمانية "In der Strafkolonie"، وترجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "In The Penal Colony"، أي "في المستعمرة العقابية"، تحكي قصة مسافر يزور مُستعمرة عقابية نائية على جزيرة استوائية، حيث يُطلعه الضّابط، المُتعصب للنظام الديكتاتوري والقمعي القديم، والداعم لأساليبه الوحشية في التعذيب، على آلة إعدام مروعة ومعقدة، مزودة بإبر، وتنقش حكم السّجين على جسده على مدى اثنتي عشرة ساعة، وهو مستلق على سريره، مدعيًا أنّها شكل من أشكال العدالة الكاملة دون محاكمة. يحاول الضّابط إقناع المُسافر بمزايا هذه الآلة، ويخضع جندياً حُكم عليه بالإعدام لنومه أثناء العمل، وهو غير مُدرك لجريمته، ولكن بعد أنْ يرفض المُسافر النظام، يحرّر الضّابط الجُندي، ويُخضع نفسه للآلة، الّتي تتعطل وتحوّل جسدَه إلى أشلاء، مُعلنةً نهاية النّظام القديم، وصعود نظام جديد أكثر إنسانية. وفي الأخير يُطلعُ كل من الجندي المحكوم عليه بالإعدام، والجندي الّذي كان يحرسه المسافرَ على قبر القائد السّفاح، الّذي يحمل نقشًا عن عودته، قبل أن يهربا، تاركين المُسافر يغادر الجزيرة وحيدًا. تعرضُ هذه القصة إلى بعض القضايا مثل: العدالة مقابل القانون، مجسدة قنون العدالة: "كما تدين تدان"، وتكشف عن التمسك الأعمى بالقوانين الإجرامية والجائرة القديمة في مقابل تطور الإنسانية، كما تعالج قضايا السّلطة والبيروقراطية، وتكشفُ عن الطّبيعة اللاإنسانية للسلطة المطلقة والأنظمة الجامدة والظّالمة. ترمز الآلة إلى السّلطة البيروقراطية المتوحشة، ويرمزُ الضابط إلى المتعصبين للأنظمة الشّمولية والمناصرين لها، والمتأثرين بالإيديولوجيات القمعية، ويرمزُ الجندي إلى الضحايا الأبرياء للأنظمة الظالمة والجائرة، ويرمز البطل الزائر والمستكشف للمستعمرة إلى المثقف الذي يراقبُ الظُّلم، ويحاول الفرار من تحمل المسؤولية...(المترجم)
[50]- See M. Engel, 'Der Process' in Engel and Auerochs (eds.), Kafka-Handbuch, pp. 192-207, esp. pp. 192-5.
[51] - Max Brod (1884-1968) كاتب، وصحفي تشيكي، صديق فرانز كافكا الحميم، ومدير أعماله، وكاتب سيرته. أوصاه زميله كافكا بأنْ يتخلّص من كلّ أعماله المخطوطة (غير المنشورة)، لكنّه خالف وصيته ونشرها معلّلا ذلك بأنّ كافكا كان يريد منه أنْ يتخلّص من بعض أعماله قيد حياته، لكنه كان يرفض، ممّا يجعل رفضه لوصيته مبررا بعد موته.
[52] - اسم الرواية بالألمانية "Das scholass"، وترجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان: "The Castle" أي "القلعة". تحكي قصة رجل يُعرف فقط باسم كاف، نصّب نفسه بنفسه مسّاح أراضٍ، واتجهَ إلى قرية مغطاة بالثلوج، وتخضع لقواعد غريبة، تُهيمن عليها قلعة غامضة يصعبُ الوصول إليها، مُدّعيًا أنه استُدعي للعمل هناك كمساح أراض، لكنّ البيروقراطية المُعقّدة تُنكرُ وضعه باستمرار، وقيل له: إنّ خِدماتِه غير مطلوبة. يقضي كاف حياته في محاولاتٍ يائسةٍ للحصول على الدخول والاعتراف به من قبل السّلطات الخفية، مُتخبطًا في عادات القرية المُربكة، ومصمّما على الوصول إلى مسؤولي القلعة، وبالخصوص الوصول إلى شخصية غامضة تدعى كْلَام، الّذي تُحبط كل الجهود للتواصل معه من أجل الاعتراف به رسميا، ومحاولا فهم التّسلسل الهرمي والاجتماعي للقرية والقلعة الّتي تتحكم فيها. يعملُ كاف حارسَ مدرسة، ويصادق نادلة تدعى فريدا ثمّ ينفصل عنها، ويتورط مع مُساعدين مُضلّلين. لقد عمل كل ذلك، وهو يُكافح ضدّ نظامٍ غامضٍ وعبثي يُمثّل سلطةً ومعنىً لا يُمكن بلوغهما. بعد العديد من الإخفاقات وخيبات الأمل، يُعرض على كاف مأوى من قبل سائق عربة، وتنتهي الرواية غير المُكتملة فجأةً، في مُنتصف جملة، تعكس صراع كاف الدّائم وعزلته. تلقي الرواية الضّوء على مجموعة من القضايا من بينها: الاغتراب، والبحث عن الانتماء، وعبثية البيروقراطية وعقباتها، ونضال الفرد ضد بنية سلطة ضبابية وغير مفهومة، والنّظام المنيع الّمفعم بالسّلطة والقوة والتّعتيم، والسعي العقيم إلى الفهم، ومشاعر العزلة، وصعوبة إيجاد مكانة في عالم معاذ، وفشل اللّغة في تحقيق الاندماج والتّواصل في ظل نظام مغلق وبيروقراطي...(المترجم).
[53]- See W. Fromm, 'Das Schloss' in Engel and Auerochs (eds.); Kafka-Handbuch, pp. 301-17, esp. pp. 301-4.
[54]- B 413.
[55]- Duttlinger, Carolin. (ed.) Franz Kafka in Context, Cambridge University Press, 2018.
[56]- Life and Work.
[57]- Northey, Anthony. “Family”, pp.9-17.
[58]- Nitschke, Claudia. “Friendship,” pp.18-25.
[59]- Boa, Elizabeth. ”Women,” pp.26-34.
[60]- Wagner, Benno. ”Work,” pp.35-43.
[61]- Türk, Johannes. ”Health and Illness,” pp.44-53.
[62]- Angel, Manfred. ”Writing,” pp.54-61.
[63]- Roberston, Ritchie. “Style,” pp.62-70.
[64]- Art and Literature.
[65]- Ryan, Judith. “Literary Modernism,” pp.73-81.
[66]- Robertson, Ritchie. “Kafka’s Reading,” pp.82-90.
[67]- Ruprecht, Lucia. “Gesture,” pp.91-99.
[68]- Müller, Lothar. “Performance and Recitation,” pp.100-108.
[69]- Horstkotte, Silke. “Film,” pp.109-116.
[70]- Long, J. J. “Photography,” pp.117-127.
[71]- Martinec, Thomas. “Music,” pp.128-136.
[72]- Thiel, Roger. “Architecture,” pp.137-147.
[73]- Politics, Culture, History.
[74]- Nekula, Marek. “Prague: History and Culture,” pp.149-158.
[75]- Zusi, Peter. “Czech Language and Literature,” pp.159-166.
[76]- Cornwall, Mark. “The First World War,” pp.167-175.
[77]- Zach, Mathias. “Travel, Colonialism and Exoticism,” pp.176-182.
[78]- Ziolkouski, Theodore. “Law,” pp.183-190.
[79]- Morgan, Ben. “Philosophy,” pp.191-199.
[80]- Weidner, Daniel. “Religion,” pp.200-207.
[81]- Garloff, Katja. “Judaism and Zionism,” pp.208-215.
[82]- Duttlinger, Carolin. “Psychology and Psychoanalysis,” pp.216-224.
[83]- Anderson, Mark. M. “Gender and Sexuality,” pp.226-232.
[84]- Webber, Andrew. J. “The City,” pp.233-240.
[85]- Laszlo, Katharina. “Childhood, Pedagogy and Education,” pp.241-248.
[86]- Gess, Nicola. “Ethnography and Anthropology,” pp.249-257.
[87]- Reception and Influence.
[88]- Gross, Ruth. V. “Early Critical Reception,” pp.259-266.
[89]- Phelan, Anthony. “Critical Theory,” pp.267-274.
[90]- Corngold, Stanley. “Deconstruction,” pp.275-282.
[91]- Troscianko, Emily. T. “Reading Kafka,” pp.283-292.
[92]- Koelb, Clayton. “Editions,” pp.293-301.
[93]- Harman, Mark. “Translation,” pp.302-309.
[94]- Osborne, Dora. “Film Adaptations,” pp.310-317.
* عنوان المقالة جاء بصيغة مفردة ومجردة من التّعريف باللغة الإنجليزية على النحو الآتي: "Writing"، أي "كتابة" بمعنى خاص. وكما هو معلوم، فإذا كان التعريف في اللغات الأوروبية معناه استغراق الجنس، أي الدلالة على العموم أو الجنس، فإن الصّيغة "The Writing" أي "الكتابة" بالمعنى العام باعتبارها جنسا، يندرج تحته كثير من الأنواع كالنقش، والرسم... إنّ ما حمل الكاتب على وضع العنوان بهذه الصيغة هو التّخصيص، أي تخصيص "كتابة" بشخص. وما دام الكتاب المشترك الذي أدرجت فيه هذه المقالة يتحدث عن "فرانز كافكا"، فإن "كتابة" هنا تخص فرانز كافكا. لذلك وضحنا هذا اللّبس وفسرناه بالحديث عن "الكتابة" على نحو عام، وخصصناها بعبارة: "عند فرانز كافكا".
** Manfred Engel (ولد سنة 1953) ناقد أدبي، وأستاذ جامعي. عمل بجامعة هيغن، وبجامعة أكسفورد، وبجامعة ساربروكين. يعد من الباحثين المرموقين في الأدب المعاصر، اهتم بقضية "الأحلام" في التاريخ، وفي الأدب الحديث؛ ويعتبر من أكبر المهتمين بدراسة الظاهرة الأدبية عند فرانز كافكا.
*** أستاذ الفلسفة، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب.
تبحث الدراسة الحالية، الصادرة عن دار جداول للنشر والتوزيع (بيروت، لبنان)، في آراء يورغن هابرماس حول الدين واللاهوت في سياق فهمه للفضاء العام الحديث. ويعد هابرماس فيلسوفا إلحاديا وعلمانيا استثنائيا، إذ يقدم آراء إيجابية حول الدين في المجتمع الحديث، وفي الوقت نفسه يصر على أن النظرية الأخلاقية يجب أن تكون ما بعد دينية أو ما بعد تراثية. وقد طور نظرية معروفة في الفعل التواصلي وأخلاقيات الخطاب، يتمثل غرضها في معالجة مسألة المحاججة في المجال العام. ويمكن النظر إلى أعماله، التي تمتد لأكثر من خمسين عاما، بوصفها محاولة لتوضيح الوحدة التي تجعل من الممكن سماع الاختلافات الثقافية على أنها تنوع في الأصوات، لا مجرد مجموعة من التعبيرات المفككة والمستحيلة الفهم بالنسبة إلى بعضها بعضا. ويشير المؤلف إلى أن هابرماس يقدر الدين، وفي الوقت نفسه ينأى بنفسه عنه؛ فهو يقدره باعتباره حاملا للحياة الثقافية، وينأى بنفسه عنه لأنه يدعي أن أفراده مزودون بسلطة تقوض استقلالية الإنسان.
فالدين، بالنسبة إلى هابرماس، هو ما يمنح أفراد المجتمعات الحديثة المضمون الحيوي الذي يتجادلون حوله، وبدونه لا توجد قيم ولا نماذج للحياة يختلف الناس حولها. إلا أنه، في الوقت نفسه، لا يمكن، ولا ينبغي، أن يكون هو المجال العام الذي تجري فيه تلك الجدالات.
وتحاول دراسة نيكولاس آدامز الحالية تقويم نظرية هابرماس في الموضع الذي فشلت فيه بصورة واضحة. فالمشكلة الكبرى، بالنسبة إلى الفلاسفة واللاهوتيين الذين يرغبون في الانخراط في آراء هابرماس حول الدين، هي أنهم منغمسون في جدالات معقدة، غالبا ما يكون تركيزها الأساسي على قضايا أخرى غير الحياة الدينية والفكر الديني. ولذلك فإن المهمة الأساسية في هذه الدراسة، بحسب المؤلف، هي إعادة بناء ما يقوله هابرماس حول اللاهوت والدين، ووضعه في سياق آرائه الأوسع حول التطور المجتمعي وطبيعة العقل.
ويقول المؤلف إن إعادة التفكير في التراث المسيحي وفق الشرط العلماني تمثل مشروعا واسعا جدا، وإن مواكبة العصر تعني مواجهة كل المشكلات المفترضة التي يقتضيها ذلك. ويبدو أن محاولة إعادة التفكير في المجال العام، حيث تشارك العديد من التراثات الدينية الأخرى في الحوار، تمثل أمرا إشكاليا في كثير من الأحيان.
حين نتأمل الكتاب الجديد للدكتور محمد الداهي الموسوم بـ "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" (المركز الثقافي للكتاب، 2026)، ندرك منذ الصفحات الأولى أننا أمام حلقة جديدة في مشروع نقدي طويل النفس، انخرط فيه المؤلف منذ عقود، وواصل تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة. هذا المشروع لا يُقرأ بمعزل عن مؤلفه السابق "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" الذي حاز جائزة الشيخ زايد العالمية في صنف "الفنون والدراسات النقدية" سنة 2021، بل يُعتبر امتدادًا له وتطويرًا لأفقه النظري والتطبيقي.
يُظهر هذا المسار أن محمد الداهي لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية، بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي، ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب – شأنهم شأن غيرهم من الأمم – قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. إنّ هذا الانخراط يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.
ويبدو واضحًا أن الداهي في مؤلفاته الأخيرة يواكب التحول من إبدال "الأدبية" الذي ميّز المرحلة البنيوية، حيث كان التركيز منصبًا على طبيعة النص الأدبي وسماته الفنية، إلى إبدال "كتابات التدخل" التي أعادت الاعتبار إلى جدوى الأدب في الحياة اليومية. هذا التحول يفتح النصوص على الذاكرة الجماعية، ويستدعي المحكيات الصغرى، ويعيد كتابة التاريخ من الأسفل، أي من زاوية المهمّشين والضحايا والتابعين الذين طالما ظلّت أصواتهم خارج السرد الرسمي.
إنّ كتاب "جراح السرد" يندرج في هذا الأفق، حيث يُحفّز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية، ويمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة. بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة، ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تُعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.
إن استدعاء النسق الفكري لإدغار موران في هذه اللحظة التأبينية امتداد عضوي لاشتباك ابستيمولوجي شخصي انطلقت إرهاصاته المنهجية الأولى سنة 2018، حين مثلت نصوصه التأسيسية منطلقاً لإعادة بناء أدواتي المعرفية وتوجيه مساري العلمي، وتجلى هذا التوظيف للباراديغم المركب في تفكيكي النقدي لأطروحة علي عزت بيغوفيتش المنشور ضمن "مجلة رؤى سياسية" في عددها الاول سنة 2022 التي تصدر عن مركز آفاق للدراسات المتخصصة، والذي اعتمدت فيه المقاربة المورانية لتجاوز القصور الاختزالي الذي يسم القراءات الثنائية لجدل الأفكار والواقع، كما تتعمق راهنية هذا الإرث الفلسفي المفتوح اليوم ضمن اشتغالي المعرفي على أطروحة الدكتوراه في حقل التربية الدينية، إذ أرتكز على مبادئ التعقيد كدعامة ابستيمولوجية لمواجهة آفتي الفصل والاختزال اللتين تعيقان استيعاب التداخل العضوي للمركبات الإنسانية، مما يجعل من كتابة هذا المقال في نعي موران ضرورة تنبع من تقاطع الممارسة البحثية الشخصية مع مشروعه الكوكبي، بهدف مواصلة تفعيل أدواته في تفكيك البنيات المغلقة لاستيعاب الظاهرة الدينية والتربوية المعاصرة.
إدغار موران، مسار قرن من المقاومة المعرفية والتأسيس للباراديغم المركب
إدغار موران Edgar Morin اسمه الأصلي ديفيد سالومون ناحوم ولد في 8 يوليو 1921 بباريس، والمتوفى بها في 29 مايو 2026 عن عمر ناهز 104 أعوام، أحد أهم السوسيولوجيين والفلاسفة الذين أعادوا تركيب ملامح الفكر المعاصر بتأسيسه الابستيمولوجي للباراديغم المركب والمقاربات عبر-المناهجية، وينحدر موران من أصول يهودية سفاردية، وانخرط مبكرا في التحولات السياسية الكبرى للقرن العشرين، والتحق بصفوف المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي لفرنسا، وهي المرحلة التاريخية الحرجة التي اتخذ خلالها موران اسما حركيا لازمه طيلة مساره اللاحق.
لقد استطاع موارن أن يخط مسارا علميا وسياسيا طبعتهما خاصية اليقظة النقدية والتحرر من الدوغمائيات الإيديولوجية، وهو ما تجلى في انسحابه النقدي المبكر من الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الخمسينيات وتأسيسه لمجلة أرغمان Arguments ليتفرغ إثر ذلك لبناء نسقه الفكري داخل أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية ، وأسس وأدار مركز دراسة الاتصال الجماهيري، الذي تحول فيما بعد إلى مركز إدغار موران.
جواز السفر والتذكرة في كف يده، متشبث بهما كأنه يخشى عليهما من الخطف. وكلما دنت ساعة رحيله ارتج قلبه وارتفع وجيبه حتى لتكاد تصغي إلى دقاته رغم ما في المكان من ضوضاء. تعلو أنفاسه وتنخفض لأول مرة يشعر بهذا الكم من الرهبة والخوف كأنه لم يركب الطائرة من قبل رغم أنه حياته حافلة بالسفر والترحال. سنوات عديدة أمضاها متأرجحا على أجنحة الطائرات. لا يستقر إلا ليرحل من جديد. ألِفته أبهاء المطارات وبواباتها ومدارج الطائرات ومضيفاتها حتى ضجّ جواز سفره بأختام تأشيرات العبور. صار قَدره أن يفترش حقيبة سفر. كلما يظنّ أنه استقر يدعوه منادي الرحيل.
ضجّ بهو المطار بأصوات الموَدّعين والمستقبلين، وتداخلت صرخات الأطفال والنداءات الأنثوية الناعمة عبر مكبرات الصوت بين الفينة والأخرى مذكرة المسافرين بدنوِّ انتهاء إجراءات التسجيل في الرحلات. ومن المقهى المطعم الذي يتوسط البناية يتردد صدى أغنيات منبعثة من أجهزة متطورة تمنح العابرين لحظات استرخاء وهم يتلذذون بارتشاف أعقاب القهوة. نداءات وأضواء ووقع كعوب أحذية حادة يمشي أصحابها بانتظام، وصوت عجلات حقائب تئز على البلاط النظيف اللامع، حقائب سفر كبيرة وصغيرة يحاذي بعضها بعضا فوق شريط يدور أوتوماتيكيا يلتقطها أصحابها بعد إتمامهم إجراءات العبور، وبعد أن تكون تلك الحقائب قد خضعت لعمليات تفتيش آلية دقيقة بتمريرها من أمام شاشة تمسحها ضوئيا للكشف عن محتوياتها. تشعر وأنت تتجول في أرجاء هذه البناية الفسيحة أنك تتأرجح بين بلدين، لا أنت تشبثت بوطن ستغادر ترابه بعد حين، ولا أنت وطأتَ أرضا أخرى تفصلك عنها أزّتَا عجلات الطائرة عبر رحلة ستكون خلالها معلقا بين السماء والأرض.
"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"
يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.
وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.
غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي
زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.
مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.
ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.
فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.
توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.
في تاريخ الأدب العالمي كُتَّابٌ كثيرون كتبوا عن الزعماء، والثورات، والانتصارات الكُبرى، لكنَّ قليلين فقط امتلكوا القُدرةَ على الإصغاء إلى الإنسان البسيط، ذلك الكائن الذي يمرُّ في الشارع دون أن يلتفت إليه أحد ، ويَحمل داخله عَالَمًا كاملًا من الألم والخوف والحُلْم والصمت.ومِن بين هؤلاء القلائل يَبْرز اسمان: الكاتب المصري يُوسُف إدريس(1927_ 1991) والكاتب الروسي أنطون تشيخوف ( 1860_ 1904 )، بوصفهما اثنين من أهمِّ الكُتَّاب الذين منحوا الإنسانَ البسيط مكانته الأدبية والإنسانية.
لَم يكن الإنسانُ عندهما قائدًا عظيمًا، ولا بطلًا خارقًا، ولا فارسًا أُسطوريًّا، ولا شخصية تصنع التاريخَ بقراراتها الكُبرى، بلْ كان موظفًا مُرهَقًا، أوْ فَلَّاحة مسحوقة، أو طفلًا حافي القدمين، أو مريضًا يجلس في زاوية منسية من الحياة. كلاهما آمنَ بأن المأسأة الحقيقية لا تكمن دائمًا في الحروب الكُبرى، بلْ في التفاصيل الصغيرة التي تفتك بالروح ببطء: نظرة احتقار، أوْ جُوع صامت، أوْ حُلْم مُستحيل، أو وَحدة لا يراها أحد.
كانَ أنطون تشيخوف، الطبيب الروسي الهادئ، ينظر إلى الإنسان بعين الرحمة والتأمل. شخصياتُه تبدو وكأنها تعيش داخل ضباب كثيف من الحُزن اليومي،لا تصرخ كثيرًا،لكنها تنكسر من الداخل. أبطالُه لا يَثُورون غالبًا، بلْ يتآكلون ببطء تحت وطأة العجز والرتابة والخذلان. في قصصه نشعر أن الحياة لَيست قاسية لأنها شريرة، بلْ لأنها باردة وغير مُبالية. ولهذا تبدو أعماله أشبه بمرآة صامتة يَرى الإنسانُ فيها هشاشته الخاصَّة.
أمَّا يوسف إدريس، فقدْ حَمَلَ الإنسانَ المِصري البسيط إلى قلب الأدب العربي الحديث بعنفٍ عاطفي وصدقٍ جارح. لَم يكتب عن الفقير بوصفه حالة اجتماعية فقط، بلْ بوصفه إنسانًا كامل الكرامة،ممتلئًا بالرغبةِ والألم والغضب.كانَ يَرى أن البسطاء لَيسوا هامشَ الحياة،بلْ حقيقتها العارية، ولهذا جاءتْ شخصياته نابضة بالحركة والصوت والانفعال، كأنها خارجة لِتَوِّهَا من الأزقةِ والحارات والحقول. وهُنا تتجلى القُدرة على تحويل مشهد يومي صغير إلى صرخة إنسانية هائلة.
المزيد من المواضيع
فلسفة وتربية
تبحث الدراسة الحالية، الصادرة عن دار جداول للنشر والتوزيع (بيروت، لبنان)، في آراء يورغن هابرماس حول الدين واللاهوت في سياق فهمه للفضاء العام الحديث. ويعد هابرماس فيلسوفا إلحاديا وعلمانيا استثنائيا، إذ يقدم آراء إيجابية حول الدين في المجتمع الحديث، وفي الوقت نفسه يصر على أن النظرية الأخلاقية يجب أن تكون ما بعد دينية أو ما بعد تراثية. وقد طور نظرية معروفة في الفعل التواصلي وأخلاقيات الخطاب، يتمثل غرضها في معالجة مسألة المحاججة في المجال العام. ويمكن النظر إلى أعماله، التي تمتد لأكثر من خمسين عاما، بوصفها محاولة لتوضيح الوحدة التي تجعل من الممكن سماع الاختلافات الثقافية على أنها تنوع في الأصوات، لا مجرد مجموعة من التعبيرات المفككة والمستحيلة الفهم بالنسبة إلى بعضها بعضا. ويشير المؤلف إلى أن هابرماس يقدر الدين، وفي الوقت نفسه ينأى بنفسه عنه؛ فهو يقدره باعتباره حاملا للحياة الثقافية، وينأى بنفسه عنه لأنه يدعي أن أفراده مزودون بسلطة تقوض استقلالية الإنسان.
فالدين، بالنسبة إلى هابرماس، هو ما يمنح أفراد المجتمعات الحديثة المضمون الحيوي الذي يتجادلون حوله، وبدونه لا توجد قيم ولا نماذج للحياة يختلف الناس حولها. إلا أنه، في الوقت نفسه، لا يمكن، ولا ينبغي، أن يكون هو المجال العام الذي تجري فيه تلك الجدالات.
وتحاول دراسة نيكولاس آدامز الحالية تقويم نظرية هابرماس في الموضع الذي فشلت فيه بصورة واضحة. فالمشكلة الكبرى، بالنسبة إلى الفلاسفة واللاهوتيين الذين يرغبون في الانخراط في آراء هابرماس حول الدين، هي أنهم منغمسون في جدالات معقدة، غالبا ما يكون تركيزها الأساسي على قضايا أخرى غير الحياة الدينية والفكر الديني. ولذلك فإن المهمة الأساسية في هذه الدراسة، بحسب المؤلف، هي إعادة بناء ما يقوله هابرماس حول اللاهوت والدين، ووضعه في سياق آرائه الأوسع حول التطور المجتمعي وطبيعة العقل.
ويقول المؤلف إن إعادة التفكير في التراث المسيحي وفق الشرط العلماني تمثل مشروعا واسعا جدا، وإن مواكبة العصر تعني مواجهة كل المشكلات المفترضة التي يقتضيها ذلك. ويبدو أن محاولة إعادة التفكير في المجال العام، حيث تشارك العديد من التراثات الدينية الأخرى في الحوار، تمثل أمرا إشكاليا في كثير من الأحيان.
إن استدعاء النسق الفكري لإدغار موران في هذه اللحظة التأبينية امتداد عضوي لاشتباك ابستيمولوجي شخصي انطلقت إرهاصاته المنهجية الأولى سنة 2018، حين مثلت نصوصه التأسيسية منطلقاً لإعادة بناء أدواتي المعرفية وتوجيه مساري العلمي، وتجلى هذا التوظيف للباراديغم المركب في تفكيكي النقدي لأطروحة علي عزت بيغوفيتش المنشور ضمن "مجلة رؤى سياسية" في عددها الاول سنة 2022 التي تصدر عن مركز آفاق للدراسات المتخصصة، والذي اعتمدت فيه المقاربة المورانية لتجاوز القصور الاختزالي الذي يسم القراءات الثنائية لجدل الأفكار والواقع، كما تتعمق راهنية هذا الإرث الفلسفي المفتوح اليوم ضمن اشتغالي المعرفي على أطروحة الدكتوراه في حقل التربية الدينية، إذ أرتكز على مبادئ التعقيد كدعامة ابستيمولوجية لمواجهة آفتي الفصل والاختزال اللتين تعيقان استيعاب التداخل العضوي للمركبات الإنسانية، مما يجعل من كتابة هذا المقال في نعي موران ضرورة تنبع من تقاطع الممارسة البحثية الشخصية مع مشروعه الكوكبي، بهدف مواصلة تفعيل أدواته في تفكيك البنيات المغلقة لاستيعاب الظاهرة الدينية والتربوية المعاصرة.
إدغار موران، مسار قرن من المقاومة المعرفية والتأسيس للباراديغم المركب
إدغار موران Edgar Morin اسمه الأصلي ديفيد سالومون ناحوم ولد في 8 يوليو 1921 بباريس، والمتوفى بها في 29 مايو 2026 عن عمر ناهز 104 أعوام، أحد أهم السوسيولوجيين والفلاسفة الذين أعادوا تركيب ملامح الفكر المعاصر بتأسيسه الابستيمولوجي للباراديغم المركب والمقاربات عبر-المناهجية، وينحدر موران من أصول يهودية سفاردية، وانخرط مبكرا في التحولات السياسية الكبرى للقرن العشرين، والتحق بصفوف المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي لفرنسا، وهي المرحلة التاريخية الحرجة التي اتخذ خلالها موران اسما حركيا لازمه طيلة مساره اللاحق.
لقد استطاع موارن أن يخط مسارا علميا وسياسيا طبعتهما خاصية اليقظة النقدية والتحرر من الدوغمائيات الإيديولوجية، وهو ما تجلى في انسحابه النقدي المبكر من الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الخمسينيات وتأسيسه لمجلة أرغمان Arguments ليتفرغ إثر ذلك لبناء نسقه الفكري داخل أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية ، وأسس وأدار مركز دراسة الاتصال الجماهيري، الذي تحول فيما بعد إلى مركز إدغار موران.
مقدمة
يشكل الفن، في جوهره، لحظة التقاء فريدة بين ما هو ذاتي وما هو وجودي. فالإحساس الذاتي بالجمال ينبع من تجربة شخصية حميمة، مرتبطة بالحواس والعواطف والذكريات، بينما يسعى التعبير الفني عن حقيقة الوجود إلى كشف أعماق الواقع الإنساني، بكل تناقضاته وغموضه ومطلقيته. الأثر الفني الناتج عن هذا الالتقاء ليس مجرد إثارة عاطفية مؤقتة، بل هو تحول وجودي يعيد تشكيل وعي المتلقي بذاته وبعالمه. في هذه الدراسة، سنستكشف كيف يتفاعل الإحساس الذاتي بالجمال مع السعي نحو التعبير عن حقيقة الوجود، وكيف يولد هذا التفاعل أثراً فنياً يتجاوز الحدود بين الشخصي والكوني. سنتناول الأبعاد الفلسفية والنفسية والإبداعية لهذا التوتر الخصب، مع التركيز على آلياته ومظاهره في مختلف أشكال التعبير الفني.
الإحساس الذاتي بالجمال: الأساس الحسي والعاطفي
الإحساس بالجمال هو تجربة أولية، تسبق التحليل العقلي. إنه يبدأ من الجسد: الارتعاش أمام لون غروب الشمس، أو الانسياب مع إيقاع موسيقي، أو الدهشة أمام تناسق شكل. هذا الإحساس ذاتي بطبيعته لأنه مرتبط بتجربة الفرد الفريدة؛ فما يُعتبر جميلاً لشخص قد يكون عادياً أو حتى مزعجاً لآخر. يعتمد على الذاكرة الشخصية، الثقافة، والحالة النفسية اللحظية. في هذا السياق، يعمل الجمال كجسر بين الذات والعالم الخارجي. عندما يشعر الفرد بالبهجة أمام لوحة، فإنه لا يرى اللوحة فقط، بل يرى نفسه من خلالها. الجمال هنا ليس صفة موضوعية ثابتة، بل علاقة ديناميكية. إنه يوقظ الحواس، يحرك العواطف، ويفتح مساحات داخلية كانت مغلقة. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس الذاتي قد يبقى سطحياً إذا لم يرتبط ببعد أعمق، ألا وهو البحث عن معنى الوجود.
مثال اول تحليل نظرية كانط في الحكم الجمالي
مكانة «نقد الحكم» في فلسفة كانط
تُمثل نظرية إيمانويل كانط في الحكم الجمالي الجزء الثالث والأخير من مشروعه النقدي، الذي قدمه في كتاب نقد ملكة الحكم ( 1790). يحاول كانط بهذا النقد أن يبني جسراً بين عالم الطبيعة (نقد العقل الخالص) وعالم الحرية (نقد العقل العملي). فالحكم الجمالي ليس مجرد ذوق شخصي، بل هو قدرة حكمية خاصة تتوسّط بين المعرفة النظرية والأخلاق. ينقسم تحليل كانط للحكم الجمالي إلى قسمين رئيسيين: تحليل الجميل وتحليل الرفيع. سنركز هنا على الجميل مع الإشارة إلى الرفيع حيث يلزم.
لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو
1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:
منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.
ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ» ([1]). وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ ([2]).
وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells) ([3]) ، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟ ([4]) .
تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.
قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.
عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً. مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي. فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.
بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.
لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.
ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.
أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.
ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.
فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.
توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.
تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.
مقاطع أخرى
-
الدكتور إدريس بنسعيد هو عالم اجتماع وباحث أكاديمي مغربي بارز، يُعد من الوجوه الأكاديمية المعروفة في الساحة الفكرية والسوسيولوجية بالمغرب.
أبرز محطات مساره المهني والأكاديمي:
أستاذ التعليم العالي: يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
مجالات التخصص: تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الدين والتدين، قضايا الحداثة والإسلام، والتحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المغربي.
عضوية الجمعيات: يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع (AMAS)، ويساهم في تنسيق العديد من المجموعات البحثية مثل "مجموعة البحث في علم الاجتماع" (GRES).من أبرز مؤلفاته وأعماله:
ساهم الدكتور بنسعيد في تأليف وتحرير عدة دراسات سوسيولوجية هامة، منها:
الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب (بالاشتراك مع المختار الهراس).
الشباب الجامعي المغربي: القيم والاستراتيجيات.
المغرب كموضوع للسوسيولوجيا: نظريات وتجارب.
يُعرف بمواقفه النقدية حول "أزمة الديمقراطية" في المغرب وحاجة الدولة إلى إصلاحات بنيوية وصدمات سيكولوجية لاستعادة الثقة في المؤسسات. كما صدرت حول أعماله دراسات تكريمية، مثل كتاب "جدلية السلطة والمجتمع: مدخل إلى سوسيولوجيا إدريس بنسعيد". -
غسان كنفاني.. والتأسيس للأدب الفلسطيني بعد النكبة
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا في سنة 1936م، وعاش في مدينة يافا، ثمّ اضُطر للنزوح عنها تحت ضغط الاحتلال الصهيوني، وكان ذلك في سنة 1948م، ثم أقام لفترة وجيزة مع ذويه في جنوب لبنان، ثم بعدها انتقلت عائلته إلى دمشق، وقد عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.
عمل غسان منذ شبابه في مجال النضال الوطني، فقد عمل مدرساً للتربية الفنية في مدراس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينين في دمشق، ثم انتقل بعدها إلى الكويت في سنة 1965م، إذ عمل هناك معلماً للرياضة والرسم في مدارس الكويت الرسمية، وكان خلال هذه الفترة يعمل أيضاً في الصحافة، فقد بدأ إنتاجه وإبداعه الأدبي في نفس الفترة، ثم انتقل في سنة 1960م إلى مدينة بيروت، حيث عمل هناك محرراً أدبياً في جريدة الحرية الأسبوعية، ثم في عام 1963م أصبح رئيس تحرير لجريدة المحرر، كما عمل أيضاً في كل من جريدة الحوادث، والأنوار حتى سنة 1969م، ثم بعدها أسس صحيفة الهدف، وظل رئيس تحريرها لفترة من الزمن.يعد غسان كنفاني نموذجاً مثالياً للروائي، والكاتب السياسي، والقاص الناقد، فقد كان مبدعاً معروفاً في كتاباته، كما كان مبدعاً في نضاله وحياته، وقد حصل على جائزة في عام 1966م بعنوان أصدقاء الكتاب في لبنان، وكان ذلك لرواية (ما تبقى لكم) والتي أاعتبرت وقتها أفضل رواياته، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب إقريقيا وآسيا في عام 1975م.
أشهر روايات غسان كنفاني:
عائد إلى حيفا. رجال من الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر.
وفاة غسان كنفاني:
استشهد الروائي غسان كنفاني يوم السبت صباحاً بتاريخ 8 /7/ 1972، وكان ذلك بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته، والتي وضعت من قبل جهة معينة بهدف اغتياله. -
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة.
فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، فرنسا. عمل في عدة منشورات ومجلات ثقافيّة فكريّة منها: شؤون فلسطينيّة، سلسلة حصاد الفكر العربي...إلخ. نشر العديد من المقالات والمؤلفات، منها: "ذاكرة المغلوبين" (2001)، و"الرواية وتأويل التاريخ"(2004)، و"الحداثة المتقهقرة" (2005). فاز بعدة جوائز عربية، منها: جائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين سنة 2004، وجائزة الدراسات الأدبية والنقد سنة 2010. -
ندوة الثقافة و الثورة للشهيد مهدي عامل
سيداً في ملكوت الكلام، عالمياً، متعالياً، بالتأمل يحيا، وللتأمل. هكذا كان الفكر، على امتداد قرون خلت، في انفصام مع الواقع، له الثبات المطلق، وللتاريخ المادي التّغير والحركة.
كان يحلو له بين حين وحين، أن يُطِلَّ من علياء تجريده على الواقع، فيدينه تارة، وغالباً ما يعذره. لكنّه من خارج كان يحكم، وما كان يقوى عليه. وكان، حين يتوق إلى واقع آخر، أو أفضل، يحكم، أو يتخيل، أعني يتأول. وما كان يرتبط بقوى التغيير الثوري حين كان يطمح إليه. وما كان يدرك شروط هذا التغيير وأدواته. لذا، كان يجنح نحو الطوباوية، في أشكال شتّى، فيقدم للواقع ذريعة بقاءٍ وحجة تأبُّد.أيّ موقع كان يمكن أن يكون للمثقف في مثل هذا الانفصام المتجدد بين الفكر والواقع؟
موقع المنبوذ، أو موقع خادم السلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيّر. كان يرفض، أحيانا، أو يُبَرّر. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إنّ خرجَ على السائد ونظامه، كأّنه محكوم بموت يتأجل. يحتج على الشرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشرع. فيتصوّف. يستبدل الأرض بالسماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فَيُعقلِنُ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسلطة، بالدين، تبدو مطلقة. وهي المقدسة، في الغيب وبالغيب. وهي السلطةُ، فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، والرقاب خاضعةٌ، راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرد. إذّاك يُحَلُّ دمُه. حتّى لو كان الحلاجَ، أو السهر وردي. أما ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التمرد والمتمردين، في كل عصر، يشهران سلاح الدين، سلاح السلطة، فيكبلان العقل، يرهبان الروح، ويئدان الجسد
لم يكن للمثقف، في عالم كهذا، سوى أن يختار بين الاستتباع أو الموت، بين أن ينطق بلغة الاستبداد ونظامه، أو أن ينطق بلغة الصمت، أعني بلغة المكبوت ورموزه. هكذا كانت الثقافة تجري في صراع بين اثنتين: واحدة هي ثقافة الأسياد، بتياراتها المختلفة المتباينة، أو أخرى هي ثقافة المقهورين، بأنواعها المتعددة. لم تكن الثقافة يوما واحدة، وليس من الجائز حصرها في ثقافة رسمية، أو مسيطرة، أو معلنة. كانت ثقافة مناهضةٌ لهذه، مكبوتةٌ، مستترة، لعلها أكثر شيوعاً من الأولى، أو أصدق تعبيرا عن ضمير الناس وطموحاتهم. كانت، مثلاً، في حكايات ألف ليلة وليلة، أو في عروض خيال الظل، أو في سير الأبطال الشعبية. وهي، بالتأكيد، أكثر تمردا على الواقع القائم، وأشد رفضاً له. لكنها عاجزة كانت عن تغيير العالم، فيما هي كانت تطمح إليه.
ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها. ومن شروط الثورة أن يتوفر لها وعي متّسق، إليه تستند، وبه تستبق الممكن. أعني الضروري. ومن شروطها أن يتجسد وعيها المتسق هذا، أي العلمي، وفي وعي القائمين بها، جماهير الكادحين، المنتجين بأيديهم وأدمغتهم، صانعي التاريخ، بوعيهم الممارسيّ يستحيل الوعي النظري قوةً ماديةً تَدُكُّ أعمدة القائم، وتهيئ لولادة الجديد.
لمن يكن للثقافة، في زمن انفصام الفكر عن الواقع، دورٌ في تغيير العالم، إلا ما لا يكاد يذكر. كانت، كلما حاولت القيام بهذا الدور، تُقمع وتُهان، باسم الدين غالباً، وبتهمة الكفر أو الزندقة، وبتهمة التحريف أو الهرطقة. فالثقافي، حتى في ثقافة الأسياد، يرتدّ عليهم وعليها، فهو المبتدعُ في فعل الحرية، يتهدد ويزعزع. إنها القاعدة في كل العصور: كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت، إلى النار ضد الرماد، وإلى الحياة والحلم، اضطُهِدت واضطُهِدَ المثقفون، أحباءُ الحرية و الآفاق الزرقاء الرحبة. إنها البداهة في ضرورة أن يكون المثقف ثائرا، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ، ضد كل ظلامية، أو لا تكون.
تلك مشكلة المثقف والثقافة بامتياز. وهي قضية الثورة في آن.
ثم التحمت، لأول مرة في تاريخ الفكر، نظرية الثورة بحركة الثورة، فالتأم الفكر، في نشاطه المعرف نفسه، بقوى التغيير، فلم تعد الثورة تفتقد فكرها، ولم يعد الفكر سجين تأملاته. لقد بات الممكن قابلا للتحقيق، فهو الضروري في حركة التاريخ المادي، لا يتحقق إلا بنضال ثوري. والنضال وعدُ الكادحين بأن أنظمة الرجعية والاستبداد إلى زوال. وللنضال شروطٌ وأشكالٌ وأدوات. من شروطه أن يهتدي بعلم الثورة، أعني بتلك النظرية التي أسّسها ماركس، وأقامت ثورات الشعوب المضطهدة على صحتها البرهان، بالملموس التاريخي. ومن أشكاله ما تمارسه قوى المقاومة الوطنية في كفاحها ضد الاحتلال، وضد الفاشية والطائفية. ومن أدواته الأولى الحزب الثوري. حزب العمال والفلاحين والمثقفين.
منذ أن التحمت النظرية بالثورة، لم تعد الثقافة حكرا على نخبة من الكهنة. فلقد عمت ضرورتها حتى بات على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفاً، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحاً. والإنتاجان واحدٌ في سيرورة التاريخ الثوري، هذا الذي يؤسس لحرية اليد المبدعة. ليست الثقافة كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها تَمَلُّكٌ للعالم في حلم، أو حقل أو مصنع. أما المثقفون، فهم المنتجون، بأيديهم وأدمغتهم، ضد أنظمة القمع والاستغلال والجهالة، فكراً، فناً وجمالاً هو حبّ للحياة. وأما غير المنتجين، القابعين في قبحهم، فهم الأسياد بأنظمتهم. وأما هدم الأنظمة، فهو مهمة الثورة في كل آن.
والثورة في لبنان ما تزال فاعلةً في سيرورة حرب أهلية فجرتها الرجعية لإنقاذ نظامها الطائفي وفرض الفاشية، فانقلب عليها، وعلى نظامها، ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي التي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدى لجديد ينهض في حجرشة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.
إذن، فليدخل الفكرُ المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليَقِظُ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجَأ : يتوثّب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق تتسعُ لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى التعقلنِ في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
والحرب في لبنان حربان: حرب على إسرائيل، وحرب على الفاشية والطائفية، لكن الرجعية، بأطرافها المتعددة، تستميت في محاولة إظهارها مظهر الحرب الطائفية. وتفشل دوما في المحاولة، برغم كل ما أحاط وما يحيط بهذه الحرب من وحول الطوائف. وكيف تكون الحرب طائفية حين يكون الموقف من إسرائيل، مثلا، محوراً للصراع فيها؟ وكيف تكون طائفية حين يحتدم فيها الصراع بين القوى الرجعية ـالطائفيةـ وهي من مختلف الطوائف ـوالقوى الوطنية الديمقراطيةـ وهي أيضا من طوائف متعددةـ، حول الموقف من هوية لبنان، أو من الثورة الفلسطينية، أو من الامبريالية، أو من الاحتلال الإسرائيلي، أو من قوات الحلف الأطلسي، أو من اتفاق 17 أيّار، أو الاتفاق الثلاثي نفسه، ومن “الاقتصاد الحر” أيضاً، بل حتى من الطائفيّة إياها، بما هي النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية؟
ليست الحرب طائفية، ولا الصراع فيها بطائفي. إنه، في أساسه، صراع بين قوى التغيير الثوري للنظام السياسي الطائفي، والقوى الفاشية الطائفية التي تحاول، عبثاً، تأييد هذا النظام. إنه، باختصار، صراع طبقي عنيف بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة، في سيرورة حرب أهليةٍ هي في لبنان سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. فله، اذن، سمة العصر في زمن الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وله، تالياً، طابع كوني هو طابع الصراع إياه المحتدم، ليس بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الامبريالية، أفقياً، وحسب، بل رأسياً أيضاً، أو عمودياً، في كلٍّ من بلدان المنظومة الرأسمالية العالمية، بما فيها، بالطبع، البلدان العربية. فما هو موقع الثقافة والمثقفين من هذا الصراع؟ ما هو موقفها وموقفهم منه؟ ما هو دورها ودورهم؟.
والسؤال لا ينحصر في لبنان، ما دام الصراع فيه هو إياه، بطابعه الكوني نفسه، في جميع البلدان العربية، وإن اختلفت شروطه بين بلد وآخر، وتنوّعت أشكاله، أو تفاوت تطوره. فالحروب الأهلية تتهدد بلدان العالم العربي جميعها بلا استثناء، وآلية الصراع فيها تنبئ بإمكان اندلاعها في كل آن. وأنظمة البرجوازيات العربية في أزمة. والتغيير الثوري بات ضرورة ملحة في كلّ منها، وحاجة يومية في نضال الجماهير الكادحة. لكن الثورة في انتظار قيادتها. والثورة سيرورة طويلة معقدة، ولها مراحل وأحوال. وعلى الثقافة تطرح سؤالها: أمع الثورة أم ضدّها؟ وعلى المثقفين تطرح السؤال: أمع التغيير أم ضدّه؟ والسؤال سياسي بامتياز. وثقافي في آن.
لا تعارض بين السياسة والثقافة. وكيف يكون تعارضٌ بين الاثنتين، كيف يصح اختيار الواحدة ضدّ الأخرى في منظور التاريخ الثوري؟ لئن كانت في البدء الكلمةُ، فلقد كانت، بدئيا، مبدعة. وللحرية كانت، ضد القمع، تناضل وتثابر في رفض الظلم، وللحب كانت في قلب الإنسان. تؤسس في فعل التغيير معناها. وتجود بالجميل يحتج على قبح العالم في نُظُم الاستبداد. هكذا تتكون الثقافة دوماً ضدّيّاً، تنمو وتتكامل في صراع مستمر ضد كل قديم يموت. وفي البدء كانت السياسةُ، صراعاً مستمراً بين قوى التغيير الثوري وقوى تأبيد الواقع. يخطئ من يظن أن السياسة نظام، حكم، أو مؤسسات، أو أنها بالدولة تتحدد. إنها، في ذلك، من موقع نظر البرجوازية وإيديولوجيتها المسيطرة. لكنها، في منظور العلم والتاريخ، صراع طبقي شاملٌ كلّ حقول الحياة، لا هامش فيه للرافض، بالوهم، أن يكون له فيه موقع. إنها حركة التاريخ في مجرى صراع له المتن، والهامش فقط لمن قد مات، أو كان، من موقعه في الماضي، رفيقَ دربٍ للموت.
إذن لكل ناشط في الحياة أن يأخذ موقعاً وأن يحدد موقفاً: أمع الثورة أم ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة. والثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الأرض.
وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ فلتتوضح كل المواقف، ولتتحدد كل المواقع، ولتكن المجابهة في الضوء. كيف يمكن للثقافة أن يكون لها موقع الهامش في معركة التغيير الثوري ضد الفاشية والطائفية؟ كيف يمكن للمثقف أن يستقيل من نضال ينتصر للديمقراطية، هو أكسجين الفكر والأدب والفن؟ بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية، غي لبنان الحرب الأهلية، وفي كل بلد من عالمنا العربي، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقّف مزيف، وثقافته مخادعة مرائية. إذا تكلم عن الثورة، في شعره أو نثره، فعلى الثورة بالمجرد يتكلم، من خارج كل زمان ومكان، لا عليها في حركة التاريخ الفعلية، وشروطها الملموسة. وإذ يعلن، في نرجسية حمقاء أنّه يريدها، فبيضاء لا تهدم ولا تغيّر. تُبقي القائم بنظامه، وتحنّ إليه إذا تزلزل أو احتضر. كثيرون هم الذين في لبنان يحنّنون إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية، ويريدون التغيير للعودة إلى الماضي، ويريدونه إيقافا لانهيارات الزمان. أما الآتي، فمن الغيب، إلى الغيب. إنه موقف المنهزم، لا بصراعٍ، بل بتسليمٍ واستكانة. إنه موقف من يُصنعُ التاريخ بدونه. وله في التاريخ موقعٌ ترفضه الثقافة، إذ الثقافة، في تعريفها، مقاومة. فإذا ساوت بين القاتل والقتيل انهزمت في عدميتها، فانتصر القاتل، وكانت، في صمتها، شريكته.
أيُّ ثقافة هذه التي تتساوى فيها الأضداد، فيختلط الأسود بالأبيض في رمادية اللون والمعنى؟ إنها الثقافة المسيطرة بسيطرة البرجوازية وإيديولوجيتها، في أشكال منها قد تتخالف، لكنها، في اللحظات التاريخية الحاسمة، دوما تتحالف ضد الثقافة الثورية النقيض. هكذا تنعقد بين العدمية والظلامية مثلا، أو بين هذه وتلك، وأشكال من الفكر الديني، تحالفاتٌ ترعاها البرجوازية، بل تتوسلها في مجابهة الفكر المادي، محور الثقافة الثورية وقطبها الجاذب. أليسَ من الطبيعي أن ينعقد التحالف وطيداً في مجرى هذه الثقافة بين جميع المثقفين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، الطامحين إلى تغيير العالم وتحريره من سيطرة الرجعية والامبريالية؟ أليس من الضروري أن تتشابك أيدي الكادحين جميعاً ـفي زمن الثورات العلميةـ ضد الجهل تُعمِّمهُ أنظمة البرجوازيات العربية؟
فرحة للثقافة والمثقفين أن تتهاوى أنظمة القمع هذه في كل أرجاء الوطن العربي، بفعل نضال الثوريين يتوحدون، على اختلاف تياراتهم وانتماأتهم الفكرية والسياسية، في حركة ثورية جديدة واحدة، تعيد إلى العالم نضارته، وبها التاريخ يستوثق. فالثورة ليست حكراً على فكر، أو حزب، أو طبقة. إنها سيرورة تتكامل في الاختلاف، وتغتني بروافد التغيير تصبّ فيها من كل صوب، في كل مرحلة. لكنها تتعطل، أو تظل زاحفة، أو منحرفة، إن لم يكن للطبقة العاملة فيها موقعٌ هو موقع الطبقة الهيمنيّة النقيض، ودورٌ هو دورها التاريخي نفسه، ليس في قيادة الانتقال إلى الاشتراكية وحسب، بل في كل مرحلة من سيرورة هذا الانتقال. لا بقرارٍ، بل بالممارسة الثورية، وعلى قاعدة نهجها الطبقي الصحيح، وبقيادة حزبها الشيوعي، تحتل الطبقة العاملة موقعها ذاك في الحركة الثورية، وتضطلع بدورها. والتاريخ الثوري لا يرحم متخلّفاً عنه، ولا هو يسير بعكس منطقه. فلئن فعل، فلِأجلٍ، لا تلبث، بعده، أن تستعيد سيرورته الثورية منطقها. ومنطقها أن تنتكس الثورة، حتى في طابعها الوطني الديمقراطي، فتراوحَ، فتنهزمَ إلى مواقع رجعية، كلما استأثرت بقيادتها قوى غيرُ هيمنية، من فئات وسطية تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية، همّها الأول ألا تستكمل الثورة سيرورتها، بحسب منطقها الضروري في تقويض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بارتباطها التبعي بالامبريالية، وفي إقامة السلطة السياسية الثورية القادرة على انجاز هذه المهمة.
بين منطق الثورة ومنطق هذه القيادة غير الثورية تناقضٌ يشل الحركة الثورية ويضعها في أزمة تنعكس في ممارسات سلطوية قمعية ضد قوى الثورة وجماهيرها، وبالتحديد، ضد الطبقة العاملة التي هي، بحزبها الطليعي ونهجها الوطني الصحيح، النقيض الثوري. إنّ الحل الجذري لتلك التناقضات بات يفرض، بضرورة منطقه، ضرورة تغيير تلك القيادة الطبقية لسيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية، واستنهاض حركة ثورية هي، في اتساقها مع مهماتها، من نوع جديد، ولها وحدها القيادة. ومن أولى خصائصها، أن تسعى فيها الطبقة الهيمنية النقيض إلى أن يكون نهجها الطبقي نفسه، في سعيها إلى السلطة، نهج الحركة بكاملها. لا بالقمع، بالممارسة الديمقراطية الثورية.
لئن كان القمع أو الفئوية، في لغة أخرى، أو الاستئثار بالسلطة، أو الانفراد بالقيادة هو الشكل الطبقي الذي يحكم علاقة القوى غير الهيمنية، في وجودها في موقع الهيمنة الطبقية، بأطراف التحالف الطبقي الثوري، وكان، بالتالي ضروريا بضرورة التناقض في أن تحتل تلك القوى هذا الموقع، فإن الديمقراطية، كناظم للعلاقة بين أطراف التحالف إياه، وحق للجميع في الاختلاف، واحترامٍ لهذا الحق وممارسته، أقول إن الديمقراطية هذه هي، بالعكس، الشكل الطبيعي، أعني الضروري، الذي يحكم علاقة الطبقية. ذلك أن علاقة الاتّساق والتلاؤم بينها وبين موقعها هذا هي، بالضبط، الأساس المادي لضرورة الديمقراطية في علاقة القوى الثورية بعضها ببعض. وهي ضمانة تحقق هذه الضرورة.
آخر المواضيع في
في غياب المعايير والقيم، والقواعد العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، فإن البلد، أي بلد بدون شك، يصبح عرضة لقطاع الطرق. وحين نتفحص العالم الروائي للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما، فإن تلك الحقيقة تبدو مفجعة إلى حد بعيد. إن قطاع الطرق في نصوص كوروما يتقاسمون كل شيء: الثروة، والأرض، والشعب، بينما العالم بأسره يتغاضى عن ذلك، ويسمح لهم بقتل الأبرياء من أطفال ونساء بلا رادع.
كان على كوروما أن يقاتل من أجل الحلم الإفريقي بصوته وقلمه، وأن يندد بما تتعرض له أفريقيا السوداء بعد الاستقلال من خيانة النخب، وتنصيب الديكتاتوريات العسكرية تحت وطأة الحرب الباردة، والصراعات القبلية الدامية التي ابتليت بها القارة السمراء لسنوات عديدة.
سنة 2000 نشر كوروما روايته اللاذعة "الله غير ملزم" Dieu n’est pas obligé. ظهرت الترجمة العربية سنة 2003 بقلم عدنان محمد، تحت عنوان "الله يفعل ما يشاء". ويشكل هذا العمل شهادة على المعاناة المريرة للأطفال الذي جُنّدوا كمقاتلين، في الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون خلال تسعينيات القرن الماضي. والشاهد في النص طفل في العاشرة يدعى بيراهيما.
منذ السطور الأولى للرواية سيُصدم القارئ من وحشية السرد بضمير المتكلم. قرر بيراهيما الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، أن يجيب على سؤال طرحه عليه ابن عمه الدكتور مامادو، بينما كان جالسا في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي:
" يا صغيري بيراهيما، أخبرني بكل شيء، أخبرني بكل ما رأيت وفعلت؛ أخبرني كيف حدث كل ذلك.."
غير أن بيراهيما المراهق لا يملك سوى رؤية جزئية للأحداث، أما الكاتب الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محا نفسه طواعية أمام البطل، فيكشف عن نفسه بقوة، خاصة حين يعرض للتطور السياسي في سيراليون، ويقدم للقارئ أحكاما وتحليلات تتجاوز قدرة طفل شارك في الحرب القبلية الدائرة. ويبدي نقمته على كبار الشخصيات في القارة الإفريقية ممن يعتبرهم مسؤولين عن الفوضى العارمة.
منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.
كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.
كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.
كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.
وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.
صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
" أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه "أعنان"، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء ، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:" تكلم" تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي ، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً "مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض...
ضحك صديقي، حين أضفت:
" أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها".. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل:
"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"
يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.
وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.
غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي
زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.
مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.
موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة
تشترك بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟
فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.
وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.
وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.
وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.
من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.
تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.
لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.
هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.
إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.
يشهد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس الأمريكية توسعًا متزايدًا بدعم من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناع القرار، الذين يرون في هذه الأدوات وسيلة لتطوير العملية التعليمية وإعداد الطلبة لعالم يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التوجه يواجه معارضة متنامية من أولياء الأمور وخبراء التربية وعلم الأعصاب، الذين يحذرون من غياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت فعالية هذه التقنيات في تحسين تعلم الأطفال، بل يشيرون إلى احتمال تأثيرها سلبًا في تنمية قدراتهم المعرفية واستقلالية تفكيرهم.
بدأ الجدل يتصاعد بعد إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الدراسية. ففي إحدى المدارس الإعدادية بمدينة نيويورك، طُلب من أحد التلاميذ إجراء تجربة علمية ثم الاستعانة بروبوت المحادثة Google Gemini للحصول على ملاحظات حولها. إلا أن والدته، كيلي كلانسي، اعترضت على هذا التوجه، معتبرة أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في مثل هذه المهام يشجع التلاميذ على إسناد التفكير إلى الآلات بدلًا من تنمية قدراتهم على الحوار والعمل الجماعي وتحليل الأفكار بصورة مستقلة. وانطلاقًا من هذه القناعة، أسست مجموعة تدعو إلى فرض وقف مؤقت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية بمدينة نيويورك لمدة عامين.
ولا تقتصر هذه المعارضة على نيويورك، إذ شهدت ولايات أخرى تحركات مماثلة. ففي ولاية أوريغون وقع أكثر من 1100 من أولياء الأمور عريضة تطالب بإزالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي من الأجهزة التي يستخدمها الطلبة، كما دعت منظمة Fairplay، المعنية بالدفاع عن حقوق الأطفال، إلى فرض وقف يمتد خمس سنوات على استخدام منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة مباشرة للأطفال من مرحلة ما قبل المدرسة حتى نهاية التعليم الثانوي.
يشهد قطاع الاتصالات في الصين توسعًا متسارعًا في نشر شبكات 5G-Advanced، التي أصبحت تغطي أكثر من 330 مدينة بحلول نهاية عام 2025، مع تجاوز عدد مستخدميها 10 ملايين مستخدم في منتصف العام نفسه. كما تمثل شبكات الجيل الخامس 55% من إجمالي الاتصالات المتنقلة في البلاد، في ظل إطلاق خدمات تجارية من قبل كبار المشغلين، مثل China Mobile وChina Telecom وChina Unicom، إلى جانب مشغلي هونغ كونغ وماكاو.
ويُعد هذا التوسع خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد زيادة سرعات الاتصال، إذ يركز على تحسين سرعة رفع البيانات، وتقليل زمن الاستجابة، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات. وفي هذا السياق، أطلقت China Telecom Shanghai أول شبكة تجارية تجمع بين 5G-Advanced والذكاء الاصطناعي، تضم أكثر من 5000 محطة مطورة، وتوفر سرعات رفع تصل إلى 1 جيجابت في الثانية، مع تغطية مستمرة في المناطق الحضرية الرئيسة.
وترتبط هذه التطورات بالنمو المتزايد في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، حيث تتوقع الشركات أن ترسل الأجهزة الذكية، مثل المركبات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة والروبوتات والأجهزة الصناعية، كميات متزايدة من البيانات إلى المنصات السحابية. لذلك أصبح تحسين أداء رفع البيانات عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية الرقمية الجديدة.
أصبحت شركة مايكروسوفت المزود الرئيسي لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها OpenAI في السوق الصينية، في وقت تمتنع فيه كل من OpenAI وAnthropic عن تسويق نماذجهما مباشرة داخل الصين بسبب مخاوف تتعلق بحماية الملكية الفكرية واحتمالات إساءة الاستخدام. وقد منح هذا الوضع مايكروسوفت موقعًا فريدًا، إذ أصبحت الوسيط الوحيد الذي يتيح للشركات الصينية الكبرى الوصول إلى نماذج GPT.
وتشمل قائمة العملاء الرئيسيين شركات صينية عملاقة مثل ByteDance وAnt Group وMeituan وTencent، التي تعتمد على خدمات Azure للوصول إلى نماذج OpenAI. ويُعد ByteDance أكبر عملاء مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بتجاوز إنفاقه السنوي على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مليار دولار. وقد انعكس هذا الطلب في نمو استثنائي لإيرادات Azure AI في الصين، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، بعد أن سجلت نموًا يقارب 400% في العام السابق، مما جعل الصين أسرع الأسواق نموًا بالنسبة لمايكروسوفت في هذا المجال.
ويعود هذا الوضع إلى الاتفاقية الخاصة التي تربط مايكروسوفت بـOpenAI، والتي تمنحها حق تسويق نماذج GPT في الأسواق الخارجية وفق شروطها الخاصة. وبما أن OpenAI وAnthropic ترفضان التعامل المباشر مع السوق الصينية، أصبحت مايكروسوفت القناة الوحيدة التي يمكن من خلالها للشركات الصينية استخدام هذه النماذج.