حنوط الجسد البارد – شعر: عبد الغفور مغوار

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كم تبتسم المرايا وهي تتهشم في عيني،
كم تلبس الطفولة معطف الرماد،
وتنحني على صورتها في الماء،
كأن الوجود تعثر في خطوة النور الأولى،
فتوقف الخلق قبل أن تكتمل الدهشة في الطين.

يا جسدا يحنطه البرد في نعشه الأزرق،
كم من الحياة تجمدت في عروقه،
وكم من شمس خبت على جلده الشاحب،
حتى صار الضوء نقعا أبيض يلهو على جبينه.

كأن الجمال لعنة ولدت من فرط بياض،
كأن الورد خجل من نفسه،
وأن الدم يعتذر عن لونه في عروق الصقيع.
أي غربة هاته التي تكسو العيون بحزن المرايا؟
وأي عبث يجعل السحر يفقد طراوته في لحظة اللمس؟

ها أنا أتبع ظلي في ممرات من بخار شفيف،
أبحث عن رائحة سقطت من جسد غائب،
أصغي إلى صدى الضوء وهو يفكر بالعودة،
إلى مهد الطين الأول،
حيث الخلق يوشك أن يعيد محاولته الفاشلة.

أيتها الوجوه البيضاء حتى التورم،
كم خبأتم من ليل في نظراتكم الزرقاء؟
كم خدعتم الزمان ببراءاتكم المصقولة،
حتى صار الجمال تمثالا،
والجسد صلاة من رخام الخطيئة؟

يا لفرط الحسن حين يصبح نشازا،
وحين تفقد الأزهار صبرها،
فتغدو الألوان نذورا خائبة
في معابد العيون المبللة بالشهوة.

كل شيء هنا مرتب كجنازة،
العطر بخور،
والمسافة بين اللمسة والوجع رماد.
الهواء نفسه يتنفس ببطء،
خشية أن يزعج نوم الجمال المحنط في برودته.

لكني أرى ما وراء القشرة الملساء،
أرى العطب المختبئ في نغمة الضوء،
أرى الحنين يهمس تحت الجليد،
كطفل يبحث عن أمه بين الشظايا.

أيها الجسد، يا تابوت النعمة،
يا شعر الثلج الذي نسي دفء القصيدة،
يا نبي الغياب،
هل ما زال فيك قلب يخاف على ضوء الصبح؟
هل ما زال فيك ظل يحن إلى امتداده
بعد أن أسأمه سكونه؟

أنا أراك من بعيد
كأمنية تتجمد في الهواء،
كحلم تأخر في الوصول،
كوميض يرتد عن ذاته في ليل المرايا.

أيها البرد،
أنصت إلى حفيف الموت حين يتدرب على الحياة،
إلى أنين اللون وهو يذوب في البياض،
إلى صمت يصلي كي يشفى من صمته.

رباه،
لم يبق من هذا الجمال سوى قشرته،
ولا من الروح سوى رعشة في صدى البرد.
علمني أن أرى بما تبقى من عيني،
أن أكتب بالعتمة حين يخطئ النور،
أن أمشي فوق ركام الالتباس
باحثا عن جمر الحرف الأول.

وأدرك في النهاية،
أن الثورة ليست على الجسد،
الثورة على الجليد الذي يعمره،
وأن الخلاص يأتي سيولا،
من الحنين إلى نار لم تخلق بعد.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟