تصدير المترجم:

تُمثّلُ معسكرات الاعتقال والتطهير في أوشفيتز (Auschwitz) أحدَ أكثرِ فصول التطهير العرقي ضد اليهود رعبًا في التاريخِ الإنسانيِّ الحديث، إذ تحوّلت إلى علامةٍ كبرى على الإبادةِ الجماعيةِ والعنفِ المنظمِ الذي مارسته النازيةُ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانية. فقد أُقيمت معسكراتُ أوشفيتز في بولندا المحتلة، وشهدت عملياتِ قتلٍ جماعيٍّ استهدفت ملايينَ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ وأسرى الحربِ والمعارضينَ السياسيين. ولم تعد أوشفيتز، في الفكرِ النقديِّ، مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ معزول، بل أصبحت تعبيرًا عن انهيارِ العقلانيةِ الإنسانيةِ عندما تنفصلُ الحضارةُ والتقنيةُ عن القيمِ الأخلاقية. ولهذا رأى أدورنو أن المهمةَ الأساسيةَ للتربيةِ بعد أوشفيتز تتمثلُ في منعِ تكرارِ مثلِ هذه الكارثة، عبرَ تنميةِ الوعيِ النقديِّ ومقاومةِ الطاعةِ العمياءِ والعنفِ واللامبالاةِ تجاهَ الإنسان.

تُعَدُّ هذه المقالةُ من أكثرِ المقالاتِ التربويةِ أهميةً وخطورةً في مجالِ الفكرِ النقديِّ لثيودور أدورنو، وتنبعُ أهميتُها القصوى اليومَ كما كانت بالأمس من تعاظمِ مظاهرِ العنفِ الدمويِّ والمذابحِ والتصفياتِ العرقيةِ التي تدورُ دوائرُها في مختلفِ أنحاءِ العالمِ اليوم: في فلسطينَ المحتلة، في السودان، في ليبيا، في الصومال، في اليمن، في إيران، في سوريا، وفي أوكرانيا، وفي مختلفِ أصقاعِ هذا العالمِ الموبوءِ بالعنفِ والإجرامِ والدم. تناقشُ هذه المقالةُ ظاهرةَ الإبادةِ الجماعيةِ لليهودِ في أوشفيتز (Auschwitz)  التي تتمثلُ في أشهرِ معسكراتِ الاعتقالِ والإبادةِ التي أنشأها النظامُ النازيُّ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ في بولندا المحتلة. وقد تحوّلت هذه المذابحُ إلى رمزٍ عالميٍّ للرعبِ والإبادةِ الجماعيةِ بسببِ عملياتِ القتلِ المنظمِ التي استهدفت ملايينِ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ والمعارضينَ السياسيينَ وأسرى الحربِ وغيرهم. وفي الفكرِ النقديِّ عند أدورنو، لم يَعُدْ أوشفيتز مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ، بل أصبح تعبيرًا عن انهيارِ القيمِ الإنسانيةِ والعقلانيةِ الحديثة، ودليلًا على أن الحضارةَ والتقدمَ التقنيَّ يمكنُ أن يتحولا إلى أدواتٍ للهيمنةِ والعنفِ إذا انفصلا عن الوعيِ الأخلاقيِّ والنقديِّ.

إذا كانت أهداف التربية والتكوين تتمثل في تمكين المتعلم من بناء مساره الدراسي والمهني بصورة واعية ومسؤولة، فإن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم في فراغ مؤسساتي، بل يقتضي وجود إطار تربوي وتنظيمي يتيح ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات تربوية ملموسة داخل المؤسسة التعليمية ، كما يحتاج إلى بيئة مؤسساتية قادرة على تنظيم الفعل التربوي وتنسيق جهود الفاعلين التربويين بما يخدم هذا الهدف.
ومن هذا المنظور، يبرز مشروع المؤسسة باعتباره الآلية التنظيمية التي تسمح بتجسيد المبادئ التربوية داخل الممارسة المدرسية اليومية. فهو الإطار الذي يمكن من خلاله تحويل المبادئ العامة التربوية إلى برامج عمل وأنشطة تربوية مشتركة تستجيب لحاجيات المتعلمين وتساعدهم على تنمية قدراتهم على الاختيار والتخطيط لمستقبلهم الدراسي والمهني.
وبذلك يشكل مشروع المؤسسة حلقة وصل بين التصور النظري وبين التنزيل العملي داخل المدرسة، إذ يتيح تنظيم المبادرات التربوية في إطار رؤية جماعية تشارك في بنائها مختلف مكونات المجتمع المدرسي. ومن خلال هذه الدينامية الجماعية، تتحول المؤسسة التعليمية من مجرد فضاء لتلقين المعارف إلى فضاء تربوي يواكب بناء المشروع الشخصي للمتعلم ويهيئ الشروط الملائمة لنموه المعرفي والشخصي والاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية تناول مشروع المؤسسة بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لتنزيل مقاربة تربوية داخل المنظومة التربوية، باعتباره الأداة التي تسمح بتحويل المبادئ التربوية العامة إلى ممارسات مؤسساتية منظمة وقابلة للتقويم والتطوير. ما المقصود بمشروع المؤسسة؟ وما المنظور الإبستيمولوجي الذي يؤطر هذا المفهوم؟ وما الأهداف التي يتوخى تحقيقها؟ وما المبادئ التي يقوم عليها؟ وكيف تتم عملية إعداده وتنزيله؟ ومن هم الفاعلون أو الأطراف المعنيون بتفعيله داخل المؤسسة التعليمية؟

تمهيد إبستيمولوجي لمفهوم مشروع المؤسسة
يشكّل مشروع المؤسسة أحد المفاهيم المركزية في التحولات العميقة التي عرفتها السياسات التربوية المعاصرة، حيث انتقلت المدرسة تدريجياً من منطق التدبير الإداري المركزي القائم على تنفيذ التعليمات والبرامج المقررة سلفاً، إلى منطق تدبيري جديد يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وعلى إشراك مختلف الفاعلين التربويين في بناء الرؤية التربوية للمؤسسة وتطوير ممارساتها. ويعكس هذا التحول انتقالاً إبستيمولوجياً في النظر إلى المؤسسة التعليمية؛ إذ لم تعد تُفهم باعتبارها مجرد فضاء لتطبيق المناهج والبرامج الرسمية، بل أصبحت تُنظر إليها بوصفها نسقاً تربوياً دينامياً يمتلك قدرة على التشخيص الذاتي، وعلى بلورة مشاريع تطويرية تستجيب لحاجيات المتعلمين ولمتطلبات محيطها الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا الإطار، يستند مفهوم مشروع المؤسسة إلى مجموعة من المرجعيات المعرفية التي تتقاطع فيها مقاربات التدبير الاستراتيجي في التنظيمات الحديثة مع مقاربات علم اجتماع التربية، والتي تؤكد جميعها أهمية الانتقال من منطق التدبير العمودي إلى منطق التدبير التشاركي القائم على تعبئة الفاعلين المحليين داخل المؤسسة التعليمية. فالمؤسسة، وفق هذا التصور، ليست مجرد وحدة إدارية تابعة للمنظومة التربوية، بل فضاء اجتماعي وتنظيمي تتفاعل داخله إرادات الفاعلين وخبراتهم المهنية من أجل إنتاج مبادرات تربوية قادرة على تحسين جودة التعلمات وتطوير الحياة المدرسية.

توثق ذاكرة الأدب لعدد لا يستهان به من الرسائل التي خطّها مشاهير الأدباء والمفكرين. رسائل تخاطب العالم، وتحدثه عن أشواق وآلام، وتجارب ظلت تلسع قلوبهم كإبر النحل، لكنها تُخلف أثرا جليا على شعور القارئ وتفكيره.
رسائل تُلامس في مذكراتهم واقعا شبيها بالذي نعيشه، مع اختلاف واضح في القدرة على التصوير والحُكم. ذلك أن الطفولة المحفوفة بالعوز والحرمان هي ذاتها في كل أرجاء البسيطة، وشغب التلصص على عالم الكبار متعة يتقاسمها كل الصغار. كما أن الشقوق التي تُخلفها متاعب الحياة وأحزانها هي ذاتها، مع فارق في تقريب الصورة برشاقة قلم لا تحظى به كل الأصابع!
ضمن هذا المنحى الذي يُلون النسيج الداخلي للكاتب بألوان الحكمة والجمال، قدم رابندرانات طاغور ذاكرته كمادة أدبية مفعمة بالسحر، لكنها لا تصلح دليلا في المحكمة. وفي كتابه (ذكرياتي) يعرض طاغور مسيرة متألقة جمعت بين الأدب والنشاط السياسي، لتثمر بناء مدرسة تلخص نظرة فريدة للعالم والإنسان.

لم يقنع طاغور بعطائه الأدبي الذي تواصل على امتداد ستة عقود، وقدم خلاله أعمالا رائدة في الشعر والقصة والرواية والمسرح، وإنما أبدى حرصا عجيبا على تفكيك عقدتي التخلف والجهل في بلده البنغلاديش، وطرق أبواب المستقبل عبر إذكاء الشعور الوطني في مجال السياسة، وتصويب الممارسة التربوية بما يحقق تجاوزا صائبا لمادية المنظومة الاستعمارية الغربية.

تلقى طاغور في بداية حياته المدرسية نصيحة مدوية من معلمه، ستفتح بصره على أهمية التعليم رغم قسوته آنذاك، لكسر الطوق الذي يشل أمة الهند بأسرها:

"تبكي الآن للذهاب إلى المدرسة. عليك أن تبكي أكثر في المستقبل لإخراجك منها."

أدخلَ التَّحوُّلُ الرَّقْمِيُّ العميقُ الذي تشهدهُ المجتمعاتُ المعاصِرَةُ مسألةَ التَّربيةِ الجِنْسِيَّةِ في أفقٍ جديدٍ، لم تَعُدْ فيه الأُسْرَةُ والمدرسةُ الفاعلينَ الوحيدينَ في تشكيلِ الوعيِ الجِنْسِيِّ، بل أضحتِ المنصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ، ووسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ، وخوارزميّاتُ العرضِ، أطرافًا مركزيَّةً في إعادةِ إنتاجِ المعرفةِ والتمثّلاتِ والميولِ الجِنْسِيَّةِ. وفي هذا السِّياقِ، لم يَعُدِ السُّؤالُ المطروحُ هو ما إذا كانَ الشَّبابُ يتعرّضونَ لمضامينَ جِنْسِيَّةٍ، بل كيفَ يتعرّضونَ لها، وبأيِّ شروطٍ معرفيَّةٍ ونفسيَّةٍ وقيميَّةٍ.

تتميّزُ التَّربيةُ الجِنْسِيَّةُ في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ بوصفها تربية من نمط جديد بكونِها تتمُّ في فضاءٍ مفتوحٍ، سريعٍ، ومتشظٍّ، إذ تختلطُ المعرفةُ العلميَّةُ بالإشاعةِ، وتتفاعل التَّجربةُ الشَّخصيَّةُ بالتمثيلِ الاستعراضيِّ، ويتداخل الحميميُّ بالعموميِّ. وعليه، يجدُ الشَّبابُ أنفسَهم أمامَ تدفّقٍ مستمرٍّ من الصُّورِ والخطاباتِ التي تقدّمُ الجسدَ والرَّغبةَ في صِيَغٍ مبسَّطةٍ، ومجتزأةٍ، وغالبًا مسلَّعةً، دونَ سياقٍ تربويٍّ يوفّرُ أدواتِ الفهمِ والنَّقدِ. وهنا تكمنُ المفارقةُ الأَساسيَّةُ: وفرةُ المعلوماتِ تقترنُ بندرةِ المعنى.

إنَّ التَّربيةَ الجِنْسِيَّةَ الرَّقْمِيَّةَ، في صورتِها غيرِ المؤطَّرةِ، تُنتجُ وعيًا جِنْسِيًّا قائمًا على المقارنةِ الدَّائمةِ، والبحثِ عن القبولِ الرَّقْمِيِّ، والانخراطِ في معاييرَ جماليَّةٍ وسلوكيَّةٍ تفرضُها المنصّاتُ أكثرَ ممّا تفرضُها الثَّقافةُ أو القيمُ الأَخلاقيَّةُ. ويتحوّلُ الجسدُ، في هذا الإطارِ، إلى مشروعِ عرضٍ دائمٍ، وتغدو الرَّغبةُ مرتبطةً بعددِ المشاهداتِ والإعجاباتِ، لا بالعلاقةِ الإنسانيَّةِ أو النُّضجِ العاطفيِّ. وبذلك، لا يُلغى الضَّبطُ الاجتماعيُّ، بل يُعادُ إنتاجُه في شكلٍ أكثرَ خفاءً، تمارسُه الخوارزميّاتُ بدلَ المؤسّساتِ التَّقليديَّةِ.

وفي مقابلِ هذا الواقعِ، تبرزُ الحاجةُ إلى إعادةِ تعريفِ التَّربيةِ الجِنْسِيَّةِ بوصفِها تربيةً رقميَّةً نقديَّةً، لا تكتفي بتقديمِ معلوماتٍ بيولوجيَّةٍ أو تحذيراتٍ أَخلاقيَّةٍ، بل تسعى إلى تمكينِ الشَّبابِ من فهمِ آليّاتِ التَّأثيرِ الرَّقْمِيِّ، والتمييزِ بينَ المعرفةِ العلميَّةِ والتمثيلِ الإعلاميِّ، وبينَ الحُرِّيَّةِ والتَّسليعِ. فالتَّربيةُ الجِنْسِيَّةُ في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ لا تنفصلُ عن التَّربيةِ الإعلاميَّةِ، لأنَّ الجهلَ بقواعدِ عملِ المنصّاتِ يُحوِّلُ المتلقّيَ إلى موضوعٍ للتَّأثيرِ بدلَ أن يكونَ ذاتًا فاعلةً.

كما تقتضي هذه التَّربيةُ الجديدةُ إعادةَ الاعتبارِ للبُعدِ العاطفيِّ والإنسانيِّ للجِنْسانيَّةِ، في مواجهةِ نزعاتِ الاختزالِ التِّقنيِّ والاستعراضيِّ. فالجنسانِيَّةُ ليست أداءً رقميًّا، ولا صورةً مثاليَّةً، بل تجربةً مركَّبةً تتطلّبُ النُّضجَ، والمسؤوليَّةَ، والقدرةَ على بناءِ علاقةٍ متوازنةٍ معَ الذَّاتِ والآخرِ. ومن هنا، يصبحُ الصَّمتُ الأُسَريُّ أو الخطابُ التَّخويفيُّ أقلَّ جدوى من الحوارِ الواعيِ القائمِ على الثِّقةِ والمعرفةِ.

"نحن مقتنعون تمامًا بأن معرفة تاريخ العلم أمر بالغ الأهمية. بل أعتقد أنّه لا يمكن فهم علمٍ ما فهمًا كاملًا إلا بعد معرفة تاريخه"[1].أوغست كونت

 Abstract :

The notion of « vacuum » represents a concept that is at once scientific, philosophical, and experimental, whose understanding has evolved profoundly throughout the history of science. Teaching this concept in physics through its historical development allows educators to move beyond a purely descriptive approach and to introduce students to the dynamic process of scientific knowledge construction. From this perspective, the history and philosophy of science provide a particularly relevant didactic framework: they make visible the conceptual ruptures, controversies, and cognitive obstacles that have marked the elaboration of the idea of vacuum. Drawing on the works of Matthews, Clément, and Gagliardi, this article examines how integrating the historical dimension into physics teaching can foster deeper conceptual understanding among students. It proposes a pedagogical sequence centered on the evolution of the concept of vacuum, combining historical reflection, experimental analysis, and the progressive construction of the notions of pressure and space.

Keywords: history of science, physics education, vacuum, atmospheric pressure, teaching sequence.

 ملخّص:
تُعدّ فكرة الفراغ مفهومًا علميًا وفلسفيًا وتجريبيًا في آنٍ واحد، وقد شهدت فهمًا كان يزداد عمقا عبر مختلف مراحل تاريخ العلم. وفي درس الفيزياء، سيتيح تتبّع مسار هذا المفهوم التاريخي تجاوزَ المقاربة الوصفية البحتة، إذ إنّه يحفز المُدرّس على إدخال المتعلمين في صميم العملية الديناميكية لبناء المعرفة العلمية. ومن هذا المنظور، فإنّ تاريخ العلم وفلسفته يُشكّلان إطارًا تعليميًا ذا أهمية خاصة. فهُما يُبرزان الجدل الفكري الذي دار في الماضي تمهيدا لما وصل إليه العلم اليوم في ما يتعلّق بهذا المفهوم، ويكشفان عن العوائق المعرفية التي رافقت تشكّله عبر العصور. وفي هذا السياق، يتناول هذا المقال الكيفية التي يمكن من خلالها لإدماج البُعد التاريخي في تدريس الفيزياء أن يُسهم في تعميق الفهم مسألة الفراغ لدى المتعلمين. ثمّ إنه يقدّم مقترحَ سلسلة تربويّة حول تطوّر مفهوم الفراغ، تجمع بين التأمل التاريخي والتحليل التجريبي والبناء التدريجي لمفاهيم الضغط والفضاء.

الكلمات المفتاحية: تاريخ العلوم، تعليم الفيزياء، الفراغ، الضغط الجوي، التسلسل التعليمي.

التعليم بالدول الإفريقية، تقرير 2025:  "طفل واحد من أصل خمسة أطفال ينهي مرحلة التعليم الابتدائي!"
بتعاون ما بين المركز الافريقي حول القيادة المدرسية ومجموعة التقرير الدولي حول تتبع التعليم وشبكة LEARN لتحليل التربية وتحقيق النتائج التابعة لمنظمة الاتحاد الافريقي (تعمل بشراكة مع اليونسكو، تم إصدار تقرير جول التعليم ببلدان إفريقيا (عينة دول شملتها الدراسة ضمنها المغرب)،وهو التقرير الثالث افي الموضوع.
ينطلق التقرير من مجموعة مجالات ومعايير ومؤشرات تتعلق بالتربية والتعليم، ويقدم خلاصات بحث ميداني ومقابلات مع السلطات التربوية المحلية حسب الدول المعنية، ورؤساء المؤسسات التعليمية، ومع ممثلي اولياء التلاميذ في 300 مدرسة (التعليم الابتدائي)
والتحليل في التقرير يشمل عناصر القيادة المدرسية، والسياسة اللغوية (الاختيار اللغوي في التدريس) والتمويل ثم جوانب من الدعم الاجتماعي ذي صلة بفرص التمدرس (الإطعام المدرسي) بالإضافة إلى تحليل المضمون (وثائق تربوية-أطر مرجعية للتقويم-منهاج واختيار كفايات أساس-البنية المادية للمؤسسات(التجهيزات)
ويضع التقرير بعد تقديم تحليله وجداوله التركيبية بخلاصاتها العامة، مجموعة من التوصيات، يمكن تقسيمها إلى :التوصيات العامة وتخاطب الدول الافريقية والمعنيين فيها بقضايا التعليم ثم التوصيات الخاصة وتهم دولا بعينها (عينة الدراسة) من بينها المغرب.

يقول مالك بن نبي: " المجتمع الذي يقرأ ليكدس المعرفة لا ليغير سلوكه هو مجتمع يقرأ ليبقى متخلّفا "
هذه الجملة وحدها تكشف لنا مشكلة عميقة نعيشها اليوم، وهي أن كثيرا من الناس يظنون أن المعرفة وحدها تكفي لتغيير الواقع بينما الحقيقة أن التغيير لا يحدث إلا عندما تتحول المعرفة إلى عمل وسلوك ومعنى يعاش.

مالك بن نبي كان يقصد بـ التكدس الثقافي تلك الحالة التي يصبح فيها الإنسان مثل خزان مملوء بالأفكار والمفاهيم، لكنه لا يستفيد منها في حياته اليومية. يقرأ، يسمع ويحفظ، يناقش... لكن لا يطبق. وهكذا تبقى أفكاره حبيسة رأسه لا تخرج إلى أرض الواقع، ولا تغير شيئا في سلوكه أو في طريقة نظره للحياة.

لنأخذ مثالا بسيطا: شخص قرأ عشرات الكتب في التربية والأخلاق والفلسفة، وحفظ أقوال المفكرين ولكنه في واقعه ما زال يصرخ في وجه أطفاله، ويعامل الناس بقسوة ويحتقر من يختلف معه.

أليس هذا تناقضا؟ كيف لإنسان يعرف الكثير عن التربية والحكمة، لكنه لا يربي نفسه أولا؟

هنا نفهم أن المعرفة لوحدها لا تصنع الإنسان الواعي بل القدرة على ترجمتها إلى فعل وسلوك هي التي تصنع الفرق.

ونفس الشيء نلاحظه في مجالات أخرى:

مقدمة:
لعل الحقيقة التي يجب أن نعترف بها ونحن نتحدث عن التربية، هي الوعي بأن هدف التربية مستخرج من سؤال أحد استصعابا وأكثر استشكالا، على نحو يمكن تشبيه السؤال بمركز دوران رحى الفكر الفلسفي والتربوي. و يتأسس السؤال على ماهية الإنسان وحقيقته أوهذا الكائن الذي نصطلح على تسميته إنسانا. من هنا، نعاين بجلاء أن النموذج التربوي مستخرج من تصور ماهية الإنسان في الأصل. ومن اختلاف هذا التصور الأساسي، توالت اختلافات المرجعيات أو المذاهب التربوية بوصفها عقائد تربوية ناجزة مغلقة الأسس والنهايات.

فالاختلاف في نوعية التربية يبتدأ عاما شاملا لكنه يتمايز بحسب خصوصية النسق المرجعي المحدد لكل ثقافة ومجتمع. فالتربية الأثينية -مثلا- دمقرطت المجتمع، بينما "التربية الإسبارطية عسْكرَتْه لغاية بحيث جعلت من السرقة والأنانية والبخل فضائل مثلى[1]". والأكيد –أيضا-  أن التربويات الشرقية على العموم تختلف وتتمايز، فبين التربية الفرعونية، والصينية، والهندية نماذج قياسية متناقضة. لذا نجد برتراند راسل يستشكل مسألة المثل العليا باعتبارها تعبيرا عن مبلغ الكمال المتصور الذي ينشده المربون في فعلهم التربوي لبلوغ المثل الأعلى للأخلاق الإنسانية الممكنة. إلا أن النموذج الأعلى للتربية تتباين معالمه بتباين الإبستيميات أوالصور النموذجية والبراديغمية المحددة لفعل التربية بناء على المرجعيات الفلسفية لكل مجتمع من المجتمعات. ويميز برتراند راسل بين نوعين أساسيين من فلسفات التربية:

أولا: فلاسفة التربية، الذي يتخذون من التربية وسيلة وأداة لتلقين عقائد محددة بالذات. مما يدل على أن الجيل الجديد يكون مجرد حامل ثقافة.

ثانيا: فلاسفة أكثر تسامحا، وهم من يرون أن التربية يجب أن تغرس في المتعلم القدرة على الاستقلال في الحكم والإضافة للثقافة مما يجعله غير حامل فقط، بل مغير ومجدد بصورة إيجابية[2].

وستهدف هذه الورقة الكشف عن التحولات  الحاصلة على مستوى مفهوم التربية تبعا للاختلافات النظرية والمنطلقات الفلسفية التي تشكل الأساس القاعدي والجوهري للمرجعيات الإبستيمية المشكلة للأنظمة الثقافية داخل المجتمعات أو ما يُسمى "نظام الخطاب[3]". إذ نفترض أن الإبستيمية المحددة للنظام الثقافي تنطلق من تصورات مخصوصة ترتبط بعلاقة الإنسان بالطبيعة والثقافة بشكل يرسم معالم مبلغ الكمال المتصور الذي ينبغي للفعل التربوي أن يضطلع به.

مقدمة:
نظرا للمكانة البارزة التي تحتلها مادة التاريخ في المناهج الدراسية المغربية وتماشيا مع المقاربات الجديدة المتمثلة في المقاربة بالكفايات، أصبح المغرب يعتمد في تأليف الكتب المدرسية على الدعامات الديداكتيكية كأداة ووسيلة أساسية في التدريس بدل المضمون الذي كان يعتمد عليه أثناء الإشتغال ببداغوجية الأهداف، ولهذا نجد للخرائط حضورا وازنا داخل الكتب المدرسية مع باقي الدعامات الأخرى التي يتم توظيفها في تدريس مادة التاريخ، إلا أنها شبه غائبة في الامتحانات الإشهادية بمختلف الأسلاك.

لذا يجب توظيف الخرائط وخاصة الخريطة التاريخية في الامتحانات الإشهادية لإنها تدخل ضمن ما يسمى بأدوات التعبير الخرائطي، ونظرا لدورها الكبير في توضيح الظواهر والأحداث التاريخية ورصد تمثلات المتعلم(ة) للمجال، وتوجه ذهن المتعلم(ة) وتبعده عن التيه في المجردات والبديهيات، إن مشكل توظيف الخريطة التاريخية في تقويم التعلم التاريخي[1] غاية في الأهمية وذلك لما لها من قيمة معرفية ومهارية حيث تمكن المتعلم(ة) من موقعة الأحداث داخل مجالاتها والربط بين المجال أو المكان والحدث والزمن.

بناء على ما تم ذكره سلفا، يمكن طرح إشكالية جوهرية مفادها: ما أهمية التوظيف الديداكتيكي للخريطة التاريخية في تقويم التعلم التاريخي؟

هذا هو السؤال الأساسي الذي يسعى المقال الإجابة عنه و تتفرع عنه عدة أسئلة وهي: - ما معنى الدعامة الديداكتيكية ؟ - ما مفهوم الخريطة التاريخية وعناصرها؟ -  ما هي صعوبات واقتراحات توظيف الخريطة التاريخية في الامتحانات الإشهادية؟

  • تعريف الدعامة الديداكتيكية.

أ-تعريف الدعامة: هي كل الوثائق المادية ( خريطة، جدول، رسم بياني، صورة، نص....إلخ ) التي يوظفها المدرس في مختلف وضعيات التعلم من أجل خدمة أهداف التربوية والتعليمية محددة لتسهيل عملية التعلم[2] ويمكن التمييز بين الدعامات الديداكتيكية أصلية ( وثائق مرتبطة بطبيعة ابيسمولوجيا مادة معينة ) وتكون إما مضمنة في الكتاب المدرسي أو مصنعة من قبل المدرس.

إن الدعامات الديداكتيكية، جزء لا يتجزأ من الدرس، فهي تساعد المدرس على توضيح المفاهيم وتشخيص الحقائق، وترسيخ المعلومات في أذهان المتعلمين/ات، بصور وأشكال والمجسمات، فتبقى عالقة بمخيلاتهم، وتسمح لهم بالانتقال من عالم المحسوسات إلى عالم المجردات[3].

وبالإضافة إلى ذلك، تتيح للمدرس اتباع المنهج االعلمي في التدريس. فينطلق بمتعلميه من ملاحظة الأشياء والظواهر، ليصل بهم إلى اكتشاف القوانين العلمية المتحكمة فيها، والوقوف على خصائصها وطبيعتها.

  • تعريف الديداكتيك.
  • المعنى اللغوي لكلمة الديداكتيك:

  • تمهيد:
    وُجدت اللغة مع وجود الإنسان، ثم بدأ هذا الأخير يتكون في شكل جماعات بشرية مختلفة تنتقل باستمرار بحثا عن مقومات العيش على سطح الأرض، فصار لكل جماعة بشرية لغة تميزها عن باقي الجماعات، وترتب عن عدم الاستقرار والتنقل الدائم ظهور تنوع لغوي استمر في النمو والتوسع بحكم التطور المستمر للمجتمعات نتيجة عدة عوامل اجتماعية سياسية واقتصادية وثقافية... وهو تطور نتج عنه أيضا احتكاك الأنظمة اللغوية مع بعضها البعض داخل حيز جغرافي واحد، الشيء الذي سيسفر عن تطور ظواهر لغوية متعددة من قبيل: التعدد اللغوي، والثنائية اللغوية، والازدواجية اللغوية، والتداخل اللغوي، والتحول اللغوي الذي سيكون موضوع عرضنا هذا، والذي حاولنا من خلاله الإجابة عن الإشكاليات التالية:
  • ما مفهوم التحول اللغوي وما هي أنواعه وما أسباب وقوعه في التواصل؟
  • كيف نشأ هذا المصطلح في الأدبيات اللسانية وكيف تم تناوله من منظور علم اللغة الاجتماعي؟
  • كيف يتمظهر هذا الوضع اللغوي عند الناشئة- تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي نموذجا- وكيف يتعاملون مع هذه الظاهرة؟

     بناء على هذه الإشكاليات تناولنا العرض من جانبين: جانب سنجيب فيه عن السؤالين الأول والثاني، والجانب الثاني شق تطبيقي سنقف من خلاله على ظاهرة التحول اللغوي عند عينة من تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي.

     وقبل الخوض في تعريف هذا المفهوم سنتعرض لبعض المفاهيم المرتبطة به، خاصة مفهومي   الثنائية اللغوية والازدواجية اللغوية باعتبار التحول اللغوي النقطة التي تجمع بينهما.

  • الثنائية اللغوية.

الثنائية اللغوية هي مقابل للمصطلح الإنجليزي Bilingualism[1]  وتتكون من السابقة اللاتينية Bi وتعني المثنى أو المضاعف، وLingual أي لغوي، واللاحقة ism بمعنى الحالة أو الصفة، وحاصل الترجمة؛ سلوك لغوي ثنائي أو مضاعف/ الثنائية اللغوية[2].

وقد تعددت تعاريف مفهوم الثنائية اللغوية بتعدد أراء الدارسين ووجهات نظرهم، فنجد مثلا:

أن فرانسوا جروجون Francois Grosjean يرى أن "ثنائيي اللغة هم أناس يستخدمون لغتين، أو لهجتين أو أكثر في حياتهم اليومية، فالإيطاليون الذين يستخدمون واحدة من لهجات إيطاليا- مثل البوليزية- مع الإيطالية الرسمية، يمكن وصفهم بأنهم ثنائيو اللغة"[3]. أما جورج مونان Georges      Mounin فيرى أن ثنائي اللغة هو الفرد الذي يتحدث لغتين دون تمييز. وينظر إليها بلومفيلد  Bloomfild على أنها إجادة الفرد للغتين مختلفتين. ويعرفها ماكي Mackeyبأنها الاستخدام المتناوب للغتين أو أكثر من قبل نفس الفرد[4].

    من خلال هذه التعاريف يتبين لنا أن الباحثين يتفقون على أن الثنائية اللغوية مرتبطة بالفرد الواحد ومدى قدرته على استخدام لغتين أو أكثر في محادثاته، لكن شرط الإجادة الذي وضعه بلومفيلد يضعنا أمام التساؤل عن وضع الفرد الذي يعرف لغتين أو أكثر بدرجات متفاوتة.

      فالشخص قد يستعمل اللغتين الأولى والثانية بصورة متكافئة فتسمى هذه الثنائية بالثنائية اللغوية المتوازنة، وقد يتقن اللغة الأم أكثر من اللغة الأخرى فتسمى ثنائية اللغة السائدة، وهذا ما يطلق عليه الدارسون المظهر الفردي للثنائية اللغوية، أما المظهر الاجتماعي فهو استعمال الأفراد داخل المجتمع لغتين أو أكثر، فيختارون استعمال لغة في مواقف معينة، ولغة أخرى في مواقف أخرى، أو قد يزاوجون بينهما في موقف واحد[5].

إنّ واقع المُدرس اليوم يعجُّ بالمفارقات، تنعكس في ثنائية التنظير والممارسة؛ فالمدرس لديه عدّةٌ نظرية حول طرق التدريس أو فن التدريس، لكن هذه العدة النظرية قابلة للتكذيب والتفنيد حسب كارل بوبر، لذلك يتوّجب عليه إخضاعها للتبيّئة أولاً، ثم للفحص والنقد والمُساءلة ثانياً. هكذا فالمنظومة التعليمية في المغرب تقوم على فرضية أنّ كل طالب فهو مشروع مدرس، لذا منذ أن يكون هذا "المدرس بالقوة" (طالب) وهو لديه تصور حول التدريس، مرورا بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وهو أستاذ متدرب، إلى أن يُصبح أستاذا ممارسا "بالفعل"؛ أي أستاذا يتسلم مهامه، ويُصبح لديه رقم تأجير، ينتقل من واقع التنظير إلى واقع الممارسة. هنا يطرح سؤال المنهج/ المنهجية، والطريقة الأنجع لقيادة القسم. بينما المفارقة الثانية تتعلق بعلاقته بزملائه من المدرسين القدماء، يتوّلد لديه شعور مؤداه أن المدرس الذي سبقه في المهنة هو أدرى منه، فتنقل أفكار "مسمومة" من صاحب التجربة إلى من هو مبتدأ، فتكون سلبية على المردودية والنتائج، ومن بين هذه الأفكار التي نعتقد أنها أساس بناء الكاريزما، نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ "النهار الأول يموت المش..."، "تبكي مو قبل ما تبكي مي.."، "حاول متبينش سنانك.." فهذه الكاريزما الهشة كانت سلبية على واقع التعليم، ذلك أن الأستاذ قوى نفسه كاريزميا في حين تناسى نفسه معرفيا. هذه المفارقة كان لها بالغ الأثر السلبي على المنظومة التربوية متناسين بأن فعل التربية في أصله فعل كوميدي، مسرحي بامتياز.
يبقى شرط المسْرَحَة مهما لممارسة التدريس، إنّ المدرس هو فنان بالضرورة يجب أن تتوفر فيه علامات التمثيل والمسرحة، يجب عليه أن يلعب أدواراً متعددة أمام جمهور مختلف المستويات (المتعلمين). هكذا، نجد هيبيرت هانون في كتابه "مفارقات حول المدرس" يقول: "إنّ المدرس الناجح هو ذلك المُمثل الذي يتوفق في إخفاء شخصيته الحقيقية، بكل ما تحمله من انتماء ثقافي وعرقي، وكل ما تعيشه من صراع نفساني وطبقي، وما يؤمن به من قناعات سياسية وإيديولوجية ..." إذن يصور لنا هانون القسم بكونه مسرح يمتلك خشبة تدور فصول المسرحية داخل الفضاء التربوي، وبطلها المدرس باعتباره ممثلا، يحاول نقل رسالة إلى المتعلمين من خلال كوميديا يشتغل فيها على نص (فلسفي مثلا)، يستغل مهاراته وفنياته بما فيها الجسد. لهذا الأخير دور أساسي في نقل رسالة معرفية إلى المتعلمين، في حين المدرس يهتم بتناسق الأفكار منطقيا في حين يتناسى دور الجسد. إذن، فالعملية التعلمية التعلمية قبل أن تكون مؤسسة تربوية لها قوانين فهي كوميديا. فالمسرح يقوم على نقل رسالة لها مضامين متعددة؛ منها مضامين معرفية وأخلاقية وتربوية... لذا فالمدرس الناجح هو الذي يضع هذه المضامين في هاجسه الأولي، فيخفي قناعاته الشخصية، على اعتبار أن الشخص هو ذلك القناع الذي يرتديه الممثل لكي يتلاءم مع الدور الذي يؤديه داخل المسرحية، (درس الشخص في الثانية باكالوريا).