تعتبر القوانين الوضعية اليوم، هي المرجعية الرئيسية في التشريع للدولة الحديثة، وهي المرجعية المؤطرة بمجموعة من المواثيق والقوانين والبروتوكولات والقيم والمبادئ الدولية...التي صادقت عليها الدول المنضوية تحت لواء منظمة الأمم المتحدة، والتزمت بالتقيد بمضامينها حين وضع قوانينها الداخلية، ولم يعد من المقبول تبعا لذلك، أن تشرع أي دولة لقوانين تخالف مضامين تلك التوافقات، وهذا ما يفسر كيف استعاضت الدول الإسلامية الحديثة، عن المرجعية الفقهية في التشريع، كونها تخالف في العديد من أحكامها المرجعية الدولية، ففقه العبيد مثلا، وكما أخرج أحكامه فقهاء الإسلام، يعتبر اليوم بلغة القانون الدولي، جرائم ضد الإنسانية، ما دام أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد في مادته الرابعة على أنه " لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما ". كما وأن فقه الجهاد، بما يتضمنه من أحكام تخص جهاد الطلب، ليعتبر اليوم وبنفس معيار القانون الدولي، اعتداء غاشما على دولة ذات سيادة، وهو ما يصنف ضمن الجرائم الدولية، التي تقتضي فرض عقوبات قاسية على الدولة المعتدية. والشيء نفسه ينطبق على ما سنه فقهاء الإسلام من أحكام تخص فقه الحدود، ذلك أن كل العقوبات البدنية، أصبحت اليوم بلغة القانون الدولي، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
لكن لماذا تجاوز الواقع الأحكام الفقهية، أو إن شئنا الدقة، لماذا لم يواكب الفقه الإسلامي حاجيات المجتمع في المادة التشريعية؟ ولماذا أخفق فقهاء الإسلام في مسايرة التطور الطبيعي للمجتمع الإنساني وما يفرزه من مستجدات ومحدثات؟
يمكننا القول ـ قبل التفصيل في ذلك ـ أن الأمر يعود إلى سبب رئيسي؛ وهو المتمثل في توظيف الدين في السياسة، ففقهاء الإسلام، لم يكونوا أكثر من مثقفي السلطة ومنظريها، وقد كانت مهمتهم الأساسية هي تخريج الأحكام وفق حاجيات الحاكم المستبد.
لقد كان من النتائج المباشرة لتشكيل السلطة السياسية لمذاهبها الدينية الرسمية، ولقرارها إغلاق باب الاجتهاد بعد ذلك، أن حدث جمود في عملية التشريع، فظهرت تبعا لذلك فجوات تشريعية كبرى، أخلت بالسير الطبيعي والعادي الذي كان من المفترض، أن تسير عليه تلك المجتمعات.
لقد عمل الفقهاء تنزيلا لقرارات السلطة السياسية تلك، على التضييق على عملية الاجتهاد، بعدد من الآليات المنهجية الصارمة، التي كرست الجمود والاتباع، وضيقت بشكل كبير على حرية الإبداع والتفكير. ـ الخط التشريعي للفقهاء والتضييق على الاجتهاد: