حين ينطفئ الاهتمام بهدوء – قصة: الشرقي لبريز

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

ذات مساءٍ تتثاءب فيه الأنفاس، جلستُ قرب نافذتي كعصفورٍ أنهكه الحنين، أراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج كأنها دموعُ سماءٍ لا تُقال. كانت كل قطرةٍ رسالةً لم تُسلَّم، وكل ارتطامٍ خافتٍ على الزجاج همسةً ضاعت في الطريق إليّ.

كنت أؤمن أن للحب قانونًا خفيًا، لا يُكتب بالحبر ولا يُعلَّق في الكتب، بل يولد في ارتعاشة القلب، ويُفهم في صمت النظرات… قانونٌ يشبه الضوء، لا يُرى لكنه يكشف كل شيء.

قلت لنفسي، وأنا أضمّ وحدتي كوشاحٍ بارد:
“من اهتمّ بي، فقد أحبّني دون أن ينطق، ومن أهملني… لم يكرهني، بل فقط لم أكن نغمةً في قلبه.”

ثم عاد بي الحنين إليها…
تلك التي كانت تملأ أيامي دفئًا كموقدٍ صغيرٍ في ليل الشتاء الطويل. كان حضورها شمسًا خجولةً تتسلّل إلى روحي دون استئذان، تذيب جليد الوحدة على أطراف أيامي. كانت تسأل عني كأنها تبحث عن ذاتها في تفاصيل اسمي، وتقرأ صمتي كما تُقرأ قصيدةٌ كُتبت بالحزن الجميل.

معها، كان قلبي يتحوّل إلى حديقةٍ سرّية، تتفتّح فيها الأزهار على استحياء، وكأنها تخشى أن يراها الغياب. وكانت هي المطر… حين يختار التوقيت الصحيح ليمنح الأرض حياة.

ثم… تلاشت.
لا عاصفة اقتادتها، ولا خلافٌ صاخبٌ أبعدها، بل اختفت كما تختفي النجوم عند أول خيطٍ من الفجر؛ بهدوءٍ موجِع، وبلا وداعٍ يُطفئ الأسئلة التي بقيت معلّقة في الهواء.

في البداية، أقنعت نفسي أن الغياب لغةٌ أخرى للحب، وأن الصمت قد يكون امتلاءً لا يُفهم. لكنني مع الأيام أدركت الحقيقة كما هي، بلا تزيين:
الاهتمام لا يضيع… بل ينطفئ حين يغيب الحب.

ابتسمتُ حينها، ابتسامةً ممزوجةً بالخذلان والسكينة، كقمرٍ يستسلم لغيمةٍ عابرة، وقلت:
“لم تكن عدوة… فقط لم أعد وطنًا في قلبها.”

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر شيءٌ في داخلي.
لم أعد أركض خلف ظلالٍ تتقن الاختفاء، ولم أعد أفسّر الصمت بما أريد أنا أن أسمعه. صرت أؤمن أن الحب الحقيقي لا يختبئ، ولا يتردّد، ولا يتركك في المنتصف… بل يأتي واضحًا كالشمس، دافئًا كحضنٍ يعرف طريقه إليك دون سؤال.

وفي أعمق زاويةٍ من روحي، زرعتُ قانوني الجديد، كزهرةٍ لا تعيش إلا بالصدق:
“سأمنح قلبي لمن يسقيه حضورًا، لا لمن يتركه عطشًا… ثم يطلب مني أن أزهر وحدي."

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟