تنتمي أسطورة "ليليث" إلى أصول تاريخية قديمة جداً، فهي تتصل ببابل القديمة، حيث كان الساميون القدماء يتبنون مجموعة من المعتقدات الخاصة بأجدادهم السومريين، كما ترتبط بأكبر أساطير الخلق. هناك روابط متينة تلصقها بالثعبان، إنها بقايا ذكريات طقس قديم جداً كرّم أكبر إلهة سميت كذلك بـ"الثعبان الأكبر" و"التنين"، القوة الكونية للخلود الأنثوي، والتي عُبدت من خلال هذه الأسماء: "عشتروت Astarté، أو عشتار Istar ou Ishtar، ميليتا Mylitta، إنيني أو إينانا Innini ou Innana"(1).وقد اكتشفت نقوش في الآثار البابلية (مكتبة آشور بانيبال)، وضّحت أصول "ليليث"، البغي المقدسة لإنانا، والآلهة الأم الكبرى، التي أرسلت من قبل هذه الأخيرة كي تغوي الرجال في الطريق، وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة. كان الاضطراب واقعاً بين "ليليث" المسماة "يد إنانا"، والإلهة التي تمثلها، والتي كانت هي نفسها توسم أحياناً بهذا اللقب "البغي المقدسة".
لاسم "ليليث" جذور في الفصيلة السامية والهندو أوروبية. الاسم السومري "ليل Lil" الذي نجده ممثلاً في اسم إله الهواء "أنليل"(2) يدلّ على: "الريح" و"الهواء" و"العاصفة". إنه هذا الريح الحار الذي ـ حسب المعتقد الشعبي ـ يعطي الحرارة للنساء أثناء الولادة، ويقتلهن مع أطفالهن. عُدّت "ليليث" في البداية باعتبارها من أكبر القوى المعادية للطبيعة تتصدر مجموعة مكوّنة من ثلاثة آلهة: أحدهم ذكر والاثنتان أنثيان: "ليلو Lilû"، و"الليليتو La Lilitû"، و"أردات ليلي L'Ardat Lili، واعتبرت هذه الأخيرة زوجة سارق النور أو السارق الأنثوي للنور.
يوجد كذلك تشابه بين كلمة "ليليث" والكلمتين السومريتين التاليتين: ليلتي "الشهوة" ووليلو" الفسق". تستخدم ليليث إغراءها (المرأة الجميلة ذات الشعر الطويل) وشهوانيتها (الأكثر حيوانية) في نهايات تدميرية. على الأرجح وقع هذا أثناء سبي بابل(3) حيث حاول اليهود أن يتعرفوا على هذا الإله الذي يَنْشط خاصة في الليل؛ وعليه حاولوا أن يربطوا بين اسم (ليليث) والكلمة العبرانية ليل (الليل)، ولكن عدّ الربط احتمالاً غير ممكن الوقوع. وهكذا رُسمت صورة لليليث من خلال ملامح طائر الليل، البومة أو طائر الشؤم.
سيمكّن صوت باحثين آخرين من استكمال وصف ليليث من خلال العلاقات الممكنة التي تُقرّب اسمها من الجذر الهندو أوروبي (ل، La) بمعنى (الخلق ـ الغناء) من جهة، ومن الكلمة اليونانية من جهة أخرى. وتتفرع من الجذور (ل، La) الكلمة السنسكريتية (ليك، Lik) أي (لعق)، وكذلك عدد كبير من الكلمات التي لها علاقة باللسان والشفتين: نجد كلمة (lippe) في الألمانية والفرنسية، وكلمة (Labium) اللاتينية؛ تلتهم ليليث الأطفال، وتتجلى شفتاها وفمها دائماً في الأعمال الأدبية التالية.
أهمية الترجمة:
إن القراءة المُتمَعّنة للأحداث الراهنة تقودنا إلى التفكير في الأسباب العميقة التي ولّدتها وغذتها. واحد من بين هذه الأسباب، ذي الثقل المحدِّد، يَنبع من التصوّر الثقافي للآخر: والآخر هو كلّ مَن لا ينتمي إلى المجموعة التي تقف على إرثها التاريخي الخاص. وفي غالب الأحيان يُعمد إلى قراءة الأحداث التاريخية إمّا لتعليل مشروعية التعايش السلمي والحياة السعيدة، أو لتبرير الحرب والاستنزاف الدائم، والتآكل بسبب الظنون والمخاوف المتبادلة.
على الأثر الفني أن يقدم ذاته للإدراك! ويجب إنجازه لينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. ويتحتم على الإنجاز – على الأقل – بالنسبة لبعض الآثار التي تقوم على الرموز في انتظار من يفعلها. عندها يمكننا أن نتحدث عن وجود افتراضي ، حتى وإن كان الأثر منتهيا لا يضيف إليه الإجراء شيئا على إلى مقصد المؤلف. وضرورة التحقيق – مثلما يقول لنا "إنغاردن" "INGARDEN" يفرضها علينا الأدب المسرحي مثلا. فعندما أقول مسرحية أشعر أن ثمة شيء ناقص أحاول إتمامه، وأنا أفكر – في شيء من الغموض ، وحسب معرفتي بالمسرح- في الإخراج و المواقف، والنبرات. وكأن ما أفعله إنجاز خيالي ، بيد أنه يبعث الحياة في النص، ويضيء عتمته. فكلمة تأخذ معناها لأنها تنفلت مثل الاعتراف، وأخرى لأنها تنفجر، ومشهد يغدو دراميا فقط للوجود المحتشم لشخصية ملكية صامتة، وعبارة " كم استثقل هذه الزينات، وهذا الحجاب الفضفاض" تستدعي حركة نوعية، أو زيا خاصا.فإذا كان المؤلف في بعض الأحايين قد عمد إلى تسجيل إشارات تخص الديكور ، أو اللعب، فذلك لأجل القارئ أولا حتى يثير خياله في الحدود التي يسمح الكتاب فيها بمضاعفة المشرح المشاهد للمسرح المقروء.( 1) وفي واقع الأمر ، يكون جهد التخييل الذي أسديه للنص، حين يعترض إدراكي المباشر خط الكلمات، في خدمة الحكم، دون الإدراك. لأنني عندما أنجز المسرحية وفق قدراتي الخاصة، فإنني أسعى قبل كل شيء إلى الفهم، إلى الاكتشاف، أو إلى مناقشة المعنى. إنها حقيقة القراءة. ففي غياب الوجود الحسي الذي يتحول الأثر بموجبه إلى موضوع جمالي ، يقوم الأثر مادة للتفكير ببنيته ودلالته. بيد أنني في المسرح أتلقى السحر، أما في القراءة فإنني ببرودة أتدرب على ذكاء النص، والاستفادة الحسنة منه.ومن ثم تقدير الأثر . إنه التقدير الوحيد الذي تنتظره المسرحيات التي لم يتسنى لها حظ الوقوف على الخشبة .. وعندما لا أقف منها موقفا إستيطيقيا ، فإن الأثر لم يتحقق عندي موضوعا جماليا. (2) وذلك الاكتشاف يحققه الإنجاز الفعلي للمسرحية. وقبل البحث عن التغيير الذي يحمله الإنجاز لأصول الأثر ، لنرى كيف تفرض بعض الفنون إجراءها الخاص الذي يميزها عن غيرها .
أولا- الترجمة ووعي الذات :
المعادلة هي الإلحاق :
هل خطر في بالك يوماً أن تقرأ أو أن تسمع رواية مئة عام من العزلة بشيفرة بوليسيّة؟ ها هي هيئة أحد الأحياء المزدحمة بالسكّان والقريبة من مدينة مكسيكو, قد شارفت على إنجاز ترجمة فريدة في نوعها للكتاب الذي يمثّل أنموذجاً لما يطلق عليه اسم "الواقعية السحريّة". 