لم تكن الهند مكاناً وطئته قدماي، بل قارةً من نورٍ وحنين شيدتها مخيلتي بين دفتي كتابٍ قديم ونافذةٍ مفتوحة على الحلم. وكلما أغمضتُ عيني، وجدتني أسافر إليها دون جواز سفر، وأعبر شوارعها دون أن أغادر مكاني، كأن الروح كانت تعرف الطريق إلى هناك قبل أن تعرفه الخرائط.
وقبل أن تبدأ الرحلة حقاً، وقبل أن تنفرج ستائر الحلم عن مسارحها الخفية، سكنتني روح باخوس. لا باخوس الأسطورة وحده، بل روح النشوة الوجودية التي تجعل الإنسان يرى العالم بعينٍ ثالثة، لا تنتمي إلى الجسد ولا إلى العقل، بل إلى ذلك الحيز الغامض الذي تتعانق فيه الرؤى والذكريات والأمنيات.
شعرتُ كأنني أرتشف من كأسٍ مملوءةٍ بأسرار الكون. لم تكن خمراً، بل دهشةً صافية. كانت الأشياء من حولي تذوب في بعضها كما تذوب الألوان في لوحةٍ مبللة بالمطر؛ الجدران تتحول إلى ضباب، والضباب إلى غيوم، والغيوم إلى جسورٍ معلقة بين الأرض والسماء. عندها أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ من الموانئ والمطارات، بل من تلك اللحظة التي يتمرد فيها الخيال على حدود الواقع.
وفي غمرة تلك النشوة، وجدتني أقف على ضفاف الغانج المتخيَّل، حيث يجري الماء كقصيدةٍ أزليةٍ هاربة من فم الزمن، وحيث تتعانق ألوان الغروب كما تتعانق رسائل العشاق التي ضلت طريقها إلى أصحابها. كان المساء ينسدل على الكون كعباءةٍ من حريرٍ بنفسجي، وكانت الريح تمر بين أفكاري كعازفٍ وحيدٍ يجر قوسه على أوتار الحنين.
هناك، أدركت أنني لا أبحث عن الهند، بل أبحث عن نفسي.
كان النهر يمر هادئاً أمامي، فأرى فيه صورة العمر وهو يمضي دون أن يلتفت إلى الوراء. وكل موجةٍ كانت تبدو كأنها يدٌ شفافة تخرج من أعماق الزمن لتربت على كتف الذاكرة. شعرتُ أن السنوات التي عشتها لم تكن سوى قطراتٍ صغيرة في نهرٍ لا يعرف التوقف.
تخيلتُ أنني أغتسل في مياهه، لا لأغسل جسداً من غبار الأيام، بل لأغسل روحاً أثقلتها الخيبات. كانت الأحزان تتساقط عن قلبي كورق الخريف حين تعصف به الريح الأخيرة، وكانت الذكريات تذوب في الماء كحبات ملحٍ ألقتها يد القدر في بحر النسيان.
ثم رأيتني أمضي نحو بوذا، الجالس في صمته السرمدي.
لم يكن تمثالاً من حجر، بل جزيرةً من السكينة وسط محيطٍ من الضجيج. جلستُ أمامه طويلاً حتى شعرت أن صمته يتسلل إلى داخلي كنور الفجر حين يفتح نافذته الأولى على ليلٍ متعب.
هناك فهمت أن الإنسان لا يهلكه ما يحدث له، بل ما يعجز عن فهمه. وأننا نقضي أعمارنا نلاحق الأجوبة كما يلاحق العطشان سراب الماء، بينما الحكمة الحقيقية قد تكون كامنةً في التصالح مع الأسئلة.
وفي منعطفٍ من الحلم، خرجت مينا كوماري من ضباب الذاكرة.
ظهرت كقمرٍ حزينٍ يطفو فوق بحرٍ من الغياب. كانت تحمل في عينيها حزناً جميلاً يشبه أغنيةً قديمةً ما زالت تعيش رغم رحيل أصحابها. بدت كوردةٍ بيضاء نبتت في تربة الأسى، وكلما اقتربتُ منها فاح منها عبير الحكايات التي لم تجد من يرويها.
مددتُ يدي إليها، فصارت أخف من نسمةٍ ولدت بين جناحي فراشة. حملتها إلى ما وراء السحاب، حيث تنام الأحلام التي ضاقت بها الأرض.
هناك، فوق حدائق الغيم، جلسنا نتأمل العالم من علٍ. كانت الكلمات تتساقط من شفتيها كالندى على أوراق الياسمين، وكانت عيناها بحيرتين من ضوءٍ حزين.
سألتني عن أحزاني.
فابتسمت.
كيف يمكن للبحر أن يعدّ أمواجه؟
وكيف يمكن للقلب أن يحصي انكساراته؟
قالوا لي يوماً:
دعنا نفتش أفكارك.
ففتحت لهم أبواب رأسي كما تُفتح نوافذ بيتٍ عتيقٍ للشمس.
دخلوا باحثين عن يقينٍ واحد، لكنهم وجدوا ضباباً كثيفاً تتوارى خلفه آلاف الحقائق. وجدوا أحزاناً طويلةً تمتد في الروح كظلال النخيل عند المغيب، أحزاناً سامقةً كقامة أميتاب باتشان في ذاكرة السينما، وخفيفةً كخطوات تشارلي شابلن وهو يبتسم للعالم بينما يخفي دمعةً في جيب معطفه.
وحين انتهوا من تفتيشهم، سألتهم:
أين ستضعون رؤوسكم خجلاً إذا اكتشفتم أن الإنسان ليس ما يقوله، بل ما يعجز عن قوله؟ وأن أصدق مناطق الروح هي تلك التي لا تصل إليها الكلمات؟
واصلت رحلتي عبر خرائط الحلم.
بلغت شاندني تشوك، فرأيت الأضواء تتدلى من المساء كعناقيد نجومٍ صغيرة. كانت الوجوه تمر أمامي كصفحات كتابٍ كتبته الحياة بحبرٍ من شوقٍ وتعب. وكل عينٍ كانت تحمل روايةً كاملة، وكل ابتسامةٍ تخفي خلفها مدينةً من الأسرار.
شعرت أن المدن ليست حجارةً وشوارع، بل قلوباً هائلة تنبض بأحلام ساكنيها.
ثم ظهر تاج محل.
خرج من الضباب كعروسٍ بيضاء استيقظت لتوها من أسطورةٍ قديمة. كان الرخام يتوهج تحت ضوء القمر كأنه قطعةٌ من الحليب والحنين، وكان الصمت يحيط به كإكليلٍ من الوقار.
وقفتُ أمامه طويلاً.
لا كزائرٍ لمعلمةٍ تاريخية، بل كعاشقٍ يبحث عن معنى الخلود.
هناك أدركت أن الحب لا يقاس بعدد الأيام التي يعيشها العشاق معاً، بل بمقدار ما يبقى منهم في الأشياء بعد رحيلهم. فها هو عاشقٌ غاب منذ قرون، وما زال قلبه قائماً هناك، متجسداً في رخامٍ أبيض يقاوم النسيان.
قفزتُ بين أسواره كما يقفز طفلٌ في بستان دهشته الأولى.
ورأيت الرخام يتحول إلى ضوء.
والضوء إلى موسيقى.
والموسيقى إلى أسراب فراشاتٍ من ذاكرةٍ بعيدة.
وعندها سقط في قلبي سؤالٌ كنجمةٍ أفلتت من يد السماء:
هل نحن نحب الأشخاص حقاً؟
أم نحب النسخة التي يصنعها الحنين منهم بعد غيابهم؟
وحين بدأت خرائط الحلم تنطوي صفحةً بعد أخرى، شعرت أن روح باخوس ما تزال تتجول في أروقة روحي، تسكب في كؤوس التأمل نبيذ الأسئلة، وتوقظ في أعماقي رغبةً لا تنتهي في اكتشاف المجهول.
ثم فتحتُ عيني.
لم يكن هناك غانج ولا تاج محل ولا شوارع هندية.
كانت الغرفة صامتة.
والنافذة نصف مفتوحة.
والليل يتمدد على الجدران كقطٍّ أسود وديع.
لكن شيئاً ما كان قد تغير في داخلي.
فهمتُ أن بعض الرحلات لا تحتاج إلى قطارٍ أو سفينة، وأن بعض الأوطان لا توجد على الخرائط، وأن القلب حين يمتلك ما يكفي من الحلم يستطيع أن يعبر القارات وهو جالسٌ في مكانه.
ومنذ ذلك المساء، لم أعد أبحث عن الهند...
بل صرتُ أبحث عن تلك الضفة البعيدة في داخلي، حيث ما تزال الأحلام تجري كنهرٍ من نور، وما تزال الأسئلة تتفتح كزنابق فوق مياه الروح، وما تزال روح باخوس تلوّح لي من وراء المجهول، كلما ظننت أنني وصلت، لأكتشف أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.