
====1===
مند أن أدركت معنى الأشياء من حولها ،وهي ترى ابن عمها ماثلا أمامها ،تحبه فيكرهها ،تتعلق به فيسحب يدها ويصدها .كانت مشاحنتها معه يصل الى حد لا يطاق ،ورغم كل دلك فقد كانت دوما رفيقة دربه في الكتاب والمدرسة ،ومساعدة له في أعمال الحقل وجليسته في أماسي الشتاء الباردة ،داخل مطبخ الأسرة القروي قرب موقد النار .
بين الدفء والدخان اشتد عود الصغيرة الوديعة استوت وأينعت لتصبح مرمى لأعين شباب القرية ،يحاصرونها ،يضايقونها ،فتعود إليه باكية مشتكية ،وككل مرة تثور ثائرته ،يشتط غضبا وحنقا يخرج مهتاجا نحو غريمه ،لكن بمجرد ما يواجهه يعود إلى رشده ويهدأ روعه دون أن يجرأ على تعنيفه أو حتى الكلام معه ،كان يحس وكأن يدا جبارة تمسكه من قفاه ،تفرمله تسحبه بقوة إلى الخلف تجره إلى دلك الركن المظلم قرب المسجد تطبق على فمه فيختنق وينهار ،يتجمد في مكانه .
====2===
كانت صفية دائما تشعر ببرودته وغور صمته في أعماق جسده النحيف ،حاولت مرارا اتارثه بشتى الطرق ،أغرته ،قبلته ،داعبته ،لكنه كان دائما شاردا ومنفلتا من قبضتها ،تحس بحرقته العجيبة ،بلوعته الخفية فتحاول استفزاز رجولته بحركاتها بعيونها ،بغنجها ،لكن صدى كل محاولاتها كان يتردد في الخواء …أضحت تحس بالوحدة والفراغ المهولين ،يؤرقها سؤال أنثوي غريزي حول ماهية من تحب ،هل هو فعلا….؟
تركوه ملقى على سريره, بعد أن جَروه بعيدا هاشين عن جسده القتلة ... من الذباب , ولكن بعد أن احترقت يداه وما تبقى من اللحم النتن ....
في يوم من أيام الشتاء الباردة حيث الغيوم الكثيفة والأمطار الغزيرة جاءه عماه معا وأخذاه من القسم الداخلي . وقد قيل له بعبارة مقتضبة أن عليهم أن يذهبوا إلى القرية بسرعة . وما كان صاحبنا يجرأ أن يسأل عن السبب لما يعهد عليه عمه الكبير من جدية بالغة وصرامة قاسية ، إلا أنه توقع أن هناك ولا شك أمرا جللا قد حصل ، وإلا فما كان هناك من تبرير لأخذه إلى القرية في هذا الوقت المتأخر من الليل ، والمدارس مستمرة على الدوام ، ولا اجازة أو عطلة أو ما يتطلب التعطيل في هذه الأيام ولا التي تليها . لقد مضى أكثر الطريق - الذي لا يتعدى الخمسة عشر كيلومترا - بسكوت قاتل ، فلم ينبس أحد خلال ذلك ببنت شفة قط . وكان هذا السكوت القاتل يشجع على التسريح في الخيال ، وتوقع ما يمكن قد حصل من أمر مهم . وبعقله اليانع الذي لم يتعد ثلاث عشرة سنة أخذ يتفرس في الاحتمالات المختلفة . وكان مركز التفكير في كل مرة ينصب على والدته المريضة بالتدرن الرئوي منذ فترة ليست بالقصيرة .
تدب على الأرض بعنف , تتسارع أنفاسها فيعلو صدرها ويهبط ثائراً , رقبتها الخمرية منتصبة وعليها يتوهج رأسها الصغير منفعلاً , شعرها الأسود الفاحم يلف وجهها منسدلاً تتقاذفه حركات جسدها النافرة.
سيدي الشيخ علي مديد القامة، يمشي بتؤدة، وعيناه تنظران بعيداً، في ظهره انحناءة طفيفة، عصاه على كتفه وقد علّق فيها (بقجة) ملابسه (ثوب أبيض، وسجّادة صلاة عتيقة، وسواك، وبعض البخور).
السجارة , السجارة هي أوَّل شاهدٍ على مشاكساتي في هذه الدنيا وأوَّل شاهدٍ على خيباتي من هذه الدنيا ! ومصدرٌ مهمٌّ من مصادر إفلاسي شبه الدائم , أدخِّنُها وتدخِّنني منذ أكثر من ثلاثين عاماً , منذ أن كنتُ في السادسة عشر حيث كُنّا نحن التلاميذ نقفز من سياج المدرسة ونشترك في تدخين سجارةٍ ونحن نرتجف خوفاً ! بعد أن يكون أحدنا قد اشتراها من دكّانٍ بالمفرد ولا أتذكَّر أني تركتُها يوماً او أفكِّر بتركِها , صحيحٌ أني تركتُها لمدة يومين وكان ذلك قبل عشرين عاماً او يزيد , والسبب إلتهابٌ في الرئة سرعانَ ما زال , وكذلك أستثني فترات السجن المتقطِّعة في العراق لأنَّ ترك التدخين فيها لم يكن اختياراً , وللسجارة عندي طقسٌ خاصٌّ فبرغم أني ألجأ اليها في السرَّاء والضرّاء إلاّ أنني وانا من عشّاق القهوة ومدمني الشاي وأتناول الخمر لا أستطيع تناول القهوة او الشاي او الخمر إلاَّ بعد تأكُّدي من توفُّر السيجارة , المسألة لا علاقة لها بالإدمان او التعودُّ بقدر ما هي أُلفةٌ تحوَّلتْ الى صداقةٍ فَحُبٍّ ثُمَّ اذا بها تتحوَّل الى اتِّحادٍ صوفيٍّ !
1