بعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة، بدأت صحيفة »العمل« الشيوعية الأسبوعية تحقيقًا في موضوع مفاجئ لم يكن متوقعًا. هل ينبغي إحراق كافكا؟ تساءل المحررون. كان السؤال من أكثر الأسئلة التي ليست في محلها على الإطلاق نظرًا لأنه لم يكن مسبوقًا بأي شيء كان من المحتمل أن يمهد أو يؤدي إليه: هل ينبغي إحراق الكتب؟ أو، أي نوع من الكتب يجب أن يحرق؟ ومع ذلك ربما كان اختيار المحررين ماكرًا ودقيقًا. فمؤلف المحاكمة هو، كما يقولون، »واحد من أعظم عباقرة زماننا«. ومع ذلك أثبت عدد كبير من الردود أن الوضوح قد آتى ثماره. بالإضافة إلى ذلك، وحتى قبل أن تتم صياغة كل سؤال أو استنباطه، تلقى التحقيق إجابة حذفها المحررون من النشر - إجابة كافكا نفسه. لأنه على أية حال أثناء حياته، و إلى أن مات، كان كافكا قد تعذّب بالرغبة في أن يحرق كتبه.في رأيي أن كافكا ظلّ مترددًا حتى النهاية. في البداية، قام بتأليف كتبه، ويجب أن نتخيل فترة زمنية بين اليوم الذي يشرع فيه المرء في تأليف شيء ما واليوم الذي يقرر فيه إحراق ما قام بكتابته. علاوة على ذلك يبقى قراره ملتبسًا وغير حاسم: يمنح مهمة إحراق أعماله إلى صديقه الوحيد الذي أخبره بالفعل أنه لن يتمكن أبدًا من القيام بهذا. ومع ذلك، وقبل موته، عبّر بالفعل عن رغبة قاطعة في أن كل ما قد تركه وراءه يجب أن يلقى في النار. على كل حال، كان لفكرة إحراق كافكا، حتى لو لم تكن أكثر من تحريض، منطق بعينه لدى الشيوعيين. فتلك النيران المتخيلة تساهم في فهم واستيعاب كتبه. إنها كتب محكوم عليها أو مقدر لها أن تلتهمها النيران: إنها موجودة هناك، لكنها موجودة لكي تختفي، كما لو أنها بالفعل قد تم إهلاكها.
كافكا الأرض الموعودة والمجتمع الثوري: من المحتمل أن كافكا كان من بين جميع الكتاب هو الأكثر مكرًا: هو، على الأقل، لم يكن ساذجًا مخدوعًا أبدًا! في البداية، على عكس العديد من الكتاب العصريين، أراد أن يكون كاتبًا. أدرك أن الأدب، الأمر الذي كان يريده، قد أنكر عليه الرضا أو الاشباع الذي كان يتوقعه، إلا أنه لم يتوقف عن الكتابة أبدًا. حتى أننا لا نستطيع أن نقول أن الأدب قد أصابه بخيبة الأمل. لم يخيّب الأدب أمله - لم يخيب أمله، على أية حال، بالمقارنة بأهداف أخرى كانت ممكنة. كان الأدب، بالنسبة له، كالأرض المفقودة بالنسبة لموسى. »حقيقة أنه لم يتمكن من رؤية الأرض المفقودة إلا قبل موته مباشرة تبدو غير معقولة»، كتب كافكا عن موسى في يومياته، » المعنى الوحيد لهذه الرؤية أو النظرة الأخيرة هو إظهار إلى أية درجة تبدو حياة البشر ناقصة - ناقصة، لأن هذا الجانب من الحياة ( توقع الأرض المفقودة ) يمكن أن يستمر بشكل غير محدد دون أي ظهور يدوم لأكثر من لحظة. لم يفشل موسى في الوصول إلى كنعان ليس لأن حياته كانت قصيرة جدًا، بل لأنه كان بشرًا».(١) لم يعد هذا مجرد شجب لتفاهة أو بطلان » منظور واحد للحياة»، بل لبطلان توهم كل المساعي والمحاولات، التي هي في نفس الوقت لا معنى لها: السعي ميؤوس منه إن آجلاً أو عاجلاً، مثل السمك في الماء. إنه مجرد نقطة في حركة الكون، مادمنا نتعامل مع حياة بشر.
إذا لم تكن الثقافة معطى وميراثاً ينتقل على حاله من جيل لجيل فذلك لأنها إنتاج تاريخي، أي أنها بناء يندرج في سجل التاريخ، وبشكل أدق، في تاريخ المجموعات الاجتماعية فيما بينها.ولكي يتسنى لنا تحليل منظومة ثقافية معينة، لا بد من تحليل الوضع الاجتماعي-التاريخي الذي ينتج هذه المنظومة كما هو عليه حالها[ بالاندييه، 1955].
دراسة في الفكر السياسي عند المهدي بن بركة
في الاهتمام الفلسفي المتخصص, وفي مرحلة متقدمة نسبيا من ممارسة البحث الدراسي او الاكاديمي, التقليدي يشعر بعض المشتغلين بالضيق من قيود وحدود هذا البحث فتراودهم المغامرة على تخطيه نحو نمط جديد من التأمل ينزع تدريجيا وتلقائيا, انما بقوة اكثر فاكثر وثوقا, الى التسامي التام والجذري على القواعد الاكاديمية ذاتها والميل الى اغواء <<الضياع>> في الهواء الطلق. وهي حالة او مرحلة يشعر فيها المرء بأمان طوعي مع نفسه وحدها دون العالم الخارجي, اذ تبدو اشبه بالوقوف على ضفاف نهر عذب وثر في آن, يغوى لحظتها المتأمل تلقائيا بإدارة ظهره للموجودات الاخرى, متماهيا مع بهجة فطرية تجعله خلاقا بذاته, ولا أهمية عندئذ لصدقانية هذا الادراك او وهميته.
لقد تم إلغاء الصمت من حياتنا بشكل كامل. وتمت عملية الإلغاء هذه بشكل تدريجي، بحيث لم يستطع أحد الانتباه إلى خطورة هذه العملية وما أدت إليه من فقدان وخسارة، إلا في وقت متأخر جداً. وكانت إمكانيات التأمل، القدرة على التمييز، الهدوء وإمكانية الإحساس العميق بالجهات، أول ضحايا الضجيج الذي اقتحم وسيطر على مشهد حياتنا المعاصرة. ولكن من أكثر الخسارات فداحة في هذا المشهد غياب الموسيقى من عالمنا. نعم، غابت الموسيقى، رغم ما قد يظهر في هذا الحكم من تناقض مع واقع حياتنا اليومية والثقافية. كيف يمكن لنا القول إن الموسيقى غابت بينما هي موجودة في كل مكان، متوافرة بكل الأنماط والأشكال الممكنة ومتاحة للجميع بشكل غير مسبوق في تاريخ الإنسانية! يكفي اليوم أن تدخل إلى موقع ما على الإنترنت لتحصل على أشكال وأنماط موسيقية متنوعة من كل أنحاء العالم وثقافاته لم يكن بإمكانك أن تحلم بالحصول عليها أو الاستماع لها بهذه السهولة من قبل.
للعمل الفني الأدبي -من بين جميع تجليات اللغة -صلة امتيازية بالتأويل،
ومن ثمة فهو قريب من الفلسفة، ويخيل إلي أن الاستعانة بأدوات مستعارة من
الظاهراتية تمكننا من تبيان هذا الأمر.