قد يجد كثير من محللي السياسة الامريكية صعوبة في فهم مغازي هذه السياسة ويتعذر عليهم وضع اهدافها في خانة العقلنة نظرا لما ينتاب هذه السياسة من ضبابية فجة ، لذلك ترى اقرب اصدقاء امريكا اليها في المنطقة من انظمة الحكم في حيرة من امرهم في تقييم السياسة الامريكية وفهمها وبالتالي لايملكون في التعاطي مع هذه السياسة الا الاستخذاء امام جبروتها والانخراط في اجندتها الاخطبوطية .. دون ان يكلف نفسه هذا البعض من الحكام او المفكرين العرب في البحث عن كنه السياسة الامريكية وفلسفتها وبالتالي التعرف على جذورها الفكرية الغربية .. ان الحضارة الغربية وبضمنها الحضارة الامريكية هي صنيعة الفكر الغربي والذي بدوره وبشكل عام يمكن ان يقسم الى تيارين رئيسين هما 1- الفكر التنويري الذي افرز عصر الانوار وانجز الثورة الفرنسية ونشر الحداثة بوجهها الانساني واطرها العلمية التي انتجت التقنيات التكنولوجية ، وسياقاتها السياسية التي ادت الى قيام نظم ديمقراطية تحمي حقوق الانسان وتعترف بالاخر . وكان معقل هذا الفكر بلاد فرنسا.
2- الفكر الرومانتيكي / النيتشوي .. وهو فكر معاد للتنوير يرفض العقل الانساني وفعاليته .. وبدلا من العقل تطرح الرومانتيكية فكرة الخيال والحدس ، والعقل الجمعي ، والماضي المشترك ، والجماعة العضوية . وقد انتج هذا الفكر النازية والصهيونية والبراغماتية الامريكية التي تتلمس السياسة الامريكية اليوم طريقها على هدى هذا الفكر.
ومن اهم السمات الاساسية لهذا الفكر هي عقلانية الوسائل و لا عقلانية الاهداف .. كل شيء يتم بشكل مؤسس منظم - أي يجب ان يتم بحياد علمي رهيب – اما الاهداف فهي خالية من أي مضمون اخلاقي ايجابي .. لان ذلك يترك للزعيم ( السوبرمان ) او للدولة بل وحتى للاسطورة الدينية العرقية ، ان هذا التناقض القائم على التزاوج بين العقلانية واللاعقلانية ناجم عن انفصال النزعة الامبريقية عن النزعة العقلية ( فالتجريب لا يؤدي بالضرورة الى انتصار العقل والقيم الانسانية ) . فالفكر النازي والفكر الصهيوني والفكر البراغماتي الامريكي كلها تنتمي الى الفكر الرومانتيكي الامر الذي يشي بالتشابه البنيوي بين هذه الفكار .. بالاضافة الى انتهالها من مصادر فكرية مشتركة ( اساطير العهد القديم والتلمود وتحويلها من اساطير دينية الى عقائد سياسية – الفكر الامبريالي – النظريات العرقية والاثنية ) .
الجزء الأول - ضبط المصطلح والحالة
لو استيقظ كارل ماركس من مرقده الأبدي وخرج إلى الشارع وتجول في مراكز الأحزاب الماركسية العربية لبصق في وجوه بعض القيادات ،وعاد غير آسف إلى مثواه السرمدي لماذا؟
في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن سيناريوهات لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين , وبعيدا عن الإغراق في تفاصيلها والمروجين لها , وإذا كانت عادلة أم ظالمة , واقعية أم غير واقعية ,
..صفعها أمام الناس بكل قوة الرجل الذكر و ظلت هي مستسلمة أمامه محاولة الدفاع عن نفسها ببعض الكلمات الضعيفة:ماذا تفعل؟رد عليها بكل ثقة :أعرف ماذا أفعل.و عادت تبتسم من جديد كأن شيئا لم يحصل.و لم تحدث تلك الصفعة خللا في الشارع و أكملت الحياة مشوارها الطبيعي .فهي من مؤسسات الشارع العربي المبني على الفحولة التي تكمم أفواه النساء بأقفال حديدية.لم أستطع الهروب من تلك الصورة التي آلمتني كثيرا و عكست الحادث في خيالي و قلت:ماذا يا ترى كان سيحدث لو أن المرأة هي التي صفعت الرجل أمام الملأ؟
بين النازح و اللاجئ شعرة, لكنها أخطر من كل الرصاص والمدافع والحراب التي قتلت وقطّعت أجساد الفلسطينيين, فما يفرقهما عن بعضهما البعض هو الهذيان السياسي و اللا أخلاقي, والعمل الدؤوب من قبل اليهود ومن يتبعهم قاصداً أو غير قاصد إلى نهايات لا ترى في نهاياتها سوى الانتصار التوراتي لليهود, ذلك الانتصار الذي بدأ بكذبة شعب الله المختار, وتجّسد باحتلال فلسطين .
أضحى من المعروف حاليا، أن الذي لا يملك قوت يومه لا يملك قراره ولا يملك حاضره ولا قدرة له على التخطيط لغده ومستقبله، ومن لا يتحكم في مصدر الطاقة لا يملك القدرة على التحكم في تدبير دواليب اقتصاده وتوجيهه.
لا ينكر أحد اليوم المتاهة والمعضلة السياسية الكبرى التي دخلتها كل دول العالم دون استثناء سواء كانت نظامها ديمقراطيا أم استبداديا كما هو الشأن في بلداننا العربية التي نقول بصراحة إنها لم تستطعم معنى الديمقراطية في حياتها وربما لن تناله مادامت دار لقمان على حالها و حتى لا نستطرد كثيرا في موضوع الاستبداد في العالم العربي وننسى الموضوع الأصلي نغلق هذا القوس عسى أن نعود له في عجالة قادمة . أما ما يشغلنا الآن حقيقة هو هذا الإهتمام العالمي بمسألة الأمن والاستقرار و طرحها كخيار استراتيجي لمستقبل الدول والعالم بصفة عامة خاصة وأن كل الدول اليوم لا هم لها سوى محاربة الإرهاب الذي أصبح الشبح الخرافي الذي تطارده كل دولة دون أن تعرف هويته بل إن ما اصطلح عليه اليوم بالإرهاب جعل هذا المفهوم ملتبسا ومغرقا في الالتباس فالكل اليوم معرض للإرهاب ويمارس عليه و لكن لا أحد يعلم من أين يأتي وفي أي اتجاه يمارس ولكن المؤكد أننا ضحاياه و يأتينا من كل حدب وصوب و معالجته ربما تستدعي ميكروفيزياء الإرهاب . إن خشية الدول من أن يأتيها الإرهاب من حيث لا تدري دفعها للبحث في طريقة معالجة هذه الظاهرة المستعصية التي باتت تطلع طلوع الفطر عبر التركيز على استراتيجية واحدة أحادية وهو ما يسمى بالمعالجة الأمنية فعملت دول العالم على محاربة الإرهاب بالإرهاب فلم تخل دولة من تشديد الرقابة على مواطنيها والتنصت عليهم وتفتيشهم حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر النموذج الديمقراطي الذي يحتذي به بقية العالم ناهيك عن الدول العربية ذي الطبيعة الاستبدادية حيث طغى هاجس الأمني على حرية المواطن وكرامته , بل من المعروف أن هذه الدول لا يهمها في سياق استراتيجياتها سوى هدف واحد ومبدأ واحد نسمعه يتردد وهو ضرورة تحقيق الأمن و السلام . والمتأمل في خلفية هذا المبدأ يكتشف أنه تصور نشأ في القرن السابع عشر على يد الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز حين قدم تصورا للسلطة السياسية يتأسس على سلطة الحاكم الذي سماه التنين في إشارة إلى القوة و الهيمنة لأن هوبز يعتقد أن البشر ليسوا في حاجة للحرية قدر حاجتهم للأمن والاستقرار ومن هنا أعطى المشروعية المطلقة للحاكم التنين و سمح له بالتدخل في شؤون المواطنين حتى تلك المتعلقة بحرياته الشخصية مثل اختيار الدين إذا رأى أن ذلك يهدد أمن السلطة و بالتالي هدف السلطة السياسية هي التخويف للإبقاء على زمام المحافظة على الأمن والاستقرار و بالتالي يتحول المواطن إلى مجرد شخص مطيع و خاضع . نفهم من خلال هذه العودة المقتضبة لفلسفة هوبز السياسية أن دولنا العربية تستخدم هذا النموذج في الحكم المستمد من القرن السابع عشر من أجل أن تفرض سيطرتها وتحول المواطنين إلى مجرد رعاع عليهم الامتثال لسلطة الحاكم المطلقة بدعوى الحماية من الإرهاب و محاربة عدم الاستقرار والفوضى وهي تشدد في ذلك من قبضتها الأمنية الحديدية تحت تعله تحقيق الأمن و هذا التوجه وجد طريقه أيضا للدول الأوروبية الذي دفعها توجسها وهاجسها من الإرهاب إلى انتهاك حرية مواطنيها بل أصبح أي شخص معرض للاضطهاد والحبس لمجرد التشكك فيه وغيرها من الممارسات التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان .