حين تتكاثر الأزمات وتتشابك الأسئلة، يغيب الصوت الذي كان يومًا ضمير الأمة، ويعلو ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية. فهل ما زال المثقف العربي قادرًا على أن يكون عقلًا نقديًا حاضرًا، أم أن صمته أصبح جزءًا من أزمة الوعي الجمعي؟

يشهد العالم العربي منذ عقود جملة من الانكسارات المتلاحقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالتحولات العاصفة يطفو على السطح سؤال جوهري يلحّ على الوعي الجمعي: أين هم المثقفون العرب؟ وأين أصواتهم التي كان يُفترض أن تكون البوصلة الفكرية والضمير النقدي في مواجهة الأزمات الكبرى؟ لقد عرف التاريخ العربي الحديث مثقفين كانوا في طليعة الحركات التحررية، ومشاريع النهضة، وصياغة الخطاب الإصلاحي، لكن المشهد الراهن يكشف عن فراغ مقلق، وعن غياب شبه كامل لدورهم في الساحة السياسية والاجتماعية، وكأنهم انسحبوا إلى هوامش معزولة أو صمتوا أمام ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية.

لقد كان حضور المثقفين العرب في القضايا الكبرى يومًا ما علامة فارقة في مسار الأمة؛ فطه حسين، على سبيل المثال، لم يكن مجرد أديب، بل كان صوتًا إصلاحيًا جاهر بضرورة التعليم المجاني وربط الثقافة بالحداثة، فيما مثّل عبد الرحمن الكواكبي بكتابه طبائع الاستبداد صرخة مدوّية ضد الطغيان السياسي، داعيًا إلى الحرية والعدالة. أما جمال الدين الأفغاني فقد حمل مشروعًا فكريًا وسياسيًا لمقاومة الاستعمار والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، بينما جسّد نجيب محفوظ في رواياته تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية. وفي العصر الحديث، برز إدوارد سعيد كأحد أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن القضية الفلسطينية، فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار لصوت الشرق في مواجهة الهيمنة. وإلى جانب هؤلاء، ظهر مثقفون معاصرون مثل فاطمة ناعوت، تركي الحمد، ومحمد صادق، الذين ساهموا في النقاشات الفكرية حول الحرية والعدالة والهوية. كما لعب مثقفون مغاربة مثل محمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي أدوارًا محورية في تجديد الفكر العربي، فيما شاركت أصوات بارزة مثل مليكة العاصمي ومئات المثقفين المغاربة في بيانات جماعية للدفاع عن فلسطين ورفض سياسات التطبيع. هذه النماذج تؤكد أن المثقف العربي، قديمًا وحديثًا، كان حاضرًا في قلب المعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن غيابه اليوم يطرح سؤالًا وجوديًا حول مصير الفكر العربي ودوره في مواجهة التحديات الراهنة.

مقدّمة : "بين حصانين"
بين صور الطائرات الأمريكية فوق فنزويلا وصور نابليون فوق حصانه تمتدّ مهزلة تاريخية واحدة؛ أو قل: يعيد التاريخ نفسه في شكل مهزلة. لقد لبس ترامب اليوم عباءة بونابرت، مقلِّدًا خطاب التحرير ذاته لتمرير الهيمنة، فيما تهلّل له نخبٌ في الجنوب مقتنعة بأنها تشهد فتحًا حضاريًا جديدًا. هنا نحفر في جذور هذه المهزلة المتكررة: كيف يتحول الغازي إلى «محرِّر» في وعي المغلوب؟ وكيف تغذّي تبعية الوعي أبديةَ دورات الغزو والاحتلال؟ هنا نحفر في أرشيف «الروح المشوَّهة» وسنداتها داخل مجتمعاتنا التي تستقبل سيف المحتلّ المغلَّف بشعارات الحرية بوصفه بُشرى، بدلًا من أن تراه محنةً تتكرر.
1) المشهد المتكرر: من جبال الألب إلى بحر الكاريبي
يرى البعض في مشهد ترامب وهو يقود عملية عسكرية ضد فنزويلا تجسيدًا لفكرة الحرية والتقدم والإنسانية. فهناك من لا يحملون عمق هيغل الفكري، لكنهم يرون العالم بمنظاره التقدمي الأحادي؛ فيتخيّلون أن «روح العصر» الحديثة و«قيم الأنوار» تتجسد في القوة الغازية لتخلّص فنزويلا—في زعمهم—من الاستبداد والإرهاب والمخدرات التي تهدد الشعب الأمريكي. وهكذا يُصوَّر الغزو على أنه مسيرة تحريرية تقدمية.
وفي خضمّ الأحداث العسكرية المتسارعة في فنزويلا، يصدح صوتٌ من الجنوب مؤيدًا للعملية العسكرية الأمريكية «الباهرة» بلغة ترامب؛ وهو صوت الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي رفع شعار: «الحرية تتقدّم. تحيا الحرية يا للعنة!» (LA LIBERTAD AVANZA, VIVA LA LIBERTAD, CARAJO)، ليقدّم موقفًا يجعل من الاجتياح الأمريكي لحظةً تاريخية تحريرية.
في هذه الرؤية، لا تُصوَّر الحملة العسكرية على أنها مجرد عملية لمكافحة المخدرات أو تدخل في سيادة دولة، بل تُرفع إلى مرتبة «تقدّم» لروح الحرية الحديثة التي تجتاز الحدود وتحقق ذاتها بالقوة. فيتحوّل بذلك الصراع إلى مسألة فكرية تتعلق بنشر الحرية والحضارة ضد الفساد والتوحش، حيث يلعب الأسطول الأمريكي دور أداة نشر الحضارة، ويصبح النظام الفنزويلي مجرد عائقٍ ماديّ في طريق «التقدّم» الذي لا يُقهر. هذا الخطاب لا يشرعن الفعل العسكري فحسب، بل يمنحه قوة أخلاقية ومبرِّرًا تاريخيًا، مكرّسًا تناقضًا بين قوى «التحرير» التقدمية وقوى «الاستبداد» الرافضة لمسار التاريخ.
في هذه الرؤية، لا يعدو ترامب أو نابليون كونهما شخصين، بل هما تجسيدٌ لـ«روح العالم» المتمثلة في الفكر والتقدم والحرية، التي تتخذ هيئة بشر وتزحف على الجغرافيا. ففنزويلا، أو أي بقعة أخرى مثل سوريا أو ليبيا أو غزة (التي طُلب من سكانها المغادرة سابقًا)، تصير مجرد «أمكنة» على خريطة هذه الروح؛ تُهدم ليمرّ فيها قطار العقل المزعوم ويكمل مسيرته الحتمية. إنها رؤية تقوم على الغزو والاحتلال وتختزل الشعوب والأوطان في مجرد عوائق تحول دون تحقق هذا المطلق.
لكن ما يعنينا نحن في بلدان الجنوب هو أمرٌ آخر. فليس بيننا هيغل يقرأ التاريخ، بل حفنة من «المثقفين» و«المفكرين»—دينيين كانوا أم يساريين أم حقوقيين—تحولوا إلى أدوات. هؤلاء يرون في غزو أوطانهم وتدميرها تحقيقًا للحرية والحداثة، فيبررون الوصاية والاحتلال تحت شعارات حداثية وحقوقية وإنسانية. وهذا هو التحدي الحقيقي: مقاومة هذا الخطاب الذي يتسلل كحصان طروادة. فالمحتل سيظل محتلاً، ولن يُردع إلا بمقاومة شاملة: مادية وفكرية نقدية معًا.

لَيْسَ الاستبدادُ حادثةً عابرةً في تاريخِ البَشَرِ ، بَلْ بُنْيَة مُعَقَّدَة تَتكرَّر بأقنعةٍ مُختلفة ، وَتُغَيِّر لُغَتَهَا دُونَ أنْ تُغيِّر جَوْهَرَها . إنَّه مَرَضُ السُّلطةِ حِينَ تنفصلُ عَن الإنسانِ ، وَحِينَ يَتحوَّل الحُكْمُ مِنْ وَظيفةٍ لِخِدمةِ المُجتمعِ إلى آلَةٍ لإخضاعه .
بَيْنَ عبد الرَّحمن الكواكبي ( 1855 _ 1902 ) المُفكِّر العربي الذي واجهَ الاستبدادَ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ في أواخرِ القَرْنِ التاسعِ عَشَر ، وَبَيْنَ جورج أورويل ( 1903 _ 1950 ) ، اسْمُه الحقيقي : إريك آرثر بلير ، الروائي الغربي الذي حَذَّرَ مِنْ طُغيانِ الحَداثةِ السِّياسيةِ في القَرْنِ العِشْرين ، تَتشكَّل خَريطةٌ فِكرية واحدة لِمَسارِ القَمْعِ ، وإن اختلفت الجُغرافيا واللغةُ والأُسلوب .
الكواكبي لَمْ يَكْتُبْ عَن الاستبدادِ بِوَصْفِهِ فِكرة مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه تَجْرِبة مُعاشة . كانَ يَرى الطُّغيانَ مُتَغَلْغِلًا في تفاصيلِ الحَياةِ اليَوميةِ ، في التَّعليمِ الذي يُفَرَّغُ مِنَ النَّقْدِ ، في الثقافةِ حِينَ تُسْتَعْمَل أداةَ تَبريرٍ ، في الاقتصادِ حِينَ يَتحوَّل إلى وسيلةِ إفقارٍ ، في الأخلاقِ حِينَ تَمْدَحُ الطاعةَ العَمْيَاءَ ، وَتَذُمُّ جُرْأةَ النَّقْدِ البَنَّاءِ .
في كِتاباتِه ، لا يَبدو المُسْتَبِدُّ وَحْشًا أُسْطُورِيًّا ، بَلْ إنسانًا عاديًّا تَضَخَّمَ ظِلُّهُ لأنَّ المُجتمعَ تَراجعَ . الاستبدادُ عِندَه عَلاقةٌ مُخْتَلَّةٌ بَيْنَ حَاكَمٍ يَخافُ شَعْبَه ، وَشَعْبٍ يَخَافُ حَاكِمَه ، والخَوْفُ هُوَ اللغةُ المُشترَكةُ التي تَضْبِطُ الإيقاعَ .
أورويل اختارَ طَريقَ السَّرْدِ لِيَكْشِفَ المَأساةَ نَفْسَها . في عَالَمِهِ الرِّوائيِّ ، لا يَحتاجُ الطاغيةُ إلى سَوْطٍ دائم ، يَكْفي أنْ يُعيدَ تَشكيلَ اللغةِ والذاكرةِ . السُّلطةُ هُنا لا تَكْتفي بالتَّحَكُّمِ في الحاضرِ ، بَلْ تُعيدُ كِتابةَ الماضي لِتَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا بِلا مُقَاوَمَةٍ . والقَمْعُ يُصْبحُ نِظامًا فِكريًّا مُتَكَامِلًا ، حَيْثُ يُرَاقَبُ الجَسَدُ،وَيُعَاد تَشكيلُ العَقْلِ، وَتُفَرَّغُ الكَلِمَاتُ مِنْ مَعْناها حتى تَفْقِدَ قُدْرَتَهَا على الاعتراضِ. وأورويل لا يَصِفُ الاستبدادَ كَما هُوَ فَقَط ، بَلْ أيضًا كَما يُمكِن أنْ يَصِيرَ إذا تُرِكَ بِلا مُسَاءَلَةٍ .

1. اليسار العراقي بين المشاركة والمقاطعة في انتخابات 2025

تأتي هذه المقالة في لحظة سياسية وتنظيمية حرجة يمر بها اليسار العراقي، حيث لم تعد التراجعات الأخيرة قابلة للتفسير بالعوامل الخارجية وحدها، ما نمر به هو اختبار حقيقي لإرادتنا وقدرتنا على ابتكار أدوات عمل ومنهجيات جديدة. فلا يمكن قراءة نتائج معظم اليسار العراقي في الانتخابات الأخيرة 2025 بوصفها مجرد خسارة انتخابية عابرة، أو كنتيجة مباشرة للقانون الانتخابي المجحف وسيادة المال السياسي. هذه العوامل الخارجية صحيحة ومؤثرة بلا شك، وتضاف إليها التحديات الأشد وطأة المتمثلة في التقييد والتضييق المنهجي الذي تمارسه القوى المهيمنة، وتأثير الفساد الهيكلي الذي يشوه ساحة الصراع بالكامل، جاعلاً المنافسة غير متكافئة الى حد كبير.

ومع ذلك، فإن التركيز على المؤثرات الخارجية، رغم أهميتها، قد لا يكفي لفهم الصورة الكاملة. فما جرى في الواقع هو تعبير مكثف عن أزمة أعمق تطال أشكال التنظيم، وطريقة العمل، وأسلوب الخطاب والتفكير السائد داخل اليسار العراقي عموماً بكافة فصائله. إنها أزمة لا تتعلق بأحزاب أو قيادات بعينها، بل تمس العلاقة المختلة بين الفكرة الصحيحة وأدواتها الخاطئة. وهي العلاقة بين خطاب تغييري جذري، وطريقة عرضه وتسويقه داخل "سوق سياسي" شديد التعقيد والوحشية يحكم بالقبضة الأمنية والمالية بدلاً من التنافس الديمقراطي الحر. ومع ذلك، ورغم هذا التراجع الواضح، يبقى اليسار العراقي بكافة فصائله الأمل الحقيقي والبديل الأكثر جدية للتغيير الاجتماعي. فعدالة مشروعه وقدرته الكامنة على التنظيم والعمل الجماعي ما زالت قائمة، لكنها تنتظر أشكالاً جديدة للفعل والعمل تتلاءم مع تحولات المجتمع، وتستطيع ليس فقط أن تحسن دورها الجماهيري، بل أن تبتكر أدوات منهجية وعلمية للعمل في ظل شروط الصراع السياسي والاجتماعي الراهنة في العراق وإقليم كردستان.

انطلاقا من هذا التشخيص المزدوج، الخلل الداخلي والتحدي الخارجي، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا لم تحقق معظم قوى اليسار في الانتخابات، او حتى في المقاطعة، النتائج المرجوة؟ ولا لماذا لم تنجح في تعزيز وجودها السياسي والاجتماعي بشكل عام؟ بل لماذا، رغم الوضع السيئ للجماهير وسلطة طغم الاستبداد والفساد في بغداد واربيل، لم يتحول التغيير الاجتماعي، رغم عدالته وضرورته، الى خيار جماهيري واضح ومقنع؟ ولماذا بقي مشروع اليسار، بكل تنوعاته، مشتتا ومتعارضا، مختلفا بآليات العمل والنضال، ولم نتمكن بعد، رغم كثرة نقاط الالتقاء، من بناء إطار موحد وفقها ويجمع طاقاتنا المتنوعة في اتجاه واحد؟ ففي هذه الحالة لم تر الجماهير بديلا واحدا متماسكا، بل سلسلة عروض متنافسة على الفكرة نفسها، تتبنى في معظمها الخطاب ذاته، الى درجة يمكن معها بسهولة تغيير اسم الجريدة او الحزب في اعلامهم، فيشعر المتابع-ة ان حزبا واحدا يتكرر، خصوصا في المسائل الآنية.

في الأزمات الكبرى، حين تتكاثف التحديات وتتعاظم المخاطر، يتطلع المواطنون إلى أنظمتهم السياسية بوصفها الحصن الأخير والملاذ الآمن. غير أنّ التجربة التاريخية والمعاصرة تكشف لنا، بمرارة متكررة، أنّ هذه الأنظمة كثيرًا ما تتحول إلى مصدر للخذلان بدل أن تكون سندًا للحماية. فالسلطة التي يفترض أن تُدار بمنطق المسؤولية والشرعية، تنزلق في كثير من الأحيان إلى منطق البقاء والاستحواذ، حيث تُقدَّم مصالح النخبة الحاكمة على حساب حاجات المجتمع، ويُستبدل خطاب الرعاية بخطاب التبرير، وتُستبدل سياسات التنمية بإجراءات القمع والتضييق.
حين نتأمل في مسار التاريخ السياسي الحديث، ندرك أن الخذلان لم يعد مجرد حادثة عابرة أو خطأ في الحسابات، بل أصبح سلوكاً ممنهجاً تتبناه أنظمة الحكم في لحظات الامتحان الكبرى. فالأنظمة التي تُفترض وظيفتها حماية الشعوب وصون كرامتها، كثيراً ما تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج التبعية، وإلى آليات لإجهاض آمال الجماهير في الحرية والعدالة. هنا يتجلى التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الذي يَعِدُ بالنهضة والإصلاح، وبين الواقع المعيش الذي يكرّس الاستبداد ويُعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا الخذلان بوصفه تعبيراً عن أزمة بنيوية في علاقة الدولة بالمجتمع، حيث تغيب آليات المساءلة، وتُختزل الشرعية في شعارات فارغة أو في تحالفات خارجية. أما من زاوية صحفية نقدية، فإن هذا الخذلان يتجسد في صور يومية ملموسة: في صمت الأنظمة أمام المآسي الإنسانية، في تواطؤها مع القوى المهيمنة، وفي عجزها عن تقديم حلول حقيقية لأزمات البطالة والفقر والهجرة. إننا أمام مشهد تتكرر فيه الوعود، لكن تتلاشى فيه الأفعال، لتبقى الشعوب وحدها في مواجهة مصيرها.
إنّ خذلان الأنظمة لا يظهر فقط في لحظة الانهيار الاقتصادي أو الفشل الأمني، بل يتجلى أيضًا في غياب الرؤية، في تهميش الثقافة، وفي تعطيل إمكانات الأفراد والجماعات. وحين يُترك المواطن عاريًا أمام العاصفة، بلا حماية ولا أفق، يصبح الخذلان فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا مركبًا، يضرب الثقة في المؤسسات ويقوّض العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يربط الدولة بمواطنيها.

تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيوليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق. لا يستطيع النيوليبراليون (وخاصة الليبراليون النظاميون الألمان) التوفيق بشكل كامل بين شكوك الديمقراطية وشغفها وعقلانية السوق. يتطلب نقاء السوق وجود أوصياء، ولا يمكن دائماً اختيار الأوصياء ديمقراطياً. وهذا سيناريو شهدناه يتكشف في الأنظمة التكنوقراطية الأوروبية، ولكن أيضاً في الدول النامية، بدءًا من تجارب أمريكا اللاتينية وآسيا في سبعينيات القرن الماضي. لم يكن الركود الكبير نقطة تحول واضحة، إلا أنه أدى إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية.

أصبح الأوصياء أكثر هيمنة، وغالباً ما رسموا خطاً فاصلاً بين "المواطنين الإثنيين"، الذين يُعتبرون "أكثر ملاءمة" للمنافسة العالمية، و"الأجانب"، وهم عادةً مهاجرون. لقد عادت الرأسمالية جزئياً إلى الحدود الوطنية. حتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، تطلّب بقاء الرأسمالية النيوليبرالية سياسات قومية واستبدادية، أعادت تشكيلها بطريقة أكثر محافظةً وقوميةً وحمائية. لقد ظهر ثلاثة أنواع من النيوليبرالية الاستبدادية. الأول هو التكنوقراطية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصادات الأكثر تقدماً وفي بنية الاتحاد الأوروبي نفسها، وخاصةً منذ تسعينيات القرن الماضي. أما الثاني فهو شكل القومية، الذي غالباً ما يكون "إثنيًا" في محتواه ولهجته شعبوية، والذي ترسخت جذوره في العديد من البلدان (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب)، ولكنه أكثر وضوحاً في شبه أطراف أوروبا الوسطى والشرقية. النوع الثالث هو الاستبداد التقليدي للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تضافرت اقتصادات السوق غير المتقدمة مع وضع التبعية العالمي، مما أدى سريعاً إلى تحول نحو سياسات غير ديمقراطية في التسعينيات. نتناول الليبرالية الجديدة الاستبدادية بمزيد من التفصيل دراسة الثلاث نماذج ذات الصلة: التكنوقراطية في إيطاليا، والنيوليبرالية القومية في المجر، والاستبداد التقليدي في كازاخستان.

في لحظةٍ تاريخيةٍ تتكثّف فيها المأساة الفلسطينية إلى أقصى درجاتها، لا يعود الصمت خياراً، ولا الحياد فضيلة. نحن أمام واقعٍ تتآكل فيه اللغة، وتُفرغ فيه الكلمات من معناها، حتى يُصبح التصريح الرسمي أداةً لإعادة إنتاج الهزيمة، لا لمقاومتها. حين تقول وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين شاهين إن "أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من أمن فلسطين"، فإنها لا تُخطئ في التعبير، بل تُعبّر بدقة عن منطقٍ دبلوماسيٍ فقدَ صلته بالحق، وبالناس، وبالدم الذي لم يجفّ بعد.

هذا التصريح ليس مجرد جملة عابرة في مؤتمر دولي، بل هو مرآة لخطابٍ رسميٍ يُعيد تعريف القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً إدارياً، لا نضالاً تحررياً. خطابٌ يُراهن على التهدئة، ويُراكم التنازلات، ويُعيد إنتاج منطق "السلام الأمني" الذي حوّل الفلسطيني من صاحب حق إلى وسيطٍ بين الاحتلال والمجتمع الدولي. إنه خطابٌ يُفرّغ المقاومة من معناها، ويُحوّل الضحية إلى شريكٍ في ضمان أمن الجلاد.

منذ سنوات، ونحن نشهد تراجعاً رمزياً وسياسياً في تمثيل القضية الفلسطينية على الساحة الدولية. لم يكن ذلك نتيجة ضعف الموارد أو ضغوط الخارج فقط، بل كان ثمرة مباشرة لنهجٍ دبلوماسيٍ اختار أن يُهادن، ويُساير، ويُراكم اللقاءات دون موقف. في عهد الوزير السابق رياض المالكي، تحوّلت الدبلوماسية الفلسطينية إلى بروتوكولٍ فارغ، تُدار فيه القضية بوصفها عبئاً، لا بوصفها أفقاً للتحرر. واليوم، يبدو أن هذا النهج لم يُغادر موقعه، بل أعاد إنتاج نفسه عبر وجوهٍ جديدة، تُجيد لغة التهدئة، وتُتقن فنّ التراجع.

لكن القضية الفلسطينية ليست ملفاً إدارياً، ولا بنداً في جدول أعمال مؤتمر. إنها جرحٌ مفتوح، وذاكرةٌ مثقلةٌ بالدم، وحقٌ لا يُقايض بالأمن، ولا يُختزل في معادلات التوازن الإقليمي. حين يُصبح أمن الاحتلال جزءًا من خطابنا الرسمي، فإننا نكون قد عبرنا الخط الفاصل بين التفاوض والتفريط، بين الواقعية السياسية والانفصال الأخلاقي عن جوهر القضية.

إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى دبلوماسية تُراعي شروط القوة، بل إلى خطابٍ يُعيد الاعتبار للحق، ويُعيد بناء اللغة بوصفها أداة مقاومة، لا وسيلة تبرير. يحتاج إلى تمثيلٍ يُعبّر عن وجعه، لا يُجمّله، وعن نضاله، لا يُفرّغه. يحتاج إلى دبلوماسيةٍ تُدافع عن الإنسان الفلسطيني، لا عن أمن من يحتلّه.

(إلى روحِ ابْنِ أخي "إلياس"، المَقتولِ غَدْرًا.)  
 "لا يُمكِنُكَ أن تَتَصَوَّرَ كَمْ هُوَ شاقٌّ قَتْلُ إِنْسان!"(1)  (غابرييل غارثيا ماركيز)
منذ وُجِد الإنسان وُجِد القتل، فكان أبشعَ فِعلٍ دالّ على رفضه للاختلاف، وخضوعِه لمشاعر الغيرة والحسد والحقد، وسعيِه إلى نبذ الآخَر وإقصائه، كأن الآخَرَ فعلا هو الجحيم، كما قال سارتر.
ومنذ جريمة قابيل ضد أخيه هابيل ظل تاريخ البشرية سلسلة متلاحقة من جرائم القتل، لا تكاد تتوقف إلا لتُستأنَف. بل إننا عرفنا، عبر تاريخنا الذي اقترن بتاريخ الجريمة، أنواعا مختلفة من القتل، بأسماء متعددة، والمسمّى واحد. فظهَر القتل العمد، والقتل الخطأ، والقتل الاضطراري، والقتل الرحيم... ناهيك بالحروب المدمِّرة التي تأتي على الأخضر واليابس، وتقضي على الجاني والبريء على حد سواء. ويبلغ الأمر منتهى البشاعة عندما يصبح القتل وسيلة للإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، كما يحدث الآن على أرض فلسطين، دون رقيب أو حسيب...

في البدء كان القتل:

أول جريمة عرفتها الخليقة هي قتل قابيل لأخيه هابيل، وهما أوَّلُ ابنَيْن لآدم بحسب "العهد القديم". كان قابيل يشتغل في الأرض، بينما يرعى أخوه هابيل الغنم. وعندما قررا تقديم قربان إلى الرّب قدّم قابيل ثمارا من محصول أرضه، وقدّم أخوه هابيل سِمانَ غنمه، فتُقُبِّل قربانُه، ولم يُتَقبَّل قربانُ قابيل، لمخالفته لشرط الذبيحة الدموية التي تطلَّبها الرب. ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (2). اغتاظ قابيلُ من ذلك فأقْدَم على قتل أخيه.  فكان أولَ من سَنَّ القتل.

تعرَّض قابيل بسبب فعلته لعقاب شديد، لازَمه طول حياته. كان عقابا نفسيا تجرّع خلاله آلامَ الخُسران والندم. ﴿فطوعت له نفسُه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾. (3) خسِر أخاه، وخسِر علاقته بخالقه، وخسر دنياه، لأنه أسخط والديه عليه، وعاش منبوذا من أقاربه وأهله، ثم خسِر مكانته كابنٍ لخليفة الله في أرضه. ﴿فأصبح من النادمين﴾ (4). والندم شعور بالأسف والحزن بعد ارتكاب خطأ أو اقتراف ذنب. فما بالك إن كان الذنب في فداحة من قتَل الناس جميعا؟ قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (5). ندَمٌ تَفاقَم بعد عجزه عن التصرف في جثة أخيه، لولا أن لقّنه الغرابُ درسَ الدفن، وتَفاقَم أكثرَ بعد اضطراره إلى الهرب من حضن الأسرة والتيه في الأرض مذموما مدحورا. ناهيك بالعقاب الذي يتوعَّده به الله في الآخرة. ولعل أبلغ تصوير لندم القاتل هو الذي نجده في رواية "الجريمة والعقاب"(6) لفيودور دوستويفسكي، إذ عاش القاتل روديون راسكالنكوف بعد اغتياله للعجوز المرابية أليونا إيفانوفنا حالة من الصراع النفسي الشديد بين عقله ومشاعره، وانتهى به تأنيب الضمير إلى الاعتراف بجريمته وتقديم نفسه للعدالة.

بداية تقنين عقوبة جريمة القتل:

كثيرا ما تَعتبِر الدراساتُ التاريخية شريعةَ حمورابي أقدمَ نموذج للقوانين المنظِّمة للحياة الاجتماعية. غير أن نزول الدين، مع بدء وعي الإنسان وتَشَكُّل المجتمع، في مراحل سابقة عليه، حمل معه منظومةً من القيم والأخلاق التي يتطلبها التعايش بين الناس وسط نظام اجتماعي. فظهرت الوصايا العشر التي تُمثل الحدَّ الأدنى لحفظ العلاقات الاجتماعية، منذ عهد نوح وإبراهيم مع ما كان يُسمّى المندائية، قبل أن تظهر في ألواح موسى. وجاء بعضُ ما في تلك الألواح مطابقا تماما لما اشتملَتْ عليه شريعة حمورابي الذي وُجِد قبل النبي موسى بحوالي أربعمائة سنة حسب التلمود.