في المدن الجزائرية، لم يعد المقهى مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل صار محطة يومية يتقاطع فيها الملل مع الأمل. وبين دخان السجائر وضجيج الطاولات، يهرب كثير من الشباب إلى هواتفهم، حيث عالم افتراضي يَعِد بما لا يمنحه الواقع. هناك، بين شاشة صغيرة ومحادثات عابرة، يتشكل جيل يعيش نصف يومه في الشارع ونصفه الآخر في فضاء بلا حدود، باحثًا عن معنى لحاضر مربك ومستقبل غامض.
هذا اللجوء المزدوج إلى المقهى والفضاء الافتراضي ليس مجرد عادة يومية، بل انعكاس لفراغ أكبر في حياة الشباب. فغياب فضاءات ثقافية ورياضية حقيقية يدفعهم إلى البحث عن بدائل تُمكّنهم من قتل الوقت أو الهروب من الضغوط. في المقهى يجدون الصحبة والثرثرة العابرة، وفي العالم الافتراضي ينفتح أمامهم مجال للتعبير، للتجريب، وأحيانًا لبناء هويات مختلفة. هذه القراءات المتباينة لواقع واحد تكشف أن الجيل الجديد لا يفتقر إلى الطاقة أو الخيال، بل إلى فضاء يُنصت إليه ويحتويه.
على طاولة صغيرة في مقهى شعبي بوسط المدينة، يجلس شاب، 24 سنة، يحدّق في هاتفه أكثر مما ينظر لرفاقه. الضحكات تعلو من حوله، أحاديث عن الكرة والسياسة تتداخل، لكن إصبعه يمرر الشاشة بسرعة، يبحث عن شيء آخر. في عالمه الرقمي، يتابع حياة أصدقاء هاجروا، مؤثرين يبيعون أحلامًا براقة، وفيديوهات تمنحه لحظات من الهروب. بين فنجان قهوة نصف ممتلئ وإشعارات لا تتوقف، يعيش الشاب يومه معلّقًا بين ضجيج الشارع وحلم افتراضي أكبر من جدران المقهى.
أمام هذا المشهد، يبدو بعض الشباب وكأنهم تحولوا إلى روبوتات بإرادتهم، يتنقلون بين التطبيقات بإدمان، يستهلكون الصور والفيديوهات بنفس الوتيرة التي يستهلكون بها الساعات. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن آخرين وجدوا في هذا التطور فرصة مختلفة، شباب حوّلوا الهاتف إلى مكتب عمل متنقل، أطلقوا مشاريع صغيرة عبر الإنترنت، أو استثمروا وقتهم في التعلّم وتطوير مهارات جديدة. بين الاستهلاك والابتكار، يكشف الفضاء الرقمي عن فجوة جديدة داخل الجيل نفسه، حيث يختار البعض الغرق في التدفق اللامتناهي، بينما يختار آخرون السباحة ضد التيار.
لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للترفيه أو العمل، بل صارت تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها. فبينما تقلصت اللقاءات المباشرة وتراجعت الدردشة الطويلة في الشارع أو على الأرصفة، ظهرت روابط جديدة تبنى على الإعجاب والمتابعة والمحادثات القصيرة. هذه الروابط الرقمية تمنح بعض الشباب شعورًا بالانتماء، لكنها في الوقت نفسه تعمّق عزلة آخرين وتجعلهم غرباء في وسط محيطهم القريب.
وفي المقابل، منح هذا الانغماس الرقمي للشباب نافذة واسعة على العالم. فمن خلال شاشة صغيرة، صار بإمكانهم متابعة أحدث الأفكار والموضات والابتكارات، والتواصل مع ثقافات لم تكن لتصلهم قبل عقد من الزمن. هذا الانفتاح وسّع أفقهم، غيّر نظرتهم للنجاح والحياة، وجعلهم أكثر وعيًا بأنهم جزء من مشهد عالمي لا يعترف بالحدود الجغرافية. وبين عزلة محلية وانفتاح عالمي، يتشكل وعي جديد يطبع جيلًا يرفض أن يبقى حبيسًا لزمن واحد.
في النهاية، ما بين المقهى كمساحة للهروب والفضاء الافتراضي كملاذ جديد، يرسم شباب الجزائر يومياتهم بخليط من الواقع والخيال. بعضهم يذوب في رتابة التكرار كآلة لا تتوقف، وآخرون يشقون طريقهم وسط الفوضى الرقمية ليصنعوا فرصًا وحكايات مختلفة. هكذا، يصبح الجيل الحالي مرآة لتحولات مجتمع يعيش بين زمنين، زمنٍ يجرّه إلى الوراء وزمنٍ آخر يدفعه إلى الأمام بسرعة غير مسبوقة.
أحلام مسعودي، كاتبة وصحفية مستقلة من الجزائر