تتميز غالبية دول العالم بتنوع بشري كبير، يتجلى في مجموعات سكانية تختلف عن الأغلبية المهيمنة في أصولها الثقافية أو الدينية أو اللغوية. هذا التنوع، الذي يُميز العديد من المجتمعات الحديثة، يُصعّب تصور مجتمع متجانس تماماً من حيث الدين أو اللغة أو الخلفية العرقية. تلفت الصراعات الدينية في العالم الحديث الانتباه بشكل متزايد إلى مخاوف الأقليات الدينية والإثنية، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الانقسامات العرقية والدينية مع الحدود السياسية للدول. وفي إطار جهودها لتعزيز الوحدة الوطنية، اعتمدت بعض الحكومات أشكالاً من التجانس الثقافي، متجاهلةً أن التنوع المجتمعي مصدر قوة لا تهديد. هذا النهج، الذي يتجاهل التنوع أو يعالجه بسياسات تكاملية، غالباً ما يؤدي إلى نتائج سلبية، تُعمّق مشاعر التهميش لدى فئات أصغر عدداً. لذلك، فإن احترام التنوع والاعتراف به قانونياً وسياسياً ليس مجرد خيار، بل ضرورة لضمان استقرار الدولة وبناء مجتمعات أكثر شمولًا وإنصافًا.

تعريف مصطلح "الأقلية"

في السياق الأكاديمي، يُعد مصطلح "الأقلية" مفهوماً متعدد الأبعاد يُتناول في مجالات مختلفة، لا سيما العلوم السياسية، والقانون، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا. يُعرّف التعريف السياسي "الأقلية" بأنها مجموعة أو فئة من المواطنين في بلد معين يختلفون عن الأغلبية من حيث الجنس أو اللغة أو الدين. يُبرز هذا التعريف البعد السياسي، مُلقياً الضوء على اختلافات الهوية داخل البلد وما ينتج عنها من تحديات تتعلق بالانتماء والمواطنة والتمثيل.

في سياق آخر، يُعرّف مصطلح "الأقلية" وطنياً بأنه الجزء من سكان بلد ما الذي ينتمي إلى أصل عرقي مختلف عن أصل الأغلبية. يُؤكد هذا التعريف على العلاقة الوثيقة بين الهوية الوطنية ومفهوم الأقلية، لا سيما في الدول متعددة الثقافات والأعراق.

من منظور القانون الدولي، تُعرّف "الأقلية" بأنها مجموعة سكانية تختلف عن الأغلبية في العرق أو الدين أو اللغة، سواءً كانوا من السكان الأصليين أو من المهاجرين المستوطنين، مع منحهم حقوق المواطنة الكاملة دون تمييز. تتحمل الدولة مسؤولية حماية حقوقهم. يُشدد هذا التعريف على التزام الدولة القانوني بضمان المساواة في الحقوق والحريات، بغض النظر عن الانتماءات الثقافية أو الدينية أو العرقية.

تتناول بعض المصادر مصطلح الأقلية من منظور اجتماعي، إذ تُعرّفه بأنه أي جماعة تشعر بالتمييز أو سوء المعاملة من قِبل التيار المجتمعي السائد. يُركز هذا المنظور على التجربة الذاتية والمعيشية للأقليات، مُسلّطًا الضوء على مشاعر الدونية أو الإقصاء كعامل أساسي في فهم وضعها.

تُظهر هذه التعريفات المتنوعة أن مصطلح "الأقلية" لا يُمكن اختزاله في بُعد واحد، بل هو مفهوم مُعقّد يجب دراسته من منظورات سياسية واجتماعية وقانونية. كما تكشف هذه المنظورات أن قضية الأقليات ليست مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل هي تحدٍّ هيكلي يتعلق بتنظيم التنوع داخل الدولة وضمان المساواة في الحقوق لجميع الفئات دون تمييز.

  • بادية غرب مراكش والانخراط في الحركة الوطنية:
    إن أول عمل دشن به أبناء المنطقة رفضهم للاستعمار الفرنسي يرجع إلى رفض ظهير 16 ماي1930 الظهير البربري ([1])، تجسدت هذه المقاومة كما في غالب المناطق بقراءة اللطيف بالمساجد بعد نهاية كل صلاة صبح، بدءا بمساجد إدويرن ولتعم مختلف المناطق ([2])، قابلتها سلطات الحماية بحملة من الاعتقالات ([3])، إلى جانب المشاركة الوازنة في تنظيم مظاهرة المشور بمراكش، إذ أنه ابتداء من 13 غشت شرع المقاومون في عقد اجتماعات على صعيد مختلف أحياء المدينة والدوائر التابعة لها وكان هدفهم الأول هو الحيلولة دون ذكر اسم ابن عرفة فوق المنبر يوم صلاة الجمعة يوم 14 غشت والهتاف بحياة الملك الشرعي ([4])، وجاء يوم 15 غشت 1953م وجاء يوم مظاهرة المشور، ففي هذا اليوم تظافرت جهود المستعمر لتنصيب ابن عرفة ملكا على المغرب، وقد فاق عدد المشاركين في هذه المظاهرة 6000 متظاهر من مراكش والقبائل المجاورة ([5]).

ومع تطور الأحداث انتقل فعل وشكل المقاومة من السياسي إلى المسلح من خلال الانخراط وبقوة في العمليات الفدائية، فكان أول منظمة للمقاومة المسلحة أسست بمراكش، هي منظمة الشهيد محمد بلحاج البقال ([6])، ومن أهمها كذلك منظمة الشهيد حمان الفطواكي([7])، التي تأسست واكتمل نموها في مارس 1954م، والتي كانت لها فروع في البوادي المحيطة بمراكش عينت على رأسها أفراد يرفعون تقارير إلى مقر قيادة المنظمة بمراكش، ويأمرون بأوامرها منها أمزميز وأولاد بو السبع وإيمنتانوت وشيشاوة وتالوين...([8])، كما نشط عدد من المقاومين ذوي الأصول المزوضية في تكوين خلايا للمقاومة بالمدن كالدار البيضاء، كما هو الشأن مع المقاوم مولاي عمر المزوضي من دوار زاوية سيدي يوسف بن إبراهيم([9])، وأحمد هبوش وميلود بن المكي الهلالي([10])، ومنظمة جيش الأطلس، تأسست في أواخر 1954م، وهي تابعة للمنظمة الأم بالدار البيضاء أسسها بمراكش ووطد أركانها السيد حسن الورزازي ومولاي عمر المزوضي وغيرهما ([11])، وكانت لها فروع في البوادي والجبال، كما نفذت الخلايا التابعة لأغمات وأولاد بو السبع وباقي النقط الأخرى المحيطة بالمدينة عمليات تفاوتت أهميتها ونتائجها ([12]).

ومن الأعمال التي قامت بها هذه المنظمة: اغتيال الجنرال "دودفيل" رئيس الناحية العسكرية لمراكش، واغتيال المراقب المدني "تيفا" بتوجيه 4 رصاصات إلى صدره يوم 23 يوليوز 1954م ([13])، إلى جانب نحر المعمر الفرنسي (Robert) وزوجته بفندق (La Vielle Auberge) من طرف جماعة من حي أمدل بأمزميز ([14]).، وفي المقابل استشهد الشهيد عمر بن الزي في زنزانة تابعة لرجال الدرك بإيمنتانوت، أما الشهيد بركاتوش علي فقد قطع رجال الدرك أشلاءه من جراء التعذيب والتنكيل حتى استشهد ليروي بدمائه أرض شيشاوة وأولاد بو السبع ([15]).

كما عرفت سنة 1955 تأسيس امتداد لجيش التحرير بمراكش بواسطة السيد محمد بن حمو المسفيوي الذي أوفدته القيادة من خنيفرة ومعه ضباط آخرون من هذا الجيش إلى مراكش لهذا الغرض، وكان عدد الضباط الذين رافقوه إلى مراكش 13 ضابطا واتصلوا بشخصيات كانت على استعداد للتعاون مع الجيش منها السيد أسكرلي وبولقدم وإبراهيم بن مسعود وحمو مراغ والتهامي المسيوي وغيرهم، وتم انشاء مراكز لهذا الجيش بكل من أيت اورير وتغدوين واسني وأولاد مطاع وثلاث نيعقوب وإيمنتانوت([16])، ومن بين العمليات التي نفذها جيش التحرير الذي أتى على ما بقي من قوة المستعمر ودق آخر مسمار في نعشه، والتي بلغ عددها بهذه الناحية ما يزيد عن 264 عملية منها:

مقدمة:
في خضمّ الواقع العيني العربي والاسلامي وما يتميز به من احداث ماساوية كالحروب والاستعمار والتقسيم والغزو والمذابح والمجازر والصراعات الطائفية والقبلية يمكن للمفكر ان يثير الاسئلة المؤسسة لقراءة نقدية منصبّة على الاجتماعي والتاريخي. في هذا السياق يتنزّل السؤال "الارسلاني": "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

ها هنا الإجابة ليست تقريرًا تاريخيًا بقدر ما هي محاولة لاستعادة "الممكن التحرري"  من خلال فضح السببيّة الثاوية في فعل التخلّف. لم يعد التخلف هنا من امور الطبيعة ولا القدر بل من امور المجتمع والتاريخ. فقد أدرك أرسلان، أن الاستعمار لم يأتِ فقط من الخارج، بل تسلّل من الداخل أيضًا، عبر بنى دينية ونخبوية خانت إمكانها التاريخي في التحرر.

انّ إعادة قراءة "الارسلانيّة" من زاوية ديكولونيالية تتيح لنا تفكيك بنية الخيانة التي أسّست للكولونيالية، سواء عبر صمت الجماهير، أو تبرير النخب للاحتلال باسم "الاعتذار الباطل"، أو عبر الاتجار بالدين والدنيا معًا. بهذا المعنى، تصبح "الأرسلانية" أرشيفًا نقديًا لخيانة التحرر، حيث يظهر فيها المسلم فاعلًا في تدمير نفسه، وشريكًا في تسهيل الاستعمار، سواء عن قصد أو غفلة.

إن هذه القراءة تسعى إلى مساءلة الأرسلانية لا كأيديولوجيا دفاعية، بل كنصّ يفضح إمكانًا تاريخيًا تمّت خيانته، إمكانا كان يُفترض أن يفضي إلى تحرر سياسي وفكري، لكنه أُجهض وما انفكّ يجهض من داخل الجسد الحضاري ذاته. ومن هنا، فإن هذا العمل يحاول أن يُعيد قراءة أرسلان بوصفه مفكرًا "ديكولونياليًا" ، عرّى البنية العميقة للخيانة الفكرية والسياسية التي سهّلت الغزو الكولونيالي، وربما ما زالت تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة حتى اليوم.

1) في الارسلانية:

"الأرسلانية": نحت اصطلاحي يُشتق من اسم المفكر والمصلح العربي شكيب أرسلان (1869–1946)، أحد أبرز وجوه النهضة العربية الإسلامية. وقد ارتبط اسمه بمحاولة عميقة للإجابة عن سؤال "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟"، وهو عنوان كتابه الأشهر الذي أصبح بمثابة مرجع في الفكر الإصلاحي العربي.
تدلّ "الأرسلانية" على موقف فكري إصلاحي محافظ، مزج بين الإحياء واليقظة والاعتزاز بالهوية مع نقد أسباب التاخّر. وفي سياق القراءة المغايرة، يمكن اعتبار "الأرسلانية" شكلًا من أشكال الديكولونيالية المبكرة، إذ سعت إلى فضح خيانة "الإمكان التاريخي للتحرر"، وانتقدت بعنف الاستعمار، والتغريب، وخيانة النخبة المتعلمنة أو المتخاذلة باسم الدين.
وقد وُصفت هذه النخبة في النصوص الأرسلانية بعبارات صارمة، منها: "الذين يخونون ملتهم، ويناصبون إخوانهم العداوة ابتغاء مرضاة الأجانب والحصول على دنيا زائلة"1، ما يجعل من الأرسلانية خطابًا كاشفًا لبنية التاخّر المقنّعة بمبررات زائفة او بلغة راسلانية "اعذار باطلة"

تُعدّ مسألة كيفية تعامل الدول مع الأقليات العرقية والشعوب الأصلية قضيةً بالغة الأهمية والحساسية في جميع أنحاء العالم. وكثيراً ما يُقال إننا نعيش في عصر "سياسات الهوية" أو "سياسات الاعتراف"، حيث من المرجح أن تطالب الأقليات بأشكال من الاعتراف الرسمي والتسهيلات، مثل الحقوق اللغوية، والاستقلال الثقافي أو الديني، والحكم الذاتي الإقليمي، أو زيادة التمثيل السياسي. ومع ذلك، فإن طبيعة مطالب الأقليات هذه وردود فعل الدول عليها تختلف اختلافاً كبيراً من منطقة إلى أخرى. كيف يتم فهم هذه القضايا ومناقشتها في العالم العربي؟ ما هي المفاهيم التي يستخدمها الناس لوصف قضايا التنوع العرقي؟، وما هي النماذج أو السوابق التاريخية التي يستشهدون بها كأمثلة على النجاح أو الفشل؟ ما هي الآمال أو المخاوف التي تُحرك استجابتهم لمطالب الأقليات؟ ما المعايير التي يستخدمونها للتمييز بين التسهيلات العادلة وغير العادلة، أو المطالبات التقدمية والرجعية، أو الأقليات المستحقة وغير المستحقة؟

بما أن الغالبية العظمى من سكان الدول الاثنتين والعشرين الأعضاء في جامعة الدول العربية هم من الناطقين بالعربية والمسلمون السنة، فمن الشائع في الأدبيات اعتبار "الأقليات" في العالم العربي أولئك الذين يختلفون عن تلك الأغلبية الديموغرافية في أحد أو كليهما. بناءً على هذا المنطق، يمكن تقديم التصنيف الثلاثي التالي للأقليات:

أولاً: عرب غير مسلمين: جماعات دينية عربية عرقياً/لغوياً وليست مسلمة سنية، بما في ذلك العديد من الطوائف المسيحية العربية - الروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والأقباط، والموارنة، واللاتين، والبروتستانت - بالإضافة إلى طوائف إسلامية مختلفة، ولا سيما الشيعة، والعلويين، والدروز، والإسماعيليين.

ثانياً: مسلمون غير عرب: جماعات عرقية/قومية مسلمة سنية وليست عربية، مثل الأكراد، والأمازيغ/البربر، والتركمان، والشركس.

ثالثاً: جماعات ليست عربية ولا مسلمة: اليهود، والأرمن، والآشوريون، وقبائل جنوب السودان.

وغني عن القول، إن مثل هذه التصنيفات يجب النظر إليها بحذر. فهي ليست تخطيطية فحسب، بل قد تُجسّد أيضاً، متجاهلةً كيف تغيرت هذه الهويات وحدودها بمرور الوقت.

وعلاوة على ذلك، فهي لا تخبرنا شيئاً عن أهمية أو بروز هذه التمييزات في حياة الناس أو في سياسات المجتمع. إن تعريف أعضاء أي من هذه المجموعات لأنفسهم والتعبئة السياسية كـ"أقلية" هو أمرٌ يجب تفسيره، لا اعتباره أمراً مسلماً به.

     يُعْتَبَر ابن خَلْدُون ( 732 ه / 1332 م تونس _ 808 ه / 1406 م مِصْر ) المُؤسِّسَ الفِعْليَّ لِعِلْمِ الاجتماعِ ، والمُنَظِّرَ الأوَّلَ له ، وَهُوَ أوَّل مَنْ حَلَّلَ أسبابَ قِيامِ الحَضاراتِ وسُقوطِها بأُسلوبٍ مَنطقيٍّ قائم على قواعد المَنهجِ العِلْمِيِّ في البَحْثِ ورَبْطِ الأسبابِ بالنتائج ، وَبَيَّنَ أنَّ لِقِيَامِ الحَضَارةِ وانهيارِها أسبابًا مُتداخلة ، سِياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية .

     عَرَّفَ ابْنُ خَلْدُون الحَضَارةَ بأنَّها " تَفَنُّنٌ في التَّرَفِ ، وإحكامُ الصنائعِ المُستعمَلة في وُجوهِه ومَذاهبِه ، مِنَ المَطابخِ والمَلابسِ والمَبَاني والفُرُوشِ والأبنيةِ وسائرِ عَوائدِ المَنزلِ وأحوالِه " . كَما أنَّهُ عَرَّفَ الحَضَارةَ ضِمْنَ الإطارِ الاجتماعيِّ والتاريخيِّ بأنَّها " الوُصولُ إلى قِمَّةِ العُمْران ، والتَّطَوُّرُ الثقافيُّ والشَّخصيُّ للمُجتمع ، والدُّخُولُ للرُّقِيِّ الاجتماعيِّ الثابت " .

     والحَضَارةُ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ هِيَ نِهايةُ العُمْرَانِ ، والطبيعةُ الجُغرافية لها دَوْر مُهِم في تَطَوُّرِ العُمْرَانِ ، حَيْث تَختلف الأقاليمُ الحَارَّةِ عَن الباردةِ ، وأيضًا ، عمليةُ التَّحَوُّلِ والانتقال مِنَ البَدَاوَةِ للحَضَرِ ، وكذلك السِّياسة والحاكمية والثَّرْوة والمال الذي يأتي مِنَ العَمَلِ والإنتاج . وَهُوَ يَعتبر أنَّ العَدْلَ عاملٌ مُهِمُّ في تَطَوُّر العُمْرَانِ ، والظُّلْم أحد أسبابِ الانهيارِ ، فَهُوَ مُؤْذِن بِخَرابِ العُمْرَانِ وَسُقوطِ الحَضَارةِ .

     مِنْ أهَمِّ نظريات ابن خَلْدُون في تَكوينِ الحضارةِ نظريةُ العَصَبِيَّة ، وَهِيَ الوَعْيُ الجَمَاعيُّ والتضامنُ والوَلاءُ القَبَلِيُّ أو الوطنيُّ أو الحِسُّ المُجتمعيُّ، وهي التي تَجْعَل مِنْ جَمَاعةٍ مُعيَّنة جَمَاعةً قوية . والعَصَبِيَّةُ هِيَ الركيزةُ الأساسيَّةُ لأيِّ نَشاطٍ سِياسيٍّ واجتماعيٍّ في بِناءِ الحَضَارةِ ، والمُحَرِّكُ الأوَّلُ للمُجتمع . مِثْلَمَا يُعَدُّ الإنسانُ الثَّروةَ الحقيقية لِكُلِّ حَضارةٍ. وَهُوَ يَعتقد أنَّ للحَضَاراتِ أعمارًا كما أنَّ للأشخاصِ أعمارًا ، ومراحلُ قُوَّتِها وضَعْفِها مُشابِهة تَمامًا لِمَراحلِ حَياةِ الإنسان .

     وللدُّوَلِ أعمارٌ لا تَتَعَدَّى مِئة وعِشرين عامًا، وتَمُرُّ بِثَلاثةِ أجيال: الخُشونةُ والبَسالةُ في المَجْدِ، والتَّرَفُ والانكسارُ وَضَعْفُ العَصَبِيَّة ، والتَّرَفُ والعَجْزُ عَن المُدَافَعَةِ وانقراض الدَّولة .

     حَلَّلَ ابنُ خَلْدُون الحَضَارةَ وأزمةَ الإنسانِ ، ورَأى أنَّ انهيارَ الحَضَارةِ مُرتبط بِبُعْدِ الإنسانِ عَن المَبادئِ والقِيَمِ ، لِهَذا وَجَبَ أنْ تُبْنَى الحَضَارةُ على الأخلاقِ ، وأكَّدَ على مَبدأ التفاعلِ بَين الحَضَاراتِ ، حَيْثُ تأخذ كُلُّ حَضَارةٍ إنجازاتِ الحَضَارةِ التي قَبْلَهَا ، عَبْرَ جَدَلِيَّةٍ حَضَارية وَتَفَاعُلٍ بَنَّاء ، يَقُومُ على التَّعَاوُنِ لا الصِّدَامِ . والحَضارةُ مَتَى مَا وَصَلَتْ إلى ذِرْوَةِ النَّعيمِ والتَّرَفِ ، فإنَّ هَذا يُهَدِّد بِسُقوطِها وانحلالِها .

قلّة في عالم الجنوب ظلّت في مأمن من "غواية الغرب"، ولو رمنا توصيف هذه الغواية بشكليها الطوعي والقسري، لقلنا هي وصفة محكمة من الاستلاب والاستمراء. تنبّهَ جملة من المفكرين الكبار، ممّن عملوا على تفكيك هذه الظاهرة في حدود الموضوعية العلمية، إلى ضرورة فهمها والتوقّي من آثارها. منهم الراحل حسن حنفي، والمفكر نعوم تشومسكي، وعالم الاجتماع شموئيل نوح إيزنستادت. في كتاب من تأليف الإيطالي ماسيمو كامبانيني حوْل المفكر المصري حنفي، اعتبر أنّ علاقة العرب المضطربة بالغرب، تعود في شقّ واسع منها إلى عدم التناصت. لاختلاف "الطبقات الفهمية" على غرار تنافر "الطبقات الصوتية"، وكأنّ هناك تفاوتا في التسامع يصدّ عن الإصغاء السويّ. وأنّ العرب ليس أمامهم سوى تطوير نظر علمي، بحسب ما دعا إليه حنفي في "مقدمة في علم الاستغراب"، للفوز بتخاطب سوي مع الغرب، والخروج من ثنائية الغواية المضلّلة والكره الأعمى.
وأمّا مع تشومسكي الذي قضى ردحا من حياته ولا يزال في مقارعة سطوة الغرب على العالم، فهو يدعو إلى تحرير الوعي الجمعي من ضلالاته، بهدف التحرر من بطاركة العالم، ولهذا عدَّ نزع تلك الغشاوة بمثابة العمل العلمي الموازي لاهتماماته الألسنية. فكلاهما يسير قدما لترسيخ منظور موضوعي مجرّد لما يحفّ بالإنسان من ظواهر. في حين مع عالم الاجتماع شموئيل إيزنستادت فقد جاءت النظرة من باب مراجعة مفهوم الحداثة الغربية المحوري، بهدف التحرر من ذلك الإغواء الآسر. فلطالما ساد النظر إلى الحداثة بمثابة "الحاوِية المعبَّأة"، وأن المجتمعات التوّاقة إلى هذا المغنم، لا مناص لها من القبول بالحمولة كلّها. وهو ادّعاء ساد على مدى عقود طويلة في النظر إلى هذا المنجَز البشري، وخلّفَ أنواعا شتى من الاستلاب. كشف إيزنستادت زيف هذا الفهم الأحادي للحداثة، وما ينطوي عليه من تجنٍّ بصهْرِ الحضارات في بوتقة الحضارة الغربية، وعمِل على إدراج تحوير جذريٍّ بطرح مقولةِ "الحداثات المتعدِّدة"، في مقابل الحداثة الوحيدة. فعالَم متعدِّدٌ هو أحوج ما يكون إلى فهْمٍ متعدِّدٍ، هكذا راعى إيزنستادت ديناميات التعدّد، ومن ثَمّ إمكان أن تبنيَ تكتلات حضارية جنوبية حداثتها من داخل أنماطها الخاصة، بعيدا عن الخيارات القسرية الواحدة.

يعتبر كتاب الدكتور عبد الأحد السبتي الموسوم" من عام الفيل إلى عام الماريكان" الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي"، كتابا ثمينا من نوع الكتب التي تقرأ أكثر من مرة، تلك الكتب التي تجعلك تسجل ملاحظات جديدة عند كل قراءة. كما أنه من نوع الكتب التي لا تقرأ قراءة مباشرة، حيث يجد القارئ نفسه في كل لحظة محتاجا للبحث في موضوع جديد، إذ لا يمكن فهمه إلا بعد ربطه بمجموعة من الكتب في مجالات علمية متعددة أثرت في المشروع العلمي لعبد الأحد السبتي الذي انتقل فيه من هاجس نمط الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية (أحمد توفيق، بول باسكون، عبد الله العروي...) إلى تركيبة تؤلف بين التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا والمقاربة النصية (جاك بيرك، ميشيل فوكو،لوفي ستروس، بول ريكور...).
لقد واكبت المقاربات التي تبناها السبتي في مشروعه التطور الذي عرفته الكتابة التاريخية مع " مدرسة الحوليات" الفرنسية و"مدرسة التاريخ من أسفل " البريطانية ومدرسة التاريخ الشفهي الأمريكية ومدرسة السوبالتيرن ستاديز الهندية…
ويندرج كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان في سياق التطورات التي عرفتها المعرفة التاريخية التي لاحظها فوكو في مدخل كتابه حفريات المعرفة إذ "أن الأدوات الجديدة التي صارت بيد المؤرخين مكنتهم أن يتبنوا داخل حقل التاريخ، طبقات رسوبية متباينة، فحلت مكان التعاقبات الخطية، التي تشكل موضوع البحث التاريخي عمليات سبر الأغوار بدءا من الحركية التي تطبع السياسة حتى التباطؤ الذي يميز الحضارة المادية، وتعددت مستويات التحليل، وتميز كل منها بانفصالاته الخاصة... وهكذا اخلت الأسئلة التقليدية التي كان التحليل التاريخي يطرحها (نحو ما الرابطة التي تجمع بين أحداث مشتتة؟ كيف نوجد بينها تسلسلا ضروريا؟ ما الاتصال الذي يسري فيها؟) أخلت السبيل لتساؤلات من نوع جديد (ما المراتب التي ينبغي إثباتها بين هذه السلسلة وتلك؟ وداخل أي جدول زمني رحب يمكننا أن نميز مجموعة من الأحداث؟)

الفلسطينيون شعبٌ ذو تاريخ عريق وجذور راسخة في أرضه وتقاليده. لآلاف السنين، كانت فلسطين محوراً لأحداث تاريخية كبرى. تنتمي فلسطين إلى الهلال الخصيب الشهير في عصور البشرية القديمة، موطناً لبعض أوائل المجتمعات الزراعية في العالم.

كان يغلب على المجتمع الفلسطيني التقليدي الطابع الزراعي. تاريخياً، عاش معظم الفلسطينيين في قرى صغيرة، غالباً بين أقاربهم. وللأرض قيمة خاصة في الثقافة الفلسطينية، فقد عبّر عنها الشاعر الفلسطيني الشهير محمود درويش بقوله: "الأرض التي نحملها في دمنا". وعلى عكس بعض المجتمعات الزراعية الأخرى، كان العمل الزراعي يُمارس بشكل جماعي.

على مرّ القرون، بنى الفلسطينيون تلال وطنهم الصخرية على نطاق واسع، مُدرّجات. ولا تزال هذه الجدران الاستنادية الحجرية، المعروفة باسم "السناسيل"، تتقاطع على سفوح تلال الضفة الغربية، وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي. كما بُنيت المنازل على مرّ السنين من الحجر بدلاً من الطوب أو الأخشاب، مستفيدةً من الموارد الأكثر وفرةً في المنطقة.

جعل مناخ فلسطين المتوسطي مثالياً لزراعة محاصيل مثل الحمضيات والزيتون. وأصبح البرتقال، الذي يُشحن من يافا، فاكهةً مشهورةً ومُقدّرةً في شمال أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، قبل اختراع التبريد. في الماضي البعيد، اشتهرت مدينة غزة كميناء تجاري قديم.

ترتبط أشجار الزيتون ارتباطاً وثيقاً بفلسطين لدرجة أنها تكاد تكون مرادفة للمنطقة. ولعل هذه المنطقة كانت أول مكان بدأ فيه البشر زراعة هذا المحصول.

على الرغم من وجود مجال واسع لمزيد من التطور، إلا أن المجتمع الفلسطيني الحديث يتمتع بمستوى تعليمي عالٍ ويضم طبقة مهنية كبيرة. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح من الشائع أن تعمل النساء خارج المنزل وفي مزرعة العائلة.

تعكس الثقافة الفلسطينية الحديثة التقاء العديد من الشعوب في فلسطين عبر التاريخ، بما في ذلك العرب والأرمن والكنعانيون والأوروبيون واليونانيون والعبرانيون والرومان والسامريون والأتراك والأنباط والقبائل البدوية.

البدو هم جماعات وقبائل البدو الرحل تقليدياً في فلسطين. وعلى الرغم من أنهم يعيشون أنماط حياة أكثر استقراراً اليوم، إلا أن الكثيرين منهم يحتفظون بأساليب عيش رعوية. توجد مجتمعات بدوية في جميع أنحاء الضفة الغربية، عاش الكثير منها في النقب قبل طردهم خلال قيام إسرائيل. ولا يزال عدد كبير من البدو يعيشون في جنوب إسرائيل، ويقيم عدد أقل في غزة. تشمل القبائل البدوية الفلسطينية العزازمة، والرماضين، في محافظة الخليل. والجهالين، والكعابنة، في محافظة القدس. والرشايدة في محافظتي بيت لحم وأريحا.