ممّا لا شكَ فيهِ أنَّ مبدأ المُساوّاةِ بينَ البشر، على اختلافِ انتماءاتِهمُ العقديّةِ والفكريّةِ والسياسيّةِ، قد تشكّلَ عبْرَ آلافِ السنين بلْ ولا يزَالُ في طورِ التشكُّل حتى الآن. ولعلّ مرورَهُ بتلكَ الحُقبِ الزمنيّةِ المديدةِ قدْ سَاهَمَ بدورهِ في غموضه للدَّرجة التي أصبح فيها من الصعوبة بمكان الوقوفُ على معْنَاهُ وفهمُ طبيعته. وآيةُ ذلكَ، أنَّ ما نَفْهَمْهُ اليومَ من عبارة " المُساوّاةِ" يختلِفُ اختلافاً كبيراً عمَّا كانت تَعْكِسْهُ من معنىً لأيٍ من مُواطني أثينا إبّانَ عَهْدِ بيركليز، على سبيل المثال.بل لعلَّنا نُفاجأ إذا مَا علِمنَا أنَّ أرسطُو لم يَجِد أدْنَى غَضاضةً في أنْ يُصرّحَ في كتابِهِ "السيّاسة" بأنَّ الفِطرَة هي التي أرَادتْ أنْ يكُونَ البرابِرة عبيداً لليونان، وأنَّ الآلهةَ قد خلقَتْ نوعينِ منَ البَشرْ: نوعٌ رفيعُ المقامِ زوّدَتهُ بالإرادةِ والعقل، وهم اليونانُ بطبيعةِ الحال، وآخرٌ لمْ تُزوّده إلا بالقوةِ الجُسمانيَّةِ فقط، وهُم غيرُ اليونانيين!.
أمَّا في الجزيرَةِ العربيَّةِ، في حُقبة ما قبلَ الإسلام، فكانتِ الغَلبَةُ هي المِعيّارُ الوحيدُ لتحقيق السِيَّادةِ ومنْ ثَمَّ لتحديدِ مَنْ هُمُ الأحرارُ ومَنْ يكونُ العبيد، ولدرجة أنَّ بعضَ جبابِرةِ العرب كانوا يقيسُونَ عِزَّهُم بإذلالِهم للآخرين!
ومَعَ أنَّ الإسلام أقرَّ المُساواةَ بينَ الناس بعدم تقرير التَّمايُز بينَ البشر لأي سببٍ كان؛ إلا أنَّ الواقِعَ التطبيقيّ لمبادئِه (خاصَةً في المراحِلِ المُتاخِرة) كانَتْ أبعَدَ مَا تكونُ عن ذلك بحيثُ أدَّتْ، فيما أدَّتْ، إلى إحداثِ نوعٍ من العِلاقاتِ غيْر المُتوازنّةِ على مُستوى كُلٍّ مِن: توزيعِ السُلطة، واختزالِ العِلاقاتِ الاجتماعيَّةِ فى نمطٍ ثُنائِيٍّ من السيَّادَةِ والتّبعيَّةِ، ممَّا أدى إلى تهْمِيشِ القُوى الفاعِلة في عمليَّة الإنتاج، والمُشاركةِ السياسيَّة...إلخ.
تجابه البشرية في عصرنا الحاضر واحداً من أخطر الأمراض الخبيثة التي تصيب المجتمع الإنساني، ذلكم هو الإرهاب الوحشي البشع بشتى صوره وأشكاله ودوافعه، والذي استشرى في المجتمعات البشرية، حيث تحول إلى عمل جماعي منظم [عصابات الجريمة المنظمة]، وحيث تمارس هذه المنظمات الإرهابية أساليب حديثة ومبتكرة لتنفيذ جرائمها الوحشية، مستعينة بالتطور التكنولوجي من جهة، وثورة الاتصالات التي أحدثها الانترنيت من جهة أخرى، وتنوع مصادر التمويل، بما فيها المخدرات، من جهة ثالثة، لتنفيذ جرائمها بحق المجتمع الإنساني، مما حول هذا الداء إلى معضلة عالمية خطيرة تتطلب معالجتها واستئصال شأفتها جهداً دولياً تتولاه الأمم المتحدة، وتشارك فيه كل دول العالم لدراسة وبحث الأسباب التي أدت إلى انتشار وتوسع ظاهرة الإرهاب من جهة، والوقوف على العوامل والدوافع التي تشجع هذا السلوك، والوسائل الكفيلة بمعالجة هذه المعضلة.
" إن التسامح ليس فقط مبدأ يعتز به ولكنه أيضا ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي والاجتماعي لكل الشعوب" [1]
هل قدر لمشهدنا الإبداعي أن يظل مشهدا هروبيا بامتياز, يركب الموجة تلو الموجة متعاميا عن حقيقة جذوره الضاربة في أعماق محيطه العضوي ..و في وعيه ؟ ألم يجد مبدعونا حلا آخر لتفتيت قلق الانتماء سوى اللهاث المستميت خلف حداثة لا تشبهنا , لا تحمل بصماتنا و مكوناتنا الوراثية ..؟
من المعروف أن الصحافة الجادة في العالم كله تدفع أجرا لكتابها أو للذين ينشرون فيها مقابل مقالاتهم أو إبداعاتهم. إلا عندنا, فالكتابة مجانية والحمد لله. ولأنها مجانية فمن الطبيعي أن تتسيّب وأن ترخص وأن لا يكون لأحد حق المطالبة بتحسينها. والسؤال لماذا لا تدفع صحفنا لكتابها؟ لماذا هذا الاستهتار, مع العلم أن معظم كتابنا ومبدعينا من الطبقة ضعيفة الحال اقتصاديا؟ هذا من جهة؟ أما من جهة أخرى, فان عملية الكتابة تأخذ من وقت الكاتب أو الأديب الكثير, كما أنها تتطلب جهدا فكريا كبيرا, لماذا على هذا الوقت وعلى هذا الجهد أن يذهبا سدى ودون مقابل؟ انه سؤال مشروع. حدثني مرة أحد الأدباء اليهود, وقد التقينا صدفة في إحدى الندوات, انه لا يقبل الظهور في ندوة أو محاضرة, كما أنه لا يقبل نشر كلمة واحدة في الصحف دون مقابل, وحين عرف أننا لا نتقاضى أجرا لا من كتاباتنا ولا من ظهورنا في محاضرات أو ندوات, ضحك ساخرا وقال: إذا استدعيت مهنيا إلى بيتك ليصلح شيئا ما, هل سيسامحك بأجره لأنك أديب أو مبدع؟ طبعا لا. ونحن مهنتنا الكتابة نرتزق منها تماما مثله, إذن لماذا لا نتقاضى منها أجرا؟ كيف سنعيش إذا!!!
إذا كانت الآثار الاجتماعية الناجمة عن هزيمة حرب عام 1948، قد تمثلت على ابرز ما تكون في صورة سيل متدفق من اللاجئين الفلسطينيين قدر عددهم آنذاك بنحو مليون نسمة، فأن أشد الآثار السياسية الناجمة عنها قد تمثل فورا في إلغاء الهوية الذاتية لفلسطين والشعب الفلسطيني. فالأرض الفلسطينية التي لم تصلها يد الحركة الصهيونية فقدت رايتها الوطنية وهويتها التاريخية، والشعب الفلسطيني تم اقتلاعه وتجزئته، وفرضت عليه قيود التنقل والإقامة والعمل ومنع من حرية التعبير والتنظيم، وقد كان لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (التقسيم) رقم 181 الصادر في نوفمبر 1947 الدور الرئيسي في التطورات والآثار السياسية التي انتهى إليها الفلسطينيون فيما بعد.
تعيش النخبة الثّقافية والسياسيّة في تونس على إيقاع محاولات مراجعة حقبة الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة، والحدث مدعاة لعودة عديد الهواجس والتدّاعيات بمختلف تلوّناتها، تتعلّق أساسا بإعادة الوعي بتلك المرحلة. فالخطّ السياسي الذي ميّز تونس بعد الاستقلال –مارس 1956- يعدّ فريدا في العالم العربي، إن لم نقل نشازا. أوّلا: لانتهاج بورقيبة درب تحديث وعلْمنة صامتة مستندا فيهما لفلسفة فردانية وفّقت في جذب شعب بأكمله وراءها. ثانيا: لخروجه عن ثوابت وأعراف وتقاليد، ميزت ووحّدت السياسة العربية الحديثة. عبر هذين المستندين سنحاول النظر في تلك التجربة مبرزين انعكاساتها السلبية والإيجابية على التونسي من حيث بلورة توجهاته ونحت شخصيته الحديثة، ومن حيث جدلية تلك المغامرة مع الخط السائد داخل بنية الاجتماع العربي الجامعة. فبرغم المعية أو الضدية أو الحيادية التي تميز الرؤى المنشغلة بتلك الحقبة ومخلّفاتها، فإن الإقرار يسود بالاعتراف بتجذر صبغ البورقيبية لشخصية شعب بأكمله. لا يسمح المقال بمتابعة الإناسة السياسية للتجربة في جزئياتها ولذلك سنقتصر على المحاور الكبرى التي تلخصت فيها.
منذ تربعها على عرش العالم قامت الامبراطورية الأمريكية برفع شعار مؤداه أنها تحمل رسالة نشر الحرية والديمقراطية والرخاء لكل شعوب العالم فى كل مكان، وخصت العالم الإسلامى باهتمام متزايد مقارنة بغيره فى هذا الاتجاه، وتحديداً فى مسألة الحرية والديمقراطية، حيث انطلقت من تقدير معين هو أن العالم الإسلامى يفتقد بطبيعته للحرية والديمقراطية، ومن واجب الولايات المتحدة أن تتدخل فيه لتغرس هذه القيم التى يفتقدها.