" لكي تتكون جماعة أخلاقية يجب أن يخضع كل الأفراد إلى تشريع عمومي واحد ويجب أن يعتبروا القوانين التي توحدهم بوصفها توجيهات من مشرع مشترك"[1]. عمونيل كانطتعلن الأخلاق والقوانين والسياسة عن قواعد تتعلق بثلاثة سجلات متميزة : الأولى هي الحياة الخاصة بالوعي، والثانية هي الحياة في المجتمع، والثالثة هي الحياة في حضن جماعة مدنية ويعبر عن ذلك اللفظ الإغريقي بوليس الذي يعني مدينة أو دولة ومنه وقع اشتقاق لفظ السياسة. إن الأخلاق هي التي توجه وتتحكم في الحياة الخاصة ويعني أن نتصرف وفق ما يقتضيه الواجب ولا أحد يدفعنا إلى ذلك تحت الإكراه. في حين تتحكم القوانين والسياسة في التصرفات الخارجية للبشر إذ تتكفل القوة بإعادة وضعهم في الطريق المستقيم حتى ولو كان ذلك على غير ما يشتهون وعكس رغباتهم. لكن كيف يمكن التمييز بين القواعد القانونية والقواعد السياسية؟
إن القواعد القانونية تضبط العلاقات بين الأفراد والمجموعات فيما بينهم والصياغة العامة تكون على النحو التالي: "لا تسبب الأذى لغيرك". أما القواعد السياسية فهي على خلاف ذلك تضبط العلاقات بين الفرد والدولة وبين الفرد والمجموعة التي ينتمي إليها ونذكر منها دفع الضرائب وأداء الخدمة العسكرية والواجب المدني. من هذا المنطلق تحدد القوانين الأخلاقية والحقوقية والسياسية شكل الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد ولو عدنا إلى أرسطو فإننا نجده يميز بين ثلاثة مجموعات طبيعية هي العائلة والقرية والمدينة- الدولة وكل واحدة من هذه المجموعات تمتلك غايتها الخاصة بها ولكن الهدف الأسمى للجميع والذي تعبر عنه بشكل جلي الجماعة السياسية هو خيرية العيش سويا.
إن قواعد الأخلاق والقوانين والسياسة ترسم حدودا لسجلات ثلاثة تضيع فيها حريتنا ، فالقانون يضمن بلا ريب أكثر الأشكال صورية من الحريات بما أنه يحرص على ضبط العلاقة بين الأشخاص وممتلكاتهم. إن المبدأ الكوني للقانون يقتضي في أن يتطابق كل فعل بشري مع الحق بحيث يسمح لحرية كل فرد بأن تتوافق مع حرية الجميع وبالعكس كل فعل لا يمكن أن يتصالح مع الحرية العامة هو فعل غير عادل.
"
سقراط ،اسم يكاد جميع المتمدريسين يعرفه ،حتى ولو لم يعرف شيئا عن حياته وفلسفته، وهو عند المتخصصين في الفلسفة من انزلها من السماء الى الأرض ،اي من تفكير مجرد متعالي الى فكر داخل الاسواق ووسط العامة وفي الردهات والاروقة ،منه ينطلقون في تأريخهم للفلسفة ومنه يحددون معناها.
ليس في وارد هذه المقاربة توخي النظر في الجذور التي أفضت إلى غياب الفلسفة وما لابسها نظرياً وتاريخياً , على أهمية هذا وخطورته , وليس القصد من وراءها الوقوف على المآلات التي تناتجت عن هذا الغياب في الفضاء الثقافي العربي العام , من غيابٍ كلّي أو شبه كلّي لسلطة العقل ومرجعيته لصالح مرجعيات ما قبل معرفية مُعتمة , تناسلت ولم تزل بما هو أشد ظلاميةً وقتامةً , لدرجة بتنا نلمس فيها التأثيرات الناتجة عن ذلك ونعاين تجلياته في واقع التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي العربي الذي نشهده بين ظهرانينا .
" للبيروني نظريات في علم الطبقات والأزمان الجيولوجية... وتقترب نظرياته في هذه العلوم من النظريات الحديثة... ولم تكن هذه النظريات معروفة عند اليونان ولا منتشرة بين معاصريه. ويمكننا أن نعده لذلك من رواد العلوم الجيولوجية، خاصة وأن هذه الأفكار العلمية الصائبة لم تنتشر في أوربا وتأخذ طريقها إلى أبحاث علماء النهضة كليونارد دافنشي وأمثاله إلا بعد وفاة البيروني بعدة قرون."[1]
يرى المفكر علي حرب في كتابه (( الماهية والعلاقة ، نحو منطق تحويلي )) أنه بصدد إجتراح منطق أسماه المنطق التحويلي بوصفه نقداً للمنطق الصوري .. ويقوم منطقه على أساس القراءة النقدية التحويلية (( على نحو يتيح إبتكارات مفهومية وصيغ عقلانية مختلفة )) .. من أجل إنتاج إمكانيات جديدة للتفكير تعيد تنظيم العلاقة بين الوعي واللاوعي كما ترتب علائق المفهوم بموضوعه أملاً في ولوج المناطق المحرمة التي لم تطأها هواجس المفكرين .. وهو ينشد من كل ذلك الى إبتداع ممارسات جديدة للفكر تنطوي على علائق مبتكرة بالفكر أي علاقة الفكر بالآخر سواء أكان لغة أو ذاتاً أو معرفة أو شيئاً أو حركة أو منهجاً ... الخ ، وهنا نريد أن نسجل بعض الملاحظات كمناقشة لبعض إطروحاته سيما في الصفحات الأولى من الكتاب إذ يقول : (( إن النشاط الفكري ، هو ضرب من ضروب الممارسة . إنه خبرة وجودية بالمعنى الأصيل للكلمة ، أي هو مراس ذاتي وصناعة للحقيقة بقدر ما هو تجربة حية تصاغ بلغة مفهومية )) .. إن النشاط الفكري هو كفاءة أنطولوجية وليس خبرة وجودية فحسب ، هذه الكفاءة / القدرة متآتية من تأصيل عوامل عديدة منها الخبرة وخزين المعلومات والصفاء العقلي ... الخ ، كما لايمكن إعتباره مراساً ذاتياً بعيداً عن البيئة وحتمياتها وسيروراتها .. فضلاً عن إعتباره معني بصناعة الحقيقة فأمر مشكل إذ إن مهمته البحث عن الحقيقة لإعادة تشكيلها ليس بمعنى نمذجتها بقدرما مايتغيا مقاربة المعنى .. وإضاءة المفهوم . ثم يصف منطقه بأنه : (( يتجاوز منطق الهوية والمطابقة )) .. إن تجاوز الهوية ليس بالأمر المتاح وبالسهولة التي يتم طرحها ، نعم التحرر من تابوهات الهوية والإنطلاق مع إنفتاحها وشفراتها ، وإشتباك تلك الشفرات بشفرات ضدية في عملية ترميز تتعاطى مع المعاني الكلية التي صارت حاجة الفكر الإنساني إليها مسيسة في عصر الجدل التكنولوجي الذي راح يغرق الإنسان في (( أتوماتية لاواعية )) قد تحول إنسان التقدم العلمي والتكنولوجي العظيم الى إنسان جملي مشبع بالهمجية بقدر تشبعه بتكنولوجيا المعلومات والتقنيات المستحدثة . نعم ذلك الإشتغال على علائق المعنى هو الكفيل بالإنعتاق من قيود المطابقة والتحرر من منطق الهوية القار . أما قوله بأهمية إنفتاح الفكر على (( كثافة التجربة وإشتعالات الحدس وألاعيب الدلالة )) ، فإن الفكر الحديث يكاد يغرق في التجريب منذ بيكون حتى تسيّدت التكنولوجيا على االعلم الذي أصبح تابعاً ووليداً لها .. والإهتمام بألاعيب الدلالة والجدل اللفظي ، قد يرى الى حركة الفكر المطلوبة في البيان بدلاً من البرهان ، وهذا الرأي قديم منذ عصر السفسطة .. وجديد حسبما ماظهر من مناهج جمالية كالبنيوية والتفكيكية التي تقوم على أساس اللعب الحر للغة .. وقد تنتهي الى العدمية اللاغائية . فالمنطق التحويلي في نقده للمنطق الصوري ربما كان محقاً ليس بمعنى أن الأول صحيحٌ والثاني خاطيءٌ .. بل ربما كان الثاني يكتسي الكثير من الصحة ، لكنه أي المنطق الصوري غير منتج لأنه فكر دائري تموت فيه الحركة في نقطة البداية .
"إن من يثبت وسط الأخطار ويتصرف حيالها كما يجب لهو أشجع بحق ممن يسلك بثبات في الأوضاع المطمئنة."[1]
"من أول ثقافة العصور القديمة الى آخرها من السهل أن نجد شهادات على الأهمية المعطاة ل"لانهمام بالذات"وربطها بموضوع معرفة الذات." ميشيل فوكو، درس هرمينوطيقا الذات.
"يمكن أن يعد سؤال الفلسفة في الإنسان سؤالا استهلاليا وقائما في نفس الآن في أفق كل الأسئلة حتى لكأن تلك الأسئلة تذهل عن ذاتها لو هي ذهلت عن هذا القائم في أفقها جميعا..."[1]
" الإنسان هو أيضا محل للجهل، هذا الجهل يمكنه أن يتجاوز كينونته الخاصة وأن يستعيد ذاته انطلاقا مما يفوته." ( ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء)
الفلسفة والمؤسسة: أية علاقة؟