خلافا للمطارحات والسجالات التي تقترحها بعض نخبنا العربيّة فيما لا ينفع النّاس في راهنهم، على نحو يسهم في التجهيل ويكرّس التقوقع والتقهقر والرجوع إلى الخلف، بل والعودة إلى الجهالة. كأن تناقش وتتجادل حول القيمة الحضاريّة للزوايا والأضرحة ومقامات الأولياء "الصالحين" وإبراز دورها التاريخي في دعم المسلم روحانيّا أو السعي إلى المحافظة على التصوّف- في وجهه الطرقي الهيستيري التخديري- كظاهرة نفسيّة واجتماعيّة، رغم تماهيها مع الشعوذة. فإنّ طروحات النخب الغربيّة واهتماماتها تسعى غالبا لتنوير العقول وتثويرها وبثّ الوعي في شعوبها للنهوض بها وبلوغ أعلى المراتب. لذلك نلمس الرغبة الجامحة عندهم في خدمة الإنسان من خلال بحث قضاياه الحارقة ذات العلاقة براهنه ومستقبله أكثر ممّا هي مشدودة إلى الماضي السحيق، على أهمّيته. وهو ما ذهب إليه واستبسل في الدفاع عنه، كلّ من المفكّر الفرنسي مونتسكيو (Montesquieux)، في كتابه عن روح القوانين، وعالم الرياضيات والمنظّر السياسي الماركيز نيكولا دي كوندورسيه ((Nicolas de Condorcet ، في كتاباته المطوّلة عن موضوع التقدّم وخاصة في كتاب"نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري" ، وأرنولد جوزيف توينبي (Arnold Joseph Toynbee) ، في كتابه البشر وأمّهم الأرض . فضلا عن فولتير( (Voltaire في كتابه "مقالات عن السلوك"، وهو عمل فلسفىّ عن الحضارة الحديثة أعتبر في وقته، محاولة جادة لتفسير حركة التاريخ عن طريق التقدّم الحضارى للشعوب، تبرز قدرة الإنسان المطلقة على تحقيق التقدّم على مرّ العصور. فقد أكّد هؤلاء جميعا على وجوب انصراف الذهن إلى التفكير في القضايا الجديرة بالتأمّل والبحث " خدمة للإنسان ودفاعا عن إنسانيته في أي ظرف زمكاني كان.

في وقت تتداخل فيه مفاهيم العدالة والهيمنة، وتُعاد فيه صياغة القيم الإنسانية وفق خرائط المصالح السياسية، جاء إعلان فوز "ماريا كورينا ماتشادو" بجائزة نوبل للسلام لعام 2025 كحدث مثير للجدل، لا بسبب نضالها المحلي في فنزويلا فحسب، بل بسبب مواقفها الدولية التي تضع الجائزة نفسها تحت مجهر النقد الأخلاقي.
لم يكن هذا الفوز مجرد تكريم لشخصية سياسية معارضة، بل بدا وكأنه إعادة تعريف لمفهوم "السلام" في سياق عالمي مضطرب. ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تنزف تحت القصف، وتُسجّل عشرات آلاف الأرواح في قوائم الشهداء، خرجت ماتشادو لتعلن دعمها لإسرائيل، واصفةً ما جرى بأنه "هجوم إرهابي" يستحق الإدانة. لم تذكر الضحايا المدنيين، ولم تتوقف عند صور الأطفال تحت الركام، بل اختارت الاصطفاف مع القوة، لا مع الضحية.
هذا التناقض الصارخ بين نضالها السلمي في الداخل، وموقفها المتحيز في الخارج، يفتح الباب لسؤال جوهري: هل يمكن فصل الأخلاق السياسية عن الأخلاق الإنسانية؟ وهل يحق لمن يتجاهل الإبادة الجماعية أن يُكرّم بوصفه رمزًا للسلام؟
إن فوز ماتشادو بالجائزة يطرح إشكالية أعمق من مجرد الجدل السياسي؛ إنه يعكس أزمة في المعايير العالمية التي تُمنح بها الجوائز، ويكشف عن فجوة بين ما يُقال وما يُمارس، بين الشعارات المرفوعة والدماء المسكوت عنها.
ورغم أن جائزة نوبل للسلام مُنحت للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو لها تقديراً لنضالها السلمي ضد النظام في فنزويلا، فإن مواقفها السياسية الخارجية — ومنها دعمها العلني لإسرائيل في حربها على غزة — تضع الجائزة في موضع تساؤل أخلاقي لدى كثيرين، خصوصاً في العالمين العربي والإسلامي.
تظهر ازدواجية المعايير لدى القائمين على الجائزة في أن الجائزة تُمنح باسم "السلام"، بينما الفائزة تدعم طرفاً متهماً بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بحق المدنيين في غزة. هذا يثير تساؤلات: هل تُمنح الجائزة على أساس نضال محلي فقط؟ أم يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار الموقف من القضايا الإنسانية العالمية؟

مقدّمة: "أوقفوا التلوث: الأخضر الذي يخفي الأسود"
في عصر تُرفع فيه الشعارات البيئية والدفاع عن الأرض والحياة على المستوى المحلي والعالمي، لم تعد مقاومة التلوث مجرد قضية تقنية أو صحية، بل أصبحت فضاءً إشكاليا يتقاطع فيه الأخلاقي والسياسي والاقتصادي. فالحركات التي تُعنى بالبيئة وتدافع عن حق الإنسان في الحياة والهواء والماء الخ... قد تنزلق إلى ممارسات أو خطاب يُلوّث الحراك ذاته، سواء عبر التمويل الخارجي، أو الانحراف عن الأهداف المعلنة، أو استخدام الاحتجاجات كأداة ضغط سياسية.

هذا التناقض يبرز تلوّث مقاومة التلوّث: حين يتحوّل الحراك البيئي من وسيلة إصلاح إلى أداة مزدوجة الوجه، تجمع بين الدفاع الرمزي عن البيئة واستغلالها لتحقيق مصالح أخرى. كما تتضح هذه الظاهرة في التوتر بين السيادة الوطنية والحركات المدعومة خارجيًا، والفصل بين المطالب المشروعة والحراك المشبوه، وبين التنمية الصناعية ومقاومة التلوث، حيث تصبح حماية البيئة تحديًا يستلزم توازنًا دقيقًا بين النمو الاقتصادي واستدامة الموارد.

يهدف هذا المقال إلى استكشاف هذه الأبعاد الثلاثة: الحركات البيئية والسيادة الوطنية: التوتر بين التمويل الخارجي والمصالح المحلية. المشروع والمشبوه في الحراك البيئي: معايير التمييز بين الحراك الصادق والمخترق. جدلية التنمية الصناعية ومقاومة التلوث: سبل الجمع بين النمو وحماية البيئة، عبر اقتصاد دائري وتقنيات نظيفة. من خلال هذه المحاور، يسعى المقال إلى تحليل الفصام والتمزق البيئي، وفهم كيفية بناء حراك بيئي صادق وفعّال، قادر على مقاومة التلوث دون أن يتلوث هو نفسه.

1) الحركات البيئية والسيادة الوطنيّة

مقدمة: يمكن اليوم معاينة فصام الخطاب البيئي وتوتر الإيكولوجي و تمزّق الجيوسياسي اذ لم تعد البيئة اليوم مجرد فضاء طبيعيّ يحيط بالإنسان، بل تحوّلت إلى ميدان صراع رمزي واقتصادي وسياسي. فما كان يومًا مسألة أخلاقية متعلقة بحماية الأرض من التلوّث والانقراض، صار اليوم أداة ضغط واستثمار وتمويل وتوظيف جيوسياسي. في قلب هذا التحوّل يعيش الخطاب البيئي توترًا بنيويًّا بين مطلبه الإنساني الكوني ورهاناته السياسية المحدودة. إذ تتنازعه قوى متعددة: المواطن البسيط الذي يطالب بالعدالة البيئية، الدولة التي تبحث عن التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد، والقوى العالمية التي تستثمر في البيئة كأداة للنفوذ الناعم. من هنا يمكن فهم الفصام البيئي لا كحالة عرضية، بل كعلامة على أزمة الوعي الإنساني في علاقته بالطبيعة والسلطة.

لقد أصبحت العلاقة بين الحركات البيئية والسيادة الوطنية إحدى الإشكاليات في فلسفة الدولة والمجتمع المدني، خصوصًا عندما يتقاطع النشاط البيئي مع التمويل الخارجي والمصالح الجيوسياسية. ففي الهند، برزت حالةُ منظّمة "Environics Trust" بوصفها نموذجًا معبّرًا عن هذا التوتر؛ إذ أعلنت الحكومة الهندية في أبريل 2024 أنّ هذه المنظمة "تلقّت نحو تسعين بالمئة من تمويلها من مصادر أجنبية، واستخدمت الأموال لتمويل احتجاجات ضد مشاريع الفحم والصلب والطاقة الحرارية، دون أن تلتزم بالأهداف المعلنة، بل سعت إلى عرقلة مشاريع التنمية الوطنية".

"خطرُ تفتيت المُوحَّد وتقسيم المقسّم وتجزئة المُجزّئ وإشعال المُخْمَد وإخضاع المُمانع"
"إسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً...بل بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكرية"
***
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تبنّت أمريكا في سعيها لفرض هيمنتها كقطب واحد، توجهات عنصريّة تجاه العالم العربي والإسلامي، متأثرةً بطروحات منظّر اليمين المسيحي الصّهيوني المستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس. وتجاهلت واشنطن في كثير من الأحيان راي مُنظّر الهيمنة بريجنسكي، الذي حذّر مثلا من التّورط في حرب العراق؛ وحاول في مقاله الأخير في 2016، ترشيد ما أمكن من الخيارات قبل فوات الأوان، حاثَّا آنذاك على "إعادة التّموقع" وتجنُّب المواجهة مع القوى العظمى، كي لا تُستنزَف الولايات المتحدة وتَفقِد موقعها. ولم تُعدِّل الإدارات الامريكية -الديمقراطية والجمهورية- بوصلتها وكابرت، فكانت النّتيجة ما نراه حاليّا، من ارتجاليّة في السّياسات وتلاشي الموثوقيّة في التّحالفات، فضلا عن الانقسام الدّاخلي وتصاعد مستوى العنف المجتمعي.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فأهداف الولايات المتحدة الامريكية موثّقة ومنشورة منذ عقود؛ ويكفي الاطلاع على أفكار لويس للوقوف على جهنّميّة التّخطيط وهولِ الاستهداف. والمقولات التّي يردّدها السّفير الأمريكي بأنقرة طوم برّاك خلال جولاته بين سوريا ولبنان، حول طبيعة المجتمعات العربية، أغلبُها اقتباسات تكاد تكون حرفيّة من كتابات لويس. وأمّا تسميات "الفوضى الخلاّقة" و "الشّرق الأوسط الجديد" و "صفقة القرن" و "السّلام الابراهيمي" و"الولايات الابراهيميّة المتّحدة"، فهي تخريجات تكتيكيّة لمرتكزاتِ فكِر لويس، وتَصُبُّ في المستهدف الاستراتيجي الثابت لأمريكا، المتمثل في "تقسيم المقسّم" و"تجزئة المُجزئ" و "تفتيت المُوحَّد" (العقائدي) و "إشعال المُخْمَد" (نيرانُ الطائفية) و"إخضاع المُمانع".

ويُعتبر "الفضاء العربي" الغائب الخاسر في خضمّ التّحوّلات الحِقبيّة الجارية، والأمل كبير في استفاقة عربيّة، تحت وقع صدمة العدوان الإسرائيلي على الدّوحة، التي عرّت نهائيّا النّوايا الإسرائيلية تجاه المنطقة. وإن كانت مُجاهرةُ نتنياهو بخطّة ضمّ عدّة دول لإنشاء إسرائيل الكبرى، لا تترك مجالا للالتباس في طبيعة هذا العدو وجدّية المخاطر التّي يُشكّلها على الأمن القومي العربي والاسلامي. وإسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً، فيمكن ان تتحقّق بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكريّة وبِسلب استقلاليّة القرار الوطني، مثلما تظهره الاوضاع في سورية.

وليس خافيا على أحد، أنّ مراكز التّفكير في الغرب وخاصّة في الولايات المتحدة وإسرائيل، مُتمكّنة الى حدٍّ كبير من التّاريخ والفكر السّياسي العربي الإسلامي، ويعرفون أدقّ التّفاصيل المرتبطة بالفِتن. ولِتعذُّر الإطناب في هذا المقال، يمكن الاكتفاء ببعض الثنائيات التي تتفنَّن أجهزة المخابرات في التّلاعب بها عبر الإعلام والأطراف المشبوهة التي تُحرّكها: "سنّة/شيعة"، "سُّنةُ المذاهب الأربعة/السّلفية"، " السّلفيّة التكفيرية الجهاديّة/السّنة والشيعة والصّوفية".

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تعود غزة إلى الحياة، بل إلى ما يشبه ما بعد الحياة. الركام لا يفسح الطريق، والهواء لا يحمل سوى رائحة الموت المؤجل. في شوارعها التي كانت تنبض بالأطفال، لا يُسمع سوى صدى الصدمة، وفي وجوه من تبقّى، لا ترى إلا سؤالاً واحداً: "هل نحن أحياء؟ أم مجرد شهود على موتنا؟"

الناجون من المحرقة الفلسطينية لا يحتفلون بالهدنة، بل يتلمسون أطرافهم ليتأكدوا أنهم لم يفقدوا شيئاً آخر. يبحثون في الأنقاض عن صور، عن أسماء، عن أجزاء من ذاكرة. يرممون ما تبقى من منازلهم كما يرممون أرواحهم، ببطء، وبألم، وبلا ضمانات. فالغزّي لا ينجو، بل يُؤجل موته، ويُعيد تعريف الحياة كل مرة من نقطة الصفر.

ناجون يسترقون الحياة

في غزة، لا أحد ينجو حقاً الناجون ليسوا أحياءً بالمعنى الذي نعرفه، بل هم أشباح تمشي على الركام، تتنفس الغبار، وتُقنع أنفسها أن هذا النبض لا يزال يعني شيئاً. في غزة، النجاة ليست خلاصاً، بل لعنة طويلة الأمد. من نجا من القصف، لم ينجُ من الذكرى. من نجا من الموت، لم ينجُ من السؤال: لماذا بقيت أنا؟ الناجون في غزة لا يعيشون، بل يسترقون الحياة من بين أنقاض البيوت، من تحت صراخ الأطفال، من خلف جدران المستشفيات التي لم تعد تشبه شيئاً سوى المقابر.

كل صباح في غزة هو اختبار جديد للقدرة على التحمّل. كل مساء هو محاولة فاشلة للنسيان. الناجون لا ينامون، بل يغمضون أعينهم على صور لا تموت. يأكلون بصمت، لأن الطعم فقد معناه. يضحكون أحيانًا، لا لأنهم سعداء، بل لأنهم تعبوا من البكاء.

في غزة، الحياة ليست حقاً، بل فعل مقاومة يومي. والنجاة ليست امتيازاً، بل عبء ثقيل لا يُحمل إلا بالدموع.

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت في الآونة الأخيرة موجة جديدة من الاعترافات الرسمية بدولة فلسطين من قبل عدد متزايد من الدول، ما يعكس تغيرًا ملحوظًا في مواقف المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية. هذه الاعترافات، التي جاءت في سياقات متباينة سياسيًا وتاريخيًا، لا تعبّر فقط عن دعم رمزي لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، بل تمثل أيضًا إعادة تموضع دبلوماسي لبعض الدول في مواجهة السياسات الإسرائيلية، وتعبيرًا عن رفضها لاستمرار الاحتلال وتجميد مسار السلام.

إن الاعتراف بدولة فلسطين لم يعد مجرد موقف أخلاقي أو إنساني، بل أصبح أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وللضغط على الأطراف المعنية من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات. كما أن هذه الاعترافات تعكس تصاعد الوعي الشعبي والرسمي في عدد من الدول الأوروبية واللاتينية والأفريقية، بضرورة إنهاء حالة الاستثناء التي تعيشها فلسطين منذ عقود، وتثبيت وجودها القانوني والسيادي على الخارطة الدولية.

لا يمكن فصل الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين من قبل عدد من الدول عن السياق السياسي الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، والذي يتسم بالجمود، والانقسام الداخلي، وتراجع الثقة الشعبية. هذه الاعترافات، رغم أهميتها الرمزية والدبلوماسية، لن تُترجم إلى مكاسب حقيقية ما لم تُقابل بسياسات فلسطينية رشيدة، تستثمر هذا الزخم الدولي وتحوّله إلى خطوات ملموسة على الأرض.

فالسلطة الفلسطينية اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة، يمكن أن تُعيد فيها بناء شرعيتها الداخلية والخارجية عبر تبني رؤية وطنية موحدة، تُعزز من حضورها السياسي والدبلوماسي، وتُعيد ترتيب أولوياتها بما يتماشى مع التحولات العالمية. إن الاعترافات لا تكفي وحدها، بل يجب أن تُواكبها إصلاحات مؤسسية، وتفعيل أدوات الحكم الرشيد، وتوسيع المشاركة الشعبية، حتى لا تبقى فلسطين مجرد "دولة معترف بها" دون سيادة فعلية أو تمثيل حقيقي.

كما أن هذه التحولات تفرض على القيادة الفلسطينية أن تُعيد صياغة خطابها السياسي، وتنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، عبر بناء تحالفات استراتيجية، وتقديم مشاريع تنموية وسياسية تُقنع العالم بأن الاعتراف لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل استجابة لواقع فلسطيني قادر على البناء والاستقلال. إن تحويل الاعترافات إلى رافعة سياسية يتطلب إرادة داخلية، وقراءة دقيقة للفرص، وتجاوزًا لحالة التكلس التي عطّلت المشروع الوطني لعقود. فهل السلطة قادرة أم عاجزة؟

في مساءٍ عربيٍ عادي، تبث إحدى القنوات الفضائية العربية تقريراً عن "التعاون الإقليمي"، تُعرض فيه صور لمصافحات رسمية، وتُذكر إسرائيل بوصفها "شريكاً اقتصادياً واعداً"، بينما تغيب فلسطين تماماً عن المشهد. لا ذكر لغزة، لا تلميح للضفة، لا حضور للقدس. وكأن فلسطين لم تكن يومًا قلباً نابضاً في الوعي العربي، وكأنها لم تكن القضية التي شكّلت وجدان أجيال، وألهمت الشعراء، وأشعلت الميادين.

هذا الغياب ليس مجرد صدفة تحريرية، بل هو تحول سردي ممنهج، تُعاد فيه صياغة فلسطين لا بوصفها قضية مركزية، بل كـ"ملف حساس"، يُستحسن تأجيله أو تجاهله. تتحول من رمز للضمير العربي إلى عبء سياسي، ومن مرآة للعدالة إلى عقبة أمام "الاستقرار الإقليمي". في هذا التحول، لا يُعاد فقط ترتيب الأولويات، بل يُعاد تشكيل الوعي ذاته، وتُعاد هندسة اللغة التي تصوغ علاقتنا بالقضية.

في هذا المقال، نحاول أن نفكك هذا التحوّل، ونرصد كيف يُعاد تشكيل فلسطين في الإعلام العربي، بين التغطية والتوجيه، بين السلطة والناس، وبين الشاشات والمنصات. لأن ما يُقال عن فلسطين في الإعلام، لا يُعبّر فقط عن موقف سياسي، بل يُشكّل وجدانًا، ويُعيد بناء ذاكرة، ويُحدّد ملامح المستقبل.

الخطاب الإعلامي، في زمن التطبيع، لا يكتفي بإعادة سرد الواقع، بل يُعيد إنتاجه وفقاً لمزاج السوق، وضرورات السلطة، وإيقاع المصالح العابرة. في سياق إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي، تتحول الكلمات إلى أدوات تفكيك رمزي، تُفرغ القضية من شحنتها الأخلاقية، وتُعيد ترتيب المعاني بما يخدم سردية التطبيع. فـ"السلام" لم يعد يعني إنهاء الاحتلال، بل أصبح مرادفاً لـ"التطبيع"، أي إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل دون اشتراط العدالة أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. كذلك، يُستبدل مصطلح "الاحتلال" بكلمات مثل "النزاع" أو "الوضع القائم"، مما ينزع عنه صفته القانونية ويجعله يبدو وكأنه خلاف بين طرفين متكافئين. أما "المقاومة"، فتُعاد تسميتها بـ"الجماعات المسلحة" أو "العناصر المتطرفة"، في محاولة لتجريم الفعل المقاوم وتحويله إلى تهديد أمني. ومصطلح "العدوان" يُخفف إلى "عملية عسكرية" أو "رد أمني"، بينما يُطلق على الشهيد الفلسطيني وصف "القتيل" أو "الضحية"، مما يُفرغ الحدث من رمزيته الوطنية والدينية. حتى "النكبة"، التي كانت تُروى بوصفها مأساة جماعية، تُختزل اليوم في تعبيرات مثل "أحداث 1948" أو "الهجرة الجماعية"، وكأنها مجرد فصل تاريخي عابر. والاستيطان يُعاد تقديمه بوصفه "توسعاً عمرانياً" أو "مشروعاً تطويرياً"، والقدس المحتلة تُسمى "القدس الشرقية" أو "القدس الموحدة"، في تغييب متعمد للوضع القانوني والسياسي. اللاجئ الفلسطيني يُشار إليه أحياناً بـ"النازح" أو "المهاجر"، مما يُضعف حقه في العودة ويُعيد تعريفه كمشكلة إنسانية لا سياسية. حتى الانتفاضة، التي كانت تُعد تعبيراً شعبياً عن الرفض، تُختزل في توصيفات مثل "أعمال شغب" أو "توتر ميداني"، مما يُشوّه الحراك الجماهيري ويُفرغه من شرعيته. وتُصبح فلسطين، في بعض التغطيات، مجرد خلفية رمادية، تُذكر على استحياء، أو تُستبدل بروايات أخرى أكثر انسجاماً مع المزاج السياسي الجديد.

في لحظة تاريخية تتسم بالدم والخذلان، حيث يُقصف الفلسطينيون في غزة بلا هوادة، وتُحاصر مدنهم، وتُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، يطفو على السطح سؤال يبدو في ظاهره معرفياً، لكنه في جوهره أخلاقي وسياسي: هل يمكن للمثقف أو الإعلامي الفلسطيني والعربي أن يُحاور شخصية إسرائيلية "ناقدة" دون أن يُشرعن وجودها؟ دون أن يُجمّل خطابها؟ دون أن يُستخدم كجزء من آلة رمزية تُعيد إنتاج الاحتلال بلغة ناعمة؟

هذا السؤال لا يُطرح في فراغ، بل في سياق تطبيع سياسي متسارع، تُرافقه موجة تطبيع إعلامي وثقافي أكثر خطورة، لأنها لا تُعلن نفسها، بل تتسلّل عبر مفردات "الحياد"، و"التحليل"، و"الانفتاح"، و"الاختلاف"، لتُعيد تشكيل الوعي العربي تجاه فلسطين، لا عبر الإنكار، بل عبر التخفيف، والتأطير، والتجميل.

في السنوات الأخيرة، ظهرت لقاءات إعلامية بين مثقفين عرب وشخصيات إسرائيلية تُقدَّم بوصفها "ناقدة"، أو "متمردة"، أو "صوتاً مختلفاً" لكن السؤال الذي يُغفل غالباً هو: هل يمكن فصل هذا "النقد" عن البنية الاستعمارية التي تُنتجه؟ هل يمكن أن يكون "أبراهام بورغ" أو غيره من رموز المؤسسة الإسرائيلية، ناقداً حقيقياً، وهو الذي شغل منصباً تشريعياً في دولة الاحتلال، وشارك في شرعنة سياساتها؟ هل يُمكن أن يُقدّم خطاباً أخلاقياً، وهو يُساوي بين المقاومة والاحتلال، بين من يُدافع عن أرضه، ومن يُقصفه بالطائرات؟

المثقف، حين يُحاور، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي. وحين يُطلّ عبر منصة تُروّج للتطبيع، فإن مجرد ظهوره يُصبح جزءًا من الرسالة، مهما كانت نواياه. فالمنصة تُحدّد السياق، والسياق يُعيد تشكيل المعنى، والمعنى يُعيد إنتاج الموقف.

في هذا المقال، لا نُدين الحوار بوصفه فعلاً معرفياً، بل نُفكك شروطه، وسياقه، وحدوده الأخلاقية. نسأل: هل يمكن استخدام الإعلام كأداة لتفكيك الخطاب الصهيوني؟ أم أن الإعلام، حين يُدار من خارج الوجدان الفلسطيني، يُصبح أداة لإعادة إنتاج الاحتلال؟ هل يمكن للمثقف أن يُمارس النقد من داخل المنظومة، دون أن يُصبح جزءًا منها؟ وهل يُمكن للوعي أن ينجو من التواطؤ، حين يُحاور من يُنكر حقه في الأرض، والكرامة، والوجود؟

هذه الأسئلة لا تُطرح في فراغ، بل في سياق دمٍ يُسال يومياً في غزة، وتهويدٍ يُبتلع في القدس، وحصارٍ يُخنق في الضفة، ونكبةٍ مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. فحين يُقتل الأطفال، وتُهدم البيوت، وتُحاصر المدن، يصبح كل ظهور إعلامي، وكل كلمة، وكل منصة، جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد مساحة للنقاش.

لأن فلسطين، في النهاية، ليست موضوعاً للجدال، بل قضية للانحياز. والمثقف، حين يُراوغ، يُخسر الكلمة. وحين يُساوي بين القاتل والمقتول، يُخسر المعنى. وحين يُحاور دون مساءلة، يُخسر الموقف.