نثر أوجاعه وآلامه في حقولي ثم نهض متثاقلا ومضى يعرج. أحسست به يُنزل حملا ثقيلا كان يكابد من أجل حمله. لم يجد أرضا بورا ليطمر في تربتها مأساته سوى أرضي. عبر باب المقهى مغادرا وتركني أتلمظ شوقي إلى لقائه مرة أخرى بالرغم من الأشواك التي نبتت فجأة في كل تفاصيلي. حرمني متعة الجلوس معه طويلا والتنقيب بين ثناياه علِّي أظفر منه بتفاصيل يجاهد ليمحو حروفها ويدبّق حبرها من كتاب حياته. هكذا دأبه منذ عرفته يقطع لقاءاتنا عند ذروة لذتها ويهمس لي "اللقاء شيّق والوقت ضيّق". يمضي إلى لا مكان، فقد صار يدرك أن كل الأمكنة تضيق به وتضجّ من حضوره إلا هذا المقهى الشعبي النائي في أطراف المدينة الذي لا يرتاده سوى الفارين من صخب المدن وضجيجها والباحثين عن هدوء الحياة وسكينتها، وهم قليل، بعد أن هدهم اللهاث المسعور وراء متاع الدنيا العفِن. وعندما أدركوا أن نهاية الحياة لن تكون سوى حفرة وكومة من التراب هدأت نفوسهم وسكنت.
مضى يتلوى وساقاه كقصبتين متوازيتين يلفهما بنطلونه الدجينز الأزرق. مضى بانحناءته الخفيفة مسربلا في معطف من السكاي طويل اهترأت أطرافه جراء ملامسة الأرض الذي يدب عليها. ويحيط برقبته وشاحا بلونه الأبيض والأسود يدّعي أنه هديةُ أسيرة فلسطينية محررة أهدته له التقاها مرة في مسيرة مناصرة لدولة فلسطين ضجت فيها الحناجر حتى كادت تبح مرددة "فلسطين عربية". تلك الأسيرة المحررة التي غادرت وطنها بعد توقيعِ تَعَهُدٍ بعدم العودة إليه، فاختارت أن تخوض النضال من بعيد، بل من بعيد جدّا.
لوثة أصابت عقله وشلّت تفكيره منذ مغادرته السجن الذي دخله لسبب لا يعلمه. وجد نفسه يومها فجأة في قبو مظلم بعد أن اقتادوه إليه إثر اقتحام ليلي لغرفته البائسة الكئيبة. اقتحام فيه كثير من الاستعراض والفنتازيا، لكنه كان ناعما هادئا. لم يسمع أزيز الباب ولا صوت تحطيم النوافذ، ولم تلتقط أذناه وقع أقدام تصعد السلّم مسرعة وواثقة أو تقطع الممر المؤدي إلى غرفته في الطابق الثالث من عمارة يسكنها كثير من البشر المسالمين. كان حينها يقف محاذيا النافذة يتأمل من بعيد ذؤابات الأشجار وهي تستقبل أولى خيوط الفجر لتخلصها من رداء الليل الأسود المظلم المخيف. دأب على الوقوف في هذا المكان من الغرفة كلما جافاه النوم. يضع فنجان القهوة على حافة النافذة ويشعل سيجارة ويمضي مراوحا بين نفث الدخان دوائر تلو دوائر وارتشاف هذا الشراب الذي أبدع الإنسان في جعله بطعم فريد يزيل عن النفس ما يلم بها بين الفينة والأخرى من ضيق وتوتر.