من الواضح أن من أهم منجزات الصحوة البورجوازية "تصنيف العلوم وتبويبها",واستقلال بعضها عن البعض الاخر,وظهور علوم جديدة لها مباحثها ومناهجها.وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يشهد حقل المعرفة التاريخية الظاهرة نفسها,فيظهر التاريخ كعلم مستقل بذاته عن المعارف الأخرى,ويفيد منها في الوقت عينه,ويصبح "مصطلح التاريخ"_ الذي ظهر إبان بواكير بورجوازية ما قبل الاسلام- شائعا في عصر الصحوة البورجوازية بعد غيبة طويلة إبان العصور السابقة.وتلك ملاحظة بالغة الخطورة على ارتباط العلم بالبورجوازية ,ومن ثم صدق مقولة سوسيولوجية الفكر.
ونتلمس كذلك تأثيرات الصحوة في تقدير علم التاريخ- الذي كان ينظر الى مباحثه وموضوعاته قبل الصحوة نظرة استخفاف – وتبجيل المؤرخين باعتبار "بضاعتهم" "من العوامل المؤثرة في تيارات الحياة...وتؤدي دورا تربويا وسياسيا فعالا".ومعلوم أن ارتباط العلم بالحياة وتكريسه لخدمة أغراض عملية,سمة بارزة من سمات الفكر الليبر الى البورجوازي.وهذا ينفي الرأي القائل بأن "حاجة العرب الى العلم إنبثقت من الدين".
وتقود حقيقة سوسيولوجية نشأة علم التاريخ الإسلامي الى مناقشة آراء الدارسين بصدد تلك النشأة.وتكاد هذه الآراء جميعا تضرب في اتجاه واحد وهو النشأة العربية المحضة,وإن أشارت بعضها الى وجود تأثيرات أجنبية طفيفة.
يقول العلامة أحمد أمين "إن تأريخ حوادث الإسلام في عصوره الأولى كان إسلاميا بحتا ونتيجة تطور طبيعي من الداخل..فلم تحدث تأثيرات من اليونان أو الفرس في حياة المؤرخين الأوائل ".وفي المعنى نفسه ذكر مرجوليوث "لم تكن نشأة التاريخ الإسلامي استمرارا للتواريخ القديمة,وإنما هو نمو طبيعي جاء به الى الوجود حاجات المجتمع,وتتجلى به خصائص خاصة به".ورغم تأكيده على "حاجات المجتمع"كواقع لنشأة العلم,تجاهل تلك الحقيقة حين أبرز "المغزى الأخلاقي كهدف للمعرفة بالتاريخ آنذاك".
كما وقف لاكوست على حقيقة النشأة السوسيولوجية حين رأى أن "الفكر التاريخي جاء تطورا كميا نتيجة تحول كيفي ".
أما روزنتال فقد تخبطت آراؤه في هذا الصدد,فتارة يؤكد النشأة الاجتماعية الخالصة,وأخرى يبرز دورالتأثيرات الأجنبية وخاصة في الجوانب التقنية.يقول "لم يكن هناك تأثيرات فارسية أو إغريقية فيما ابتكره المسلمون من المنهج الحولي".لكنه أثبت في موضع آخر "تأثيرات الحوليات البيزنطية وخاصة ما نسب الى المؤرخ البيزنطي أيونيس ملالاس الذي ربما عرفه العرب من طريق السريان الذين اتبعوا الأسلوب الحولي نفسه,وبالذات عند يعقوب الرهاوي".
معلوم أن الجهود السابقة للثورات البورجوازية تمخضت عن تراكم إبستمولوجي تاريخي من حيث المادة والتقنية، فقد تنوعت موضوعات التاريخ، وتشعبت مباحثه، وتعددت أساليب روايته وطرائقها، وتباينت رؤى رواته بما يتمشى وطبيعة التطور السوسيولوجي.
صفوة القول، إن الاهتمام بتدقيق المفاهيم وتقعيدها يعتبر ضروريا سواء من الناحية الإبستمولوجية أو من الناحية الديداكتيكية/التربوية خاصة إذا تعلق الأمر بمفهومي التاريخ والحضارة اللذين أعطيت لهما دلالات وتعاريف مختلفة، أحيانا متضاربة وأحيانا أخرى متكاملة تبعا لتضارب أو تكامل الحقول المعرفية والمدارس المنهجية التي توظفهما في أبحاثها وخطاباتها "العلمية".
يقول المثل الروسي
تُعدّ الأطروحات الحديثة الرّائجة، بشأن منشأ اليهودية والمسيحية وتطوّراتهما، صناعة للعقل الغربي بمدارسه الأساسيّة: التاريخيّة والأثريّة واللاّهوتيّة. وقد أملى امتلاك زمام المعرفة في هذه الحقول إلى إشاعة مقولات شتّى، شرقا وغربا، صارت بمثابة اليقينيات. فقد ساهم عدم الاهتمام بتواريخ المذاهب والنّحل الأديان بين العرب، بعدم مواكبة الأبحاث والتطوّرات في هذا العلم، إلى رواج عديد الأطروحات الوافدة، وتقبّل مقولاتها دون تروّ وتثبّت، أو إدراك لأبعادها ومقاصدها.
"إن الأبطال الحقيقيين هم الذين يخطون بدمائهم تاريخ أمتهم ويبنون بأجسادهم أمجاد عزتها الشامخة ويشيدون بجماجمهم حصونها المنيعة"..!
شهدت البروتستانية والأنجليكانية في العقود الأخيرة تشظّيات وانقسامات عدّة رافقها نشاط حثيث. تجلّت في ما يعرف بتيّارات "التيوكون" أو "النيوكون"، بالتتابع مختصرات اصطلاحي: "اللاّهوتيون المحافظون" و"المحافظون الجدد" في اللّسان الأنجليزي، أو ما ينعت تعميما باليمين المسيحي. وهي تيّارات تمتح رؤاها من التراث البروتستاني الأنجليكاني بشكل عام. فعلى خلاف التّراجع والثّبات الذي يسري في هيكل الكاثوليكية العام، بسبب الهرميّة المؤسّساتية، رغم محاولات اصطناع الإكليروس العَلماني، كجسر رابط بين رجالات الكنيسة وعموم النّاس؛ وبسبب تصلّب المواقف اللاّهوتية من عديد المسائل، مثل التدخّلات العلمية في الحمل، والموت الرّحيم، واستعمال موانع الحمل، والمواقف الصارمة من الجنسية المثليّة.
حصيلة القول إن العولمة الثقافية تحاول بما أوتيت به من قوة تقانية وإعلامية اكتساح التاريخ العربي وتنميطه حسب توجهاتها، مما يعني إمكانية اختراقه تمهيدا لإقحامه ضمن ثقافة تجارية تتحكم فها الشركات الكبرى إذا لم يسع المؤرخ العربي إلى تخليصه من أوحالها،