في حضارتين متجاورتين متواصلتين متحاورتين متدافعتين علي مدار التاريخ.. يبرز في إحداهما "الرازي" كمؤسس من مؤسسي منهج التفكير العلمي والتجريبي، وإنجازاته العلمية، ومن ثم الثانية يتسلم المشعل ـ بعد قرون ـ "برنار" فيواصل المسير، ويراكم الخبرات، ويبدع الاكتشافات، ويثري الإنجازات.أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (ت 313هـ)،"أبو الطب، وإمامه في الحضارة العربية الإسلامية"،"جالينوس العرب".. ولد في الري من أعمال إيران، ودرس الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والكيمياء والمنطق والأدب. تعلم طب "علي بن ربن الطبري(800-870م) في سن متأخرة. للرازي نحو 200 كتاب ومقال ورسالة في الطب والفلسفة والصيدلة والكيمياء وغيرها، وظل ما تـُرجم من مؤلفاته إلى اللغة اللاتينية مراجع هامة في الطب حتى القرن السابع عشر الميلادي، ومن أهم كتبه:"تاريخ الطب"، و"المنصوري في الطب"، وقد خصصه لأمراض الجسم، ثم تممه بـ"الطب الروحاني"، وله "الحاوي في الطب"(ترجم إلى اللاتينية سنة 1279 م، وعرف باسمContinens :)، و"الجامع الكبير"، و"الجدري والحصبة"، و"القولنج"، و"الأدوية المفردة" (سليمان فياض: عمالقة العلوم التطبيقية وإنجازاتهم العلمية في الحضارة الإسلامية، مكتبة الأسرة، 2001م، ص 57-62).
حلُـم بالعمل في المسرح، لكنه اصبح طبيباً وفيلسوفاً. اشتغل في مجال علم التشريح، ويعد رائدا ومؤسسا لعلم الفسيولوجيا الحديث.. ذلك العلم الوسط بين العلوم العقلية والطبيعية. كلود برنار(1813- 1878م) باحث وفيلسوف فرنسي نهم للمعرفة، بحث كثيرا، وكتب كثيرا، واعتزل كثيرا في منزل أسرته في "بوجوليه"، جد دؤوب، رغم اعتلال صحته، يدفعه فضول كبير للعلم، ورغبة في إعادة النظر في أسس التفكير العلمي والطب التجريبي. له عدة كتب في ميدان البحث العلمي والتجريبي التي كان يقوم بها. أسيء فهمة عائليا، وعارضته زوجته "المتدينة" التي لم تكن قادرة علي تفهم الشرف الذي سيعود علي زوجها من وراء"وحشيته" تجاه حيوانات المختبر. وقد عبر عن مبادئه العلمية في كتابه الشهير:"مدخل إلى دراسة الطب التجريبي"(1865م). ثم اصبح هذا الكتاب كتاب الفسيولوجيا المفضل.
"إن المبدع لنتاج يدين به لعبقريته لا يعرف هو نفسه كيف توجد فيه الأفكار الخاصة بهذا النتاج"[1]
إنه محمد عابد الجابري فيلسوف العرب الذي غادرنا عن خمسة وسبعين عاماً، وأربعين كتاباً، ومئات من الأسئلة المتعمقة المقلقة حول التراث والحداثة والعصبية والدولة والتعليم وحقوق الإنسان، وقضية مركزية أخلص لها وأفنى عمره في الانشغال بها هي قضية النهوض العربي. لطالما جسّد الجابري قيمة فكرية والتزاماً سياسياً تتضاءل إلى جوارهما أية ألقاب أو درجات علمية حصل عليها. وفى زمن عربي تعطى فيه الدرجات العلمية الرفيعة أحياناً لأسباب ليس من بينها بالضرورة الجدارة العلمية يدرك المرء كم هو مجحف أن تتساوى «دكتوراه» عابد الجابري مع غيرها من درجات الدكتوراه الأخرى! كان لقائي الأول والأخير مع الراحل الكبير في منزله الهادئ في الدار البيضاء. احتفى بي بكرم عربي أصيل. كدت أسمع في منزله صوت السكوت في هذا المساء المغربي الشارد بينما صدى صوته يتردد من حولي. ما زلت أذكر جيداً كلمته وهو يحكي عن عزلته التي صنعها لنفسه في السنوات الأخيرة.
يعد المغربي محمد عابد الجابري من بين المفكرين العرب ذوي المشاريع النظرية الأكثر لفتا للانتباه، واجتذابا للنقاش والجدل في اللحظة الراهنة.
"إن علم التعبيرعلم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه وتأويله"[1]
"إن الكثير من الازدراءات تصدر عن السفاهة المنتشرة جدا حتى داخل الأوساط العلمية والتي تتمثل في النظر إلى الفكر على أنه مأوى المعقول والى الفعل على أنه مأوى اللامعقول. بينما اللاعقلانية هي أيضا تجري في هذه الدائرة وتلك..." جوليان فروند[1]
"يحتاج العقل البشري لفكرة الكمال التام التي يستخدمها كسلم يرجع إليه من أجل أن يتمكن من تحديد نفسه"[1].
يحدد ماركس للفلسفة مهمة جديدة، هي تغيير العالم.و موقفه هو موقف مادية الممارسة* التي تفكر في كل الأشياء انطلاقا من النشاط الذي يبذله البشر.
"من أهم أغراضي أن أقنع القارئ بأن كل المواضيع التي يتعلق بها هذا الكتاب إنما هي في آخر التحليل موضوع واحد، وأن تلك الموضوعات إنما هي سبل ووسائط مختلفة تؤدي إلى مركز مشترك وفي تقديري أنه على فلسفة الثقافة أن تكشف ذلك المركز وأن تحدده."
"لقد مات التأويل ونشأت التأويلات"
لقد أفضت موجات الحداثة المتتابعة الى تقدم هائل في العلوم الطبيعية لاسيما في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ولم يعد من السهولة بمكان قياس قدرات الأنسان في السيطرة والتحكم بالطبيعة وتجييرها لصالحه .. فضلاً عما تحقق من تقدم ورقي في مضامير الحضارة والثقافة .. يعد طفرة أفتراقية هائلة عن مرحلة القرون الوسطى .. أنجلت عن تطور نوعي كبير تمخضت عنه (( حياة أجتماعية مترفة تصوغها أنظمة قانونية ونظريات معرفية )) لكن هذا التطور الكبير بأدواته التكنولوجية الجبارة ، لم يخلق التوازن النفسي المطلوب للجنس البشري ، وبالتالي لم يوفر للأنسان بحبوحة السعادة المرتجاة .. رغم هذا الترف والثراء الفاحشين .. أن هذه الأنجازات العلمية كلما حققت تقدماً أكبر كلما أفرخت مخاطر تهدد سعادة الأنسان وتنغص سلامة البيئة .. ذلك أن الأنسان الحداثي أتجه بكليته الى العلوم الطبيعة ، وفي غمرة أنغماسه في مد التقدم التكنولوجي غفل أو تغافل عن المعارف الأخلاقية والفلسفية .. مما أوجب ضآلة في نمو العلوم الأجتماعية إذا ما قيست بالعلوم الفيزيائية .. الأمر الذي قضى بحدوث صدع بين الفلسفة والعلم .. ولعل عجز العلم عن أن يجعل من تقدمه خيراً عميماً للأنسان ، يجنبه آثاراً جانبية مؤذية للأنسانية ، أنما هو وليد ذاك الصدع .. يقول لويس دي بروليه : (( نشأ في القرن التاسع عشر حاجز بين العلماء والفلاسفة . فالعلماء ينظرون نظرة شك الى تأملات الفلاسفة التي كثيراً مابدت لهم وقد أعوزتها الدقة في الصياغة كما أنها تدور حول قضايا عديمة الجدوى ولاحل لها . أما الفلاسفة فلم يعودوا بدورهم مهتمين بالعلوم الخاصة لأن نتائجها كانت تبدو محدودة . ولقد كان هذا التباعد ضاراً بكل من الفلاسفة والعلماء )) .