تُعَدّ رأس السنة الأمازيغية محطةً ومناسبةً سنوية ذات أبعاد تاريخية وأنثروبولوجية، تعكس تصور المجتمعات المغاربية لدورة الزمن وترابطها الوثيق بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال، وليست نتاجًا لبناء إيديولوجي حديث أو «اختراعًا» معاصرًا كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات الاختزالية. فهي تعبير تاريخي عن علاقة عضوية بين الإنسان والأرض، نشأت في سياق مجتمعات فلاحية كان الزمن فيها يُقاس بالإنتاج والدورة الطبيعية، لا بالأنظمة الإدارية المجردة. وهي، وفق تقويم مستمد من منعطف حاسم في تاريخ الأمازيغ بشمال إفريقيا والضفة الشرقية للمتوسط، تُجسّد تصورهم لدورة الزمن وترابطها بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال.
وقبل فرض التقويم الميلادي مع دخول الاستعمار الفرنسي، ظلّ التقويم الفلاحي الإطار الزمني المرجعي الذي ينظم حياة المغاربة اليومية في الجبال والسهول والواحات والصحراء على حد سواء. وقد كان هذا التقويم—المتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يومًا—أداةً عملية لضبط مواسم الحرث والزرع والحصاد، وتدبير تعاقب الفصول، بما يعكس مركزية النشاط الزراعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي. كما أن استمرار العمل به حتى بعد ترسيخ الزمن الإداري الاستعماري يكشف عن شكل من أشكال المقاومة الصامتة التي مارستها الذاكرة المحلية في مواجهة زمنٍ مفروض من خارج بنيتها الثقافية.
وقد ارتبط هذا التقويم ببداية سنة جديدة احتُفل بها في مختلف مناطق المغرب تحت تسميات متعددة من قبيل: «إض ن يناير»، «إخف ن وسگاس»، «يناير»، «النايرة»، أو «حگوزة». ويعكس هذا التعدد وحدةً عميقة في المعنى والممارسة؛ إذ لا يدل على التشتت بقدر ما يؤكد الامتداد الجغرافي والتاريخي لهذا الطقس. كما أن هذه الممارسة لم تكن حكرًا على المناطق الجبلية كما يعتقد البعض، بل شملت المجتمع المغربي بأكمله بحكم طابعه الفلاحي؛ مما يجعل من رأس السنة الأمازيغية، في جوهرها، رأس سنة فلاحية: أي لحظة انتقال رمزية بين دورتين زمنيتين، تتوقف خلالها الجماعة لاستشراف المستقبل واستدعاء قيم الخصب والبركة والاستمرارية.
ولا يمكن فهم هذا الارتباط العميق بالزمن الفلاحي بمعزل عن عمق الوجود البشري بالمجال المغربي، كما تؤكده المعطيات الأركيولوجية والعلمية الحديثة. فقد أظهرت الاكتشافات الأثرية أن المغرب لم يكن هامشًا في تاريخ تطور الإنسان، بل فضاءً مركزيًا في تشكله المبكر. ويعد موقع جبل إيغود من أبرز هذه الاكتشافات، حيث كشفت الدراسات العلمية عن بقايا للإنسان العاقل يعود تاريخها إلى نحو ثلاثمائة ألف سنة، ما يجعل من إنسان إيغود أقدم تمثيل معروف حتى الآن للإنسان العاقل على الصعيد العالمي.
كما كشفت الأبحاث المرتبطة بالمجتمعات النيوليتية—خاصة في حوض وادي بهت ومناطق من المغرب الأوسط والشمال—عن وجود استقرار بشري مبكر قائم على الزراعة وتدجين الحيوانات، وهو ما يدل على انتقال مبكر من نمط العيش القائم على القنص والالتقاط إلى نمط الإنتاج الفلاحي، وما يترتب عنه من تنظيم للزمن وربط مباشر بين الإنسان والدورة الطبيعية. وتؤكد مواقع أخرى، مثل مغارة تافوغالت، استمرارية الاستيطان البشري وتطور التفكير الرمزي والطقوسي، من خلال ممارسات دفن الموتى وتنظيم المجال؛ وهي كلها مؤشرات على تشكل وعي مبكر بالزمن والنظام الكوني.
وفي هذا السياق العميق، لا يقتصر تصور الأمازيغ للزمن على بعده الطبيعي-الفلاحي فحسب، بل يمتد ليشمل بعدًا تاريخيًا رمزيًا يعكس اهتمامهم بالبطولة والسيادة والذاكرة. فالتقاويم في التجربة الإنسانية غالبًا ما ترتبط بلحظات مؤسسة ومنعطفات حاسمة تعيد للجماعة وعيها بذاتها وموقعها في التاريخ. ومن هذا المنظور، يندرج اعتماد انتصار الملك الأمازيغي شيشينق على الفراعنة خلال القرن العاشر قبل الميلاد مرجعًا رمزيًا لبداية التقويم الأمازيغي ضمن منطق تاريخي كوني يجعل من الحدث السياسي-العسكري لحظةً تأسيسية للزمن الجماعي ودليلًا على تحقق سيادة أمازيغية واسعة على شمال إفريقيا.
وفي هذا الصدد ذكر الدكتور جميل حمداوي في كتابه «الحضارة الأمازيغية: أنتروبولوجيا الإنسان؛ التاريخ؛ الكتابة؛ الديانات والثقافة» أن «شيشنق أول ملك ليبي أمازيغي يترقى في عدة مناصب عسكرية ودينية وسياسية في مصر الفرعونية. وقد تولى حكم مصر بعد وفاة الفرعون بسوسنس الثاني، فأسس أول دولة مصرية أمازيغية قوية، ارتبط بها التقويم الأمازيغي إلى يومنا هذا». كما «أرجع الثقة إلى نفوس الأمازيغيين الليبيين بما حققه من انتصارات حربية كبرى على الفراعنة المصريين والعبرانيين في أورشليم، وما تركه من إنجازات حضارية ضخمة بقيت منقوشة إلى يومنا هذا في صفحات الأسر الفرعونية المتعاقبة، وظلت مدونة في التاريخ الليبي القديم».
ولا ينبغي فهم هذا الاختيار باعتباره تعارضًا مع الطابع الفلاحي العميق للتقويم، بل بوصفه إعادةَ تأويل رمزية لاحقة جرى من خلالها ربط زمن الزراعة الضارب في القدم بحدث تاريخي يجسد الانتصار والاعتراف بالذات في مواجهة قوى الهيمنة. وهكذا يغدو التقويم الأمازيغي نتاج تراكب بين زمن فلاحي دوري وزمن تاريخي رمزي يمنح الجماعة مرجعية حضارية ويؤكد استمراريتها عبر العصور.
ويتجسد هذا التداخل بين التاريخي والرمزي بوضوح في الطقوس الغذائية المصاحبة للاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وعلى رأسها إعداد الكسكس (أفتال) بوصفه طبقًا مركزيًا ذا حمولة دلالية كثيفة. فالكسكس لا يؤدي وظيفة غذائية فحسب، بل يشكل خطابًا ثقافيًا يعبر عن قيم الوفرة والتشارك والتكافل، وغالبًا ما يُحضَّر بسبع خضر في إحالة رمزية إلى الكمال والتوازن واستحضار البركة في مطلع السنة الجديدة. ويشكل الكسكس بسبع خضر—الذي تتوحد حوله الأسر المغربية ليلة رأس السنة الأمازيغية—أكثر من مجرد ممارسة غذائية موسمية؛ إذ يحضر بوصفه فعلًا طقوسيًا مكثف الدلالة يستعيد من خلاله المجتمع ذاكرته الزراعية العميقة ويعيد ترتيب علاقته بالزمن والطبيعة. فالطعام هنا لا يُفهم في بعده الاستهلاكي، بل باعتباره خطابًا رمزيًا صامتًا تُترجم عبره الجماعة رؤيتها للعالم وتُسقط عليه تصوراتها عن الخصب والوفرة والاستمرارية. إن توحيد الوجبة داخل البيت الواحد، بل داخل المجال الثقافي المغاربي عمومًا، يضفي على الكسكس بسبع خضر وظيفة إدماجية تجعل منه أداة لإعادة إنتاج التماسك الاجتماعي في لحظة عبور زمني من سنة فلاحية منصرمة إلى أخرى مرتقبة.
ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن إدراج هذه الممارسة ضمن طقوس العبور، حيث يشكل يناير حدًا فاصلًا بين زمنين، وتأتي الوجبة الطقسية لتؤمّن الانتقال الرمزي بينهما. فالكسكس، بوصفه قائمًا على الحبوب، يستحضر مركزية الزراعة في تشكل المجتمعات الأمازيغية، ويعيد التذكير بالتحول التاريخي الذي عرفته الإنسانية مع الثورة النيوليتية، حين انتقل الإنسان من منطق القنص والالتقاط إلى منطق الاستقرار وإنتاج الغذاء. أما الخضر المصاحبة له، فتتجاوز كونها مكونات غذائية إلى تمثلات رمزية لعناصر الأرض وقواها الكامنة؛ إذ تنتمي في أغلبها إلى عالم الجذور والبذور والنمو البطيء، بما يحيل على الاستقرار والتجذر وانتظار الثمار.
ويعكس اختيار الخضر المتنوعة في هذا الطبق تصورًا شموليًا للطبيعة بوصفها كيانًا حيًا ومتعدد الأوجه؛ فالجزر واللفت والحمص والفول والفاصوليا—على اختلاف أشكالها وألوانها—تُحيل على تنوع قوى الخصب في الأرض، وعلى ضرورة جمعها في طبق واحد لضمان التوازن والوفرة. كما أن إدخال هذه العناصر النباتية في فعل الطبخ—أي في تحويل الطبيعة عبر النار والماء—يعبّر عن انتقالها من حالتها الخام إلى حالة ثقافية ببعد إنساني، وهو ما يجعل من الكسكس وسيطًا بين الطبيعة والثقافة، على النحو الذي أشار إليه التحليل البنيوي في قراءته للطقوس الغذائية.
غير أن البعد الأكثر كثافة في هذا الطقس يتجلى في دلالة رقم سبعة، الذي لا يُعد اختيارًا اعتباطيًا، بل يستند إلى حمولة رمزية راسخة في المخيال الأمازيغي والشرقي عمومًا. فالسبعة رقم الاكتمال والنظام الكوني، وهو حاضر بقوة في الميثولوجيات القديمة، حيث تتجلى سبع سماوات وسبع أراض، وسبعة أيام تشكل الدورة الزمنية الكاملة، و«سبعة رجال» بمراكش. وفي هذا السياق تمثل الخضر السبع استعارة لدورة زراعية مكتملة تُستدعى رمزيًا في بداية السنة لضمان استمراريتها ونجاحها. إن استهلاك سبع خضر في ليلة يناير يبدو وكأنه فعل استباقي تستحضر من خلاله الجماعة اكتمال الحصاد قبل أن يبدأ فعليًا، في محاولة رمزية لاسترضاء قوى الطبيعة وإخضاعها لمنطق النظام والانسجام.
وفي الثقافة الأمازيغية يحتل الرقم سبعة مكانة خاصة في طقوس الحماية والتفاؤل؛ إذ يرتبط بفترات العزل الرمزي وبممارسات سحرية وبعدد الأيام التي يُنظر إليها بوصفها حاسمة في مصير الأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق فإن حضور السبعة في وجبة يناير يمنحها وظيفة وقائية تجعل منها درعًا رمزيًا ضد النقص وسوء الطالع في السنة المقبلة.
وإلى جانب السبعة تحضر أعداد أخرى في المخيال الشرقي، مثل ثلاثة وخمسة، بوصفها أعدادًا مؤسسة لمنطق رمزي متكامل. فالثلاثة تحيل على البدايات الأولى للنظام، وعلى الانتقال من الثنائية إلى التعدد؛ وهي رقم التأسيس والتحول من الإمكان إلى الفعل. أما الخمسة فترتبط بالحماية والتوازن، كما يتجلى ذلك في رمز اليد أو «الخمسة» الذي يُستعمل درءًا للعين والشر. وترد في العامية الأمازيغية مقولة: «خمسة وخميس عليك» تُقال اتقاءً للعين الشريرة، وهي ما يُسمّى في الدارجة المغربية «التقواس»، وفي الأمازيغية «أعقر»، وعند قبائل أخرى «أوصف».
تتكامل هذه الأعداد داخل النسق الرمزي ليناير، حيث يبدو وكأن السنة الجديدة تؤسَّس أولًا (ثلاثة)، ثم تُحصَّن (خمسة)، لتُطلب لها في النهاية صفة الاكتمال والاستمرارية (سبعة). وبهذا المعنى فإن الكسكس بسبع خضر لا يعكس تصورًا غذائيًا فحسب، بل يختزل رؤية كونية متكاملة تُدمج فيها الحسابات الرمزية والتجربة الزراعية والذاكرة الجماعية. إنه نص ثقافي يُقرأ بالأكل وتُعاد كتابته كل سنة، ليؤكد أن العلاقة بين الإنسان والأرض ليست علاقة استهلاك فحسب، بل علاقة تعاقد رمزي تُجدد عبر الطقوس لضمان بقاء الحياة واستمرارها في توازن مع الكون.
وفي هذا السياق تبرز ممارسة وضع تمرة واحدة داخل قصعة الكسكس بوصفها طقسًا رمزيًا دقيقًا تتداخل فيه الأبعاد الأنثروبولوجية والتاريخية واللغوية. فالتمرة، في المخيال الأمازيغي والمغاربي عمومًا، رمز للحياة والاستمرارية والحلاوة. وإدراجها داخل القصعة هو تيمّن بحلاوة العام المقبل واستدعاء زمن يسوده الخير والاستقرار، في مقابل سنوات القحط والحروب والأزمات الاجتماعية التي تُرمز ثقافيًا بالمرارة. ويظهر هذا التصور بجلاء في الذاكرة اللغوية الأمازيغية من خلال توصيف سنة الضيق والشدة بقولهم: «أسگاس أسمام أيا»، أي سنة المرارة، مقابل سنوات «الحلاوة» التي تحيل إلى الوفرة والفرج.
ويكتمل الطقس الغذائي بطبق «إرشمن»، المصنوع من حبوب القمح المغربي الأصيل المطبوخة في إناء فخاري مع الحليب والملح. ويمثل هذا الطبق أحد أقدم الأطعمة المرتبطة برأس السنة إلى جانب الكسكس؛ فالطبق الأول يُقدَّم في الغذاء، والثاني خلال وجبة العشاء. ويحمل «إرشمن» رمزية مزدوجة: فالقمح يحيل إلى النخوة والثراء والقدرة على الصمود، بينما يرمز الحليب إلى الخصوبة والبركة، في تجسيد للتكامل بين الأرض والحيوان وللاستمرارية الاقتصادية والغذائية للمجتمع القروي. وكلها طقوس أمازيغية غارقة في القدم، بتعبير الأستاذ بن محمد قسطاني.
وفي قلب هذه الطقوس تحتل احتفالية «إخف ن وسگاس» موقعًا مركزيًا في البنية الرمزية للمجتمع القروي الأمازيغي، حيث تتقاطع الطقوس الغذائية مع آليات التنظيم الاجتماعي. ويبرز هنا نظام «الوزيعة» (لوزيعت) باعتباره ممارسة جماعية ذات حمولة أنثروبولوجية كثيفة، تقوم على ذبح ثور أو بقرة سمينة وتوزيع لحمها بالتساوي على ساكنة القرية دون تمييز. فالوزيعة ليست مجرد تقاسم غذائي، بل نظام اجتماعي تكافلي يعيد إنتاج قيم التضامن والعدالة التوزيعية، ويؤكد أولوية الجماعة على الفرد في لحظة زمنية مؤسسة.
ويتحول اللحم في هذا السياق إلى رأسمال رمزي يُستثمر في تثبيت التماسك الاجتماعي وضمان مشاركة الجميع في طقس استقبال السنة الجديدة عبر وجبة الكسكس باللحم، بوصفها مائدة جامعة تؤسس لمعنى الجماعة. وتكتسب هذه الممارسة دلالتها العميقة في مجتمعات عرفت تاريخيًا تواتر الأزمات المناخية وفترات القحط، حيث يصبح تقاسم مورد نادر إعلانًا جماعيًا عن الرغبة في الوفرة والاستقرار وتجديد العهد مع الأرض والزمن.
وتتجلى الأبعاد الوجدانية والإنسانية لهذه الممارسة في الذاكرة المحلية، كما هو الشأن في قصر أفراسكو بمنابع وادي زيز، بالسفح الجنوبي لجبل العياشي؛ القرية التي ترعرعنا بين أزقتها، حيث تختزن الذاكرة الجماعية—وخصوصًا ذاكرة الطفولة—صورًا حية عن الفرح الجماعي المصاحب لاستقبال «إخف ن وسگاس». كان هذا اليوم يشكل زمنًا استثنائيًا تتوقف فيه أشغال الإنسان القروي، وتُعلَّق خلاله دورة العمل اليومي، ليحل زمن الاحتفال محل زمن الإنتاج، في وعي جمعي بقدسية اللحظة الزمنية، على غرار ما تمارسه مجتمعات إنسانية أخرى عند استقبال بداياتها السنوية.
وقد استلهمنا وعينا الأول من نوستالجيا الطفولة في مسقط رأسنا، قرية أفراسكو السالفة الذكر، التي نشأنا بين أزقتها، واغترفنا من فضاءاتها الاجتماعية أصول العوائد الأمازيغية العريقة وقيمها النبيلة بين مزارعها وشعاب جبالها. هناك تفتّحت أعيننا الأولى على طقوس «إخف ن وسگاس»، رأس السنة الأمازيغية، باعتبارها لحظة جامعة تختزل علاقة الإنسان بالأرض والزمن والدورة الكونية. ومع توالي السنوات، وبعد أن كبرنا وتعمقنا في الدراسة واطلعنا على التاريخ والأنثروبولوجيا، تأكد لنا أن تلك الممارسات والطقوس الاحتفالية المصاحبة لمناسبات مثل «تيفسا» و«العنصرة» و«أبادرير» و«إخف ن وسگاس» ليست مجرد ممارسات احتفالية متوارثة، بل مناسبات ذات جذور ضاربة في عمق الثقافة والحضارة المغربية التي تشكلت تاريخيًا داخل الجغرافية الواسعة لشمال إفريقيا، وتراكمت فيها طبقات من المعنى الرمزي والديني والاقتصادي والاجتماعي، بما يجعلها شاهدة على استمرارية الذاكرة الجماعية وتفاعل الإنسان الأمازيغي مع محيطه الطبيعي. وبذلك تشكل هذه الاحتفالات تراثًا لاماديًا يتعين صونه وتثمينه بوصفه أحد الجوانب الجوهرية للهوية والشخصية المغربية المتوغلة في عمق التاريخ والضاربة بجذورها في مجاهل الدهور.
ويمكن اعتبار بلوغ التقويم الأمازيغي هذه السنة 2976 برهانًا قويًا ودالًا على وجاهة هذه الاستنباطات؛ إذ يعكس عمق الامتداد التاريخي للحضارة الأمازيغية واستمراريتها عبر آلاف السنين، ويؤكد أن هذا التقويم ليس مجرد آلية زمنية رمزية، بل نظام زمني ضارب في القدم ارتبط بدورات الطبيعة والزراعة وتنظيم الحياة الاجتماعية. وفي الآن ذاته هو مرتبط بمنعطف حاسم في تاريخ شمال إفريقيا تمثل في الانتصار على الفراعنة واعتلاء الأمازيغ سدة الحكم في مصر؛ وهو حدث ذو حمولة رمزية وتاريخية كبرى لا يكرّس فقط الحضور الأمازيغي في مسرح الأحداث المتوسطية والشرقية، بل يمنح التقويم الأمازيغي بعدًا سياسيًا وحضاريًا، باعتباره يؤرخ لمرحلة انتقال من الهامش إلى المركز، ومن المحلية إلى التأثير الإقليمي، ويجعله شاهدًا حيًا على رسوخ الذاكرة الجماعية الأمازيغية وتجذرها في التاريخ الإنساني منذ عصور سحيقة.
ويتجسد التصور الأمازيغي لدورة الزمن في فهم دائري لا خطي، قوامه التكرار والتجدد والاستمرارية؛ حيث لا يُنظر إلى الزمن باعتباره مسارًا منقطعًا أو متقدمًا نحو نهاية مطلقة، بل باعتباره دورة كونية تنتظم وفق إيقاع الطبيعة والفصول الزراعية وتعاقب الحياة والموت. وهو تصور يتجلى بوضوح في التقويم الأمازيغي وطقوسه المرتبطة بالحرث والحصاد ورأس السنة، بما يجعل الزمن مجالًا لإعادة إنتاج المعنى والذاكرة الجماعية وترسيخ علاقة الإنسان بالأرض والكون في انسجام مع منطق الاستمرارية التاريخية والوجودية. كما تعكسه الأسطورة التي تفيد بأن الأرض يحملها ثور فحل ضخم ينقلها، مع بداية كل سنة، من قرن إلى قرن حتى لا يشعر بالتعب، في تصور دائري للزمن يقوم على الاستمرارية وتجدد النظام الكوني.
وعليه، فإن رأس السنة الأمازيغية لا يمثل ممارسة طارئة أو مستحدثة، بل امتدادًا حيًا لذاكرة جماعية ضاربة في عمق التاريخ حافظ عليها المغاربة جيلًا بعد جيل قبل الاستعمار وبعده. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف الرسمي بهذه المناسبة لا يشكل إبداعًا لطقس جديد بقدر ما يعبر عن إعادة اعتبار لمستوى زمني أصيل من تاريخ المغرب، ومصالحة معرفية مع ماضٍ عميق تلتقي فيه الأرض بالزمن، والطعام بالذاكرة، والحلاوة بالأمل.