يعلو ضجيج صاخب حينا، يدعو لحوار الأديان وينادي بتنشيط التثاقف بين الحضارات، في غياب شروطهما العلمية اللاّزمة لهما، محوّلا بذلك المعرفة إلى خطاب استهلاكي سطحي مبتذل. ففي الفاكرة العربية، لا يزال التمثّل رهين التصوّر الخلقي والنوايا الطيّبة في هذا المبحث، والحال أن العملية ليست منعزلة عن تأسيساتها المعرفية اللاّزمة لها. إذ التنمية العلمية الثابتة من موجبات الولوج الموضوعي والمسؤول للحقل، وهو ما يتطلّبه الالتزام الرّوحي والفكري الحق في مستوى هذه المسائل الشائكة.فلو بقينا في حدود الحقل الإبراهيمي، وفي مجال الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، لهال المتتبّع والمنشغل بعلم الأديان، فقر الإمكانيات التي يحوزها المنتسبون للحضارة الإسلامية في ذلك في راهنهم الحديث، فالمعرفة باليهودية لا تزال رهينة مقولات "بروتوكولات حكماء صهيون"، وما خلفّته من عجائبي وأسطوري، مع أن الدّراسات والتنظيرات المنشغلة بالاستهواد تنوّعت في تلك الدّيانة سطحا وعمقا، وامتدّت حتى متابعة اللّغات القديمة والمنقرضة من الاستعمال، كالقبطية والآرامية والسريانية وعبرية التوراة والأكدية، فهل في الجامعات الدّينية وكلّيات العلوم الإنسانية والاجتماعية في البلاد العربية متوفّرة هذه القدرات؟ التي صارت من الموجبات الأولية في الغرب للمنشغلين بهذه الدراسات.
وليس بعيدا عن ذلك الإلمام بالمسيحية، الذي لا يزال مبتدئا، غافلا عن كافة التحوّلات العلمية المتعلّقة بها، مع علم نقد الكتب المقدّسة، خلال القرون الأخيرة إلى التأويليات المستجدّة. وعيا بهذه الفجوة الواسعة آثرت ترجمة بعض الدّراسات ذات الصلة باجتماعيات الأديان المعاصرة، وبالمناهج العلمية المتابعة للظاهرة الدّينية، أملا في لفت الانتباه لما يملكه الآخر من أدوات، وما تدور في خلده من انشغالات، وما تعترضه من تحدّيات.
-المترجم-
لم أر إدوارد سعيد فى حياتى سوى مرة واحدة، كان ذلك قبل رحيله بشهور قليلة، فى محاضرة رائعة، ألقاها فى قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة فى مارس عام 2003، وكانت بعنوان: "فلسطين وعمومية حقوق الإنسان". بدا الرجل ساعتها ـ كما تخيلته دائما ـ عملاقا، رغم وطأة المرض ودنو النهاية! أذكر أن الحاضرين استقبلوه بحفاوة بالغة، تليق بمكانته الرفيعة، حتى أنهم ظلوا يصفقون له زمنا طويلا، وكانوا من مشارب شتى! وأذكر كذلك أنه بعد فراغ إدوارد سعيد من إلقاء محاضرته، أقبل عليه الكثيرون لمصافحته، وكنت أحدهم بطبيعة الحال، غير أنى لم أكد أقترب من المنصة التى كان إدوارد سعيد يجلس إليها، حتى خانتنى شجاعتى وتهيبت مصافحته، احتراما واجلالا للرجل، وهو ما سأظل أذكره بألم، وأندم عليه ما بقى لى من سنوات، طالت أم قصرت، فى ذمة الحياة!
تقع الشعوب الشرقية ولاسيما العربية والإسلامية منها فريسة صراع مرير بين ثقافتين كان يمكن ان تكونا متوازيتين بدل تقاطعهما ألا وهما : الثقافة الثابتة – ثقافة الإيمان بالغيب – والإيمان (( هو التسليم والقبول والتصديق بموضوعات لا تخضع للدرس والنظر العقلي أو التجريبي ، فهو تسليم بغيب أخبر عنه صاحب الدعوة ، وهذا التصديق يعد مقياساً للإلتزام بالديانة من عدمه ، وصلاح الإيمان من فساده ، ونموذج ذلك في الإسلام ما أخبر عنه القرآن الكريم ، أو ما ورد في شكل أحاديث منسوبة للنبي محمد ( ص ) )) . ومن هذه الغيبيات الإيمان بالله سبحانه وتعالى كإله كامل مفارق للمادة أزلي وسرمدي ، والإيمان بالرسالات السابقة وبمعجزات الأنبياء (( كدلالة صدق تكسر قوانين الطبيعة لانها لا تخضع لنواميس العقل ومنظومته وقواعده )) .. كالإيمان بالملائكة وقتالها مع النبي .. والإيمان بوجود الجن من المردة ومن المؤمنين ... الخ ومثل هذه الغيبيات ترد في جميع الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن .. وهذا الذي يؤمن به أتباع تلك الديانات والذي يعتقدون بصلاحه لكل زمان وفي كل مكان .. لأنه الثابت والموحى به من الخالق سبحانه . وقد جرى في أوربا والبلدان الغربية عملية درس ونقد الكتب المقدسة .. من حيث البعد التاريخي للنصوص وجذورها السياسية والإجتماعية والإقتصادية .
"لم أع لحظة أتيتُ فيها الحياة..! ألا أى
بعد أن خسرت الكنيسة الوافدة أغلب مواقعها في بلدان المغرب العربي، مع اندحار الاستعمار الفرنسي والإسباني والإيطالي، الذي كانت تتوارى خلفه، والذي حاولت لاحقا أن تجهد نفسها في التملّص من تبعاته والتطهّر من إرثه، لتسلك سياسة مغايرة تتلاءم مع حقبة ما بعد الاستعمار. تحاول أن تعرض رسالتها في الراهن تحت مبرّر الشهادة الاجتماعية. وإن لم تحقق الكنيسة في سالف عهدها اختراقا يذكر، يبرّر ويشرعن حضورها في المنطقة، بفعل تلاحم النظر للكنيسة والاستعمار في المخيال الشعبي، وهو ما حدّ من توغّلها في الأوساط الاجتماعية، برغم امتزاج أنشطتها الخيرية والتبشيرية، التي امتدت على ما يناهز القرنين، قبيل الاستعمار وأثناءه.
تعتبر مخطوطات البحر الميت من الوثائق المثيرة للجدل بين الديانتين اليهودية والمسيحية خلال العقود الأخيرة. وبرغم مرور نصف قرن على اكتشافها والشروع في قراءتها وتحليلها، لا تزال مثار تساؤل في الأوساط العلمية، اللاهوتية والعلمانية، في الفضاءين اليهودي والمسيحي، بما أوحت به من تعارضات وتخمينات واستطرادات متنوعة. وليس هذا الأمر عديم الصلة بالحضارة العربسلامية كما قد يتبادر للأذهان خطأ، وإنما يأتي كإحدى الثروات المفتقدة بفعل الاستعمار وآثاره المزمنة.
حكم الفراعنة المصريون القدس في مطلع القرن السادس عشر قبل الميلاد، واستمرت فترة النفوذ المصري نحو مائتين سنة وقد عثر على هذه القطعة الأثرية عام 1926م ويظهر الاسم مرة أخرى في إحدى الرسائل التي تم اكتشافها ضمن مجموعة من الألواح عام 1887 في تل العمارنة في مصر الوسطى، وتعود هذه الألواح إلى عام 1350ق.م. وفي هذه الرسائل يرد اسم ملك أورشليم عبد خيبا الذي وجه هذه الرسائل إلى فرعون مصر،فقد تعرضت المدينة إلى غارات البدو الخابيرو (وهم العبريون )، مما اضطر الوالي المصري عبدي خيبا أن يستنجد بأمنحوتب الرابع (أخناتون) ولكن ظروف مصر حينئذ حالت دون إنقاذ الموقف.
الأدب الإنجيلي ونشأة النص المقدّس: