الجدار مليء بآثار مسامير قديمة وثقوب ، بجوار الجدار طبلية ورثها عن أبيه ، لها ثلاثة أرجل أما الرابعة فحل محلها علبة سمن فارغة ، وإلى الطبلية تصوب عينان مفتوحتان صامتتان ووراء صمتهما أسئلة تدق من زمن بإلحاح .. هو إلحاح رافقه مذ جاء إلى الدنيا بصمت في هذا البيت العتيق .. وحين تصمت العيون تعمى الآذان وتُصمًّ القلوب .. أو تتظاهر بالموت وقت الكلام .. فيتحول الكلام إلى صمت فعال .فوق الطبلية تلفزيون قديم غطاءه مثبت بواسطة حبال من مصيص ، وأسفل الطبلية شبشب دائم التحول إلى عضاضة في فم طفل رضيع يحبو .. وبجانب الطبلية طشت قديم فارغ إلا من طفل في الرابعة من عمره يتربع في قاعه ويلهو بلا أي أداة للهو .
بعد أداءه صلاة المغرب بسرعة كأنه في سباق تمدد على الكنبة الممزق قماشها وما زالت قطرات ماء الوضوء تبلل خصلات شعره الناعم كفرشاة طلاء جديدة .. أخذ يشاهد مباراة كرة القدم بكل ما لدى جسده من خلايا قادرة على المشاهدة ، خلايا بصرية أو غير بصرية .. بعينيه يشاهد ، بعقله يشاهد ، ويشاهد بخلجات قلبه الذي يدق بقوة مع كل ركلة للكرة .. مما استدعي تقلب عضلات وجهه من لحظة إلى أخرى ما بين تقطيب وانبساط .. وما بين تكشير وابتسام .
زوجته في المطبخ غارقة بين تلال الأواني المتسخة تنظفها و دوي ضجيجها يعلو على صوت التلفزيون مرة و يخبو مرة . ها هو ذا طفل آخر يمسك ثوبها بيد ، واليد الأخرى تمسك بصحن به بقايا طبيخ ملوخية وقد أخذ يلحس قاعه بلسانه الصغير حتى دهن بها وجهه ، فبدا كمن يلبس قناعا .. قناع من الملوخية أفضل ألف مرة من أقنعة المواقف و الكلمات .
لم يكن ممكنا لنا نحن الثلاثة، أن نظل في المنزل مع أمي في غرفة واحدة، وبخاصة في النهار. كان الشارع الرئيس في المدينة، هو المكان الأثير بالنسبة لي، فهو الأكثر صخبا ونساء وجديدا. أعبره في اليوم عشرات المرات، متنقلا من جهة إلى أخرى. فقد كنت ألاحظ من موقعي كثيرا من الخسارات في الجهة الثانية.. فتيات في سراويل الجينز الضيقة، ونساء في فساتين قصيرة تكشف مساحات حارقة من الفخذين، ما يجعلني أسارع إلى العبور، فتنقلب الحال تماما.
"في ليلة مقمرة وقعت جريمة قتل في قريتنا"
اتفق الأصدقاء العشرة على تأسيس مكتب حزبي جديد في مدينتهم الصغيرة ، فقرروا أن يسموه مكتب " النزاهة " وخططوا أنهم قبل ذلك سيجتمعون في المقهى لتوزيع الأدوار وإسناد المهام ، بعد نقاش طويل وجدال عنيد حددوا الرئيس ونائبه وبقية أعضاء المكتب الجديد ، وفي اليوم المعلوم اتفقوا على أن يحضر كل واحد منهم ومعه ستة من أصدقائه أو من أفراد أسرته على أن يوصيهم بالتزام ما اشترطه عليهم من القواعد وهي أن يصوتوا إذا صوت ويسكتوا إذا سكت ... حتى إذا اجتمعوا بحضور رئيس الحزب الكبير أو نائبه أو الرئيس الجهوي ... أو أحد نوابه الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى... تلوا آيات بينات من الذكر الحكيم وألقى الرئيس الذي يفترض فيه أنه أكثرهم بلاغة وأتقنهم لقواعد السياسة والحذلقة ... كلمات يملأها الكثير من العطف والحنان ... عبر فيها عن الحب الذي يكنه لهؤلاء المناضلين الأحرار ولمنطقتهم الجغرافية المباركة ... تلاه في الحديث عضو صنديد من صناديد المكتب القديم ، ومما قاله في ذلك اليوم المشرق : يا سيدنا الرئيس ، إن البلاغة العربية والبلاغة اليونانية وبلاغة السند والهند ... واختصارا : إن البلاغات كلها تعجز عن التعبير عما نكنه لكم ( بصيغة الجمع ) من التقدير والاعتزاز والمحبة والاحترام ... لما صدر منكم من التكريم والتشريف لنا ولمدينتنا إذ تواضعتم وقررتم أن تزورونا في هذه المدينة التي أعتبرها جنة خضراء ( رغم ما فيها من نفايات ، فالأعمال إنما هي بالنيات ) واسترسل في قوله :
ستزورني الملائكة، غدا. اليوم، إنها الشياطين التي تحيط بي.. تدفع بي إلى الشارع المظلم. أتبع الخطوات المتسارعة والرتيبة: طق-طق..طق-طق.. طق-طق.. أرفع ياقة المعطف، وبحركة شبه عفوية، ألقي بنظرة على أرجاء المكان. بعض الشباب في مقتبل العمر يتسامرون عند مدخل عمارة مظلم، يتناوبون على سيجارة وحيدة..وفي الجهة الأخرى، رجل وحيد، يمشي سريعا. . حين يمر بجانبي، أشم رائحة سمك.. انتبه إلى ابتعاد الخطوات الرتيبة، فأسرع لأتدارك المسافة الفاصلة بيننا.. قد تكون الفرصة مواتية عند المنعطف القادم.
صحوت على نقرات حادة على زجاج باب الشرفة ، فركت عينى المغمضتين نفضت عن ملامحي بقايا حلم مزعج ، رأيت حبات المطر المتساقطة من سمائي تنقر باب الحجرة وتدعوني إلى الاستيقاظ .
= رأيتـُـهُ :
أطرق اطرق باب المساء فتفتح لى ...... وتولى الوجه ولا ترد على السلام ... اعفو أنا عن صمتك وأغزل منه نسيج الوقار ...