الطريق التي تأكل الرجال - قصة : الشرقي لبريز

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كان مساء الجمعة يهبط على الفنيدق ببطء، كأن النهار نفسه يخجل من النظر في وجوه العائدين. البحر، الذي بدا من بعيد كصفحة زرقاء هادئة، كان في الحقيقة وحشًا أليفًا؛ لا يبتلع الأجساد دائمًا، لكنه يلتهم الأحلام بصبر صياد عجوز.
هناك، على رصيف بارد يشبه مقعدًا في محطة للمنسيين، التقيت به.
أشعل سيجارة، ثم أطلق جملة خرجت من فمه كأنها قطعة من روحه:
"ناس مبلية بالزطلة... وأنا مبلّي بالغربة."
كان في الأربعين، لكن الزمن مرّ فوق وجهه مثل قطيع خيل هائج. عيناه لم تكونا تنظران إلى البحر، بل إلى شيء أبعد من البحر، إلى عمر ضاع وهو يركض خلف سراب اسمه "الضفة الأخرى".
قال بهدوء رجلٍ انتهى من البكاء منذ سنوات:
"هذه رابع مرة نحاول فيها الحريك."
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
"الغربة ما خلاتنيش نتزوج. كنت كل مرة نأجل حياتي. أقول: غدًا سأصل... وغدًا صار عشرين سنة."

أحيانًا لا يسرق الفقر الخبز، بل يسرق العمر.
حكى أنه دخل سبتة مساء الخميس. ظل يمشي في شوارعها حتى الصباح، كمن يخاف أن يغمض عينيه فتستيقظ أحلامه خارجه. كان يلمس الأرصفة بعينيه، ويعدّ نوافذ البيوت، ويتنفس هواء المدينة كما لو أنه يختبر حقيقة الحلم.
لكن الأحلام، مثل الموج، تعرف كيف تنقلب فجأة.
قال إنه مع زوال الجمعة تبدلت الوجوه، وتغيرت النظرات. وبحسب روايته، رأى بعض المتسللين يركضون هربًا من أشخاص يطاردونهم بالعصي، بينما كان آخرون يلوحون بأسلحة بيضاء. في تلك اللحظة، لم يعد يشعر أنه عبر إلى مدينة، بل إلى خوف جديد.
قال لي:
"خرجت وحدي... بإرادتي."
كان صوته يشبه بابًا خشبيًا أنهكته الريح.
لم نجد وسيلة للعودة.
على قارعة الطريق، أوقفتنا شاحنة لنقل البضائع. صعدنا إلى صندوقها الخلفي. كانت صفائح الحديد تحت أقدامنا ساخنة كأنها تحفظ حرارة نهارات الفقراء، وكانت رائحة الديزل تمتزج برائحة التعب.
كانت الشاحنة تشق الطريق نحو مرتيل، بينما كان البحر ينسحب خلفنا مثل شاهدٍ صامت، يعرف أننا لم نهزمه، بل هزمنا مرة أخرى.
في مرتيل، استقللنا سيارة أجرة كبيرة نحو تطوان.
داخل السيارة، كان الركاب يتحدثون عن الأخبار، أما هو فكان ينظر عبر النافذة. كانت الأشجار تركض إلى الخلف، والجبال تمر مثل شيوخ صامتين، والبيوت تبدو كأنها تعرف حكايته ولا تملك إلا أن تخفض رأسها.
من تطوان ركبنا حافلة إلى طنجة.
كانت الحافلة تمضي، بينما كان هو يعود إلى الماضي.
قال:
"كل مرة كيرجعوني لمدينة مختلفة... شيشاوة... زاكورة... ومدن أخرى. كأن المغرب كله صار غرفة انتظار كبيرة، وأنا المسافر الوحيد الذي لا يأتي دوره."
ضحك.
لكن ضحكته كانت تشبه كأسًا من زجاج رقيق؛ يكفي أن تلمسه ذكرى حتى يتشقق.
سألته:
"واش غادي تعاود؟"
ظل صامتًا.
كانت الشمس تموت خلف الجبال، وكانت السماء تنزف لونًا برتقاليًا يشبه نهاية حلم قديم.
ثم قال، دون أن ينظر إلي:
"ما بقيتش كنقلب على أوروبا... بقيت كنقلب على الرجل اللي كنت قبل ما تبدا الغربة تاكلني."
وصلت الحافلة إلى طنجة مع أول الليل.
نزل بهدوء، وعدّل حقيبته الصغيرة على كتفه، ثم ابتلعه زحام المحطة كما تبتلع قطرةُ مطرٍ رصيفًا مبللًا.
لم أعرف اسمه.
لكنني عرفت أن أخطر البحار ليست تلك التي تفصل الفنيدق عن سبتة.
هناك بحر آخر، لا يظهر في الخرائط.
بحرٌ يسكن داخل الإنسان.
كلما حاول أن يعبره، ابتلع عامًا جديدًا من عمره، حتى لم يبق منه سوى رجلٍ يمشي على الأرض... بينما روحه ما تزال عالقة على السياج الفاصل بين حلمٍ لم يولد، ووطنٍ لم يعد يعرف كيف يحتضن أبناءه.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟