تتسارع على الأرض خطوات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تكريس واقع جديد في الضفة الغربية، واقع يقطع الطريق أمام أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي ذات الوقت يتحدث العالم عن حلول سياسية عادلة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

 ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية، من بينها تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ"أملاك دولة"، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة والعديد من الدول "تصعيدًا خطيرًا" يقوّض فرص حل الدولتين ويشرعن التوسع الاستيطاني.

تشير التقارير إلى أن هذه القرارات لا تقتصر على مناطق الاستيطان فحسب، بل تمتد إلى مناطق مصنفة (أ) و(ب)، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين تحت إدارة السلطة الوطنية، مما يعني عمليًا إعادة صياغة الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية لصالح السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 700 ألف مستوطن يعيشون اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، في حين تتعرض آلاف العائلات الفلسطينية لتهديدات الإخلاء القسري، كما حدث مؤخرًا في حي سلوان بالقدس.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي مؤشرات على مسار سياسي وأمني يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا: ضم فعلي للأرض، وتفتيت للجغرافيا الفلسطينية، وإغلاق الباب أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إدارة نزاع، بل هو إعادة رسم للخريطة على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

السياق التاريخي والسياسي

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، كان يُفترض أن تشكّل الضفة الغربية النواة الجغرافية والسياسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، عبر تقسيمها إلى مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومناطق (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة. غير أن الواقع على الأرض سار في اتجاه معاكس تمامًا، حيث تحولت المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الاستيطاني.

شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة "الملاذ الآمن" و"نموذج الرفاه الاجتماعي"، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.
في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب "سفاريا ديموكراتنا"، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين "المواطن الأصلي" و"الوافد الجديد".
أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين "الغيتوهات"، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين "كتلة منفصلة" ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.
النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.

لا يمكن فهم أزمة اندماج اللاجئين في أوروبا بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فموجات اللجوء الكبرى لم تنشأ في فراغ، وجاءت في معظمها نتيجة مباشرة لحروب ودمار ممنهج طال مجتمعات بأسرها. ولا يزال هذا الدمار مستمراً حتى اليوم: ففي غزة وحدها تجاوز عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تهجّر نحو مليوني شخص. وفي السودان واليمن وسوريا لا تزال الحروب تنتج موجات نزوح متواصلة. وفي فبراير 2026 نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الديكتاتوري الرجعي، فإن هذا العدوان العسكري المباشر على دولة ذات سيادة يرسخ منطق الحرب والعسكرتارية بديلاً عن القانون الدولي، وينتج مزيداً من الضحايا المدنيين والنازحين. هذه الحروب والصراعات تُشعلها أو تدعمها في معظم الأحيان تحالفات رأس المال والقوى اليمينية في الغرب وحلفاؤها الإقليميون. ومن المفارقة المؤلمة أن هذه القوى ذاتها التي أسهمت في تدمير مجتمعات بأسرها هي اليوم في طليعة من يرفعون راية معاداة المهاجرين ويصوّرونهم عبئاً لا ضحايا حروب أشعلوها.

تتصدر قضية الاندماج المشهد السياسي في الدول الاسكندنافية وبعض دول شمال أوروبا منذ عقود، وتتجدد حدتها مع كل موسم انتخابي. وعلى الرغم من تباين السياقات الوطنية، تتقاطع هذه الدول في مواجهة إشكاليات متشابهة: صعود الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وانزياح أحزاب الوسط اليساري نحو مواقف أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وغياب تفسير بنيوي جاد لأسباب تعثر الاندماج لدى أقلية من الوافدين. وتبرز الدنمارك في هذا السياق بوصفها النموذج الأكثر تشدداً حالياً، إذ أقرت خلال السنوات الأخيرة جملةً من أشد قوانين الهجرة والاندماج صرامةً في العالم الغربي. تتخذ هذه القراءة من الدنمارك نموذجاً تحليلياً لا لأنها استثناء، إذ تجسد هذه التناقضات بوضوح لافت، ولأنني أقيم فيها وأتابع مجرياتها عن قرب، مما يتيح لي رصد هذه الإشكاليات من الداخل. والحالة في جوهرها عامة وقابلة للتطبيق على سياقات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات أنظمة رفاه متقدمة.

ملاحظة للقارئ: المشهد الحزبي الدنماركي

ينقسم المشهد السياسي الدنماركي إلى كتلتين رئيسيتين. الكتلة الزرقاء اليمينية وتضم حزب فينسترا Venstre - Liberal Party (الليبرالي التاريخي)، وحزب الشعب الدنماركي Dansk Folkeparti - Danish People's Party (القومي الشعبوي) الذي أرسى منذ مطلع الألفية خطاباً مناهضاً للهجرة أصبح مرجعاً للتنافس السياسي في البلاد ودفع المشهد السياسي كله نحو اليمين في هذه المسألة، إضافة إلى الليبرالية الجديدة Liberal Alliance والمحافظين Det Konservative Folkeparti - Conservative People's Party.

إن التحولات الجيوسياسية الحالية لا يجب أن نفهمها بوصفها مجرد تنافس بين الدول الرأسمالية، بل بوصفها تعبيراً عن تحولات في بنية التراكم الرأسمالي نفسه. فالدولة المهيمنة ليست سوى الشكل السياسي الأعلى لمركز التراكم العالمي. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الانتقال من عصر الهيمنة الأمريكية إلى صعود الصين هو في جوهره حديث عن انتقال مركز إنتاج القيمة وفائض القيمة على الصعيد العالمي. على اعتبار أن التراكم بوصفه قانون الرأسمالية يتم حسب التحليل الماركسي على أساس استخراج فائض القيمة من العمل وإعادة استثماره لتوسيع الإنتاج، وكذلك التوسع الجغرافي بحثاً عن يد عاملة أرخص ومواد أولية، إضافة إلى أسواق جديدة. من هنا يظهر ما يمكن تسميته بالجغرافيا المتحركة لرأس المال الذي بطبعه لا يعرف الاستقرار، بل ينتقل حيث توجد شروط التراكم الأفضل.
تاريخيا انتقل مركز التراكم من بريطانيا الذي عرفه خلال القرن 19م إلى أمريكا في القرن 20م، وهذا يجب أن يُأْخَذ في الحسبان لفهم صعود الصين في القرن 21م حاليا، ومن بين أسباب ذاك الانتقال:
1 ــ ارتفاع كلفة الإنتاج في بريطانيا.
2 ــ صعود الصناعة الأمريكية الثقيلة.
3 ــ الحربان العالميتان اللتين أنهكتا أوروبا.
4 ــ حلول الدولار محل الجنيه.
إن هذه السابقة التاريخية تقدم نموذجاً نظرياً لفهم انتقال المركز اليوم، فما هي ملامح أزمة التراكم في المركز الأمريكي الآن والتي تنذر بهذا الانتقال؟
إن أهم مؤشر على بداية تآكل الهيمنة الأمريكية ناتج عن الأزمة البنيوية في التراكم نفسه، وذلك عبر انتقال الصناعة إلى الأطراف فمنذ سبعينيات القرن الماضي قامت العديد من الشركات الأمريكية بنقل الإنتاج إلى الصين وجنوب شرق آسيا ثم المكسيك، بغرض تخفيض كلفة الإنتاج، لكن النتيجة البنيوية هي انتقال إنتاج فائض القيمة مادياً خارج المركز، زد على ذلك صعود الرأسمال المالي لَمَّا تحولت أمريكا من رأسمالية الإنتاج إلى رأسمالية مالية، وهو ما تمثله بورصة وول ستريت باعتبارها مركز الربح والاحتكار وبه حلت المضاربة محل الصناعة وتصدير رأس المال عوض البضاعة، إضافة إلى تضخم الديون التي تخطت 38.5 تريليون دولار خلال سنة 2025م. الشيء الذي سبق للينين التحذير منه بقوله: "حين تهيمن المالية يدخل الرأسمال طور الإمبريالية المتأزمة"

منذ أكثر من سبعة عقود، والعالم يشهد مأساةً لا تنتهي، مأساة شعبٍ كُتب عليه أن يكون آخر ضحية للاستعمار في التاريخ الحديث. الشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف يومًا طعم الاستقرار، يعيش تحت وطأة استعمار استيطاني دموي، يقتلع الأرض، ويهدم البيوت، ويقتل الأطفال، ويحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.
إنها ليست مجرد قضية سياسية عالقة، بل هي جرح مفتوح في جسد الإنسانية، يذكّرنا كل يوم بأن العدالة الدولية ليست سوى شعارات فارغة حين يتعلق الأمر بفلسطين. شعبٌ قدّم من التضحيات ما لم يقدمه أي شعب آخر: ملايين المهجرين، آلاف الشهداء، أجيال وُلدت في المخيمات وكبرت تحت القصف، ومع ذلك ظلّ متمسكًا بحقّه، رافضًا أن يرفع الراية البيضاء أو يساوم على وجوده.
وفي المقابل، يقف العالم العربي والإسلامي، ومعه العالم المتمدن، موقف العاجز أو المتفرج، وكأن فلسطين ليست اختبارًا للضمير الإنساني، بل مجرد ملف سياسي يُدار في أروقة المؤتمرات. إن الصمت أمام هذه المأساة ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، وتواطؤ مع المستعمر الذي يواصل جرائمه بلا رادع.
فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل هي رمز للكرامة البشرية المهدورة، وللحق الذي يُذبح كل يوم أمام أعين العالم. إنها قضية الإنسانية جمعاء، قضية الحرية والعدالة، قضية آخر شعب ما زال يقاوم الاستعمار في زمنٍ ادّعى أنه تجاوز عصور الاحتلال.

المحور الأول: المدخل التاريخي
حين نتأمل مسار القضية الفلسطينية، ندرك أننا أمام أطول مأساة استعمارية في التاريخ الحديث. فالقصة لم تبدأ مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، بل جذورها أعمق بكثير، تعود إلى لحظة صدور وعد بلفور عام 1917، حين منحت بريطانيا – القوة الاستعمارية العظمى آنذاك – أرضًا لا تملكها لشعب لا يعيش فيها، متجاهلةً وجود شعبٍ أصيل متجذر في أرضه منذ آلاف السنين.
منذ ذلك التاريخ، تحولت فلسطين إلى ساحة مفتوحة للتجارب الاستعمارية: الانتداب البريطاني الذي سهّل الهجرة اليهودية المنظمة، وأسس البنية التحتية لقيام كيان استيطاني، ثم النكبة عام 1948 التي مثّلت أكبر عملية تطهير عرقي في القرن العشرين، حيث هُجّر أكثر من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، وتحولت حياتهم إلى مخيمات لجوء ممتدة عبر المنطقة.
لم يكن الفلسطينيون ضحية حرب عابرة، بل ضحية مشروع استيطاني إحلالي هدفه اقتلاع السكان الأصليين وإحلال مستوطنين مكانهم. هذا النموذج الاستعماري – الذي عرفه العالم في جنوب إفريقيا والجزائر – انتهى هناك، لكنه استمر في فلسطين، ليجعلها آخر أرض مستعمرة في العالم الحديث.
إن المدخل التاريخي للقضية يوضح أن الفلسطينيين لم يواجهوا مجرد نزاع سياسي، بل واجهوا منظومة استعمارية متكاملة: قوة عسكرية مدعومة من الغرب، منظومة قانونية تشرعن الاحتلال، ودعم دولي يضمن استمرار الاستيطان. ومع ذلك، ظل الشعب الفلسطيني متمسكًا بأرضه وهويته، رافضًا أن يُمحى من التاريخ، ليصبح وجوده ذاته فعل مقاومة يومي.

مدخل
يعالج هذا المقال التحول العميق الذي طرأ على مفهوم “السلام” داخل الاستراتيجيات الإمبريالية المعاصرة، حيث لم يعد السلام نقيضًا للحرب، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية في سياق أزمة النيوليبرالية العالمية1.
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن السلام أصبح آلية وظيفية لتسهيل تمدد رأس المال، وتفكيك السيادة الوطنية، واحتواء الصراع الاجتماعي، عبر صفقات اقتصادية وأمنية تُدار خارج الأطر الدبلوماسية والمؤسساتية التقليدية 2.
يعتمد المقال منهجًا تحليليًا مقارنًا لدراسة ثلاثة مسارات إمبريالية مختلفة: الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية، مبرزًا نقاط الاختلاف والتقاطع بينها في استخدام “السلام” كأداة للهيمنة 3. ويخلص إلى أن ما نشهده اليوم ليس تجاوزًا للنيوليبرالية، بل إعادة تشكيل أكثر تعقيدًا لها، تتخذ من السلام، بدل الحرب المباشرة، وسيلة لإدارة التراجع الإمبريالي في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية 4.

تقديم

لم يعد “السلام” في النظام الدولي المعاصر قيمة أخلاقية أو غاية سياسية مستقلة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة استراتيجية ضمن منظومات الهيمنة الإمبريالية 5. فبدل أن يُنهي الصراع، بات يؤطره، وبدل أن يعالج جذوره الاجتماعية والسياسية، أصبح يفتح المجال أمام صفقات تجارية وأمنية واستثمارية تعيد إنتاج علاقات التبعية 6.

يندرج هذا التحول في سياق أزمة بنيوية تعيشها النيوليبرالية، حيث فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية، فلجأت إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل السلام، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بما يخدم متطلبات التراكم الرأسمالي في مرحلته المعولمة والرقمية 7.

ينطلق هذا المقال من تساؤل مركزي:

كيف أصبح السلام أداة إمبريالية لإدارة الأزمات، وما الذي يميز استخدامه في النماذج الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية؟

الإطار النظري والمنهجي

يعتمد المقال على نقد النيوليبرالية كما بلوره ديفيد هارفي وكارل بولاني، وعلى تحليل الإمبريالية بوصفها مرحلة احتكارية من تطور الرأسمالية وفق لينين 8، إضافة إلى مفهوم الهيمنة الثقافية والسياسية عند غرامشي 9، ونظريات الرأسمالية الرقمية واستخراج القيمة من البيانات كما طورتها شوشانا زوبوف وكريستيان فوش 10، مع اعتماد منهج تحليلي–مقارن وبنيوي للترابط بين الاقتصاد السياسي، السيادة، والسلام

 النيوليبرالية والسلام كآلية للهيمنة

لم يعد السلام إطارًا سياسيًا لتنظيم العلاقات الدولية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، عبر تفكيك العقد الاجتماعي، وتحييد الصراع الطبقي، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى مسلمات تقنية غير قابلة للنقاش السياسي 11، هذا التحول هو امتداد مباشر للمشروع النيوليبرالي الذي حوّل السوق من آلية تنظيم إلى عقيدة، وأفرغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها الاجتماعي 12.

المقدمة
يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

في عالمٍ يتسم بتشابك المصالح وتداخل الجغرافيا بالسياسة، تظل تصريحات القوى الكبرى مرآةً تكشف عن طبيعة النظام الدولي وموازين القوة فيه. حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبة بلاده في «شراء» جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، لم يكن الأمر مجرد نزوة سياسية أو تصريح عابر، بل مثّل تجسيدًا صارخًا لسياسة الهيمنة التي تتعامل مع الأراضي والشعوب كما لو كانت سلعة معروضة في سوق المصالح الاستراتيجية. هذا الطرح الذي بُرِّر تحت ذريعة «الأمن القومي الأمريكي» يعكس عقلية إمبراطورية ترى في التوسع الجغرافي أداةً لتعزيز النفوذ العسكري والاقتصادي، متجاهلةً الاعتبارات السيادية والقانونية، بل وحتى البعد الأخلاقي للعلاقات الدولية.

لقد أثار هذا التصريح موجة واسعة من الانتقادات داخل أوروبا وخارجها، حيث اعتُبر مثالًا حيًا على ما يمكن وصفه بـ«السياسة البلطجية» التي لا تتورع عن تحويل الجغرافيا إلى ورقة مساومة، وتعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية حين كانت القوى العظمى تتقاسم العالم وفق منطق القوة لا وفق مبادئ العدالة أو احترام الشعوب. إن محاولة تبرير الاستيلاء على غرينلاند بحجة الأمن القومي تكشف عن تناقض جوهري في الخطاب السياسي الأمريكي: فهي من جهة تدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية، ومن جهة أخرى تسعى إلى فرض إرادتها على أراضٍ لا تملكها، متجاهلةً إرادة سكانها الأصليين والدولة التي تتبع لها.

وفي تطور حديث يزيد المشهد تعقيدًا، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكد أمس على «أهمية» حصول الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، معتبرًا ذلك ضرورة استراتيجية للأمن القومي. هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، إذ ردّت رئيسة الوزراء الدنماركية بلهجة حازمة، مؤكدة أن أي خطوة عدائية أمريكية في الجزيرة ستعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي، وهو ما يعكس خطورة الموقف على تماسك التحالف الغربي برمته. ولم يكتفِ ترامب بهذا التصعيد، بل سخر من الحكومة الدنماركية حين قال إنهم عززوا أمن الجزيرة بإضافة «زلاجة تجرها الكلاب»، في تعبير ساخر يختزل التوتر بين واشنطن وكوبنهاغن ويكشف عن أسلوب استفزازي يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. هذه التصريحات المتبادلة تضع العلاقات الأمريكية-الأوروبية أمام اختبار غير مسبوق، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات الدولية في ظل عودة منطق القوة والتهكم إلى واجهة الخطاب السياسي.