هل هناك حدود لحرية الفكر والرأي ؟ ما هو الفكر ؟ ما هو الرأي ؟أسئلة بديهية ، ولكنها تبدو أشبه بالمسائل الفلسفية الكبرى في الثقافة العربية. هل تطورت في مجتمعاتنا العربية ثقافة الحوار أم تسيطر ثقافة اللاحوار ؟
هل نحن مجتمع مدني ، ام ان المدنية أضحت من البدع اتي يجب قمعها؟
هل هناك من فكرة مقدسة لا يمكن نقدها او التطرق البحثي لمضامينها ؟
ما هو الفرق ما بين الحرية في التفكير وبين التحرر من التفكير ؟ وهل يمكن القول ان رفض الحوار هو حالة من حالات الحرية أيضا ؟
وما الفرق بين الرأي والقدح والذم ؟
هل تحتاج الحرية الى فكر ونظام .. أم هي فوضى عارمة - تحررية ؟
اذن لماذا نكتب ؟ ولمن نكتب .. اذا كان كل موقف يعبر عنه أصحاب الرأي ولا يكون متوقعا من القارئ يجر على كاتبه الويلات والشتائم السوقية والتهديد بالذبح أحيانا ؟
كثيرا ما يدور الهجوم حول مواضيع لم يُضمنها الكاتب قي مقاله ، وتطرح بشكل لا يتفق مع فكر الكاتب .. ومع ذلك تُلصق به عنوة . ترى هل المشكلة في فهم المقروء ، ام هي وجهة نظر مسبقة معادية بغض النظر عما جاء في النص ، خاصة وأن أبرز العدائيين حدة ، يختبؤون وراء صفات ثقافية وأكاديمية ؟
تكاد تتزامن الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر سركون بولص مع تهجير أكثر من ألف عائلة مسيحية من الموصل، تحت وابل التهديد والعنف السياسي اللذين يجتاحان العراق، ومثلما رافق وفاة سركون بولص سيلٌ من المقالات، منها ماكان صادقاً ومنها لكُتّاب مراثٍ يشحذون أقلامهم كلما مات مبدعٌ، وتصبح لهم ذكريات معه وتواصل ومكالمات هاتفية من نسج خيالاتهم، رافق وما يزال سيل مقالات تشجب وتستنكر ما يجري لمسيحيي العراق، خصوصاً وأن إلغاء المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات، قد سبق القتل والتهجير، الذي جاء بضغط واضح من جهات تريد الاستيلاء على كل شيء، بالروحية ذاتها التي كانت لدى سابقيهم في الحكم، ناهجة نهج الإقصاء والتهميش أولاً، ومن ثم توزيع الفضلات تحت تسميات المكرمة والدفاع عن مكونات الشعب العراقي، مثبتين أن العقلية التي اتهموها بتهميشهم، هي عقليتهم، لأنهم أبناء حاضنة ثقافية لا تؤمن بالتنوع إلا إذا كان حسب مقاساتهم.
ـ ما هي العلمانية ؟
1. اللغة العربية عبر العصور
ينصرف مفهوم الأخر في الخطاب العربي أو الإسلامي إلي المخالف قومياً أو دينياً .. وقد تجسد منذ وقت مبكر ليعني فقط الفهم المخالف للدين .. فالأنا هو الفهم الرسمي - فهم السلطة للدين - واتباعه ومريديه فالناس علي دين ملوكهم .. والآخر هو كل من عارض السلطة وكل مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد يخالف مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد السلطة العربية والإسلامية .. لان السلطة تتخذ مذهب الحق وهي الفرقة الناجية وتعتنق دين الله .. وقوميتها هي اشرف القوميات وسياستها اصح السياسات وفكرها مستقيم وبلدها البلد الأمين والآخر هو من يحمل الصفات السلبية المناقضة للصفات الايجابية التي تتسم بها - الأنا أو السلطة - .. وفي العصور الحديثة صار مفهوم الأخر ينصرف فوراً إلي الحضارة الغربية .. إلي تاريخ الغرب وهوياته .. وأخلاقه ومدارسه الفلسفية والثقافية ونظمه الاجتماعية والسياسية !!! فمنذ نابليون بونابرت إلي بوش الابن ، أي منذ غزو مصر عام 1798 إلي غزو العراق عام 2003 .. وعلي مدار قرنين من الزمن .. فان سؤال العلاقة العربية بالغرب لم يبرح إشكاليته المزمنة .. إذ شاب هذه العلاقة المزيد من الالتباس (( بين مد الحروب وجزر التثاقف ، يسيل في طريقها دم كثير ويسيل في وصفها حبر كثير )) . هذه الإشكالية تقوم علي معيارين :
كثر الحديث في السنين الأخيرة عن علاقة الإسلام بالحداثة والمدنية، أو بما أنتجته الحضارة الإنسانية في القرون الأخيرة من خلال مقارنته بالأديان الأخرى أو من خلال تأويل نصوصه وملاءمتها مع العصر بالدعوة إلى الاجتهاد والخلق والإبداع. بيد أن الخوض في هذه العلاقة ليس بجديد على الثقافة العربية والإسلامية، بل كانت طرحت على مدى التاريخ العربي الإسلامي، إما في جدال فكري أو سجالي بين مسلم وغير مسلم دفاعا عن الإسلام كدين وثقافة وحضارة، أو في جدال بين مسلمين أنفسهم: بين من يحاول أي يفصل الإسلام عن الحضارات الأخرى، باعتبار الآخر وحضارته لا يمكن أن يقوما إلا بتدنيس الدين الإسلامي وتقويض دعائمه. أو بين من يحاول أن يجعل من الإسلام دينا وثقافة وحضارة جزءا من الحضارة الإنسانية فاعلا ومنفعلا مؤثرا ومتأثرا، علينا بالضرورة كمسلمين الانخراط فيها كمساهمين ومنتجين بالاعتماد على العقل والعقلانية متشبعين بفكر التسامح والاختلاف وحق الآخر في الوجود.
خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة، خصّ اللاّهوتي السويسري الألماني هانس كونغ الأديان الثّلاثة باهتمام خاصّ، أنتج خلالها، إضافة إلى أعماله الأخرى، ثلاثيّة متعلّقة بالأديان الإبراهيمية، كان مستهلّها عملا بعنوان "اليهوديّة" (1991)، ثم "المسيحيّة" (1994)، وأخيرا "الإسلام" (2004)، وبمناسبة صدور التّرجمة الإيطالية لمؤلّفه الأخير، نوافي القارئ العربي بعرض وتلخيص لأهمّ الأفكار الواردة فيه.
فرضت صيرورة تشكّل الأسس الحضارية في بلاد العرب حضور الدّيني مكوّنا جوهريا داخل العملية، عرف التلازم خلالها تمظهرات عدّة. وداخل التبدّلات والتحوّلات الممتدّة عبر القرون، لايزال الدّيني يحضر في الفرد وفي الشخصية العامة بعد مسيرة حافلة بشتى التقلّبات، الأمر الذي يطرح سؤال تراكم الوعي من انعدامه في تلك العلاقة الجدلية، ومما يجوّز الحديث عن علاقة متأسّسة على تطوّر هرمي متصاعد من الجاهلية إلى العرفانية، أو بالأحرى متراجع نحو اندثار الوعي وتلاشيه.