زفيتان تودروف : مقولات المحكي الأدبي ـ تواصلات 8 - ترجمة: مصطفى ناجي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

دراسة "الأدبية" لا "الأدب": تلك هي الصيغة التي أعلنت، منذ حوالي خمسين سنة، عن ظهور أول نزعة حديثة في الدراسات الأدبية: الشكلانية الروسية. تريد هذه الجملة لجاكوبسن أن تعيد تحديد موضوع البحث؛ ومع ذلك فقد أسيئ فهم دلالتها الحقيقية خلال وقت طويل. إنها تهدف إلى استبدال دراسة محايثة بمقاربة متعالية (سيكولوجية أو فلسفية) كالتي كانت سائدة حتى ذلك الحين: لا يقتصر الأمر في أي حال من الأحوال على وصف العمل الأدبي، وليس هذا غاية الممارسة العلمية، (ونحن هنا بصدد ممارسة علمية حقا). الأصوب أن نقول إننا لا نعكس العمل الأدبي على نوع آخر من الخطابات، بل نعكسه على الخطاب الأدبي. إننا لا ندرس العمل الأدبي وإنما ندرس احتمالات الخطاب الأدبي التي جعلته ممكنا: هكذا يمكن أن تصبح الدراسة الأدبية علما للأدب.

المعنى والتأويل. لكن مثلما يجب علينا أن نبدأ بدراسة الألسن les langues من أجل معرفة اللغة le langage، كذلك تقتضي معرفة الخطاب الأدبي معرفته من خلال أعمال أدبية ملموسة. وهنا تطرح مشكلة: كيف نختار من بين الدلالات المتعددة التي تبرز أثناء القراءة، تلك التي تتعلق بالأدبية؟ كيف نعزل المجال المتعلق بالأدب بشكل خاص مع ترك الموضوعات التي تدخل ضمن علم النفس والتاريخ لمجالات دراستها الخاصة. ولكي نسهل عملية الوصف هاته، نقترح أن نحدد مفهومين أوليين: المعنى والتأويل.

المعنى (أو الوظيفة) داخل عمل أدبي معناه أن يكون هذا المعنى قابلا للدخول في علاقة مع عناصر أخرى ضمن هذا العمل، ومع العمل الأدبي في كليته. (1) إن معنى مجاز معين هو أن هو أن يتعارض مع صورة (أدبية) أخرى، أو أن يكون أكثر كثافة منها بدرجة أو عدة درجات. إن دلالة حوار داخلي ما قد تكون المساهمة في وصف شخصية ما. لقد كان فلوبير يفكر في معنى عناصر العمل الأدبي حين كتب ما يلي: "لا يوجد في كتابي وصف معزول أو مجاني؛ كل العناصر تخدم شخصياتي، ولها تأثير بعيد أو مباشر على الحدث". لكل عنصر في العمل الأدبي معنى أو عدة معاني (ما لم يكن هامشيا)، وهي معاني محدودة العدد، ويمكن ضبطها بصفة تامة.

وليس الأمر كذلك بالنسبة للتأويل. إن تأويل عنصر من عناصر العمل الأدبي يختلف باختلاف شخصية الناقد، مواقفه الإيديولوجية والعصر الذي ينتمي إليه. ولكي يتم تأويل عنصر ما، يتم إدراجه ضمن منظومة لا تتعلق بالعمل الأدبي بل بالناقد. إن تأويل مجاز معين يمكن أن يكون مثلا استنتاجا حول دوافع الموت لدى الشاعر أو انجذابه نحو "عنصر" من عناصر الطبيعة دون آخر. كما أن مونولوجا واحدا يمكن تأويله كنفي للنظام القائم أو كمساءلة للشرط الإنساني. هذه التأويلات يمكن تبريرها، وهي ضرورية في جميع الأحوال؛ ولكن علينا ألا ننسى أنها مجرد تأويلات.

إن التعارض بين معنى وتأويل عنصر في العمل الأدبي يطابق التمييز الكلاسيكي عند فريجه Frege بين المعنى Sinn والعرض Vorstellung. إن وصف العمل الأدبي يستهدف معنى عناصر أدبية؛ أما النقد فيسعى إلى إعطائها تأويلا.

معنى العمل الأدبي. ولكن قد يقال لنا هنا: وما مصير العمل الأدبي نفسه؟ إذا كان معنى أي عنصر يكمن في قابليته للانصهار ضمن منظومة كبرى هي العمل الأدبي، فهل لهذا العمل أي معنى؟

إذا قررنا أن العمل الأدبي يشكل أكبر وحدة أدبية، يصبح من الواضح أن التساؤل حول معنى هذا العمل تساؤل بلا معنى. ولكي يكتسب العمل الأدبي معنى، يجب أن يدرج ضمن منظومة أكبر. وإذا قمنا بذلك يجب أن نعترف أن العمل الأدبي لا معنى له في هذه الحالة. إنه لا يدخل في علاقة إلا مع نفسه، ولا يشير إلا إلى ذاته دون الإحالة على شيء آخر خارجه.

ولكن سيكون من الخطأ أن نعتقد أن للعمل الأدبي وجودا مستقلا، إذ يبدو عالما أدبيا مسكونا بالأعمال السابقة عليه، وهي مجال انصهاره. إن معنى رواية "مدام بوفاري" هو أنها تعارض الأدب الرومنسي. أما تأويلها، فإنه يختلف حسب العصور والنقاد.

مهمتنا هنا هي أن نقترح منظومة من المفاهيم يمكنها أن تصلح لدراسة الخطاب الأدبي. وقد اقتصرنا، من جهة أولى على أعمال نثرية، ومن جهة أخرى، على مستوى معين من مستويات التعميم في العمل الأدبي: يتعلق الأمر بمستوى المحكي. ومع أنه العنصر المهيمن أغلب الوقت ضمن بنية الأعمال السردية، فإن المحكي ليس هو العنصر الوحيد. ومن بين الأعمال الخاصة التي سنقوم بتحليلها، سنحيل أغلب الأحيان على رواية الارتباطات الخطيرة.

الحكاية والخطاب. على المستوى الأكثر تعميما، يتوفر العمل الأدبي على مظهرين: فهو في نفس الوقت حكاية وخطاب. هو حكاية حيث كونه يستحضر واقعا معينا، أحداثا يفترض أنها وقعت، وشخصيات تتشابه من هذا المنظور مع شخصيات الحياة الواقعية. هذه الحكاية نفسها كان ممكنا أن تنقل إلينا بواسطة أدوات أخرى؛ بواسطة فيلم مثلا؛ أو بواسطة محكي شفهي يقدمه شاهد ما، دون أن يكون ذلك مجسدا في كتاب. ولكن العمل الأدبي هو أيضا خطاب: فهناك سارد يروي الحكاية، ويوجد أمامه قارئ يدرك هذه الحكاية. وفي هذا المستوى، ليست الأحداث هي ما يهمنا، بل الطريقة التي أطلعنا بها السارد عليها. وقد تم إدماج مفهومي الحكاية والخطاب بصفة نهائية ضمن الدراسات اللغوية بعد صياغتهما الدقيقة من طرف إ. بنفنست E. Benveniste 

وقد كان الشكلانيون الروس أول من ميز بين هذين المفهومين تحت تسمية الخرافة fable ("ما حدث بالفعل") والموضوع sujet ("الطريقة التي قدم بها ذلك للقارئ") (طوماشفسكي Tomachevski، نظرية الأدب، ص 268). ولكن لاكلوس Laclos كان قد شعر قبلا بوجود هذين المظهرين في العمل الأدبي، وكتب مقدمتين: مقدمة المؤلف التي تدخلنا ضمن عالم الحكاية، ومقدمة الناشر، وهي تنبيه يحيلنا على الخطاب. لقد أعلن شكلوفسكي Chklovski أن الحكاية ليست عنصرا فنيا بل مادة سابقة على الصياغة الأدبية؛ وحده الخطاب يشكل بالنسبة إليه بناء جماليا. ومن المقبول، في بنية العمل الأدبي، أن يسبق الحل عقدة الحبكة؛ ولكن أن ينجز البطل فعلا دون آخر، فذلك أمر ليس ذا قيمة بالنسبة للخطاب (عمليا قام الشكلانيون الروس بدراسة العنصرين معا). ومع ذلك، فإن المظهرين معا، الحكاية والخطاب، أدبيان بنفس الدرجة. وقد اهتمت البلاغة الكلاسيكية بهما معا: إن الحكاية تنتمي لمجال البيان Inventio، وينتمي الخطاب لمجال التنظيم Dispositio.

ثلاثين سنة بعد ذلك، وفي غمرة حالة ندم قوية، انتقل شكلوفسكي بنفسه من موقف إلى نقيضه، وأكد أنه "من غير الممكن وغير المفيد أن نفصل الشق المتعلق بالأحداث عن كيفية تنظيمه تركيبيا، لأن الأمر يتعلق دائما بنفس الموضوع: معرفة الظاهرة" (النثر الأدبي، ص 439). هذه الفكرة تبدو لنا خاطئة بنفس درجة خطأ الفكرة الأولى: لأن ذلك معناه أن ننسى أن للعمل الأدبي وجهين لا وجه واحد. صحيح أنه ليس من السهولة بمكان التمييز بينهما دائما؛ ونعتقد أن فهم وحدة العمل الأدبي نفسها يقتضي الفصل بين هذين المظهرين. ذلك ما سنحاول القيام به هنا.

                                                I ـ المحكي كحكاية     

علينا ألا نعتقد أن الحكاية تعني التطابق التام مع نظام كرونولوجي مثالي. يكفي أن توجد أكثر من شخصية كي يصبح هذا النظام المثالي أشد بعدا عن الحكاية "الطبيعية". والسبب هو أن الحفاظ على هذا النظام يفرض علينا أن نقفز عند كل جملة من شخصية إلى أخرى لنخبر عما كانت تقوم الشخصية الثانية تفعله "خلال هذا الوقت". ذلك أن الحكاية نادرا ما تكون بسيطة: إنها تتضمن غالبا عدة خيوط لا تلتقي إلا عند نقطة معينة.

إن الترتيب الكرونولوجي المثالي هو على الأرجح إجراء للعرض، قامت بتجريبه أعمال حديثة، ونحن لا نقصد هذا النوع من الترتيب حين نتحدث عن الحكاية. هذا المفهوم يتعلق بدلا من ذلك بطريقة عرض عملية لما حدث.  

إن الحكاية عنصر عرفي، ولا وجود لها على مستوى الأحداث نفسها. إن محضر رجل الشرطة حول حادثة معينة يخضع بدقة لمعايير هذا العرف، ويعرض الأحداث بأعلى درجة ممكنة من الوضوح (بينما الكاتب الذي يستخدمها في بناء حبكة محكيه قد يخفي تفصيلا مهما لا يكشف عنه إلا في النهاية). إن هذا العرف واسع الانتشار بحيث أن أي تحريف خاص ينجزه الكاتب أثناء عرضه للأحداث يتعارض مع هذا العرف لا مع الترتيب الكرونولوجي. إن الحكاية تجريد لأنها تدرك وتحكى دائما من طرف شخص ما، ولا توجد "في ذاتها". 

أـ منطق الأحداث.

لنحاول أولا أن ننظر للأحداث في ذاتها داخل المحكي، دون اعتبار للعلاقة التي تربطها مع بقية العناصر. ما هو الإرث الذي تركته لنا الشعرية الكلاسيكية في هذا الشأن؟

ـ التكرارات. كل التعليقات حول "تقنية" المحكي ترتكز على ملاحظة بسيطة: في كل عمل حكائي يوجد نزوع نحو التكرار، سواء أتعلق الأمر بتكرار الحدث أم بتكرار الشخصيات أم تكرار بعض التفاصيل الوصفية. قانون التكرار هذا، الذي يتجاوز امتداده إلى حد كبير حدود العمل الأدبي، يتجسد في عدة أشكال خاصة تحمل (لنفس السبب) نفس اسم بعض الوجوه البلاغية. أحد هذه الأشكال مثلا سيكون هو الطباق والمقابلة، وهو تعارض يفترض قاسما مشتركا بين الطرفين كي يكون واضحا. يمكن أن نقول إن تتابع الرسائل، في رواية الارتباطات الخطيرة، هو ما يجسد التعارض: إن على كل الحكايات المختلفة أن تتناوب، فالرسائل المتتابعة لا تهم نفس الشخصية؛ وإذا كانت مكتوبة من طرف نفس الشخص، فإن التعارض هنا يتعلق بالمحتوى أو بنبرة الخطاب.  

شكل آخر للتكرار هو التدرج. فحين تبقى العلاقة بين الشخصيات ثابتة على مدى عدة صفحات، فإن خطر الرتابة يتهدد رسائلهما. إنه مثلا حال السيدة تورفيل. فعلى طول القسم الثاني، تعبر رسائلها عن نفس الشعور.

ويتم تفادي الرتابة بواسطة التدرج: فكل رسائلهما تقدم إشارة إضافية حول حبها لفالمون، إلى حد أن بوحها بهذا الحب سيبدو كنتيجة منطقية لما سبق.

ولكن الشكل الأكثر انتشارا إلى حد كبير لمبدأ التشابه هو ما نسميه عادة التوازي. كل تواز يتشكل على الأقل من متواليتين، تتضمنان عناصر متشابهة وأخرى مختلفة. بفضل العناصر المتشابهة، يتم إبراز العناصر المتباينة: واللغة كما نعرف تشتغل قبل كل شيء من خلال الاختلافات.

يمكن أن نميز بين نوعين أساسيين من التوازي: توازي خيوط الحبكة، ويهم الوحدات الكبرى للمحكي؛ وتوازي الصيغ اللفظية ("التفاصيل"). لنذكر بعض الأمثلة عن النوع الأول. إحدى خطاطاته تتعلق بالتعارض بين الزوجين فالمون ـ تورفيل، ودانسني ـ سيسيل. يقوم دانسني مثلا بمغازلة سيسيل ويطلب الإذن بمراسلتها؛ تماما مثلما فعلت تورفيل مع فالمون. ويتم وسم كل شخصية بوضوح عن طريق هذه المقارنة: فمشاعر تورفيل تتعارض مع مشاعر سيسيل، ونفس الأمر يحدث بالنسبة لفالمون ودانسني.

الخطاطة الأخرى الموازية تهم الزوجين فالمون ـ سيسيل وميرتوي ـ دانسني؛ وهي خطاطة تخدم كيفية بناء الكتاب أكثر مما تهم سمات الشخصيات، فبدون هذا التوازي كان ممكنا أن يبقى ميرتوي دون صلة مهمة مع بقية الشخصيات. ويمكن أن نلاحظ هنا أحد العيوب النادرة في تركيب الرواية هي هذه الهشاشة التي تسم إدماج السيدة ميرتوي ضمن شبكة العلاقات بين الشخصيات؛ وهكذا فإننا لا نتوفر على ما يكفي من دلائل على سحر أنوثتها التي تلعب مع ذلك دورا كبيرا في الحل (فلا بيلروش ولا بريفان حاضران مباشرة في الرواية).

النوع الثاني من التوازي يرتكز على تشابه بين صياغات لفظية متمفصلة في ظروف متماثلة. وهذه مثلا هي الطريقة التي تختم بها سيسيل إحدى رسائلها: "يجب أن أختم رسالتي لأن الوقت يشرف على الواحدة صباحا؛ وهكذا فإن فالمون على وشك الوصول". وكذلك تختم السيدة تورفيل رسالتها بطريقة مشابهة: "أحاول جاهدة أن أكتب إليك المزيد، ولكنه الوقت الذي حدده فالمون للمجيء، لذلك تشوشت أفكاري". هنا يساهم تشابه الصيغ والوضعيات (عشيقتان تنتظران عشيقهما، ويتعلق الأمر بنفس الشخص (وفي ذلك تقوية لاختلاف مشاعر عشيقتي فالمون، ويمثل إدانة غير مباشرة ضده.

يمكن أن يعترض بعضهم علينا هنا بأن تشابها كهذا قد لا يثير الانتباه لكون المقطعين متباعدين تفصل بينهما أحيانا عشرات، بل مئات الصفحات. لكن هذا الاعتراض لا يهم إلا دراسة تبقى في حدود الانطباع؛ بينما نتموقع نحن بشكل مستمر على مستوى العمل الأدبي. ومن المسيء للدراسة أن نطابق بين العمل الأدبي وكيفية إدراكه من طرف فرد ما؛ إن القراءة الجيدة ليست هي قراءة "القارئ المتوسط"، بل هي القراءة المثلى.

مثل هذه الملاحظات حول التكرارات مألوفة جدا في الشعرية التقليدية. ولكننا نكاد لا نحتاج إلى القول إن هذه الشبكة المجردة المقترحة هنا هي على درجة من التعميم بحيث يمكنها أن تنطبق على بسهولة على كل أنواع المحكيات دون استثناء. ومن جهة أخرى، فإن هذه المقاربة مفرطة "الشكلانية": فهي لا تهتم إلا بالعلاقة الشكلية بين الوقائع المختلفة، دون اعتبار لطبيعة هذه الوقائع. في الواقع، ليس التعارض هنا حتى بين دراسة "العلاقات" ودراسة "العناصر الجوهرية"، وإنما بين مستويين للتجريد؛ ويتبين أن المستوى الأول أكثر علوا.

هناك محاولة أخرى لوصف منطق الأحداث؛ وهنا أيضا نقوم بدراسة العلاقات التي تربط بينها؛ ولكن درجة التعميم أقل حدة، ويتم وصف الأحداث من مسافة أقرب. ونفكر هنا طبعا في دراسة الحكاية الشعبية والأسطورة. إن ملاءمة هذه التحليلات لدراسة المحكي الأدبي أكبر بكثير من مما نتصور عادة، بكل تأكيد. 

إن الدراسة البنيوية للفلكلور تعود إلى وقت قريب، ولا يمكن في الوقت الراهن أن نقول إن توافقا قد حدث حول الكيفية التي يجب أن نحلل بها محكيا ما. ويمكن لدراسات لاحقة أن تثبت القيمة النسبية للنماذج الحالية. ومن جهتنا، سوف نقتصر هنا، على سبيل التوضيح، على تطبيق نموذجين مختلفين على الحكاية المركزية في رواية الارتباطات الخطيرة لنناقش إمكانيات الطريقة.

النموذج الثلاثي. الطريقة الأولى التي سنقوم بعرضها هي تبسيط لتصور كلـ. بريمون Claude Bremond (انظر "الرسالة السردية"، تواصلات، 4). حسب هذا التصور، فإن المحكي في كليته يتشكل من تسلسل محكيات صغرى أو تضمنها لبعضها. كل واحد من هذه المحكيات الصغرى يتشكل بالضرورة من ثلاثة عناصر، أو عنصرين أحيانا يعتبر حضورها ضروريا. كل محكيات العالم، حسب هذا التصور، قد تكون مكونة من توليفات لبضع عشر محكيات صغرى ذات بنية ثابتة، قد تتطابق مع عدد محدود من الوضعيات الأساسية في الحياة؛ يمكن نشير إليها بكلمات مثل "خداع"، "حماية"، "تعاقد"، الخ.

هكذا يمكن أن نعرض حكاية العلاقات بين فالمون وتورفيل كالتالي: 

Anfasse281210

إن الوقائع التي تشكل كل ثلاثية هي وقائع متناغمة نسبيا، ويمكن عزلها بسهولة. نلاحظ ثلاثة أنواع من الثلاثيات: النوع الأول يهم المحاولة (الفاشلة أو الناجحة) لتحقيق مشروع ما، (وهي الثلاثيات الموجودة على اليمين)، النوع الثاني يهم الإكراهات، والنوع الثالث يهم المخاطر.

النموذج المتناغم. قبل أن نقوم بأي استنتاج من هذا التحليل الأول، سنقوم بتحليل ثان يرتكز بدوره على الطرق المألوفة في تحليل الفلكلور، وخاصة تحليل الأساطير. وسيكون من غير المنصف نسبة هذا النموذج لليفي ستراوس Levy- Strauss. صحيح أن هذا الكاتب قد صاغ الصورة الأولى لهذا النموذج، ولكن لا يمكن اعتباره مسؤولا عن الصيغة المبسطة التي نعرضها هنا. فحسب هذه الصيغة، يفترض أن المحكي يمثل انعكاسا مركبيا syntagmatique لشبكة من العلاقات الاستبدالية paradigmatique. ونكتشف إذن في مجموع المحكي ارتباط بعض العناصر ببعضها، ونحاول أن نجدها ضمن عملية تسلسلها. هذا الارتباط هو في أغلب الأحيان عبارة عن "تناظر"، أي عن علاقة تناسبية تتكون من أربعة حدود: (أ: ب؛ أ" : ب"  A :B ; a : b). يمكننا أيضا أن نشتغل وفق الترتيب المعاكس: إننا نبدأ بتنظيم الأحداث المتتالية بطرق مختلفة من أجل الكشف عن بنية العالم المعروض، انطلاقا من العلاقات التي تقوم بين أحداثه. سنشتغل هنا وفق الطريقة الثانية، ونظرا لغياب مبدأ قبلي جاهز، سنكتفي بالتتابع المباشر والبسيط.

الاقتراحات التي سجلناها في الجدول التالي تلخص نفس الخط الذي تتبعه الحبكة، يتعلق الأمر بالعلاقات بين فالمون وتورفيل حتى لحظة انهيار تورفيل. ولتتبع هذا الخط، علينا أن نقرأ السطور الأفقية التي تمثل المظهر المركبي للمحكي. وبعد ذلك علينا أن نقارن الجمل التي يقع بعضها فوق بعض (ضمن نفس الخانة التي يفترض أنها استبدالية) وأن نبحث عن قاسمها المشترك.

فالمون يرغب في الإثارة

تورفيل تعرض نفسها للإعجاب

ميرتوي يحاول أن يعرقل الرغبة الأولى

فالمون يرفض نصائح ميرتوي

فالمون يسعى وراء الإغراء

تورفيل تمنحه مودتها

فولانج تحاول أن تعرقل هذه المودة

تورفيل ترفض نصائح فولانج

فالمون يصرح بحبه

تورفيل تقاوم

فالمون يطاردها بإلحاح

تورفيل ترفض علاقة الحب

فالمون يحاول أن يمارس الغواية مجددا

تورفيل تمنحه حبها

تورفيل تهرب من الحب

فالمون يتظاهر برفض الحب

الحب يتحقق

     

لنبحث الآن عن القاسم المشترك داخل كل خانة. كل الجمل في الخانة الأولى تهم موقف فالمون من تورفيل. وعلى العكس من ذلك، فإن الخانة الثانية تهم تورفيل وحدها، وتهم تصرفاتها تجاه فالمون. القاسم المشترك في الخانة الثالثة ليس فاعلا بل مجموعة حمول تصف أفعالا، بالمعنى القوي للكلمة. وأخيرا فإن الخانة الرابعة تضم محمولا مشتركا، ويتعلق الأمر بالنفور والرفض (ويتضح في السطر الأخير أن هذا النفور مفتعل). يدخل طرفا كل زوج في علاقة شبه متناقضة. يمكن أن نبني علاقة التناسب التالية:

فالمون: تورفيل:  : تورفيل :  : الأفعال : رفض الأفعال.

هذا العرض يبدو مبررا، خاصة وأنه يشير بدقة إلى العلاقة العامة بين فالمون وتورفيل، وهي العلاقة الوحيدة العنيفة، الخ.

استنتاجات عديدة تفرض نفسها انطلاقا من هذه التحليلات:

1ـ يبدو واضحا في محكي ما أن تتابع الوقائع ليس اعتباطيا، بل يخضع لمنطق معين. إن ظهور مشروع يؤدي إلى ظهور عائق، ويولد الخطر مقاومة أو هروبا، الخ. ومن الوارد جدا أن تكون هذه الخطاطات الأساسية ذات عدد محدود، وأنه يمكننا أن نمثل حبكة أي محكي كتفريع لهذه الخطاطات. لسنا على يقين من ضرورة اختيار تقطيع دون آخر، ولم يكن في نيتنا أن نحاول الحسم في ذلك، انطلاقا من مثل واحد. إن الأبحاث المنجزة من طرف اختصاصيي الفلكلورٍ ستبين أي هذه النماذج أكثر مناسبة لتحليل الأشكال البسيطة للمحكي. (بخصوص النموذج الثلاثي، انظر ضمن هذا النص، كلود بريمون، وبصدد نموذج التناظر، انظر ب. ماراندا P. Maranda).

إن معرفة هذه التقنيات والنتائج التي توصل إليها ضرورية لفهم العمل الأدبي. ومعرفتنا بأن هذا التتابع صادر عن هذا المنطق يجنبنا البحث عن تبرير آخر له في العمل الأدبي. وحتى إن كان المؤلف لا يلتزم بهذا المنطق، فهذا لا يعفينا من معرفته: إن عدم امتثال المؤلف هذه يأخذ كل معناه بالنسبة للمعيار الذي يفرضه هذا المنطق.

2ـ إن مما يبعث على القلق أن نصل إلى نتائج مختلفة باختلاف النموذج المختار رغم الانطلاق من نفس النص. ندرك من جهة أولى أن هذا المحكي نفسه قد يتضمن بنيات عديدة؛ وأن التقنيات التي نحن بصددها لا تقدم أي معيار لاختيار إحدى هذه البنيات. ومن جهة أخرى، فإن بعض أجزاء المحكي يتم عرضها النموذجين الآنفي الذكر، بواسطة حمول مختلفة؛ ومع ذلك، تبقى الحكاية كما هي. هذه المرونة في الحكاية تنبهنا إلى خطر: إذا كانت الحكاية تبقى كما هي رغم أننا نغير بعض أجزائها، فهذا يعني أن هذه الأجزاء ليست جزءا حقيقيا منها. أن نجد في نفس المكان من سلسلة الأحداث "ادعاءات فالمون" تارة، و "تورفيل تستسلم للإغراء" تارة أخرى، فذلك يشير إلى هامش خطير للاعتباطية ويبين أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى النتائج المحصل عليها.

3ـ أحد عيوب برهنتنا يتعلق بقيمة المثال المختار. إن دراسة كهاته للوقائع تتناول هاته الوقائع كعنصر مستقل عن العمل الأدبي؛ هكذا نمنع أنفسنا من ربطها بالشخصيات. والحال أن رواية الارتباطات الخطيرة تنتمي لنوع المحكيات السيكولوجية التي يمكن اعتبارها رواية "سيكولوجية" حيث يرتبط هذان العنصران مع بعضهما ارتباطا وثيقا. وليس الأمر كذلك بالنسبة للحكاية الشعبية، ولا حتى لقصص بوكاس Boccace حيث لا تعدو الشخصية كونها مجرد اسم يصل بين الوقائع المختلفة (وهذا ما يشكل بامتياز حقل تطبيق للمناهج المستخدمة لدراسة منطق الأحداث). وسنرى لاحقا كيف يمكن أن نطبق التقنيات المثارة هنا على المحكيات من نوع الارتباطات الخطيرة.

ب ـ الشخصيات وعلاقاتها.

يقول طوماشفسكي: "ليس البطل عنصرا ضروريا للحكاية. يمكن للحكاية كنسق من الحوافز أن تستغني تماما عن البطل وعن سماته المميزة" (نظرية الأدب، ص 296). يبدو لنا مع ذلك أن هذا التأكيد ينطبق على حكايات الحوادث الغريبة، وفي أحسن الأحوال، على قصص عصر النهضة وعلى الأدب الغربي الكلاسيكي الذي يمتد من دون كيشوت إلى أوليس. ففي هذا الأدب يبدو لنا أن الشخصية تلعب دورا رئيسيا، وانطلاقا منها تنتظم بقية عناصر المحكي. ومع ذلك، فليس الأمر كذلك من بعض توجهات الأدب الحديث حيث عادت الشخصية من جديد إلى لعب دور ثانوي.

إن دراسة الشخصية تطرح عدة مشاكل ليس لها حل في الأمد المنظور. سنتوقف عند نوع من الشخصيات حظي بأكبر قدر من اهتمام الدارسين: يتعلق الأمر بالشخصية التي تتحدد خاص من خلال علاقاتها ببقية الشخصيات. لكن يجب ألا نعتقد أن كل شخصية تتحدد كليا من خلال علاقاتها ببقية الشخصيات، على اعتبار أن دلالة أي عنصر في العمل الأدبي تعادل مجموع علاقاته مع العناصر الأخرى. ومع ذلك فهذا أمر ينطبق على نوع معين من الأدب، وخاصة المسرح. فانطلاقا من المسرح، استخلص سوريو E. Souriau نموذجا أول متعلقا بالعلاقات بين الشخصيات؛ وسوف نستخدمه من خلال الشكل الذي منحه إياه غريماس. فرواية الارتباطات الخطيرة، وهي رواية مراسلات، تقترب في عدة مظاهر من المسرح، وهكذا يبقى النموذج صالحا لها. 

المحمولات الأساسية. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه العلاقات شديدة التنوع، بسبب كثرة عدد الشخصيات؛ ولكن سرعان ما يتبين أنه من السهل اختزالها إلى ثلاث أنواع من العلاقات فقط: الرغبة، التواصل والمشاركة. لنبدأ بالرغبة التي تحضر عند كل الشخصيات تقريبا. في شكلها الأكثر انتشارا الذي يمكن نعته بكلمة "الحب"، فإننا نجدها حاضرة عند فالمون (تجاه تورفيل، سيسيل، ميرتوي، الفيكونتيسة وإميلي)، ونجدها أيضا عند ميرتوي (تجاه بيلروش، بريفان ودانسني)، ونجدها عند تورفيل، سيسيل، سيسيل ودانسني. المحور الثاني، وهو أقل بروزا لكنه ليس أقل أهمية، وهو علاقة التواصل، ويتحقق من خلال "البوح". وجود هذه العلاقة هو ما يبرر الرسائل الصريحة، المفتوحة، الغنية بالمعلومات، كما يليق بالعلاقات الحميمية. ذلك ما نجده في الجزء الأكبر من الكتاب، حيث يدخل فالمون في علاقة حميمية مع ميرتوي؛ جعل فالمون من السيدة روزموند أمينة سره؛ اتخذت سيسيل في البداية كلا من صوفي ثم ميرتوي أمينتي سرها. ووثق دانسني في ميرتوي، ثم في فالمون ليبوح لهما بأسراره، وكذلك فعلت فولانج مع ميرتوي، الخ. نوع ثالث من العلاقات يمكن تسميته علاقة المشاركة، وتتحقق من خلال "المساعدة". يقوم فالمون بمساعدة ميرتوي على تحقيق مشاريعها. وكذلك تساعد ميرتوي في البداية الزوجين دانسني ـ سيسيل، وفيما بعد ستساعد فالمون على إقامة علاقة مع سيسيل. وسيقوم دانسني بنفس الدور وإن بشكل غير مقصود. هذا النوع الثالث من العلاقات أقل حضورا غالبا، ويظهر كمحور مرتبط بمحور الرغبة.

هذه الأنواع الثلاث من العلاقات تتسم بدرجة كبيرة من التعميم، لأنها حاضرة قبلا في صياغة هذا النموذج، مثلما قدمه غريماس. ومع ذلك فليس غرضنا أن نؤكد على ضرورة اختزال كل العلاقات الإنسانية داخل المحكي في هذه العلاقات الثلاثة. وفي المقابل، نعتقد أن العلاقات بين الشخصيات في المحكي يمكن اختزالها دائما في عدد محدود، وأن شبكة العلاقات هاته تلعب دورا أساسيا في بنية العمل الأدبي. وهذا بالذات هو ما يبرر مقاربتنا. 

نتوفر على ثلاث محمولات تشير إلى عدد من العلاقات الأساسية. وكل العلاقات الأخرى يمكن أن تتفرع عن هذه العلاقات الثلاث، بواسطة قاعدتين من قواعد التفريع. إن قاعدة كهاته تشكل العلاقة بين محمول أساسي ومحمول فرعي. ونحن نفضل هذه الطريقة في عرض العلاقات بين المحمولات على الاكتفاء بجردها، لأن تلك الطريقة أبسط من الناحية المنطقية، ولأنها تساعد من جهة أخرى على الكشف بشكل سليم عن تحول المشاعر الذي يحدث خلال المحكي.

قاعدة التعارض. سنسمي القاعدة الأولى التي تنتج أكثر الحالات انتشارا قاعدة التعارض. هنا يتوفر كل محمول من المحمولات الثلاثة على محمول معارض (ومفهوم التعارض هنا أدق من مفهوم النفي). هذه المحمولات المعارضة أقل حضورا غالبا من المحمولات الإيجابية التي تقابلها؛ ومبرر ذلك طبعا هو أن وجود الرسالة علامة مسبقة على وجود علاقة صداقة. وهكذا فإن العنصر المعارض للحب، أي الكراهية، هو قبل كل شيء ذريعة، عنصر تمهيدي، أكثر مما هو علاقة معلنة. يمكن أن نلاحظ ذلك عند الماركيزة، تجاه جيركور، وعند فالمون تجاه السيدة فولانج، وعند دانسني تجاه فالمون. يتعلق الأمر دائما بدافع، لا بفعل متحقق.

العلاقة التي تتعارض مع البوح هي الأكثر انتشارا رغم أنها تبقى ضمنية بنفس الدرجة: إنها عملية إفشاء سر ما أمام الملأ وفضحه. إن المحكي حول بريفان مثلا يتأسس كله على من له الحق في احتكار سرد الحدث. وبنفس الشكل، فإن الحبكة العامة سيتم حلها عن طريق فعل مماثل: سيقوم فالمون، ثم دانسني من بعده، بنشر رسائل الماركيزة، وسيكون ذلك بمثابة أقسى عقاب لها. في الواقع، هذا المحمول حاضر غالبا أكثر مما نتصور، حتى وإن ظل خفيا: إن خطر تعرف الآخرين على الشخصية يحكم جزءا كبيرا من تصرفات كل الشخصيات تقريبا. فهذا الخطر مثلا هو الذي دفع بسيسيل إلى الاستسلام لغواية فالمون. وفي هذا الاتجاه سار الجزء الأكبر من تربية السيدة ميرتوي. ولهذه الغاية حاول فالمون وميرتوي باستمرار الاستحواذ على رسائل مزعجة لسيسيل: فهنا تكمن الطريقة الأحسن لمضايقة جيركور. لدى السيدة دي تورفيل، يتعرض هذا المحمول لتحول شخصي: لديها يتم استبطان الخوف من كلام الآخرين، ويتجلى بدلا من ذلك في الأهمية التي توليها لضميرها الشخصي. هذا ما سيحدث في نهاية الكتاب، قبيل وفاتها، فهي لن تأسف على الحب الضائع، وإنما على خرق مبادئ ضميرها التي تعادل في نهاية المطاف الرأي العام، وكلام الاخرين: "أخيرا، وهي تحدثني عن الطريقة الوحشية التي تعرضت بها للتضحية، أضافت: "كنت واثقة أن في ذلك حتفي، وكانت لدي الشجاعة لمواجهة الأمر؛ ولكن أن أواجه بؤسي وخجلي، فذاك أمر يستحيل علي تحمله". " (I،149).

أخيرا فإن فعل المساعدة يجد نقيضه في الرفض والمعارضة. وهكذا يعترض فالمون على ارتباط على ارتباط ميرتوي بـــبريفان، وارتباط دانسني بسيسيل، وارتباط السيدة فولانج بهؤلاء.

قاعدة المفعولية. نتائج التفريع الثاني انطلاقا من المحمولات الأساسية الثلاثة هي أقل انتشارا؛ إنها تتعلق بالانتقال من صيغة الفاعلية إلى صيغة المفعولية، ويمكن أن نسمي هذه القاعدة قاعدة المفعولية. هكذا يرغب فالمون في تورفيل ولكنه أيضا مرغوب فيه من طرفها؛ وهو يكره فولانج، وهو أيضا مكروه من طرف دانسني؛ وهو يبوح بأسراره لميرتوي، وفي المقابل يتلقى اعترافات دانسني؛ إنه يذيع مغامراته مع الفيكونتيسة، ولكن فولانج تذيع أفعاله الخاصة؛ وهو يساعد دانسني وفي نفس الوقت يتلقى مساعدة هذا الأخير من أجل غواية سيسيل؛ وهو يعارض بعض أفعال ميرتوي ويواجه في نفس الوقت المعارضة الصادرة عن فولانج أوميرتوي. وبعبارة أخرى، فإن كل حدث يتوفر في نفس الوقت على فاعل (يقوم بالفعل)، ومنفعل (يقع عليه الفعل)؛ ولكن على عكس التحول اللساني من الفاعل إلى المفعول، فإننا هنا لا ننقلهما من مكانهما: الفعل وحده يتغير وينتقل إلى وضعية المبني للمجهول. إننا نتناول هنا كل محمولاتنا كأفعال متعدية.

هكذا وصلنا إلى اثنتي عشرة علاقة مختلفة نجدها في ثنايا المحكي، وقد حددناها بواسطة ثلاثة محمولات أساسية وقاعدتين للتفريع. ولنسجل هنا أن هاتين القاعدتين لا تؤديان نفس الوظيفة: تصلح قاعدة التعارض لتوليد حمل لا يمكن التعبير عنه بغير هاته الكيفية (وكمثال على ذلك، "يقوم ميرتوي بمنع فالمون" انطلاقا من "يقوم ميرتوي بمساعدة فالمون")؛ قاعدة الانفعال تصلح للكشف عن صلة القرابة بين حملين يوجدان بصورة قبلية (مثلا، فالمون يحب تورفيل وتورفيل تحب فالمون: هذا الحمل الأخير يقدم بواسطة قاعدتنا هاته، كتفريع للحمل الأول، بصيغة "فالمون محبوب من طرف تورفيل").

الظاهر والباطن. هذا الوصف للعلاقات يتجاهل تجسيدها في شخصية ما. إذا عاينا هذه العلاقات من هذه الزاوية، سنلاحظ حضور تمييز آخر في كل العلاقات المذكورة. كل فعل يمكن أن يبدو في البداية كعلاقة حب، ثقة، الخ، ولكن يمكن أن يتجلى بعد ذلك كعلاقة أخرى، علاقة كراهية أو رفض، وهكذا دواليك. إن ظاهر العلاقة لا يتطابق بالضرورة مع جوهرها حتى وإن تعلق الأمر بنفس الشخصية ونفس المكان. يمكننا إذن أن نفترض وجود مستويين من العلاقات، مستوى الظاهر ومستوى الباطن. (لا ننسى أن هذين المصطلحين يتعلقان بإدراك الشخصيات لا بإدراكنا نحن). وجود هذين المستويين أمر تدركه ميرتوي وفالمون، ويستخدمان النفاق من أجل الوصول إلى أهدافهما. إن ميرتوي تبدو في الظاهر كأمينة سر السيدة دي فولانج وسيسيل، ولكنها في الواقع تستخدمهما من أجل الانتقام من جيركور. وبنفس الطريقة يتصرف فالمون مع دانسني.

الشخصيات الأخرى تتسم أيضا بهذه الثنائية في علاقاتها؛ ومبررها هذه المرة لا يكمن في النفاق، بل في سوء النية والسذاجة. وهكذا فإن تورفيل تكن مشاعر الحب لفالمون ولكنها لا تجرؤ على الاعتراف بذلك لنفسها وتخفيه خلف ستار البوح. ونفس الأمر بالنسبة لسيسيل، وبالنسبة لدانسني (في علاقته بميرتوي). وهذا يقودنا إلى افتراض محمول جديد لن يظهر إلا ضمن هذه المجموعة من الضحايا، والذي سيتموضع على مستوى ثان بالنسبة للمستويات الأخرى: إنه مستوى الإدراك والانتباه. وسوف يشير إلى ما حدث حين تدرك الشخصية أن العلاقة التي تربطها بشخصية أخرى تخالف ما كانت تتصوره.

التحولات الشخصية. لقد أطلقنا نفس التسمية ـ لنقل "الحب" أو "البوح"ـ على مشاعر تحملها شخصيات مختلفة، وغالبا ما تكون على درجات متفاوتة من العمق. ولكي نبين الفروق الدقيقة، يمكن أن ندرج مفهوم "التحول الشخصي" في علاقة ما. وقد سبقت الإشارة إلى التحول الذي عرفه خوف السيدة دي تورفيل من الإفشاء. مثل آخر يجسده تحقق الحب عند فالمون وميرتوي، هاتان الشخصيتان قامتا بتفكيك قبلي، إن صح التعبير، لإحساس الحب، واكتشفا فيه، في نفس الوقت رغبة في التحكم وخضوعا للموضوع المحبوب؛ ولم يحتفظا إلا بالجزء الأول، الرغبة في التملك. هذه الرغبة، بمجرد إشباعها، تتحول إلى تجاهل. هكذا تصرف فالمون مع كل عشيقاته، وكذلك تصرفت ميرتوي.

لنقدم الآن حصيلة سريعة لما سبق. لكي نصف عالم الشخصيات، نحتاج كما يبدو إلى ثلاثة مفاهيم. هناك أولا المحمولات، وهي مفهوم وظيفي مثل "أحب"، "أسر"، الخ. وهناك من جهة أخرى الشخصيات: مثل فالمون، ميرتوي، الخ. ويمكن للشخصيات أن تلعب دورين: إما أن تكون ذاتا أو موضوعا للوقائع التي تصفها المحمولات. سنستعمل هنا مصطلحا عاما هو "العامل" agent لندل في نفس الوقت على ذات وموضوع الفعل. داخل عمل أدبي ما، تبقى العوامل والمحمولات قارة، وما يتغير هو التوليفات بين هاتين المجموعتين. وأخيرا، المفهوم الثالث، وهو "قواعد التفريع": هذه القواعد تصف العلاقات بين المحمولات المختلفة. ولكن عمليات الوصف التي ننجزها بواسطة هذه المفاهيم تبقى ثابتة بصورة خاصة؛ ولكي نتمكن من وصف هذه العلاقات، ومن خلالها حركة المحكي، سندرج سلسلة جديدة من القواعد سنسميها قواعد الفعل، من أجل تمييزها عن قواعد التفريع.

قواعد الفعل. نقطة انطلاق هذه القواعد هي العوامل والمحمولات التي تحدثنا عنها والتي توجد مسبقا ضمن علاقة ما؛ وستحدد كنتيجة نهائية، العلاقات التي يجب أن تقوم بين العوامل. ولتوضيح هذا المفهوم الجديد، سنقوم بصياغة بعض القواعد التي تتحكم في رواية الارتباطات الخطيرة.

القواعد الأولى ستهم محور الرغبة.

ق. 1 ـ ليكن لدينا "أ" و"ب"، كعاملين، وليكن "أ" محبا لــ "ب". هنا سيعمل "أ" على تحقيق التحول السلبي لهذا المحمول (أي أن يتحقق المحمول "أ" محبوب من طرف "ب" أيضا).

القاعدة الأولى تهدف إلى عكس أفعال الشخصيات التي تحب أو تتظاهر بذلك. وهكذا فإن فالمون، العاشق لتورفيل، يبذل كل جهده لكي تحبه هذه الأخيرة بدورها. ويقوم دانسني، العاشق لسيسيل، بنفس الأمر؛ وكذلك تصنع ميرتوي وسيسيل.

نذكر أننا مهدنا للنقاش بالتمييز بين المشاعر الظاهرة والمشاعر الخفية (الحقيقية) التي تكنها شخصية لأخرى، بين الظاهر والباطن. سنحتاج لهذا التمييز من أجل صياغة القاعدة التالية:

ق. 2 ـ ليكن لدينا "أ" و"ب"، وأن "أ" يحب "ب" في الخفاء، دون أن يظهر عليه ذلك في العلن. وإذا أصبح "أ" مدركا لمشاعره الخفية، فإنه سيتصرف ضد هذا الحب.

لدينا مثال لذلك في تصرف السيدة دي تورفيل، حين تدرك أنها عاشقة لفالمون: ستغادر القصر فجأة وتصبح هي نفسها العائق أمام تحقق هذا الشعور. ونفس الأمر يحدث مع دانسني حين اعتقد أنه مجرد أمين سر ميرتوي: فحين بين له فالمون أنها علاقة حب شبيهة بالتي تربطه بسيسيل، كان ذلك سببا في الدفع به نحو وضع حد لهذه العلاقة. فقد سبق أن سجلنا أن عملية "الكشف" المفترضة بواسطة هذه القاعدة هي امتياز تحظى به مجموعة من الشخصيات التي يمكن أن نسميها "الشخصيات الضعيفة". ولا يشكل فالمون وميرتوي جزءا من هذه المجموعة، وبالتالي فلا إمكانية لهما "لإدراك" الفرق بين هذين المستويين لأنهما لم يفتقرا لهذا الإدراك أصلا.

لننتقل الآن إلى العلاقات التي أطلقنا عليها الاسم العام: علاقات المشاركة. وهنا سنقوم بصياغة القاعدة التالية:

ق. 3 ـ ليكن لدينا "أ" و "ب" و "ج"، ثلاثة عوامل، وليكن "أ" و "ب" مرتبطين بعلاقة مع "ج" بعلاقة ما. فإذا عرف "أ" أن العلاقة بين "ب" و "ج" شبيهة بالعلاقة بين "أ" و "ج"، فإنه سيتصرف ضد "ب".

لنسجل بداية أن هذه القاعدة لا تعكس فعلا "بديهيا": فقد كان ممكنا أن يتصرف "أ" بعداء ضد "ج". يمكن أن نقدم لذلك عدة أمثلة توضيحية. يحب دانسني سيسيل، ويعتقد أن فالمون أمين سرها؛ وبمجرد أن عرف أن الأمر يتعلق بعلاقة حب، تصرف بعداء ضد فالمون. وقد استفزه لمنازلته. وبنفس الشكل، يعتقد فالمون أنه أمين سر ميرتوي، ولا يتصور أن دانسني تربطه بها نفس العلاقة؛ وبمجرد أن علم بذلك، تصرف معه بسوء (عن طريق سيسيل). إن ميرتوي تعرف هذه القاعدة، وتستغلها للتأثير على فالمون: ولهذه الغاية كتبت له رسالة لتبين له أن بيلروش قد استحوذ على بعض الأمتعة التي كان فالمون يعتقد أنها ملك له وحده. وقد كان رد فعله فوريا.

يمكن أن نلاحظ أن عدة أفعال معارضة وكذا عدة أفعال للمساعدة لا تفسرها هذه القاعدة. ولكن إذا تأملنا هذه الأفعال عن قرب، سنلاحظ أنها تشكل في كل مرة نتيجة لفعل آخر ينتمي للمجموعة الأولى من العلاقات المتمحورة حول الرغبة. إذا كانت تساعد دانسني على غواية سيسيل، فلأنها تكره جيركور، ويمثل ذلك وسيلتها لتنتقم منه؛ وللأسباب نفسها تساعد فالمون في محاولاته تجاه سيسيل. وإذا كان فالمون يعترض طريق دانسني في مغازلته للسيدة دي ميرتوي، فلأنه هو نفسه يرغب فيها. وأخيرا إذا كان دانسني يساعد فالمون على الارتباط بسيسيل، فلأنه يعتقد أنها وسيلته للتقرب من سيسيل التي يعشقها. وهكذا دواليك. نلاحظ بنفس الدرجة أن أفعال المساعدة هاته أفعال واعية لدى الشخصيات "القوية". (فالمون وميرتوي)، بينما تبقى أفعالا غير واعية ( ولا إرادية) لدى الشخصيات "الضعيفة".

لننتقل الآن إلى المجموعة الأخيرة التي سميناها: علاقات التواصل. وإليكم قاعدتنا الرابعة:

ق. 4 ـ ليكن "أ" و "ب" عاملين، حيث "ب" أمين سر "أ". إذا أصبح "أ" عاملا في حمل متولد عن ق. 1 فإنه يغير أمين سره (غياب أمين السر يشكل حالة قصوى للبوح).

لتوضيح ق. 4، يمكن أن نذكر بأن سيسيل تغير أمينة سرها (تعوض صوفيا بالسيدة دي ميرتوي) بمجرد أن تبدأ علاقتها بفالمون؛ وبنفس الشكل، فإن تورفيل، حين أغرمت بفالمون، قد اتخذت من السيدة روزموند أمينة لأسرارها؛ ولنفس السبب، وبدرجة أقل قوة، توقفت عن البوح بأسرارها للسيدة دي فولانج. أما حب دانسني لسيسيل فقد دفع به إلى اتخاذ فالمون أمينا لأسراره؛ ثم أدى ارتباطه بميرتوي إلى توقف هذا الائتمان.

هذه القاعدة تفرض قيودا إضافية أقوى فيما يخص فالمون وميرتوي، لأن هاتين الشخصيتين لا تستطيعان البوح بأسرارهما إلا لبعضهما. ونتيجة لذلك، فإن أي تغير لأمين السر يعني توقف كل بوح. هكذا تتوقف سيسيل عن البوح بأسرارها بمجرد أن أصبح فالمون أكثر إلحاحا في سعيه إلى تحقيق مشاعره الغرامية. وبنفس الشكل، وضع فالمون حدا لاعترافاته بمجرد أن أظهرت ميرتوي رغباتها الخاصة، المخالفة لرغبات فالمون. إن الشعور الذي يحرك ميرتوي في الجزء الأخير هو الرغبة في التملك.

سنوقف هنا سلسلة القواعد التي يجب أن تولد المحكي في روايتنا هاته، لنصوغ بعض الملاحظات.

1 ـ لنوضح بداية مدى تأثير قواعد الفعل هاته. إنها تعكس القوانين التي تحكم مجتمع شخصيات هاته الرواية. إن كون هذه الشخصيات غير حقيقية أمر لا يتجلى في الصياغة: فبواسطة قواعد مماثلة، يمكن أن نصف العادات والقوانين الضمنية لأي مجموعة منسجمة من الشخصيات. إن الشخصيات نفسها قد تكون واعية بهذه القواعد: إننا نجد أنفسنا هنا بصدد مستوى الحكاية لا الخطاب. قواعد مصاغة بهذا الشكل تناسب الخطوط العريضة للمحكي دون تحديد للكيفية التي يتحقق بها كل فعل ضروري. ملء فراغات هذا الرسم يمكن وصفه، كما نعتقد، بواسطة تقنيات تكشف عن "منطق الأفعال" هذا الذي تحدثنا عنه من قبل.

يمكن أن نسجل بالإضافة إلى ذلك أن هذه القواعد لا تختلف بشكل ملموس عن الملاحظات التي تمت صياغتها من قبل حول رواية الارتباطات الخطيرة. هذا يقودنا إلى تناول قضية القيمة التفسيرية لعرضنا هذا: من الواضح أن الوصف الذي لا ستطيع أن يشكل في نفس الوقت انفتاحا على التأويلات الحدسية التي نقدمها حول المحكي، يخطئ هدفه. يكفي أن نترجم قواعدنا إلى لغة عامة لندرك مدى قربها من الأحكام التي تمت صياغتها بخصوص أخلاقية (إيتيقا) رواية الارتباطات الخطيرة. فالقاعدة الأولى مثلا، التي تمثل رغبة طرف في فرض إرادته على الآخرين، يتم التعبير عنها من طرف أغلبية النقاد الذين قاموا بتأويلها كــ"إرادة للقوة"، أو كــ "أسطورة للذكاء". أضف إلى ذلك أن كون المصطلحات التي استخدمناها في وصف هذه القواعد تتصل بدقة بأخلاقية تبدو لنا دالة بدرجة كبيرة: يمكن أن نتصور بسهولة محكيا تشتغل فيه هذه القواعد على المستوى الاجتماعي، أو القانوني، الخ.

2ـ الشكل الذي منحناه لهذه القواعد يفرض تفسيرا خاصا. يمكن أن ينتقدنا البعض بأننا قدمنا صيغة عالمة زائفة لأمور عادية: لماذا نقول: "إن "أ" يتصرف بشكل يجعل التحول المنعكس لهذا المحمول يتحقق" بدلا من أن نقول: "فرض فالمون إرادته على تورفيل"؟ إننا نعتقد مع ذلك أن لا عيب في أن نسعى إلى جعل تأكيداتنا دقيقة وواضحة؛ بل قد نعاتب أنفسنا على كونها غير دقيقة بما فيه الكفاية دائما. إن تاريخ النقد الأدبي يعج بالتأكيدات المغرية غالبا، ولكنها قادت البحث، بسبب عدم دقة مصطلحاتها، إلى طرق مسدودة. إن شكل "القواعد" الذي نمنحه لاستنتاجاتنا، يسمح باختبارها عن طريق توليد متسلسل لتطور أحداث المحكي.

ومن جهة أخرى، فإن تدقيقا عاليا للصياغات يمكن أن يسمح بالمقارنة المناسبة بين القوانين التي تتحكم في عوالم الكتب المختلفة. لنأخذ مثلا بحوث شكلوفسكي Chklovski حول المحكي، حيث صاغ القاعدة التي تسمح، في نظره، بالكشف عن تطور العلاقات الإنسانية لدى بوياردو Boiardo (رونالد عاشقا)، أو لدى بوشكين Pouchkine (أوجين أونيغين): "إذا كان "أ" يحب "ب"، فــ "ب" لا يحب "أ"، وحين يصبح "ب" محبا لـــ "أ"، يكف "أ" عن حب "ب" (نظرية الأدب، ص 171). إن توفر هذه القاعدة على صياغة مماثلة لصياغاتنا يسمح بالمقارنة المباشرة مع عالم هذه الأعمال الأدبية.

3 ـ من أجل اختيار هذه القواعد المصاغة بهذا الشكل، علينا أن نطرح سؤالين: هل يمكن أن تتولد كل أحداث الرواية بواسطة هذه القواعد؟ وهل تضم الرواية الوقائع المتولدة عن هذه القواعد؟ للإجابة عن السؤال الأول، علينا أن نذكر أولا أن قيمة القواعد المصاغة هنا لا تعدو كونها أمثلة، وليست وصفا شاملا؛ ومن جهة أخرى، فإن الصفحات التالية ستبين دوافع بعض الوقائع الناتجة عن عوامل أخرى في المحكي. وفيما يخص السؤال الثاني، نعتقد أن الجواب بالنفي قد يشكك في قيمة النموذج المقترح. حين نقرأ رواية ما، نشعر تلقائيا بأن الوقائع الموصوفة يحكمها منطق معين؛ ويمكن أن نقول عن وقائع أخرى إنها لا تشكل جزءا منها، ولا تخضع لهذا المنطق. وبعبارة أخرى، فإننا نشعر من خلال كل عمل أدبي أنه مجرد كلام parole، وأن هناك أيضا لغة langue ليس الكلام سوى أحد تحققاتها الممكنة. ومهمتنا هي أن ندرس هذا اللسان بالذات. من هذا المنظور فقط يمكننا أن نعرف لماذا اختار الكاتب أحداثا دون أخرى لشخصياته، بينما تخضع كل هذه الأحداث لنفس المنطق.

                                      II                  ـ المحكي كخطاب

حاولنا حتى الآن أن نتجاهل أننا نقرأ كتابا، وكون الحكاية موضوع قراءتنا لا تنتمي لــ"الحياة"، ولكن إلى هذا العالم المتخيل الذي نتعرف عليه من خلال الكتاب. ولاستكشاف الجزء الثاني من المشكل، سننطلق من تجاهل معكوس: سنعتبر المحكي كخطاب فقط، ككلام حقيقي موجه من طرف السارد للقارئ.

سنقسم إجراءات الخطاب إلى ثلاث مجموعات: زمن المحكي، حيث يتم التعبير عن العلاقة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب؛ جهات المحكي les aspects du récit، أو الكيفية التي يدرك بها السارد الحكاية، وصيغ المحكي modes du récit les، التي ترتبط بنوع الخطاب المستخدم من طرف السارد ليعرفنا على الحكاية.

  • زمن المحكي

يطرح مشكل عرض الزمن داخل المحكي بسبب التباين بين زمنية الحكاية وزمنية الخطاب. إن زمن الخطاب هو بمعنى ما، زمن خطي، بينما زمن الحكاية زمن متعدد الأبعاد. في الحكاية يمكن لعدة أحداث أن تقع في نفس الوقت؛ ولكن الخطاب يعرضها بالضرورة بشكل متتابع؛ يمكن أن نعكس صورة مركبة لذلك على خط مستقيم. وهنا تتجلى ضرورة كسر التسلسل "الطبيعي" لأنه يقوم بتحريفات زمنية لتحقيق بعض الغايات الجمالية.

التحريف الزمني. رأى الشكلانيون الروس في الانحرافات الزمنية السمة الوحيدة التي تميز الخطاب عن الحكاية؛ لذلك جعلوا منها مركز أبحاثهم. لنذكر في هذا الصدد مقطعا من كتاب سيكولوجية الفن لعالم النفس ليف فيغوتسكي Lev Vygotski، وهو كتاب ألف سنة 1925، ولم ينشر إلا مؤخرا: "إننا نعرف بشكل قبلي أن أساس اللحن الموسيقي هو الوصل الدينامي بين الأصوات التي تشكله. نفس الأمر ينطبق على البيت الشعري، فهو ليس مجرد مجموعة الأصوات التي تشكله، بل تتابعها الدينامي، وفق شكل من الاتصال بينها. ومثلما يشكل صوتان، حين يندمجان، أو كلمتان حين تتواليان، نوعا من العلاقة التي تتحدد أساسا بواسطة نظام تسلسل عناصرها، كذلك فإن واقعتين أو فعلين حين يندمجان معا، يشكلان ترابطا ديناميا جديدا يتحدد كله بواسطة ترتيب وتموقع هذه الأحداث. وهكذا فإن الأصوات أ، ب، ج، أو الكلمات أ، ب، ج، أو الأحداث أ، ب، ج، أو الأحداث أ، ب، ج. لنتخيل أن هناك تهديدا ثم تحققا لهذا التهديد: جريمة قتل مثلا؛ سنحصل على انطباع ما إذا تم إخبار القارئ بداية بوجود التهديد، لكن دون أن يخبر بعملية التنفيذ إلا بعد فترة من التشويق. وسيكون هذا الانطباع مختلفا جدا إذا بدأ الكاتب بسرد عملية اكتشاف جثة القتيل، ثم بعد ذلك فقط يقوم بعرض الأحداث وفق ترتيب معكوس، يقدم الجريمة ثم التهديد. نستنتج أن تنظيم الأحداث في المحكي، نظم الجمل، عمليات العرض، الصور، الوقائع، الأفعال، الحوارات، كل ذلك يخضع لنفس قواعد البناء الجمالي التي يخضع لها توليف الأصوات في اللحن، أو توليف الكلمات في البيت الشعري. (نظرية الأدب، ص 196).

نرى بوضوح، في هذا المقطع، إحدى سمات النظرية الشكلانية، وسمات الفن المعاصر لها: إن طبيعة الأحداث القليلة الأهمية، ما يهم فقط هو العلاقة التي تربط بينها (في الحالة التي تهمنا هنا، يتعلق الأمر بتسلسل زمني). كان الشكلانيون الروس يجهلون إذن المحكي كحكاية، ويحصرون اهتمامهم في المحكي كخطاب. ويمكن أن نقرب بين هذه النظرية ونظرية السينمائيين الروس في نفس المرحلة: يتعلق الأمر بالسنوات التي اعتبر فيها المونطاج هو العنصر الفني، بحصر المعنى، في الفيلم.

لنشر بإيجاز إلى أن الإمكانيتين اللتين شرحهما فيغوتسكي Vigotski تم تطبيقهما في مختلف أشكال الرواية البوليسية. فالرواية ذات اللغز تبدأ بنهاية إحدى الحكايات المسرودة، لتصل إلى بدايتها. أما الرواية السوداء فتبدأ بالتهديدات لتصل، في الفصول الأخيرة من الكتاب، إلى الجثت.

التسلسل، التناوب، التضمين. تحيل الملاحظات السابقة على التنظيم الزمني داخل حكاية واحدة. ولكن الأشكال الأكثر تعقيدا للمحكي الأدبي تتضمن عدة حكايات. في حالة الارتباطات الخطيرة، يمكن أن نفترض وجود ثلاث حكايات، تحكي مغامرات فالمون مع السيدة دي تورفيل، سيسيل والسيدة دي ميرتوي. ترتيبها المتسلسل يكشف لنا عن مظهر آخر لزمن المحكي.

يمكن للحكايات أن تتصل فيما بينها بطرق مختلفة. وتعرف الحكاية الشعبية والمجموعات القصصية قبلا طريقتين، التسلسل والتضمين. يتمثل التسلسل ببساطة في تنضيد حكايات مختلفة: وحين تنتهي الأولى، تبدأ الثانية. وتتحقق وحدة الحكايات، في هذه الحالة، عن طريق تشابه في بناء كل الحكايات: قد يتم الحكي عن ثلاثة إخوة مثلا ينطلقون على التوالي في رحلة بحث عن شيء ثمين؛ وتتمثل كل رحلة منطلقا لإحدى هذه الحكايات.

أما التضمين فيعني إدماج حكاية ضمن حكاية أخرى. هكذا الشأن بالنسبة لمجموع حكايات ألف ليلة وليلة التي ضمنت في حكاية شهرزاد.

نلاحظ هنا أن هذي النوعين من الإدماج يمثلان انعكاسا صارما لنوعي العلاقات التركيبية الأساسية (على المستوى النحوي): العطف والتعليق.

ومع ذلك فإن هناك نوعا ثالثا من الإدماج يمكن أن نسميه التناوب. ويتمثل في أن نحكي حكايتين بشكل متزامن، مع توقيف إحدى الحكايتين تارة، وتوقيف الثانية تارة أخرى للعودة للحكاية الأولى. وهذا الشكل يسم طبعا الأجناس الأدبية التي فقدن الصلة بالأدب الشفهي: فهذا الأخير لا يمكن أن يعرف التناوب. وكمثال شهير على التناوب، يمكن أن نذكر رواية هوفمان: القط مور، حيث يتناوب محكي القط مع محكي الموسيقى؛ ونفس الأمر ينطبق على محكي الآلام لكيركيجارد.

شكلان من ذلك يتجليان في الارتباطات الخطيرة. فمن جهة، تتناوب حكايات تورفيل مع حكايات سيسيل على طول المحكي. ومن جهة أخرى، فحكايات الطرفين متضمنة كلها في حكاية الزوجين ميرتوي وفالمون. ومع ذلك، فإن هذه الرواية، بجودة بنائها، لا تسمح بوضع حدود دقيقة بين الحكايات: إن الانتقالات تتم بشكل خفي؛ ونهاية كل حكاية تخدم نمو أحداث الحكاية التالية. أضف إلى ذلك أن الحكايات متصلة ببعضها بواسطة صورة فالمون الذي قيم صلات وثيقة مع كل واحدة من البطلات الثلاثة. هناك صلات أخرى متعددة بين الحكايات؛ وتتحقق بواسطة شخصيات ثانوية تؤدي أدوارا في عدة حكايات. إن فولانج، وهي أم سيسيل، هي صديقة وقريبة لميرتوي، وهي في نفس الوقت مستشارة دي تورفيل. ويدخل دانسني على التوالي في علاقة مع سيسيل وميرتوي. وتستقبل السيدة روزموند كلا من تورفيل وسيسيل وأمها. ويرغب جيركور، وهو عشيق سابق لميرتوي، في الزواج من سيسيل، الخ. إن كل شخصية يمكن أن تجمع بين عدة أدوار.

وإلى جانب الحكايات الرئيسية، تتضمن الرواية حكايات أخرى ثانوية، لا تصلح عادة إلا في المساعدة على بناء شخصية ما. هذه الحكايات (مغامرات فالمون بقصر الكونتيسة، أو مع إميليه؛ مغامرات بريفان مع "الصديقات المخلصات"، ومغامرات الماركيزة مع بريفان أو مع بيلروش) وهي حكايات أقل اندماجا داخل مجموع المحكي من الحكايات الرئيسية، ونحس أنها حكايات "متضمنة".

زمن الكتابة، زمن القراءة. إضافة إلى هذه الزمنيات الخاصة بالشخصيات، والتي تنتمي كلها لنفس المنظور، تضاف زمنيتان أخريان تنتميان لمستوى مختلف: زمن التلفظ (زمن الكتابة) وزمن الإدراك (زمن القراءة). يصبح زمن التلفظ عنصرا أدبيا بمجرد أن يتم إدراجه ضمن الحكاية: وهي الحالة التي يحدثنا فيها السارد عن محكيه الخاص، وعن الزمن الذي يحتاجه لكتابته أو لحكيه. هذا النوع من الزمنية يتجلى غالبا في محكي يعلن عن نفسه باعتباره كذلك؛ لنذكر مثلا برهنة تريسترام شاندي الشهيرة حول عجزه عن إتمام محكيه. ويمكن تصور حالة قصوى لذلك في محكي يشكل زمن التلفظ الزمنية الوحيدة فيه: سيتعلق الأمر في هذه الحالة بمحكي ملتفت إلى نفسه تماما، كمحكي موضوعه عملية السرد نفسها.

أما زمن القراءة فهو زمن لا يرجع إلى الوراء أبدا، وهو زمن يحدد إدراكنا للمجموع؛ ولكن يمكنه أيضا أن يصبح عنصرا أدبيا، شريطة أن يأخذه الكاتب بعين الاعتبار في الحكاية. ففي بداية الصفحة، يقال لنا إنها الساعة العاشرة؛ وفي الصفحة التالية، يقال إنها العاشرة وخمس دقائق. هذا الإدماج الساذج لزمن القراءة في بنية المحكي ليس هو الإمكانية الوحيدة المتاحة. هناك إمكانيات أخرى لا يتسع المجال للتوقف عندها. لنكتف بالإشارة إلى أننا نلمس هنا مشكل الدلالة الجمالية لأبعاد العمل الأدبي.

  • جهات المحكي.

ونحن نقرأ عملا متخيلا، لا نكون في حالة إدراك مباشر للأحداث المنقولة. ففي تزامن مع هذه الأحداث، ندرك في نفس الوقت، وإن بشكل مختلف نوعا ما، كيفية إدراك السارد لما يحكيه من أحداث. إننا نقصد بعبارة "جهات المحكي" أنواع الإدراك المختلفة والتي يمكن التعرف عليها في المحكي (نستعمل هذه الكلمة بمعنى قريب من معناها الاشتقاقي، وهو الرؤية). وبصورة أكثر دقة، فإن الجهة تعكس العلاقة بين غائب "هو" (في الحكاية) ومتكلم "أنا" (في الخطاب)، بين السارد والشخصية.

لقد اقترح ج. بويون تصنيفا لجهات المحكي، سنعرضه هنا مع بعض التعديلات الطفيفة. هذا الإدراك الداخلي يتخذ ثلاثة أنواع رئيسية.

السارد > الشخصية (الرؤية "من الخلف"). غالبا ما يستخدم المحكي الكلاسيكي هذه الصيغة. في هذه الحالة، يعرف السارد أكثر مما تعرفه الشخصية. ولا يكلف نفسه عناء تبرير هذه المعرفة: إنه يرى ما خلف الجدران أو ما يوجد في ذهن البطل. ليس لشخصياته أسرار تخفيها عنه. وبطبيعة الحال، فإن لهذا الشكل درجات متفاوتة. إن تفوق السارد يمكن أن يظهر إما في معرفته للرغبات الخفية لدى شخصية ما (وهو ما قد تجهله الشخصية نفسها)، وإما في معرفة متزامنة مع أفكار عدة شخصيات (وهو ما لا تستطيعه أي شخصية من هذه الشخصيات)، وإما في قدرته على سرد الأحداث التي لا تدركها شخصية بمفردها. كذلك الشأن بالنسبة لتولستوي في قصته ثلاث أموات حيث يحكي على التوالي موت شخص أرستقراطي، موت فلاح وموت شجرة. لا أحد من الشخصيات أدرك هذه الوقائع جميعا؛ إننا هنا أمام إحدى متغيرات "الرؤية من الخلف".

السارد = الشخصية، (الرؤية مع). هذا الشكل الثاني منتشر في الأدب بنفس الدرجة، خاصة في العصر الحديث. في هذه الحالة، يعرف السارد معلومات بنفس قدر معرفة الشخصيات. ولا يمكنه أن يقدم تفسيرا للأحداث قبل أن تدرك الشخصيات هذا التفسير. هنا أيضا يمكن أن نضع عدة تمييزات. ومن جهة أخرى، يمكن أن يتم الحكي بضمير المتكلم (وهو ما يبرر إجراء "الرؤية مع") أو بضمير الغائب، ولكن مع الالتزام برؤية إحدى الشخصيات للأحداث. والنتيجة طبعا ليست واحدة؛ إننا نعرف أن كافكا قد شرع في كتابة رواية القلعة بضمير المتكلم، ولم يعدل الرؤية إلا بشكل متأخر جدا، مع الانتقال إلى ضمير الغائب ولكن دائما وفق مظهر "السارد = الشخصية". ومن جهة أخرى، يمكن للسارد أن يلتزم بموقف شخصية واحدة أو عدة شخصيات (يمكن للتغيرات أن تتم بشكل منظم أم لا). وأخيرا، يمكن أن يتعلق الأمر بمحكي واع من طرف إحدى الشخصيات، أو بـــ"تشريح" لدماغ هذه الشخصية، كما في كثير من محكيات فولكنر. وسنعود إلى هذه الحالة بعد قليل.

السارد < الشخصية (الرؤية من الخارج). في هذه الحالة الثالثة، يعرف السارد أقل مما تعرفه أي شخصية أخرى. يمكنه أن يصف فقط ما يرى وما يسمع، الخ. ولكن لا يمكنه أن يلج إلى وعي أي شخصية. هذه "الحسية" الخالصة هي مجرد اتفاق، لأن محكيا بهذا الشكل سيكون غير مفهوم؛ إلا أنه يوجد كنموذج لنوع من الكتابة. ومحكيات من هذا النوع أكثر ندرة من غيرها، والاستخدام الممنهج لهذا الإجراء لم يظهر إلا في القرن العشرين. لنذكر مقطعا يبين هذه الرؤية:

"مر نيد بومون مرة أخرى أمام مادفيغ وأطفأ عقب سيجارته في المطفأة النحاسية بأصابع مرتعشة.

ظلت عينا مادفيغ على ظهر الشاب إلى أن استقام والتفت. رسم الرجل الأشقر على وجهه ابتسامة تجمع بين المودة والاستياء" (د. هاميت، مفتاح الزجاج).

من خلال وصف كهذا، لا يمكن أن نعرف إن كانت تجمع بين الشخصيتين علاقة صداقة أم علاقة عداوة، هل هما في حالة غضب أم في حالة رضى، بل ولا ما يفكران فيه أثناء القيام بهذه الحركة. أكثر من ذلك أن اسميهما يذكران بالكاد: وفضل السارد عبارتي "الشاب"، "الرجل الأشقر". السارد إذن شاهد لا يعرف شيئا، والأكثر من ذلك أنه لا يرغب في معرفة أي شيء. ومع ذلك لا تتحقق الموضوعية بالدرجة المرجوة ("المودة والاستياء").

جهات متعددة لنفس الحدث. لنعد الآن إلى النوع الثاني، ذلك الذي تتساوى فيه معارف السارد مع معارف الشخصيات. قلنا إن السارد يمكن أن ينتقل من شخصية إلى أخرى؛ ولكن يجب أن نحدد ما إذا كانت هذه الشخصيات تحكي (أو ترى) نفس الحدث أم أحداثا مختلفة. في الحالة الأولى نحصل على تأثير خاص يمكن أن نسميه "الرؤية المتعددة المنظورات". عمليا، يقدم لنا تعدد الإدراكات رؤية أكثر تعقيدا بخصوص الظاهرة الموصوفة هنا. ومن جهة أخرى، فإن عمليات وصف نفس الحدث تسمح لنا بتركيز انتباهنا على الشخصية التي تدرك هذا الحدث، أما الحكاية فإننا نعرفها مسبقا.

لنعد مرة أخرى إلى الارتباطات الخطيرة. إن روايات المراسلات خلال القرن الثامن عشر كانت تستخدم هذه التقنية بكثرة، وهي المفضلة لدى فولكنر، وتتمثل في حكي نفس الحكاية عدة مرات، لكن من طرف شخصيات مختلفة. كل الحكايات في رواية الارتباطات الخطيرة تم حكيها عمليا مرتين، وغالبا ثلاث مرات. ولكن حين ننظر إلى هذه المحكيات عن قرب، نكتشف إنها لا تقدم لنا فقط رؤية متعددة المنظورات للأحداث، بل إن هذه المنظورات مختلفة نوعيا. لنذكر بإيجاز هذا التسلسل.

الظاهر والباطن. منذ البداية، تقدم لنا الحكايتان اللتان تتناوبان (في النص) من خلال إضاءات مختلفة: تحكي سيسيل بسذاجة عن مغامراتها لصوفيا، أما ميرتوي فتؤول هذه المغامرات في رسائلها لفالمون؛ ومن جهة أخرى، يقوم فالمون بإخبار الماركيزة عن مغامراته مع تورفيل التي تكتب هي نفسها لفولانج. منذ البداية يمكننا أن ندرك الثنائية التي سبق أن سجلناها على مستوى العلاقات بين الشخصيات: إن اعترافات فالمون تطلعنا على سوء النية التي تخفيها تورفيل في أوصافها؛ ونفس الأمر ينطبق على سذاجة سيسيل. ومع وصول فالمون إلى باريس، نكتشف حقيقة دانسني وأفعاله. وفي نهاية الجزء الثاني، فإن ميرتوي هي التي تقدم بنفسها روايتين لقضية بريفان: إحداهما تتعلق بحقيقة هذه القضية، والثانية بكيفية إدراكها من طرف الناس. يتعلق الأمر مجددا إذن بالتعارض بين مستوى ظاهر ومستوى باطن، واقعي أو حقيقي.

إن كيفية ترتيب الروايات ليست إجبارية ولكنها تستخدم لغايات مختلفة. حين يكون محكي فالمون وميرتوي سابقا على محكي بقية الشخصيات، فإننا نقرأ هذا الأخير باعتباره إخبارا عمن يكتب الرسالة. وفي حالة العكس، فإن المحكي حول المظاهر يثير فينا فضول التأويل، ويجعلنا نتوقع تأويلا أكثر عمقا.

إننا نرى إذن أن جهة المحكي المتعلقة بـــ"الباطن" تقترب من الرؤية "من الخلف" (حالة "السارد > الشخصية). ورغم أن المحكي يروى دائما من طرف شخصيات: فإن بعضها يمكن، مثلما يفعل السارد، أن يكشف لنا عما تفكر فيه أو تشعر به الشخصيات.

تطور مظاهر المحكي. لقد تغيرت قيمة جهات المحكي بسرعة منذ عصر لاكلو Laclos. إن الإجراء المتمثل في تقديم الحكاية من خلال انعكاساتها في وعي إحدى الشخصيات سيصبح أكثر استعمالا خلال القرن التاسع عشر، وبعد أن تمت مأسسته من طرف هنري جيمس، سيصبح قاعدة إجبارية خلال القرن العشرين. ومن جهة أخرى، فإن وجود مستويين مختلفين نوعيا يمثل إرثا لعصور أكثر قدما: إن عصر الأنوار يقتضي قول الحقيقة. أما جنس الرواية في العصور التالية، فقد اكتفى بتقديم ورايات لــ"ظاهر الأحداث" دون زعم بأن رواية ما هي التي تشكل الصياغة الوحيدة الحقيقية. ويجب أن نقول إن الارتباطات الخطيرة تتفوق على كثير من روايات العصر بسبب التحفظ الذي تقدم من خلاله هذا المستوى الظاهري: إن حالة فالمون، في نهاية الكتاب، تترك القارئ في حيرة من أمره. وفي نفس هذا الاتجاه سيسير جزء كبير من أدب القرن التاسع عشر.

ج) صيغ المحكي.

جهات المحكي كانت تخص الطريقة التي تدرك بها الحكاية من طرف السارد؛ أما صيغ المحكي فتهم الطريقة التي يعرضها بها السارد علينا. صيغ المحكي هاته هي ما نحيل عليه حين نقول إن الكاتب "يعرض" الأشياء، بينما كاتب آخر يكتفي بـــ"قولها". هناك صيغتان أساسيتان: التمثيل représentation والسرد narration. هاتان الصيغتان تتعلقان، على المستوى الملموس، بالمفهومين اللذين سبقت الإشارة إليهما: الخطاب والحكاية.

ويمكن أن نفترض أن هاتين الصيغتين في المحكي تأتيان من أصلين مختلفين: الخبرchronique والمسرح drame. الخبر، أو الحكاية، سرد خالص؛ والكاتب مجرد شاهد ينقل وقائع؛ فالشخصيات لا تتكلم؛ والقواعد هي قواعد الكتابة التاريخية. وفي المقابل، فالحكاية في الكتابة المسرحية لا تنقل إلينا، بل تحدث أمام أعيننا (رغم أننا لا نعدو كوننا نقرأ المسرحية)؛ ليس هناك سرد، والمحكي متضمن في ردود الشخصيات.

كلام الشخصيات، كلام السارد. إذا أردنا أن نجد أساسا لسانيا لهذا التمييز، يجب علينا منذ الوهلة الأولى أن نلجأ إلى التعارض بين كلام الشخصيات (الأسلوب المباشر) وكلام السارد. مثل هذا التعارض سيفسر الانطباع بأننا نشاهد وقائع حينما تكون الصيغة المستعملة هي العرض، بينما يختفي هذا الانطباع مع السرد. يحظى كلام الشخصيات في عمل أدبي ما بوضع خاص. إنه يحيل، على غرار كل كلام، على الواقع المشار إليه، ولكنه في نفس الوقت، يمثل فعلا، وهو فعل إنتاج هذه الجملة. فإذا قالت الشخصية: "أنت جميلة جدا"، فهذا لا يعني فقط أنها توجه كلامها لشخصية قد تكون (أو لا تكون) جميلة، ولكنه يعني أيضا أن هذه الشخصية تنجز أمام أعيننا فعلا: إنها تتلفظ بجملة، وتقوم بعملية إطراء. يجب ألا نعتقد أن دلالة هذه الأفعال تختزل في مجرد عبارة "قال"؛ هذه الدلالة تتسم بنفس تنوع الأفعال (الكلامية) التي تتحقق بواسطة اللغة؛ وهي أفعال لا تحصى.

ومع ذلك يؤخذ على هذا التحديد الأول للسرد والتمثيل أنه تبسيطي. فإذا توقفنا عند هذا الحد، سيترتب عن ذلك أن المسرح لا يعرف السرد، المحكي غير الحواري، التمثيل. ومع ذلك يمكن بسهولة أن نثبت العكس. لنأخذ الحالة الأولى: الارتباطات الخطيرة، مثل المسرحية، لا تعرف إلا الأسلوب المباشر، فالمحكي كله يتشكل من رسائل. ومع ذلك تعرف الرواية هاتين الصيغتين: فإذا كانت أغلب الرسائل تمثل أفعالا وتنتمي على هذا الأساس للتمثيل، فإن رسائل أخرى يقتصر دورها على إخبارنا بأحداث وقعت في مكان آخر. حتى نهاية الكتاب، تبقى هذه الوظيفة موكولة لرسائل فالمون الموجهة للماركيزة، ولأجوبة هذه الأخيرة جزئيا؛ وبعد الحل، فإن السيدة فولانج هي التي تواصل السرد. وحينما يكتب فالمون للسيدة دي ميرتوي، فإنه يكون مدفوعا بهدف واحد، هو أن يخبرها عن الأحداث التي وقعت له؛ لهذا يبدأ رسائله بهذه الجملة: "إليك نشرة الأمس". والرسالة التي تتضمن هذه "النشرة" لا تعرض شيئا، إنها سرد خالص. ونفس الحكم ينطبق على رسائل السيدة دي فولانج الموجهة للسيدة دي روزموند في نهاية الرواية: إنها "نشرات أخبار" حول صحة السيدة تورفيل، ومصائب السيدة دي ميرتوي، الخ. لنسجل هنا أن هذا التوزيع للصيغ في الارتباطات الخطيرة يفسره وجود علاقات مختلفة: يظهر السرد في رسائل الاعترافات، ووجود الرسالة وحده شاهد على ذلك. إن التمثيل يهم العلاقات الغرامية وعلاقات المشاركة، التي تكتسب بهذا حضورا ملموسا أكثر.

لنأخذ الآن الحالة المعكوسة، لنرى إن كان خطاب الكاتب ينتمي دائما للسرد. إليكم مقطع من رواية التربية العاطفية:

"حين انخرطا في زقاق كومارتا، سمع فجأة خلفهما دوي انفجار يشبه قطعة ثوب ضخمة من الحرير يتم شقها. كان الأمر يتعلق بطلقات نارية بشارع الكابوسين.

قال فريدريك بهدوء: آه! إنهم يهشمون بعض البورجوازيين. "فهناك مواقف يصبح فيها الإنسان الأقل قسوة على درجة من الانفصال عن الآخرين، بحيث قد ينظر إلى هلاكهم بدم بارد".

لقد كتبنا بخط مائل الجمل التي تنتمي لأسلوب التمثيل؛ ومن الواضح أن الأسلوب المباشر لا يغطي سوى جزء منها. هذا المقطع ينقل التمثيل بواسطة ثلاثة أشكال من خطابية مختلفة: بواسطة الأسلوب المباشر؛ بواسطة المقارنة؛ وبواسطة التأملات العامة. الجملتان الأخيرتان تنتميان لكلام السارد، وليس للسرد. إنهما لا تخبران عما يقع خارج الخطاب، تكتسبان معناهما بنفس كيفية كلام الشخصيات؛ إلا أنهما، هذه المرة، تخبران عن صورة السارد لا عن صورة شخصية ما.

الموضوعية والذاتية في اللغة. علينا إذن أن نتخلى عن المطابقة الأولى بين السرد وكلام السارد، وكذا بين العرض وكلام الشخصيات، ولنبحث لهما عن أساس أكثر عمقا. إن مثل هذا التحديد قد يرتكز، كما يتضح الآن، ليس على المقولات الضمنية ولكن على تجلياتها، وهو ما قد يقودنا إلى الخطأ بسهولة. سنجد هذا الأساس في التعارض بين المظاهر الذاتية والموضوعية للغة.

كل كلام، كما نعرف، هو في نفس الوقت ملفوظ وتلفظ. وباعتباره ملفوظا، فإنه يرجع إلى فاعل الملفوظ ويبقى بالتالي موضوعيا. وباعتباره تلفظا، فإنه يرجع إلى فاعل التلفظ ويحتفظ بمظهر ذاتي، لأنه يمثل في كل حالة فعلا أنجزه هذا الفاعل. كل جملة تمثل هذين المظهرين ولكن بدرجات متفاوتة؛ بعض أجزاء الخطاب لها وظيفة واحدة هي نقل هذه الذاتية (الضمائر الشخصية وأسماء الإشارة، أزمنة الفعل، وبعض الأفعال؛ انظر إ. بنفنست "حول الذاتية في اللغة" ضمن كتاب مشكلات اللسانيات العامة)، والبعض الآخر يتعلق قبل كل شيء بالواقع الموضوعي. يمكننا أن نتحدث، إذن، مع جين أوستن، عن صيغتين للخطاب، خطاب تقريري (موضوعي)، وخطاب إنجازي (ذاتي).

لنأخذ مثلا لذلك الجملة التالية: "خرج السيد دوبون من بيته على الساعة العاشرة، يوم 18مارس"، فهذه الجملة ذات طابع موضوعي أساسا؛ إنها لا تقدم للوهلة الأولى أي معلومة حول فاعل التلفظ (المعلومة الوحيدة هي أن عملية التلفظ حدثت بعد الساعة المشار إليها في الجملة). وفي المقابل هناك جمل أخرى لها دلالة تكاد تهم فاعل التلفظ وحده، مثلا "أنت بليد". فهذه الجملة هي قبل كل شيء فعل بالنسبة لمن يتلفظ بها، وهي أيضا شتيمة، رغم احتفاظها بقيمة موضوعية. ومع ذلك فالسياق العام للملفوظ هو ما يحدد درجة الذاتية الخاصة في جملة ما. فإذا استخدمت الجملة الأولى في رد إحدى الشخصيات، فإنها تصبح إشارة دالة على فاعل التلفظ.   

يرتبط الأسلوب المباشر بصفة عامة بالطابع الذاتي للغة؛ ولكن هذه الذاتية، كما رأينا بخصوص فالمون والسيدة دي فولانج، تختزل أحيانا إلى مجرد عرف: إن المعلومة تقدم لنا كمعلومة صادرة عن شخصية وليس عن السارد، دون أن نعرف شيئا عن هذه الشخصية. وعلى العكس من ذلك، فإن كلام السارد ينتمي عامة لمستوى التلفظ التاريخي، ولكن من خلال عملية مقارنة (كما في أي وجه بلاغي آخر)، أو في أي تأمل عام، يصبح فاعل التلفظ ظاهرا، وبذلك يقترب السارد من شخصياته. كذلك الشأن بالنسبة لكلام السارد عند فلوبير الذي يشير إلى وجود فاعل تلفظ ينجز مقارنات أو يصوغ أفكارا عامة حول الطبيعة البشرية.

الجهات والصيغ. جهات وصيغ المحكي مقولتان تدخلان في علاقات وثيقة، وتهمان معا صورة السارد. لهذا يخلط بينهما النقاد عادة. هكذا ميز هنري جيمس، وبعده بيرسيل وبوك بين أسلوبين أساسيين في المحكي: الأسلوب "البانورامي" والأسلوب "المسرحي". ويضم كل من هذين المصطلحين مفهومين: فالمسرحي هو في نفس الوقت أسلوب العرض و"الرؤية مع" (السارد=الشخصية)؛ والأسلوب "البانورامي" هو السرد والرؤية "من الخلف" (السارد> الشخصية).

     ومع ذلك فهذا التحديد ليس إجباريا. بالرجوع إلى الارتباطات الخطيرة، يمكن أن نذكر أن مهمة السرد ظلت

     موكولة حتى النهاية لفالمون الذي يمتلك رؤية قريبة من "الرؤية من الخلف"؛ وفي المقابل، فقد أوكلت هذه

    المهمة عند نهاية الحكاية للسيدة دي فولانج التي لا تفهم بتاتا مع يقع من أحداث، فإنها تحكى كلها من منظور

    "الرؤية مع" (وإلا حكيت منظور "الرؤية من الخارج"). يجب إذن أن نميز جيدا بين المقولتين حتى نتمكن 

    بعد ذلك من الكشف عن علاقاتهما المتبادلة.

    هذا الغموض يصبح أكثر خطورة إذا تذكرنا أن خلف هذه الإجراءات ترتسم صورة السارد، وهي صورة

   يعتقد أحيانا أنها صورة الكاتب نفسه. إن سارد الارتباطات الخطيرة ليس بالطبع هو فالمون، فهذا الأخير

   ليس سوى شخصية تكلف مؤقتا بمهمة السرد. إننا هنا نتناول قضية جديدة مهمة، هي صورة السارد.

   صورة السارد وصورة القارئ. السارد هو فاعل هذا التلفظ الذي يجسده الكاتب. كل الإجراءات التي تناولناها 

  في هذا الجزء تعود بنا لهذا الفاعل. فهو من يرتب بعض المقاطع الوصفية قبل الأخرى، حتى وإن كانت هذه 

  الأخيرة سابقة في زمن الحكاية. وهو من يعرض أمامنا الحدث من منظور هاته الشخصية أو تلك، أو من منظوره الخاص، دون أن يكون مضطرا للظهور على مسرح الأحداث. وهو في الأخير من يختار أن ينقل إلينا حدثا من خلال الحوار بين شخصيتين أو من خلال وصف "موضوعي". نتوفر إذن على كم من المعلومات التي تخصه، والتي تتيح لنا معرفته، وتحديده بدقة؛ ولكن هاته الصورة المنفلتة لا تقدم نفسها بتلقائية، وتحمل باستمرار أقنعة متناقضة، تذهب من قناع الكاتب الذي من لحم ودم، إلى صورة أي شخصية من شخصيات الرواية.

ومع ذلكن، فهناك مكان يبدو أنه يتيح لنا الاقتراب من هذه الصورة بما فيه الكفاية: يمكن أن نسميه مستوى الحكم. إن وصف أي جزء من الحكاية يتضمن حكمه الأخلاقي؛ وغياب الحكم الأخلاقي يمثل موقفا لا يخلو من الدلالة أيضا. ولنقل ذلك فورا، إن هذا الحكم لا يشكل جزءا من تجربتنا الشخصية كقراء، ولا من تجربة الكاتب الحقيقي؛ إنه محايث للكتاب ولا يمكن أن نفهم بنية هذا الأخير بشكل صحيح دون أن نأخذه بعين الاعتبار. ويمكن أن نعتبر، كما فعل ستاندال، أن السيدة دي تورفيل هي الشخصية الخالدة في الارتباطات الخطيرة؛ ويمكن أن نؤكد، مع سيموت دي بوفوار، أن السيدة دي ميرتوي هي الأكثر جاذبية؛ ولكن هذه تأويلات لا تشكل جزءا من دلالة الكتاب. فلو أننا لم ندن السيدة دي ميرتوي، ولو أننا لم ننحز لموقف الرئيسة، لكان ذلك أثر سلبا على بنية العمل الأدبي. يجب أن ندرك منذ البداية أن هناك تأويلين أخلاقيين لصفات الشخصيات مختلفين غاية الاختلاف: تأويل يوجد داخل الكتاب (داخل أي عمل أدبي محاكاتي)، والتأويل الثاني هو الذي يقدمه القراء دون اهتمام بمنطق العمل الأدبي؛ هذا التأويل الأخير قد يختلف بصورة ملموسة حسب العصور وحسب شخصية القارئ. في هذا الكتاب، تشكل السيدة دي ميرتوي موضوعا لحكم سلبي، بينما تعتبر السيدة دي تورفيل قديسة، الخ. كل فعل يشكل موضوع حكم حتى وإن لم يكن حكم الكاتب ولا كحمنا نحن القراء (وهنا يتجسد أحد المقاييس الذي نتوفر عليها للحكم على مدى نجاح الكاتب).

مستوى الحكم هذا يقربنا من صورة السارد. وليس ضروريا لذلك أن يتوجه هذا الأخير بالكلام "مباشرة": ففي هذه الحالة، سيتماهى بقوة العرف الأدبي مع الشخصيات. ولكي نخمن مستوى الحكم، نستعين بشفرة من القيم وردود الفعل السيكولوجية التي يقدمها السارد كمجال مشترك بينه وبين القارئ. وبما أن هذه الشفرة لم تعد مقبولة لدينا اليوم، فإننا نجد أنفسنا في حالة توزيع للأحكام بنبرات متفاوتة. في حالة محكينا هذا، يمكن اختزال هذه الشفرة في عدد محدود من المبادئ الشائعة: لا تسيئوا للأخرين؛ كونوا صادقين؛ قاوموا العواطف؛ الخ. وفي نفس الوقت، يعتمد السارد على سلم تقييمي للخصائص السيكولوجية؛ فبفضل هذا السلم نحترم ونخشى فالمون وميرتوي (بسبب قوة مزاجهما وقدرتهما الفطرية على التنبؤ)، أو نفضل تورفيل على سيسيل دي فولانج.

إن صورة السارد ليست صورة معزولة: فبمجرد ظهورها منذ الصفحة الأولى، تأتي مصحوبة بما يمكن أن نسميه "صورة القارئ". وبالطبع، فإن هذه الصورة تتصل بعلاقات قليلة مع القارئ الفعلي، على غرار العلاقات بين صورة السارد وصورة الكاتب الفعلي. فالصورتان مرتبطتان ببعضهما بشكل وثيق. وبمجرد أن تبدأ صورة السارد في الظهور بشكل أكثر وضوحا، فإن القارئ المتخيل يصبح بدوره مرسوما بدقة أكثر. هاتان الصورتان سمتان تميزان كل عمل متخيل: إن وعينا بأننا نقرأ رواية لا وثيقة يلزمنا بلعب دور هذا القارئ المتخيل، وفي نفس الوقت يساهم ذلك في ظهور شخصية السارد، ذلك الذي ينقل إلينا المحكي ما دام المحكي نفسه عملا متخيلا. هذا الترابط يؤكد القانون السيميولوجي العام الذي يظهر بموجبه "أنا" و "أنت"، مرسل الملفوظ ومتلقيه، معا دائما.

هذه الصور تتشكل من خلال الأعراف التي تحول الكتابة إلى خطاب. إن كوننا نقرأ الكتاب من البداية إلى النهاية (كما أراد السارد ذلك)، فذلك نفسه أمر يجعلنا نتقمص دور القارئ. في حالة وراية المراسلات، تصل هذه الأعراف نظريا أدنى درجاتها: إن الأمر يبدو كما لو كنا نقرأ حقا مجموعة من الرسائل، حيث لا يتدخل السارد أبدا، والأسلوب يكون دائما مباشرا. إلا أن ناشر لا كلوس يحطم هذا الإيهام. أما بقية الأعراف فتهم عرض الأحداث نفسه، وخاصة وجود مظاهر مختلفة للحكي. وهكذا ندرك دورنا كقراء بمجرد أن تصبح معرفتنا أكبر من معرفة الشخصيات، لأن هذه الوضعية تتعارض مع مصداقية الواقع المعيش.

III – مخالفة النظام

يمكننا أن نلخص كل ما قدمناه من ملاحظات حتى الآن بالقول إن موضوعها كان هو ضبط البنية الأدبية للعمل الأدبي، أو حسب التعبير الذي نستخدمه من الآن فصاعدا، ضبط نوع من النظام. نستخدم هذا المصطلح كمفهوم عام لتعيين كل العلاقات والبنيات الأولية التي درسناها. ولكن عرضنا هذا لم يتضمن أي إشارة لترتيبها داخل المحكي؛ ولو تم تغيير ترتيب أجزاء المحكي، لما أحدث ذلك تعديلا ملموسا في عرضنا. والآن سنتوقف عند اللحظة الحاسمة ضمن الترتيب الخاص بالمحكي: إنها لحظة النهاية التي تمثل، كما سنرى، مخالفة حقيقية للنظام السابق. سنلاحظ هذه المخالفة باتخاذ الارتباطات الخطيرة كمثال وحيد.

مخالفة نظام الحكاية. هذه المخالفة نلمسها في مجموع الجزء الأخير من الكتاب، وخاصة بين الرسالتين 142 و162، أي عند القطيعة بين فالمون وتورفيل حتى موت فالمون. يتعلق الأمر بداية بصورة فالمون نفسه، وهو شخصية رئيسية في المحكي. يبدأ الجزء الرابع بسقوط تورفيل. ويزعم فالمون في الرسالة 125أن الأمر يتعلق بمغامرة لا تختلف عن غيرها من المغامرات؛ ولكن القارئ يدرك دون عناء، بمساعدة السيدة دي ميرتوي، أن النبرة تفضح علاقة غير تلك المعلنة: فهذه المرة يتعلق الأمر بعلاقة حب، أي بمشاعر مماثلة لكل تلك التي تحرك مجموع "الضحايا". عوض فالمون رغبتها في التملك واللامبالاة التي ترافقها، بالحب، وبذلك غادر مجموعته وقام بهدم تنظيم سابق. صحيح أنه سيضحي بهذا الحب لاحقا ليتخلص من اتهامات السيدة دي ميرتوي، ولكن هذه التضحية لن تبدد غموض موقفه السابق. أضف إلى ذلك أن فالمون سوف يتخذ إجراءات أخرى لاحقا من شأنها أن تقربه من تورفيل (لقد راسلها، راسل فولانج أمينة سره الأخيرة)؛ ورغبته في الانتقام من ميرتوي قد تبين أنه نادم على موقفه الأول. ولكن الشك يبقى قائما؛ ويقول المؤلف ذلك علنا في أحد هوامشه (س. 154) حول رسالة فالمون المرسلة للسيدة فولانج لتسلم للسيدة دي تورفيل والتي لا وجود لها في الكتاب: "لأننا لن نجد شيئا في ما تلا هذه المراسلة من شأنه أن يلغي هذا الشك؛ لهذا قررنا أن نحذف رسالة السيد دي فالمون".

إن تصرف فالمون مع السيدة دي ميرتوي غريب بنفس الدرجة، إذا نظرنا إليه من منظور المنطق الذي أوضحناه سابقا. يبدو أن هذه العلاقة تضم عناصر شديدة التنوع، وغير منسجمة حتى ذلك الحين: هناك رغبات في التملك، ولكن هناك أيضا تعارض وفي نفس الوقت هناك بوح. هذه السمة الأخيرة (والتي تمثل بالتالي مخالفة لقاعدتنا الرابعة) تتجلى كعنصر حاسم في تحديد مصير فالمون: لقد ظل يبوح بأسراره للماركيزة حتى بعد إعلان "الحرب" عليها. وقد شكل الموت عقابا لفالمون على مخالفته للقوانين (الاجتماعية). وكذلك نسي فالمون أنه يستطيع التصرف على مستويين من أجل تحقيق رغباته، وهو ما كان يقوم به من قبل بمهارة: ففي رسالة للماركيزة، يعترف بسذاجة برغباته دون أن يحاول إخفاءها أو يتبنى تكتيكا أكثر مرونة (وهو ما كان عليه أن يفعله بسبب موقف ميرتوي). وحتى دون الرجوع لرسائل الماركيزة لدانسني، فإن القارئ يمكن أن يدرك أنها وضعت حدا لروابط صداقتها بفالمون.

مخالفة نظام الخطاب. ندرك هنا أن مخالفة النظام لا تشمل فقط سلوك فالمون، الذي أصبحت تصرفاته مخالفة للقواعد الاجتماعية السائدة؛ فكذلك تغير نظام كيفية إخبار القارئ. فعلى طول المحكي، كان القارئ على يقين من صحة أو خطأ الأفعال والأحاسيس المحكية: إن التعليق المستمر لميرتوي وفالمون كان يخبرنا بحقيقة أي فعل، كان يقدم "الباطن" نفسه، لا "الظاهر" فقط. ولكن نهاية الأحداث تعني بالذات توقف الاعترافات بين هاتين الشخصيتين؛ لقد توقفنا عن البوح بالأسرار لأي كان، فأصبحنا فجأة محرومين من المعرفة اليقينية، من معرفة "الباطنّ"، وأصبحنا ملزمين بالاعتماد على أنفسنا لتخمينه عبر "الظاهر". لهذا السبب لا نعرف إن كان فالمون يحب أم لا يحب الرئيسة حقا؛ ولهذا السبب نفسه، لسنا على يقين من الدوافع الحقيقية التي تحرك ميرتوي (بينما ظلت كل عناصر المحكي حتى الآن موضوع تأويل لا شك فيه): (هل كانت تريد حقا تدمير فالمون دون خوف من أن يفشي أسرارها؟ أم أن غضب دانسني قد كان من الشدة بحيث توقف عن أن يكون مجرد سلاح بيد ميرتوي؟ ذلك سر لن نعرفه أبدا.  

سبقت الإشارة إلى أن السرد كان حاضرا في رسائل فالمون وميرتوي، قبل لحظة مخالفة النظام، ثم تمت مخالفته لاحقا في رسائل السيدة فولانج. هذا التغيير ليس استبدالا بسيطا، بل اختيار لرؤية جديدة: فبينما كان السرد في الأجزاء الثلاثة الأولى متعلقا بالباطن، أصبح في الجزء الأخير متعلقا بالظاهر. إن السيدة فولانج لا تفهم ما يدور حولها من أحداث، ولا تدرك منها إلا المظاهر الخارجية (حتى السيدة دي روزموند تعرف أكثر منها؛ ولكنها لا تحكي ما تعرف). هذا التحول في المنظور أثناء السرد ظاهر بشكل خاص في العلاقة مع سيسيل: فكما في الجزء الرابع من الكتاب، لا توجد أي رسالة منتسبة إليها (الرسالة الوحيدة التي وقعتها هي تلك التي يمليها عليها فالمون)، ولا نتوفر على وسيلة لمعرفة "باطن" الأمور في تلك اللحظة. وهكذا كان الناشر على صواب حين وعدنا، في الهامش المتعلق بالخاتمة، بمغامرات جديدة لسيسيل: إننا لا نعرف الدوافع الحقيقية لسلوكها، ومصيرها ليس واضحا، ومستقبلها غامض.

قيمة مخالفة النظام. هل يمكن أن نتخيل للرواية جزءا رابعا مختلفا، جزءا لا يقبل مخالفة النظام السابق؟ كان بإمكان فالمون أن يجد دون شك وسيلة أكثر مرونة للقطيعة مع تورفيل؛ ولو حدث صراع بينه وبين ميرتوي، لكان بإمكانه أن يجد له حلا بمهارة أكثر ودون أن يعرض نفسه لهذا القدر من المخاطر. وكان بإمكان ّالمخادعين" أن يجدوا حلا يجنبهم هجمات ضحاياهم. وكان ممكنا أن نجد المعسكرين منفصلين كما في البداية، والمتواطئين على نفس الدرجة من القوة. ورغم أن المواجهة مع دانسني قد حدثت بالفعل، فقد كان بإمكان فالمون ألا يعرض نفسه لخطر مميت.

لا جدوى من إضافة المزيد: فدون تقديم تأويلات سيكولوجية، سندرك أن الرواية ستكون بصورة مغايرة، بل لن تكون شيئا إطلاقا. سنكون فقط أمام مغامرة فاسقة، أو غواية امرأة "عفيفة"، مع نهاية سخيفة. هذا يبين لن أن الأمر لا يتعلق هنا بخصوصية ثانوية لبناء النص، بل بعنصره المركزي؛ أكثر من ذلك أنه يتكون لدينا انطباع بأن المحكي في كليته يرتكز على إمكانية الوصول بالضبط لهذا الحل.

القول إن المحكي كان سيفقد كل عمقه الجمالي والأخلاقي لو لم يصل إلى هذه النهاية، أمر تم الرمز إليه في الرواية نفسها. وبالفعل، فإن الحكاية تقدم بشكل يجعلها مدينة في وجودها لمخالفة النظام. فلو أن فالمون لم يخرق قوانين أخلاقه الخاصة (وقوانين بنية الرواية)، لما اطلعنا أبدا على مراسلاته، ولا على مراسلات ميرتوي: نشر مراسلاتهم هو نتيجة لقطيعتهم، وبصفة أعم، نتيجة لمخالفة النظام. هذا التفصيل ليس صدفة، كما قد نعتقد: إن الحكاية في مجموعها لا تجد تبريرها الفعلي إلا في وجود عقاب للشر الذي وصفته الرواية. ولو أن فالمون لم يفسد صورته الأولى، لما كان للكتاب شرعية الوجود.

النظامان. حتى الآن لم نتحدث عن هذه المخالفة للنظام إلا بصورة سلبية، كنفي للنظام السابق. لنحاول الآن أن نرى ما هو المضمون الإيجابي لهذه المخالفات، وما هو النسق المحايث لها. لننظر بداية إلى عناصره: يقع فالمون الماكر في غرام امرأة "بسيطة"؛ ونسي أن يدبر حيلة مع السيدة دي ميرتوي؛ ذهاب سيسيل إلى الدير للتكفير عن ذنبها؛ لعبت السيدة دي فولانج دور المرشد ... كل هذه الوقائع يوحدها قاسم مشترك: إنها تخضع جميعها للأخلاق المتعارف عليها، كما وجدت في عصر لاكلو (بل بعده أيضا). وبالتالي فإن النظام الذي يحدد أفعال الشخصيات قبل وبعد النهاية هو فقط النظام السائد، النظام الموجود خارج عالم الكتاب. هناك تأكيد لهذه الفرضية أيضا بواسطة التطور الجديد في قضية بريفان. ففي نهاية الكتاب، نجد أن بريفان قد استعاد كل مجده السابق، مع أن رغباته، سواء الخفية أو المعلنة، كانت متطابقة تماما مع رغبات الماركيزة خلال مرحلة صراعهما. كل ما هنالك أن ميرتوي قد تصرفت بسرعة، مع أنها ليست مذنبة أكثر منه. إنه ليس عدلا سماويا تحقق في نهاية الكتاب؛ إنها فقط الأخلاق السائدة في المجتمع المعاصر، أخلاق طهرية منافقة، تخالف هنا أخلاق فالمون وميرتوي في بقية الكتاب. وهكذا تصبح "الحياة" جزءا من العمل الأدبي: ووجودها يشكل عنصرا أساسيا يجب علينا معرفته لفهم بنية المحكي. في هذه المرحلة فقط من تحليلنا يصبح تدخل المظهر الاجتماعي مبررا؛ ونضيف أيضا أن "الحياة" عنصر ضروري جدا. ويمكن أن ينتهي الكتاب هنا لأنه يكرس النظام الذي يوجد في الواقع.

إذا انطلقنا من هذا المنظور، يمكن أن نلاحظ أن عناصر هذا النظام السائد كانت حاضرة من قبل أيضا؛ وأنها تفسر هذه الأحداث والأفعال التي لم تكن قابلة للتفسير في النسق السابق الذي سبق أن وصفناه. في هذا الإطار مثلا يندرج تصرف السيدة فولانج تجاه تورفيل وفالمون، وهو تصرف معارض لم تكن له نفس الدوافع التي تعكسها الفقرة التي وسمناها بــق 3. السيدة فولانج تكره فالمون ليس لأنها واحدة من النساء اللواتي تخلى عنهن، بل لأن ذلك ينسجم مع مبادئها الأخلاقية. نفس الأمر بالذات ينطبق على أمين سر سيسيل الذي أصبح بدوره معارضا: إنها القواعد الأخلاقية السائدة خارج عالم الرواية هي التي توجه خطواته. إنها تصرفات لا توجد دوافعها أو أسبابها داخل الرواية، بل خارجها: إن الشخصيات تتصرف بشكل معين لأن ذلك واجب، وٍلأنه الموقف الطبيعي الذي لا يتطلب أي تبرير. وأخيرا يمكن أن نجد هنا أيضا تفسيرا لموقف تورفيل الذي يتعارض بقوة مع مشاعرها الخاصة باسم تصور أخلاقي يقول إن على الزوجة ألا تخون زوجها.

هكذا نرى مجموع المحكي من منظور جديد. إنه ليس مجرد عرض لفعل ما، بل حكاية صراع بين نظامين: نظام الكتاب ونظام سياقه الاجتماعي. في حالتنا هاته، وحتى مرحلة الحل، تؤسس الارتباطات الخطيرة نظاما جديدا، مختلفا عن نظام المحيط الخارجي. إن النظام الخارجي لا يحضر هنا إلا كحافز لبعض الأفعال. ويمثل الحل خرقا لنظام الكتاب، وما يتلوه يقودنا إلى نفس هذا النظام الخارجي، وإلى استعادة ما تم هدمه من طرف المحكي السابق. إن عرض هذا الجزء من الخطاطة البنيوية في روايتنا هاته غني بشكل خاص: فبمساعدة مختلف جهات المحكي، يتجنب لاكلوس اتخاذ موقف إزاء هذه الاستعادة. فإذا كان المحكي السابق منجزا على مستوى الباطن، فإن محكي النهاية ينجز كله على مستوى الظاهر. إننا لا نعرف ما هي الحقيقة، ولا ندرك إلا المظاهر؛ ولا نعرف بالضبط ما هو موقف الكاتب، حيث يبقى مستوى الأحكام خفيا. الحكم الأخلاقي الوحيد الذي ندركه يأتي من السيدة فولانج؛ ولكن، وكما لو كان الأمر مقصودا، يتم وصف السيدة فولانج في رسائلها الأخيرة بالذات بأنها امرأة سطحية، مفتقرة للرأي الشخصي، نمامة، الخ. يبدو الأمر كما لو أن الكاتب يريد أن يمنعنا من الثقة المفرطة فيما تعبر عنه من أحكام. إن العبرة المستخلصة من آخر الكتاب تعيد الاعتبار لبريفان؛ هل هو الموقف الأخلاقي للاكلوس؟ إن هذا الغموض العميق، هذا الانفتاح على تأويلات متعارضة هو ما يميز رواية لاكلوس عن روايات أخرى عديدة "مبنية بإتقان"، ويضعها في مصاف الأعمال الأدبية الكبرى.

مخالفة النظام كمعيار تصنيفي. يمكن أن نظن أن العلاقة بين نظام المحكي ونظام الحياة المحيطة به ليست بالضرورة هي نفس العلاقة المتحققة في رواية الارتباطات الخطيرة. يمكن أن نفترض أن الإمكانية المعكوسة واردة أيضا: إن المحكي الذي يكشف، أثناء تطوره، عن النظام القائم في العالم الخارجي، والذي تؤدي نهايته إلى ظهور نظام جديد، هو بالذات نظام العالم الروائي. لنتذكر مثلا روايات ديكنز التي تمثل في أغلبها، بنية معكوسة: فعلى طول المحكي، يحدث أمر خارق، كأن يظهر فجأة شخص غني يتيح بكرمه إمكانية خلق نظام جديد. هذا النظام الجديد، حيث تهيمن الفضيلة، لا يوجد طبعا إلا في الكتاب، ولكنه النظام الذي ينتصر بعد الحل.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟