رحلة بين زمنين – قصة: الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

دلف إلى المقهى وانزوى في ركن يمكّنه من رؤية الداخلين والمغادرين. لم يكن ينتظر أحدا ولم يكن على موعد مع أحد، أراد أن يختلي بنفسه في مكان لا يعرفه فيه أحد. هكذا ألف، كلما أراد أن يريح نفسه من المجادلات الجوفاء والحوارات البيزنطية يختار مكانا قصيا أو مقهى لا يؤمه المُتَفَيْقِهُون وأشباه المثقفين الذين يدّعون فَهْم كل شيء، ولكنهم في الحقيقة لا يدركون حقيقة أي شيء، يكتفون بما يسمعون ويردون ما يطّلعون عليه من أخبار فيسبوكية موجهة، فنشأت لديهم ثقافة السماع والتحاليل الجوفاء التي تفسد أحيانا كثيرة متعة اللقاءات.
اختار هذا المكان لبعده عن عيون الفضوليين فوجده ضاجا بالرواد الذين يلوكون أيامهم في رتابة. أغلبهم من خريجي الجامعات الذين أعياهم اللهاث المسعور وراء وظائف تليق بشهاداتهم الجامعية التي أفنوا شطرا من أعمارهم للحصول عليها. وعندما أعيتهم الحيل وأرهقهم الجري العبثي استكانوا. يأتون إلى هذا المقهى بلا اتفاق وعلى غير مواعيد. هكذا شاءت أقدارهم أن يلتقوا. وهكذا شاء قدر كل واحد أن يرى مأساة الآخرين ماثلة أمامه لينسى مأساته أو يتناساها، فالمصيبة، كما يُقال، "إذا عمّت خفّت". وجوههم كالحة ووجناتهم بارزة وعيونهم غائرة، يسفون السجائر سفا فيتراكم الدخان في فضاء المقهى مكونا ضبابا يكاد يعشي الأبصار.
يتجالسون لكن مشاربهم شتى. يتقاسمون الطاولة الواحدة لكن ذهن كل واحد منهم قد اتجه إلى ناحية لا يعلمها إلا الله. تمرق الأرواح محلقة في فضاءات بعيدة تطارد أحلاما صعبة المنال تاركة خلفها بقايا أجساد جوفاء مفرغة من كل معاني الحياة. بكبسة زر تنشأ الصداقات الافتراضية ويتم التعارف الغامض مع طرف آخر أكثر غموضا لا تجمعه به سوى كلمات مكتوبة أحيانا كثيرة بلغة مشفرة ورموز لا يقدر على فك طلسمها إلا من تدرب على معاشرة هذه الآلات الصماء. تعارُفٌ ومشاركة وتعليقات، أصوات متداخلة تُصدرها تلك القطع المعدنية الخرساء.

وحيدا كان يجلس بلا هاتف، يتأمل تلك الوجوه الجامدة الكالحة... سئم جو المقهى ففك قيود روحه وتركها ترحل أنّى شاءت. حلقت بعيدا وعبرت إلى زمن كان المقهى فيه غير المقهى، كان عامرا بزبائن يتبادلون الأحاديث والملَح والطرائف، ونابضا بالحياة التي لا لوثة فيها ولا أدران. حياة أولئك سهلة يسيرة لا تلوثها مثل هذه المنغصات لا تشبه حياة هؤلاء المعذّبين التائهين الضاربين في دروب ملغومة لا يعلم الواحد منهم متى تقع قدمه على لغم فينفجر ويفتت جسده المفتت أصلا. في المقهى ذلك الزمن الجميل، كما يحلو للبعض أن يسميه، هاتف وحيد موصول إلى سلك معدني يربطه بشبكة معقدة من الأسلاك المتداخلة لكنها لا تضطرب. لهاتف ذلك المقهى رنة واحدة إذا اهتز علا فوق كل الأصوات. مكالمات يتلقاها الرواد من أقاربهم المغتربين أو المسافرين. يكتفي المتخاطبان بتبادل التحايا والاطمئنان على الصحة والأسرة وكفى. تنتهي المكالمة ليتاح اتصال آخر من مكان آخر من بعيد آخر لمنتظر آخر.
هواتف هذا الجيل متنوعة، ذكية، أنيقة، لكل فرد متصل موسيقاه ورنينه، رنة للأصدقاء وأخرى لأفراد العائلة وثالثة للغرباء وأخرى للتنبيه بورود رسالة نصية. هواتف ترفض تلقائيا المكالمات غير المرغوب فيها. هواتف تزعج أكثر مما تؤنس، ظلت تلف حبائلها حول أعناق مستخدميها حتى أسرتهم وقيدتهم فلا يقدرون على التخلص من ربقتها.
أعاده اهتزاز هاتف لشاب يجلس إلى يمينه إلى جو المقهى الخانق المعفر بالدخان والصمت. اختلس النظر إليه فرآه مشدودا إلى الشاشة تكاد نظراته تخترق الغلاف الخارجي. رسالة واردة. قرأها ثم ابتسم وراح يخط بأصابعه الرقيقة بعض الكلمات والرموز ليرد على صاحبها...الرسائل، هل ما زال الناس يحفلون بكتابة الرسائل ويعتنون بها. هو الذي أمضى جزءا كبيرا من حياته المهنية يعمل ساعي بريد، يحمل الرسائل ويوصلها إلى أصحابها. يتأبط كل صباح محفظته الجلدية البنية، يملؤها مظاريف ورسائل وبرقيات، يرتبها حسب عناوينها من الأبعد إلى الأقرب. هكذا تعوّد أن يفعل. يعرف كل أنهج المدينة وأحياءَها ودكاكينَها ومقاهيها وحوانيت حلاقيها وجزاريها. لم تكن الرسائل تصل إلى المنازل إلا ما ندر. يتخطى أحيانا حدود المدينة فتراه فوق دراجته الهوائية الصفراء بين المسالك الضيقة وهو يصارع البرد والحرارة والمطر والرياح. لم يكن همه سوى أن يوصل الرسائل إلى أصحابها. لم تفتر همته يوما ولم تلن. عشق عمله فأخلص في أدائه. يوزعها كلها، رسائل تحمل روائح الغائبين وأخبار من طوحت بهم الأيام بعيدا عن الأهل والأحبة. حوالات بريدية انتظرها أصحابها طويلا، بطاقات نتائج مدرسية، دعوات لاجتياز اختبارات قد تفتح أمام مجتازيها دروب الحياة.. تكفيه عبارة "يرحم والديك"، تكفيه ابتسامة صادقة من فم متلهّف مشتاق وهو يمد يده ليتسلم رسالة طال انتظارها.
تنهد عميقا. لقد ولى ذلك الزمن المليء أسرارا. رسائل اليوم مكشوفة مفضوحة، تطلّع عيها أجهزة الرقابة قبل أن تقع عليها أعين أصحابها. رسائل هجينة مشوهة مبتورة، كلماتها جوفاء بلا طعم ولا لذة، تجرح القلب وتدميه أكثر مما تسعده وتؤنسه...أين تلك الرسائل التي تأتي محملة بالأشواق ومضمّخة بالمحبة الصادقة والحنان الفياض ولهفة اللقاء. ضاجة بالشكوى من لوعة البعد والفراق الممض. رسائل تعبق بأنفاس كاتبيها فتُطَمْئِن وتُسْعِد وتُبْهِج. رسائل يتلقفها الأب من ابنه البعيد عنه فتُطوى له المسافات ويحتضنه ويلثم كلماته ويرى فيها أنامله وهي تحنو على القلم لتسكب عبارات صادقة على الورقة...رسائل تتلقاها حبيبة بكل ما في قلبها من شوق ولهفة من حبيبها فتدسها بين أثوابها وتتعطر بعطرها وتغمرها إذا ما اختلت بنفسها بالقبلات وتضمها فترتوي روحها وترقص وتمرح بين سطورها وكلماتها باحثة شيء من روح غاليها.
كم قد حمل بين يديه من أسرار اِئْتُمِن عليها فأوصلها إلى أصحابها ملفوفة في ظرف ناصع البياض موشح بطابع بريدي حافل بالمعاني والإشارات التاريخية. يحملها ويسلمها إلى أصحابها. وكم كانت تسعده نظرات الامتنان من العيون. يراقب الأيادي وهي تتسارع لافتضاض بكارة الظرف. يتخيل وقع الكلمات على قارئها. لم يجرؤ يوما على الخوض في ما تحملها الرسائل من أخبار. وطّن نفسه على الصمت والكتمان. لم يسأل يوما ولم يحاول التسلل إلى المظاريف. أتقن حفظ الأسرار فصارت نفسه كيسا بلا نهاية. يمحو من ذاكرته كل الأسماء والعناوين. حتى إذا سئل عن رسالة من بعض الفضوليين أجاب إجابة صارت رمزا له "ما نعرفش".
صار علامة من علامات البريد على دراجته الهوائية الصفراء، يجوب أنهج المدينة متأبطا محفظته. لا يرتاح باله إلا إذا أفرغ ما في جوفها من رسائل وحوالات وبرقيات ودعوات. يغدو بتلك المحفظة الأليفة باطنة ويروح بها خامصة.
بدأ فضاء المقهى يزداد عفونة بدخان السجائر المتصاعد من أفواه هؤلاء الشباب الذين لا يتقنون سوى التهام السجائر واحتساء القهوة من أي كأس موضوع فوق الطاولة والإبحار عبر هذه الشبكة العنكبوتية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة فأفقدت كل شيء طعمه ولذته حتى صارت الحياة تكرارا ورتابة.
الصمت يلف المكان على كثرة الجالسين فيه. كل مشغول بعالمه. العيون مصوبة على الشاشات تكاد تخترقها. أخبار تتعاقب وصور تتالي. وإبهام يلامس الشاشة صعودا ونزولا. أغلب الذين يراهم يتنكَّبون مقاطع مصورة لا تحصى، تراهم يلهثون كأنهم يتسابقون لبلوغ نهاية نفق مصمم كي لا ينتهي.
أشار إلى النادل فأقبل نحوه موقِّعا خطواتها على نغم يبدو أنه يلتقطه عبر سماعة دسها في أذنيه. نقَده ثمن القهوة التي اكتفى باحتساء بعضها، ثم نهض متثاقلا وغادر المقهى، فاحتواه الشارع الطويل الذي يشطر المدينة نصفين، ومضى بلا غاية مردّدا بعض الكلمات الغامضة المبهمة كأنما قد أصابته عدوى أولئك الشبان الذين تركهم خلفه صاخبين في عالم صاخب.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟