الحضارة ليست حجارة تشيَّد ولا قصورا تُبنى، بل هي روح تُنفخ في الإنسان، فإذا دبت فيه استقام عمرانه وإذا خبت ضعفت دولته وذبل تاريخه. لذلك ظل سؤال الحضارة من أعمق الأسئلة التي تشغل الفكر الإنساني، إذ يطرح على الفلاسفة والمؤرخين والمصلحين معا: ما الذي يصنع الحضارة؟ وكيف تنهار الأمم بعد مجدها؟
وقد انشغل بهذا السؤال عقلان كبيران في تاريخ الفكر الإسلامي: عبد الرحمن بن خلدون، المؤرخ الاجتماعي الذي قرأ التاريخ بلغة العقل والعمران، ومالك بن نبي، المفكر الذي قرأ التاريخ بلغة الروح والفكرة. ورغم البعد الزمني بينهما، إلا أنّ كليهما حاول أن يكشف عن القوانين الداخلية التي تتحكم في ميلاد الحضارات وسقوطها، فكان كلٌّ منهما مرآة للآخر من زاوية مختلفة.
يرى ابن خلدون أن سرّ قيام الدول والحضارات يكمن فيما سمّاه العصبية، وهي ليست مجرد الانتماء القبلي أو الولاء العاطفي، بل هي الطاقة المعنوية التي توحّد الناس حول غاية مشتركة وتمنحهم إرادة الفعل الجماعي في حين تشتد العصبية في بدايات العمران، تنبعث الهمم، ويغدو المجتمع كتلة واحدة متماسكة، فينشئ الدولة ويقيم النظام ويبدع في العمل ولكن ما إن يتذوق الإنسان طعم الرفاه والدعة حتى يضعف التضامن، وتتحول العصبية إلى أنانية، فيفقد المجتمع روحه القتالية وقدرته على الاستمرار، وتبدأ دورة الانحطاط.
ولذلك شبه ابن خلدون الدولة بالإنسان في أطوار حياته: تبدأ بالقوة والطموح، ثم تبلغ أوجها بالعقل والتنظيم، ثم تشيخ بالترف والكسل حتى تموت. إنّها دورة طبيعية، لكنّها ليست قدَرًا حتميًا، إذ يمكن للأمم أن تتجدد إذا استعاد الناس عصبيتهم وأصلحوا ما فسد من أخلاقهم ومن أروع ما في فكر ابن خلدون أنه لم ينظر إلى التاريخ كحكاية ملوك وغزوات، بل كحركة اجتماعية تحكمها قوانين النفس الإنسانية فالعصبية عنده صورة من صور الإرادة، ومتى ماتت الإرادة مات التاريخ لذلك حين نقرأ انهيار حضارة ما في ضوء فكره، نكتشف أن سقوطها لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: حين تذبل الروح، وتتلاشى الغاية، ويتحوّل الإنسان من فاعل إلى مستهلك.
أما مالك بن نبي، فقد ورث من ابن خلدون روح السؤال، لكنه نقل التحليل من ميدان الاجتماع السياسي إلى ميدان الفكرة والثقافة. لم يكن يبحث عن الدولة بل عن الإنسان الذي تصنعه الفكرة فيقول بن نبي في عبارته المشهورة: «مشكلتنا ليست في الأشياء، بل في الأفكار». فالأمم لا تنهض بما تملك من أدوات مادية، بل بما تمتلك من فكرة حية تنظم العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن.