كان قرارها الانفصال عنه مؤلما أشد الألم, كطعم الموت في حلق ذلك الواقف أمام مشنقة الإعدام, والحبل يلتف حول رقبته, ولكنه كان الخيار الوحيد, فلا بد من الرحيل, إلى أين كانت قد قررت سلفا وجهتها إلى القادمة.عندما قابلته أول مرة قفز قلبها بين ضلوعها وارتجف جسدها كله, لم يكن الحب الأول في حياتها, ولكنها امرأة تدخل سن اليأس ب"كامل مشمشها" لن تخطيء في تجربة الحب من جديد, غرقا في بحر الحياة, ونهلا منه الحب والسعادة, عاشا كقصص الحب الجميلة في تراث البشرية الزاخر.
ولكن هي كانت تدرك حقيقة أخرى, قد لا يتحدث بها الأصدقاء أمامها, لكنها كانت الحقيقة, كانت الغصة التي ما فتئت تقف في حلقها منذ أن عرفته في ذلك اليوم وقررا الارتباط سويا, الأطفال, نعم تلك هي الحكاية, كل رجل يريد طفلا من صلبه يكمل به مشوار الإنسانية, كل رجل يرغب في وريث يرث اسمه ويورثه للأجيال القادمة, كيف لا؟! وهي التي حلمت دوما بطفل تحمله بين يديها, طفل لها وحدها, ليس أطفال العالم, بل مثلها هي فقط, هي حرمت من هذا الطفل بدون إرادتها, ولكنها تحرمه منه بإرادتها وهي التي تعلم أن عمرها ما عاد يؤهلها للحمل بتاتا.
إذن هذه هي الحكاية, قرأتها في عينيه كلما رأى أو لمس طفل لصديق من أصدقائهما, كما قرأتها في عيون الآخرين, وأحست بالذنب, ذنبها هي وحدها, فهو لازال قادرا على إنجاب الأطفال أما هي فلا, فقررت الرحيل....
مالت الشمس لتهوي لولا أن امسك بها فم المدى وأخذ يلتهمها ببطء لقمة وراء لقمة حتى ابتلعها كما الفريسة الكبيرة في فم تمساح ، وبسط الكون عباءته . السيجارة في فمي يقصر عمرها مع كل شهقة عميقة مضطربة وزفرة طويلة متوترة .. و ها هي ذي ساعة يدي تتأفف لكثرة نظراتي لها وقد فات على الموعد المحدد للقاء نصف ساعة بلا أي زيادة أو نقصان . لم يعد بإمكاني انتظارها أكثر من ذلك .. فبات واضحا أنها لن تأتي . هممت بالمغادرة ، لكنها جاءت فخفق قلبي خفقات طمأنينة لا تخلو من قلق .
كان ويوما جميلا منذ الصباح الباكر, الشمس أشرقت كالعادة وأدفأت هذا الصباح الخريفي الجميل, الأطفال يسيرون إلى مدارسهم فرادى وجماعات, والعاملون إلى أماكن عملهم, لا شيء يعكر روتين هذا اليوم الجديد من أيام قطاع غزة سوى أجواء الحصار, و إحساس داخلي تولد لدي بأن خطبا ما سيقع ليعكر صفاء هذا اليوم الغير عادي لقطاع غزة, مددت يدي لأوقف سيارة تقلني إلى مكتبي في المدينة, فتوقفت أربع سيارات دفعة واحدة, فالبطالة وسوء الأحوال الاقتصادية والحصار جعلت مهنة السائق من المهن الأوسع انتشارا هنا في غزة, أضف إلى ذلك بسطات السجائر المنتشرة في كل مكان, جلست في المقعد الخلفي حيث كان المقعد الأمامي المفضل للجميع مشغولا من قبل شاب في منتصف العمر.مددت يدي لأعطي للسائق أجره إلا أنه كان مشغولا بإشعال سيجارة والنظر إلى الطريق في نفس الوقت, انتظرت إلى أن فرغ من إشعال السيجارة وناولته شيكلا.
كنت آخـــر المغادرين عند انتهاء دوام المساء. آخر كلمات أسمعها – واليـــوم ينتهـــي - لا أكاد أفهمها… البنجـــلاديشي يقترب ويرطن ؛ لا أفهـــم مـن رطانته غير أنه معجب برباط عنقي. أغلق الباب ورائي.
قرص الشمس يغرق في البحر , فتيان وفتيات بين متشابك للأيدي ومختلس للنظرات , يقف أحدهم ببذلته السوداء ليلتقطوا له صورة مع عروسه , صبي صغير يحمل أطواق الفل يغري بها متشابكي الأيدي , أصوات السيارات تعلو على صوت البحر الهادر, أمشي وحدي واضعاً كلتا يدي في جيبي البنطال , أتأمل أضواء كوبري ستانلي المتلألئة , أتفحص المارين والواقفين ,أدقق النظر في وجوههم لعلي أجد أحداً أعرفه أو يعرفني فيخبرني من أنا.
" … أكتب لك هذه الرسالة على أنغام أغنية ( في يوم من الأيام )، تأتيني من إذاعة القاهرة؛ وذلك لأنني اشتريت مذياعاً به 9 موجات قصيرة .. أسمع مصر باستمرار، يعني أخباركم عندي .. ومبروك على المدرب الأجنبي للزمالك؛ ولكن، لا فائدة .. الأهلي هو الأول !… ".
كانت الأضواء الهادئة تختفي في صالة سينما شيراطون ، بينما أنا أترقب وبشدة بدء العرض ، فأنا انتظر منذ مدة وبدأت اشعر بالملل فلا يوجد معي صديق أو رفيق ....
(..مدينة الدشيرة تغيرت كثيرا ، و لم تعد كما كانت في سنوات خلت ..صامتة .. هادئة و خضراء ..).هذا ما فكر فيه ، و هو في طريقه إلى "المارشي" ..ثم تدارك .. (هذا أمر طبيعي ..التطور و التغير سنة الحياة) . .لكن رغم هذا التغير السريع ، الذي عرفته مدينته ، فهي لم تفقد جماليتها المنبعثة من رائحة الدكاكين الصغيرة ، الموجودة على جانبي الطريق الرئيسي ..و السنوات الطويلة و الصعبة ، في كثير من الأحيان ، لم تنل من شوارعها .. و جدرانها .. و كذلك من بعض أشخاصها ..، إلا بصورة أقل مما كان يتصور ، قبل أن يجمع لوازمه في حقيبته ، في بلاد الأنوار كما يسميها : بلاد الغربة و العجب ، و يعود متلهفا حتى النخاع ، إلى وطنه و بلدته ..، لكن كما سافر منها ، من مدينته ، في ذلك اليوم المشؤوم ، يعود إليها خاوي الوفاض ..هذه المدينة التي كانت في ذلك الزمن الغابر، عبارة عن قرية غارقة في بدويتها ،تتخللها حقول فلاحية ، تخترقها السواقي الجارية و الباردة ..، حيث تعلم الدروس الأولى للسباحة ، مع ثلة من رفاقه المشاغبين أنذاك..، قبل أن يكتشف أمواج البحر الواسعة .. بعملية الأوتوستوب ..