تميّزت القضايا التاريخية للمسيحية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بطابع محلّي، إلى جانب ما شهدته من جدل متواصل مع ظاهرة العولمة. فلأثر واقع القرية الكونية الذي صار يميّز البسيطة، بفعل فرص الاتصالات الناشئة عن توسّع الشّبكة الإعلامية وتحت دفع أشكال التّرابط الاقتصادي والسّياسي المتنوّعة، تواجه التجمّعات المسيحية تحدّيات على مستوى الحضور الفعلي وعلى مستوى الإبداع داخل عديد المجالات الاجتماعية والثقافية والرّوحية. ففي زمن التّجديد، المرتبط لدى الكنيسة الكاثوليكية بربيع المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965م)، ولدى الكنائس الأخرى بنشأة الحركات المسكونية الحديثة وتطوّرها، وبالتحوّلات اللاّهوتية، مقارنة بما كان سائدا خلال القرن التاسع عشر، تولّدت حالة نعتت بالتململ، كانت ناتجة عن مظاهر وعي مستجدّة وعن تجربة تنوّع الثقافات، وكذلك أيضا عن الضرورات التاريخية السياسية، وعن الاحتياجات والتعبيرات الرّوحية والدّينية. ففي فضاء اللاّهوت، المتميّز بالوعي النّقدي بالمعيش المسيحي والإكليروسي، جرى ذلك التّململ من خلال تطوّر في التصوّرات مسّ عديد الفضاءات، كأمريكا اللاّتينية وإفريقيا وآسيا، كانت خاضعة فيما سلف للتوجيه التقليدي الأوروبي. جرى ذلك عبر ظهور رواد جدد، كانوا في مستوى أول من العَلمانيين والنّساء، مقارنة بالهيمنة الإكليروسية والذكورية السائدتين في الماضي. كما تبدّى ذلك التململ من خلال ظهور مناهج جديدة، في علاقة أساسا بظهور قيمة الفعل، "الفعل الحقيقي"، مقارنة بالأولوية المميزة للحظة العقائدية الموضوعية، "المبدأ الجوهري". لقد كان للجدل بين المحلّي والعالمي الناتج عن تلك التحولات الأثر المباشر. فإذا كان إيلاء الاهتمام للإيمان يتطلّب إقرارا عميقا بالتحدّيات الواردة من السّياقات التاريخية الاجتماعية، وكذلك توظيفا إيجابيا ونقديا للّغات المختلفة -تعبيرات المواريث الثقافية والأنساق العلائقية المتغايرة فيما بينها-، فإن الأمر يطرح في الآن سؤالا مصيريا متعلّقا بتواصل الإيمان ذاته، وبالتالي عن فرص المحافظة على عرى التوحّد الحقيقية، والتفاهم المشترك، بين اللاّهوت والممارسة العملية المسيحية، في تضادهما السياقي. علاوة، نجد نفس السياق العولمي الجاري على مستوى كوني يتحدّى سياقات الوعي الداخلية، بشكل يجعل هذه الأخيرة تتخلّى عن طابعها المطلق المانع للحوار، والحائل دون الاقرار بالتنوّع داخل شبكة التواصل، ليدفع بها نحو الانفتاح على وحدة إيمان أكثر رحابة وأكثر عمقا.الفكر المسيحي المعاصر: قضاياه وتحدّياته - برونو فورتي - ترجمة: عزالدّين عناية
تميّزت القضايا التاريخية للمسيحية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بطابع محلّي، إلى جانب ما شهدته من جدل متواصل مع ظاهرة العولمة. فلأثر واقع القرية الكونية الذي صار يميّز البسيطة، بفعل فرص الاتصالات الناشئة عن توسّع الشّبكة الإعلامية وتحت دفع أشكال التّرابط الاقتصادي والسّياسي المتنوّعة، تواجه التجمّعات المسيحية تحدّيات على مستوى الحضور الفعلي وعلى مستوى الإبداع داخل عديد المجالات الاجتماعية والثقافية والرّوحية. ففي زمن التّجديد، المرتبط لدى الكنيسة الكاثوليكية بربيع المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965م)، ولدى الكنائس الأخرى بنشأة الحركات المسكونية الحديثة وتطوّرها، وبالتحوّلات اللاّهوتية، مقارنة بما كان سائدا خلال القرن التاسع عشر، تولّدت حالة نعتت بالتململ، كانت ناتجة عن مظاهر وعي مستجدّة وعن تجربة تنوّع الثقافات، وكذلك أيضا عن الضرورات التاريخية السياسية، وعن الاحتياجات والتعبيرات الرّوحية والدّينية. ففي فضاء اللاّهوت، المتميّز بالوعي النّقدي بالمعيش المسيحي والإكليروسي، جرى ذلك التّململ من خلال تطوّر في التصوّرات مسّ عديد الفضاءات، كأمريكا اللاّتينية وإفريقيا وآسيا، كانت خاضعة فيما سلف للتوجيه التقليدي الأوروبي. جرى ذلك عبر ظهور رواد جدد، كانوا في مستوى أول من العَلمانيين والنّساء، مقارنة بالهيمنة الإكليروسية والذكورية السائدتين في الماضي. كما تبدّى ذلك التململ من خلال ظهور مناهج جديدة، في علاقة أساسا بظهور قيمة الفعل، "الفعل الحقيقي"، مقارنة بالأولوية المميزة للحظة العقائدية الموضوعية، "المبدأ الجوهري". لقد كان للجدل بين المحلّي والعالمي الناتج عن تلك التحولات الأثر المباشر. فإذا كان إيلاء الاهتمام للإيمان يتطلّب إقرارا عميقا بالتحدّيات الواردة من السّياقات التاريخية الاجتماعية، وكذلك توظيفا إيجابيا ونقديا للّغات المختلفة -تعبيرات المواريث الثقافية والأنساق العلائقية المتغايرة فيما بينها-، فإن الأمر يطرح في الآن سؤالا مصيريا متعلّقا بتواصل الإيمان ذاته، وبالتالي عن فرص المحافظة على عرى التوحّد الحقيقية، والتفاهم المشترك، بين اللاّهوت والممارسة العملية المسيحية، في تضادهما السياقي. علاوة، نجد نفس السياق العولمي الجاري على مستوى كوني يتحدّى سياقات الوعي الداخلية، بشكل يجعل هذه الأخيرة تتخلّى عن طابعها المطلق المانع للحوار، والحائل دون الاقرار بالتنوّع داخل شبكة التواصل، ليدفع بها نحو الانفتاح على وحدة إيمان أكثر رحابة وأكثر عمقا.
عقب انتهائي من مناقشة رسالة الدكتوراه التي أعددتها في جامعة الزيتونة، خلال السنة الجامعية 1997، حول "المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين"، حرصت على نشر ملخّص على صفحات مجلّة أو دورية مشرقية، أملا في إشاعة نتائج البحث، ورغبة في لفت النظر لعديد الأخطاء الرائجة، والتنبيه إلى أوضاع الدراسات العربية المتعلّقة بهذه الديانة، من حيث تدنّي "علموية" الخطاب فيها، مقارنة بدراسات موازية في بلدان أخرى. خصوصا وأن حاجة البلاد العربية تستلزم النهوض بهذا المبحث، لما تعيشه من صراع مزمن مع دولة، تستند إلى التراث العبري مرجعية حضارية لها. غير أنه رفضت كلّ المجلاّت الحديثَ عن هراء خطابنا وكشْف سقطاته، إن لم أقل جهالاته في مسائل عدة، متعلقة بالتراث العبري وبالديانة اليهودية، حتى أرسلت الملخّص إلى مجلّة "الحياة الثقافية" بتونس، التي كان يديرها الرّوائي حسن بن عثمان سابقا، فقبلت نشره.
اقتنعت بعد تجربة كأستاذ في إحدى الجامعات الأمريكية أن مؤلفات عهد الاستعمار حول المغرب، التي نهملها ونحتقرها، لا تزال تؤثر في أذهان الأجانب. إن الباحث الأمريكي يتسرع في جمع المعلومات حول ماضي المنطقة دون أن يكون مؤِهلا لنقدها والتمييز بين أنواعها. يتهافت على الفرضيات التي يتحفظ حتى أصحابها عند تقديمها فيأخذها كحقائق نهائية. يجهل العربية والبربرية ويهدف إلى فهم الحالة القائمة فلا يهمه من التاريخ إلا ما هو لازم أكاديميا وما يسهل إدراك المشكلات الاجتماعية والسياسية. فيستهويه ما كتبه الفرنسيون ويعطيه قيمة أعلى من قيمته الحقيقية. والباحث الأمريكي ليس إلا مثلا على كل الدارسين الأجانب.
ربطت فرنسا صلاتها بالشرق منذ عهد بعيد ، إذ يعود أول اتصال بينها وبين المشرق العربي إلى أيام الخليفة هارون الرشيد العباسي والملك شارلمان. كما شاركت في الحروب الصليبية التي شنتها الكنيسة الكاثوليكية على المسلمين في المشرق إضافة إلى حملة نابليون وما نتج عنها من اتصالات بين الشرق والغرب، ثم احتلالها للجزائر، واستعمارها لدول عربية أخرى. كل هذا جعل من فرنسا دولة وثيقة الصلة بالعالم العربي وبالحضارة الإسلامية، وكان من الضروري كذلك أن يتجه الباحثون والدارسون الفرنسيون إلى الاهتمام بثقافة هذه البلدان ودراسة شعوبها دراسة اجتماعية تمكنهم من السيطرة أكثر على منابع المعرفة العربية الإسلامية.
من هم مسلمو إيطاليا؟ بعض المعطيات الأوّلية أساسيّة في ذلك، إذ يتعلّق الأمر بما يقارب 800 ألف نفر، وبإمكان الحديث أيضا عن مليون، كما هو معروض من طرف وسائل الإعلام، والمذكور كذلك من طرف وزير الداخلية السّابق بيزانو. ليس لكون العدد مضبوطا، لكن لأنّ هناك تلاعبا سياسيا بشأنه، فكلّما تمّ تسويق المعلومة في الأوساط السّياسية الصّحفية، من الصّعب التخلّص من ذلك 1. أيّا كان الأمر، فحتى وإن لم يتم بلوغ المليون اليوم فسيصير في القريب. فإضافة إلى المعطى الموجود، تؤخذ بعين الاعتبار سرعة التحوّلات، وتبدّلات المواقع، وردود أفعال النّسيج الاجتماعي والسّياسي.
يبدو أن العلاقة بين مفهومي التسامح والتعصب ليست علاقة تضاد حدي فحسب، وذلك بما يجعل من حضور أحدهما نفياً لحضور الآخر ، وإنما هي علاقة تولّد في بُعدٍ من أبعادها الذي يتجاور فيه التضاد والتولد؛ لكن من منظور التعاقب السببي الذي يغدو به غياب التسامح، وهيمنة التعصب إلى درجة الكارثة باعثاً جذريَّاً على البحث عن نقيضه الذي يغدو ترياقاً له، ووسيلةً حاسمةً في المقاومة والمواجهة وعلاج الآثار التدميرية على السواء. وقد تعلمنا من المتحمسين للجدلية التاريخية أن كل ظاهرة تنطوي على نقيضها، وأن اللحظات التاريخية المعتمة، أو حتى حالكة الظلمة، لا تخلو من بصيص ضئيل من الضوء الذي ينفذ عبر الثغرات، ويؤكد حضوره كالأمر الذي يطرحه مبدأ الرغبة في وسط السطوة القاهرة القمعية لمبدأ الواقع. ومعروفٌ تاريخيّاً أمر الحروب الدينية التي ترتبت على حركات الإصلاح الديني في أوروبا، وما اقترنت به هذه الحركات من تعددية مذهبية ، أفضى التعصب إلى كوارث دفعت على التفكير في مواجهة لها، والبحث عن خلاص من آثارها المدمرة التي حفرت حضورها الدامي في الوعي الأوروبي في القرن الخامس عشر. وكان مفهوم " التسامح " نتيجةً لهذا الحضور الدامي ومواجهةً له، مواجهة بدأت بسيطة ، مهمشة، مقموعة ، لكنها لم تلبث بفعل التراكم والإلحاح أن تحولت إلى حركة فكرية، بدأت من المعتقد الديني، وبسبب الصراعات المقترنة بتأويلاته وفهم نصوصه، ولكنها لم تقتصر عليه، أو تنحصر في مداره المغلق. -ففارقته إلى غيره من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والإبداعية . وكانت النتيجة انتقال المفهوم من مرحلة النشأة الدينية التي انبسطت عبر القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى التطور والشيوع الأوسع في المرحلة المدنية لمفهوم التسامح الذي انطلق من القرن الثامن عشر، متلازماً مع الدعوات الليبرالية والأحلام الديمقراطية المقترنة بصعود الطبقة الوسطى من ناحية، وازدهار حركة الأنوار فيما يعرف بعصر العقل من ناحية ثانية، وسعي الفلاسفة والمفكرين الدائب إلى تأسيس الدولة المدنية، المستقلة تماماً عن الدولة الدينية والسلطة الدينية على السواء، والقائمة على مبدأ الفصل بين السلطات واحترام التعددية التي يلزم عنها حق الاختلاف . وفي الوقت نفسه، مبدأ تداول السلطة وتدوير النخب. وهو المبدأ الذي لم ينطلق تنفيذه إلا مع ترسخ الممارسات الديمقراطية ، والاستقلال الكامل عن السلطة الدينية ، خصوصاً في توجهها المذهبي الذي لا يخلو التعصب له من قمع المغايرة.
القدس مدينة عربية النشأة، سكنها العرب اليبوسيون قبل خمسة آلاف سنة، حيث يعتبر هؤلاْء أول من أسس المدينة المقدسة حيث سموها (يبوس) في حوالي عام (3000) ق. م أي قبل نحو خمسة آلاف عام.
شهدت الأوساط الأكاديمية في إيطاليا خلال الأسابيع الماضية حدثين لافتين: تعلّق الأوّل برفض زيارة البابا، التي كانت مقرّرة في الخامس عشر من جانفي الفائت، إلى المعقل العلمي الأوّل في إيطاليا، وأكبر حرم جامعي في أوروبا، "جامعة لاسابيينسا" بروما؛ وتمثّل الحدث الثاني في نشر قائمة على صفحة ويب، سميت بـ"القائمة السوداء"، ضمّت أسماء 162 أستاذا وباحثا يهوديا يشتغلون في الجامعات الإيطالية، اتهمهم السّاهرون على صفحة الويب، التي سارعت وزارة الداخلية بحجبها، بمناصرة إسرائيل والسعي لتشكيل لوبي أكاديمي يهودي خدمة للصهيونية في إيطاليا. كما دعت الصّفحة إلى مقاطعة التعاون بين الجامعات الإيطالية والجامعات الإسرائيلية، واعتبرت استعمال الشعب الايطالي أداة من طرف أقلية عرقية متأدلجة، ومتماسكة ثقافيا مع كيان سياسي خارجي ألا وهي إسرائيل، من الانزلاقات الخطيرة.