مقدمة
«خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن الفوضى في الطبيعة أقلّ منها في البشرية».
في قلب الفلسفة المعاصرة، يقدّم إدغار موران (1921–)، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، رؤية تعقُّدية للإنسان ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والثقافة. ويُلخّص موران طبيعة الإنسان في عبارته الشهيرة: «الإنسان كائن ثقافي بالطبيعة لأنه كائن طبيعي بالثقافة».هذه العبارة، المستمدة من كتابه «النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية» (1973)، تعبّر عن مقاربة تعقُّدية ترى الإنسان كائنًا يتجاوز الفصل الاختزالي بين البعدين الطبيعي والثقافي، بل يجسّد تفاعلًا ديناميًا ودائريًا بينهما.
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذا المفهوم بصورة موسّعة، من خلال التمييز بين أبعاده الدلالية والإجرائية، مع التركيز على السياق التعقُّدي الذي يميّز فكر موران. وسنعتمد على أعماله الرئيسة، مثل «المنهج» (1977–2004) و**«أرض الوطن»** (1993)، للكشف عن كيفية تشكّل الإنسان بوصفه «كائنًا لامتناهي التعقيد»، أي كائنًا يجمع بين العقلانية واللاعقلانية ضمن سياق كوني واجتماعي متداخل .سنبدأ بتوضيح السياق النظري، ثم ننتقل إلى تحليل المفهوم، فإلى تطبيقاته، لنختم بالآثار والتداخلات الفلسفية. وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات مركزية: كيف يصف موران الكائن البشري؟ وما المقصود بالتعقيد؟ وما الدور الذي تؤديه الطبيعة والثقافة في تكوينيته؟ وما أثر هذا التكوين المعقّد في مصيره كفرد ومجتمع ونوع؟السياق النظري: المقاربة التعقُّدية ورفض الاختزال
«ينتج التقدّم العلمي عمومًا عن كلٍّ من المنافسة والتعاون، لكن المنافسة قد تتحوّل إلى تنافس حادّ يضرّ بالتعاون».
تندرج رؤية موران ضمن إطار ما يُسمّى بـ«الفكر التعقُّدي»، الذي يعارض النهج الاختزالي السائد في العلوم الحديثة، والقائم على الفصل الصارم بين الطبيعي (البيولوجي) والثقافي (الاجتماعي). يرى موران أن الواقع ليس خطّيًا ولا قابلًا للتجزئة، بل يتكوّن من تفاعلات معقّدة تجمع بين النظام والفوضى والتنظيم، في ما يسمّيه «الكاوسموس».
في ما يتعلّق بالإنسان، يرفض موران التصوّرات التي تعتبر الثقافة مجرّد إضافة خارجية للطبيعة، أو التي تختزل الإنسان في بعده البيولوجي، معتبرًا أن هذا الفصل يمثّل «نموذجًا مفقودًا» يعيق فهم الطبيعة الإنسانية. وقد تبلور هذا التصوّر خلال مؤتمر «وحدة الإنسان» سنة 1972، الذي جمع اختصاصات متعدّدة بهدف ربط البيولوجيا بالأنثروبولوجيا.
في «النموذج المفقود»، يؤكّد موران أن الإنسان ليس مجرّد «حيوان عاقل»، بل كائن يجمع بين الجانب المضطرب، أي اللاعقلاني، والجانب الثقافي الذي ينظّم الطبيعة. وتعتمد هذه المقاربة التعقُّدية على مبادئ أساسية، من بينها الحلقة التكرارية، حيث تُنتج الطبيعة الثقافة، في حين تعيد الثقافة تشكيل الطبيعة، ما يجعل الإنسان كائنًا ذاتيّ التنظيم داخل بيئة متكاملة.
يتجلّى هذا التصوّر أيضًا في مفهوم «الثالوث الإنساني»: الفرد–المجتمع–النوع، الذي يطوّره موران في «المنهج»، حيث تمثّل الثقافة الوسيط الذي يربط هذه الأبعاد في حلقة تعقُّدية مستمرة. ويتيح هذا المنهج فهم الأزمات المعاصرة، ولا سيما «الأزمة المتعدّدة الأبعاد»، التي تتطلّب تفكيرًا يدمج الطبيعي (البيئي) بالثقافي (الاجتماعي والسياسي).
تحليل المفهوم: بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة
«لقد عرّفنا الإنسان بوصفه إنسانًا عاقلًا، أي كائنًا يمتلك العقل. غير أنّ الإنسان العاقل ليس سوى أحد طرفي الطيف، والطرف الآخر هو الإنسان الموهوم، الذي يعيش الأوهام».
من الناحية الدلالية، تعبّر عبارة موران عن مفارقة ظاهرة لا تُحلّ إلا ضمن المقاربة التعقُّدية. فـ«الكائن الثقافي بالطبيعة» يعني أن الثقافة ليست عنصرًا طارئًا، بل هي متجذّرة في الطبيعة البيولوجية للإنسان، إذ يمتلك هذا الأخير، بحكم تكوينه العصبي واللغوي، استعدادات فطرية تسمح بنشوء الثقافة بوصفها امتدادًا عضويًا للطبيعة. فالإنسان، بوصفه كائنًا بيولوجيًا متقدّمًا، يولد مزوّدًا بقدرات رمزية واجتماعية تجعل منه كائنًا ثقافيًا بالفطرة.
في المقابل، يشير «الكائن الطبيعي بالثقافة» إلى أن الطبيعة الإنسانية نفسها تُبنى وتُعاد صياغتها من خلال الثقافة، حيث تتحوّل الغرائز الطبيعية إلى أنظمة اجتماعية ورمزية معقّدة، مثل القوانين والفنون والمؤسسات. ويستند هذا التحليل إلى مبدأ الحلقة التكرارية: الطبيعة تُنتج الثقافة عبر الدماغ والجينات، والثقافة تعيد إنتاج الطبيعة عبر السلوك والتنشئة والتطوّر.
وفي هذا السياق، يؤكّد موران: «يجب التوقّف عن فصل الطبيعة عن الثقافة: مفتاح الثقافة في طبيعتنا، ومفتاح طبيعتنا في الثقافة».
ويفضي هذا التصوّر إلى تجاوز المقاربات الاختزالية، سواء تلك التي تختزل الإنسان في بعده البيولوجي (كالداروينية الاجتماعية)، أو تلك التي تنكر أي أساس طبيعي للثقافة (كالنسبوية الثقافوية).
إجرائيًا، يتجلّى هذا المفهوم في ما يسمّيه موران «التنظيم الذاتي البيئي»، حيث يتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية عبر أدوات ثقافية، ما يؤدّي إلى تطوّر مشترك بين الطبيعة والثقافة. وتبدأ هذه العملية بالغرائز الطبيعية، التي تُعاد صياغتها ثقافيًا، ثم تعود لتؤثّر في البنية الطبيعية نفسها، بما في ذلك التطوّر البيولوجي.
التطبيقات في المقاربة التعقُّدية
«من خلال التضحية المستمرة بما هو ضروري لصالح ما هو عاجل، ننسى في النهاية مدى إلحاح ما هو ضروري».
تتجلّى هذه الرؤية في تطبيقات متعدّدة. ففي الأنثروبولوجيا، يفسّر موران تطوّر الإنسان من خلال الثقافة بوصفها عاملًا يحوّل الغريزة الطبيعية إلى أنظمة اقتصادية واجتماعية. وفي «أرض الوطن»، يربط بين الأزمة البيئية والأزمة الثقافية، داعيًا إلى بناء ثقافة كوكبية تضامنية قادرة على دمج الطبيعي بالثقافي لمواجهة تحدّيات مثل الاحتباس الحراري.
في مجال التربية، يدعو موران إلى تعليم تعقُّدي يُنمّي القدرة على الربط بين المعارف، كما يبيّن في «الرؤوس المنظمة جيدًا» و**»الدروس السبعة للتربية من أجل المستقبل»** (1999)، حيث تُعدّ الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية في تعقيدها.
أما في السياسة، فيؤكّد على ضرورة بلورة «سياسة حضارية» تتجاوز الاختزال التقني والاقتصادي، وتعيد وصل الإنسان بالطبيعة في مواجهة أشكال البربرية الحديثة، مثل الاستهلاكية المفرطة.
التشابهات والتداخلات مع مقاربات أخرى
«من الخطر أن نُظهر للإنسان مساواته بالحيوان دون أن نُظهر له عظمته، والأخطر أن نُظهر له عظمته دون أن نُظهر له دناءته، والأخطر من ذلك أن نتركه جاهلًا بكليهما» (باسكال، كما يورده موران).
رغم تركيزه على التعقيد، يعترف موران بتقاطعات مع مقاربات فلسفية أخرى، مثل البنيوية عند ليفي-ستروس، أو الجدل الهيغلي. غير أنه يتجاوزها عبر إدخال مبدأ الحلقة التكرارية، حيث لا تكون الثقافة هيمنةً على الطبيعة، بل علاقة تفاعل متبادل. كما يتقاطع فكره مع الفلسفة البيئية، ولا سيما نظرية «غايا»، التي ترى الثقافة امتدادًا للنظام الطبيعي في إطار تعقُّدي شامل.
خاتمة
«لقد أمضيت حياتي أفكّر في معنى أن تكون على قيد الحياة».
في المحصّلة، تمثّل رؤية موران للإنسان بوصفه «كائنًا ثقافيًا بالطبيعة وكائنًا طبيعيًا بالثقافة» تحوّلًا عميقًا في التفكير الفلسفي المعاصر، إذ تعيد تعريف الإنسان خارج الثنائيات الاختزالية. ولا يقتصر هذا المفهوم على البعد النظري، بل ينطوي على أبعاد عملية تدعو إلى تفكير متعدّد التخصّصات لمواجهة التحدّيات المعاصرة.
وقد تفتح الدراسات المستقبلية آفاقًا جديدة لتطبيق هذا الفكر، بما في ذلك مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، حيث يبرز سؤال إدماج «الثقافي» في «الطبيعي» الرقمي، مع الحفاظ على التعقيد الإنساني. وكما يقول موران: «إن التضامن والمسؤولية من الضروريات الأساسية لمجتمع يتمتّع أفراده بالحرية». فكيف يمكن، إذن، تفعيل الفكر التعقُّدي في الممارسة العملية؟